تفسير السمعانيصفحات 350-362
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَاتِحَة

صفحات 350-362
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا﴾ أَي: لَا تدفع أَمْوَالهم بالفدية، وَلَا أَوْلَادهم بالنصرة من عَذَاب الله؛ وَذَلِكَ أَن الْإِنْسَان يدْفع عَن نَفسه بِفِدَاء المَال، وَتارَة بالاستعانة بالأولاد ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .

(قَوْله) : ﴿مثل مَا يُنْفقُونَ فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمثل ريح فِيهَا صر﴾ الصر فِي الرّيح: الْبرد، وَقَول الشَّاعِر: (أوقد فَإِن اللَّيْل ليل قر ... وَالرِّيح يَا وَاقد ريح صر) (عَسى [مَا] نرى نَارا لمن يمر ... إِن جلبت ضيفا فَأَنت حر) ﴿أَصَابَت حرث قوم ظلمُوا أنفسهم فأهلكته﴾ شبه إنفاقهم بزرع اجتاحته جَائِحَة أَو أَصَابَته ريح بَارِدَة فأهلكته.
وَاخْتلفُوا فِي تِلْكَ النَّفَقَة: قَالَ بَعضهم: أَرَادَ بِهِ: إِنْفَاق أبي سُفْيَان يَوْم بدر وَأحد على الْمُشْركين فِي قتال الْمُسلمين، وَقيل أَرَادَ بِهِ: إِنْفَاق الْمَرْء الَّذِي ينْفق مَاله رِيَاء

﴿أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (116) مثل مَا يُنْفقُونَ فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمثل ريح فِيهَا صر أَصَابَت حرث قوم ظلمُوا أنفسهم فأهلكته وَمَا ظلمهم الله وَلَكِن أنفسهم يظْلمُونَ (117) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يأولونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الْآيَات إِن كُنْتُم تعقلون (118) هَا أَنْتُم أولاء تحبونهم وَلَا يحبونكم وتؤمنون بِالْكتاب﴾ وَسُمْعَة، لَا يَبْتَغِي وَجه الله ﴿وَمَا ظلمهم الله وَلَكِن أنفسهم يظْلمُونَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم﴾ أَي: خَواص من غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل: خاصته، وَالَّذين يستنبطون أمره، وَمِنْه: البطانة فِي الثَّوْب؛ لِأَنَّهُ يَلِي الْبَطن وَالْبَاطِن، وَهَذَا فِي النَّهْي عَن مُوالَاة الْكفَّار ﴿لَا يأولونكم خبالا﴾ أَي: يقصرون فِي (أَمركُم) ، فيفسدون عَلَيْكُم أَمركُم، والخبال: الْفساد ﴿ودوا مَا عنتم﴾ أَي: يودون مَا يشق عَلَيْكُم، والعنت: الْمَشَقَّة، وَمِنْه الأكمه العنوت وَهِي الشاقة الصعُود، قَالَ السّديّ: أَرَادَ بِهِ: أَنهم يودون ردكم إِلَى الْكفْر والضلالة.
﴿قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم﴾ يَعْنِي: الوقيعة بِاللِّسَانِ، ﴿وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر﴾ (يَعْنِي: الَّذِي: فِي صُدُورهمْ) من الغيظ أعظم من الوقيعة بِاللِّسَانِ ﴿قد بَينا لكم الْآيَات إِن كُنْتُم تعقلون﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُم أولاء﴾ يَعْنِي: أَنْتُم يَا هَؤُلَاءِ، ﴿تحبونهم﴾ أَي: تحبون إِيمَانهم، ﴿وَلَا يحبونكم وتؤمنون بِالْكتاب كُله وَإِذا لقوكم قَالُوا آمنا﴾ يَعْنِي: بِاللِّسَانِ.
﴿وَإِذا خلوا عضوا عَلَيْكُم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم﴾ وَهُوَ عبارَة عَن شدَّة الغيظ ﴿إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تمسسكم حَسَنَة﴾ أبي: خصب ونصرة (تسؤهم) ﴿وَإِن تصبكم سَيِّئَة﴾ أَي: قحط وبلاء ﴿يفرحوا بهَا وَإِن تصبروا وتتقوا﴾ يَعْنِي: على

﴿كُله وَإِذا لقوكم قَالُوا آمنا وَإِذا خلوا عضوا عَلَيْكُم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور (119) إِن تمسسكم حَسَنَة تسؤهم وَإِن تصبكم سَيِّئَة يفرحوا بهَا وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا أَن الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط (120) وَإِذ غَدَوْت من أهلك تبوئ الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ وَالله سميع عليم (121) إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا وَالله وليهما وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَد نصركم الله ببدر وَأَنْتُم أَذِلَّة فَاتَّقُوا الله﴾ الشدَّة وَالْبَلَاء ﴿لَا يضركم كيدهم شَيْئا﴾ وَيقْرَأ " لَا يضركم " بِكَسْر الضَّاد مخففا، وَالْمعْنَى وَاحِد ﴿إِن الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ غَدَوْت من أهلك﴾ يَعْنِي: وَاذْكُر إِذْ غَدَوْت، وَمَعْنَاهُ: خرجت غدْوَة من اهلك) ، أَي: من بَيت عَائِشَة ﴿تبوئ الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: تنزل الْمُؤمنِينَ ﴿مقاعد لِلْقِتَالِ﴾ يَعْنِي: تنزلهم فِي مَوَاضِع الْقِتَال ومراكزه، يُقَال: بوأ فلَانا مَكَان كَذَا، إِذا أنزلهُ فِيهِ، قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ النَّبِي يُسمى لكل وَاحِد من الْمُسلمين مَكَانا من [الْقِتَال] ، ويقيمه ". وَهَذَا كَانَ فِي حَرْب أحد، وَهَذِه الْآيَة إِلَى قريب من آخر السُّورَة فِي حَرْب أحد ﴿وَالله سميع عليم﴾ أَي: سميع بِمَا قَالَه المُنَافِقُونَ، عليم بِمَا أضمروا؛ فَيكون على وَجه التهديد، وَقيل: مَعْنَاهُ: ﴿وَالله سميع﴾ بِمَا قَالَ الْمُؤْمِنُونَ، عَلَيْهِم بِمَا أضمروا؛ فَيكون على وَجه الْمَدْح.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا﴾ يَعْنِي: أَرَادَت، وقصدت، والهم: الْقَصْد، وَأما الطائفتان، فقد صَحَّ عَن جَابر أَنه قَالَ: أَرَادَ بِهِ: بني سَلمَة، وَبني حَارِثَة.
والقصة فِي ذَلِك: مَا روى " أَن رَسُول الله شاور أَصْحَابه فِي الْخُرُوج إِلَى حَرْب أحد، فَأَشَارَ بَعضهم بِالْخرُوجِ، وَبَعْضهمْ بالمكث بِالْمَدِينَةِ، فَاخْتَارَ الْخُرُوج، وَكَانَ جَيش الْمُسلمين ألفا، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول بِثلث الْجَيْش فهمت هَاتَانِ

﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون (123) إِذْ تَقول للْمُؤْمِنين ألن يكفيكم أَن يمدكم ربكُم بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة منزلين (124) بلَى إِن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة﴾ الطائفتان بَنو سَلمَة وَبَنُو حَارِثَة أَن يرجِعوا مَعَهم، فثبتهما الله تَعَالَى على الْمُضِيّ مَعَه، فَلم يرجِعوا "، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا﴾ أَي: أَن تضعفا: وتجبنا ﴿وَالله وليهما﴾ أَي: ناصرهما ومثبتهما على الْحَرْب.
قَالَ جَابر: مَا وَدِدْنَا أَن تَفْشَلَا، وَقَالَ الله: ﴿وَالله وليهما وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد نصركم الله ببدر﴾ يذكر عَلَيْهِم منته بالنصرة يَوْم بدر، وَهُوَ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وسمى بَدْرًا باسم الْموضع، وَقيل: سمى بَدْرًا بإسم رجل، وَقيل بإسم بِئْر ﴿وَأَنْتُم ذلة﴾ أَي: قَلِيل الْعدَد؛ لأَنهم كَانُوا يَوْم بدر ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر نَفرا، قَالَ عَليّ: وَلم يكن فِينَا فَارس إِلَى الْمِقْدَاد، وَكَانَ مِنْهُم سَبْعَة وَسَبْعُونَ من الْمُهَاجِرين وَالْبَاقُونَ من الْأَنْصَار، وَكَانَ صَاحب راية الْمُهَاجِرين أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ -، وَصَاحب راية الْأَنْصَار قيس بن سعد بن عبَادَة.
وَكَانَ لَهُم يَوْمئِذٍ قَلِيل سلَاح، فَمن الله عَلَيْهِم بالنصرة لَهُم؛ مَعَ قلَّة عَددهمْ وعدتهم، ﴿فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ تَقول للْمُؤْمِنين ألن يكفيكم﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ: فِي يَوْم بدر، وَقيل: فِي يَوْم أحد، قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا قَاتَلت الْمَلَائِكَة فِي المعركة إِلَّا يَوْم بدر.
أَي: يكفيكم ﴿أَن يمدكم ربكُم﴾ الْإِمْدَاد: هُوَ إِعَانَة الْجَيْش بالجيش، وَمِنْه: المدد ﴿بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة منزلين﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿بلَى إِن تصبروا﴾ يَعْنِي: بلَى وَعدكُم إِن تصبروا على لِقَاء الْعَدو، ﴿وتتقوا﴾ أَي: وتحذروا مُخَالفَة الرَّسُول ﴿ويأتوكم من فورهم هَذَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَأكْثر الْمُفَسّرين: مَعْنَاهُ: ويأتوكم من وُجُوههم هَذَا، وَقيل مَعْنَاهُ: من غضبهم هَذَا؛ لأَنهم إِنَّمَا رجعُوا للحرب يَوْم أحد من غضبهم ليَوْم بدر.

﴿آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين (125) وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى لكم ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم (126) ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا أَو يكبتهم فينقلبوا﴾ ﴿يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف﴾ لم يرد بِهِ خَمْسَة آلَاف سوى مَا ذكر من ثَلَاثَة آلَاف؛ لأَنهم أَجمعُوا على أَن عدد الْمَلَائِكَة يَوْمئِذٍ خَمْسَة آلَاف، وَهَذَا نَظِير قَوْله تَعَالَى: ﴿بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ ، ثمَّ قَالَ بعده: ﴿وَجعل فِيهَا رواسي من فَوْقهَا وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها فِي أَرْبَعَة أَيَّام﴾ وَلم يرد بِهِ أَرْبَعَة أَيَّام سوى ذَلِك الْيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بعده: ﴿فقضاهن سبع سموات فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَأَجْمعُوا على أَن خلق الْكل كَانَ فِي سِتَّة أَيَّام لَا فِي ثَمَانِيَة أَيَّام، بل أَرَادَ بِهِ أَرْبَعَة أَيَّام مَعَ ذَلِك الْيَوْمَيْنِ كَذَا هَذَا.
﴿من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ يقْرَأ بِفَتْح الْوَاو، وَالْمرَاد بِهِ المعلمين، وَيقْرَأ بِكَسْر الْوَاو فَيكون فعل التسويم: من الْمَلَائِكَة، والتسويم الْإِعْلَام بالعلامة، وَهُوَ من السومة، وَالسَّمَاء: وَهُوَ الْعَلامَة، وَاخْتلفُوا فِي عَلامَة الْمَلَائِكَة يَوْمئِذٍ كَيفَ كَانَت؟ قَالَ عُرْوَة بن الزبير: كَانَت الْمَلَائِكَة على خيل يلق عَلَيْهِم عمائم صفر.
وَقَالَ الْحسن: كَانَت عمائم بيض مُرْسلَة خلف الظُّهُور.
وَقَالَ مُجَاهِد: كَانُوا قد أعلمُوا من الصُّوف على أَذْنَاب الْخَيل ونواصيها؛ وَذَلِكَ سنة فِي خلق الشجعان، وَقد قَالَ: " سوموا فَإِن الْمَلَائِكَة قد سومت ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى لكم﴾ أَي: بِشَارَة لكم ﴿ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ " أَي: بوعده النُّصْرَة {وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ يَعْنِي: (لَا) تختلوا بالنصرة عَن الْمَلَائِكَة والجند، واعرفوا [أَن] النَّصْر من عِنْد الله.

﴿خائبين (127) لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ (128) وَللَّه﴾

﴿ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا﴾ أَي: قِطْعَة مِنْهُم، وَمِنْه أَطْرَاف الْإِنْسَان؛ لِأَنَّهَا قطع النَّفس، ثمَّ من حمل الْآيَة على حَرْب بدر، فقد كَانَ ذَلِك الْقطع مِنْهُم يَوْم بدر؛ فَإِنَّهُ قتل مِنْهُم سَبْعُونَ وَأسر سَبْعُونَ؛ أَكْثَرهم رؤساؤهم، وَمن حمل الْآيَة على حَرْب أحد، فقد قتل مِنْهُم سِتَّة عشر فيهم أَصْحَاب الرَّايَات، فَكَانَت النُّصْرَة للْمُسلمين مالم يخالفوا أَمر رَسُول الله، فَلَمَّا خالفوا أمره ذهبت النُّصْرَة عَنْهُم.
قَوْله: ﴿أَو يكبتهم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: يُهْلِكهُمْ، وَقيل مَعْنَاهُ: يخزيهم، وَهُوَ أصح، وَقيل مَعْنَاهُ: أَو يصرعنهم، والكب والكبت: الصرع على الْوَجْه، وَفِيه قَول رَابِع: يكبتهم بِمَعْنى: يكبدهم، وَذَلِكَ أَن يحزنهم حَتَّى وصل الْحزن إِلَى أكبادهم؛ وَالْعرب تسمي الحزين: أسود الكبد من تَأْثِير الْحزن فِيهِ [وَمِنْه] قَول الشَّاعِر: (الْأَعْدَاء والأكباد سود ... ) ﴿فينقلبوا خائبين﴾ أَي: لَا يدركون مَا أملوا، يُقَال: رَجَعَ فلَان من الْغَيْبَة بالخيبة، إِذا لم يدْرك أمله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ روى الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه عبد الله بن عمر: " ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ فَترك اللَّعْن فِي الْقُنُوت "، وروى أنس " أَنه شج رَأسه يَوْم أحد، وَكسرت رباعيته، وأدمي وَجهه، وَكَانَ يَأْخُذ الدَّم بكفه وَيَقُول: كَيفَ يفلح قوم خضبوا وَجه نَبِيّهم؟ ! فَنزل قَوْله: {لَيْسَ لَك من الْأَمر

﴿مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَالله غَفُور رَحِيم (129) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافا مضاعفة وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون (130) وَاتَّقوا النَّار﴾ شَيْء) وَقيل: أَرَادَ رَسُول الله أَن يدعوا عَلَيْهِم بِدُعَاء الاستئصال؛ فَنزل قَوْله: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ وَذَلِكَ أَنه تَعَالَى علم أَن فيهم من يسلم [أَو يَتُوب] ﴿أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم﴾ إِنَّمَا نَصبه على نصب قَوْله: ﴿ليقطع طرفا﴾ وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء؛ فَإِن تبت عَلَيْهِم، أَو عذبتهم، فأمرك متابع لأمري، أَي: إِن تبت عَلَيْهِم، فبرحمتي، وَإِن عذبتهم، فبظلمهم.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَي اتِّصَال لقَوْله: ﴿أَو يَتُوب عَلَيْهِم﴾ بقوله ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ ؟ قيل: مَعْنَاهُ: لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء، حَتَّى يَتُوب عَلَيْهِم، أَو إِلَى أَن يَتُوب عَلَيْهِم، وَمثله قَول امْرِئ الْقَيْس: (فَقلت لَهَا لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا ... نحاول ملكا أَو نموت فنعذرا) أَي: حَتَّى نموت، فنعذرا، وَيحْتَمل أَنه على نسق قَوْله: ليقطع طرفا من الَّذين كفرُوا أَو يكبتهم أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء.
وَالْأَمر أَمْرِي فِي ذَلِك كُله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَالله غَفُور رَحِيم﴾ .

يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أضعافا مضاعفة) قد ذكر الرِّبَا فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَأعَاد ذكره هَا هُنَا تَأْكِيدًا، والأضعاف المضاعفة: هُوَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ من تبعيد الْأَجَل بِزِيَادَة الدّين.
﴿وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ أَي: كونُوا على رَجَاء الْفَلاح، يَعْنِي: من ترك الرِّبَا

﴿الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ (131) وَأَطيعُوا الله وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون (132) وسارعوا إِلَى﴾ وَفِيه الْفَلاح، وَفِي عَطاء الرِّبَا الْهَلَاك.
وَعَن ابْن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ -: " مَا هلك قوم إِلَّا وَقد فَشَا فيهم الرِّبَا وَالزِّنَا "، [و] عَنهُ أَيْضا: " [كثير] الرِّبَا إِلَى قلَّة ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ﴾ وَهِي معدة للْكَافِرِينَ؛ فَإِنَّهَا دَار الخلود لَهُم

﴿وَأَطيعُوا الله وَالرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ أَي: كونُوا على رَجَاء الرَّحْمَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وسارعوا إِلَى الْمَغْفِرَة﴾ أَي: بَادرُوا إِلَى مغْفرَة ﴿من ربكُم﴾ ، قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: بَادرُوا إِلَى التَّوْبَة الَّتِي هِيَ سَبَب الْمَغْفِرَة.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ: سُؤال الْمَغْفِرَة.
وَفِيه قَول غَرِيب أَنه التَّكْبِيرَة الأولى.
﴿وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: سعتها كسعة السَّمَوَات وَالْأَرْض.
[وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي: سُئِلَ إِذا كَانَت الْجنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض] فَأَيْنَ النَّار؟ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام -: فَإِذا جَاءَ اللَّيْل، فَأَيْنَ يذهب النَّهَار؟ [وَإِذا] جَاءَ النَّهَار فَأَيْنَ يذهب اللَّيْل؟ " وَمَعْنَاهُ - وَالله أعلم - أَنه حَيْثُ يَشَاء الله.
فَإِن قيل: قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون﴾ ، وَأَرَادَ بِالَّذِي وعدنا الْجنَّة، فَإِذا كَانَت فِي السَّمَاء، فَكيف يكون عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ قيل: إِن بَاب الْجنَّة فِي السَّمَاء وعرضها السَّمَوَات وَالْأَرْض كَمَا أخبر.

﴿مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين (133) الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله﴾ وَقيل: أَرَادَ بِهِ فِي الْقِيَامَة، فَإِن الله يزِيد فِيهَا، فَيصير عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض إِذا (وصلت السَّمَوَات وَالْأَرْض) بَعْضهَا بِبَعْض، وَأما طولهَا [فَلَا يُعلمهُ] إِلَّا الله.

﴿أعدت لِلْمُتقين الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء﴾ أَي: فِي (الْيُسْر والعسر) ﴿والكاظمين الغيظ﴾ كظم الغيظ: هُوَ أَن يمتلئ غيظا؛ فَيمْنَع نُفُوذه، من قَوْلهم: كظم الْبَعِير بجرته إِذا ردهَا إِلَى جَوْفه، وَفِي الْخَبَر: " من امْتَلَأَ غيظا، وكظمه خَيره الله فِي الْحور الْعين ". ﴿وَالْعَافِينَ عَن النَّاس﴾ قيل: عَن المماليك سوء الْأَدَب، وَقيل: على الْعُمُوم عَن كَافَّة النَّاس، ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم﴾ مَا دون الزِّنَا من الْقبْلَة، والمعانقة، واللمس، وَالضَّم، وَنَحْوه ﴿ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾ سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى: أَن رجلا بِالْمَدِينَةِ - يُقَال لَهُ: نَبهَان - كَانَ تمارا فَجَاءَتْهُ امْرَأَة تشتري مِنْهُ التَّمْر، فأعجبه جمَالهَا فقبلها، فَذكر الله، وَنَدم واستغفر؛ فَنزلت الْآيَة.
﴿وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله﴾ أَي: ذكرُوا وَعِيد الله ﴿فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا﴾ الْإِصْرَار هُوَ الْمقَام على الْمعْصِيَة من غير تَوْبَة، فَقَوله: ﴿وَلم يصروا﴾ أَي: وَلم يقيموا، وَلم يمضوا ﴿على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ أَن الله لَا يتعاظمه الْعَفو عَن الذَّنب، وَإِن أَكثر

﴿وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ (135) أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات﴾ الذَّنب، وَقد روى عَن معبد بن صَبِيحَة أَنه قَالَ: صليت خلف عُثْمَان، فَلَمَّا أنصرف من صلَاته قَالَ: إِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلم يصروا على مَا فعلوا﴾ وَأَنا قد صليت من غير طَهَارَة نَاسِيا، وَهَا أَنا أتوضأ، فَذهب (وَتَوَضَّأ) وَأعَاد الصَّلَاة.

﴿أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر الْعَالمين﴾ ذكر فِي هَذِه الْآيَة جَزَاء الذَّاكِرِينَ، والمستغفرين، وَقد ورد فِي الاسْتِغْفَار أَخْبَار: مِنْهَا مَا روى مَرْفُوعا: " مَا أصر من اسْتغْفر، وَإِن عَاد فِي الْيَوْم سبعين مرّة ". وروى أَسمَاء بن الحكم الفزازي عَن عَليّ أَنه قَالَ: إِذا سَمِعت من رَسُول الله حَدِيثا، يَنْفَعنِي الله بِهِ مَا شَاءَ، وَإِذا سَمِعت من غَيره (حلفته) عَلَيْهِ، فَإِذا حلف صدقته وحَدثني أَبُو بكر - وَهُوَ صَادِق -: أَن رَسُول الله قَالَ " مَا من عبد يُذنب ذَنبا، فيتوضأ، وَصلى رَكْعَتَيْنِ واستغفر (الله) إِلَّا غفر الله لَهُ ". وَاعْلَم أَن الاسْتِغْفَار تسهيل لِلْأَمْرِ على هَذِه الْأمة، فَإِن الَّذين قبلنَا كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم إِذا أذْنب ذَنبا يطهر على بَابه (أَن اقْطَعْ) من نَفسك عُضْو كَذَا، وَكَانَ لَا بُد لَهُ مِنْهُ، وَقد أخرج الله - تَعَالَى - هَذِه الْأمة عَن الذُّنُوب بالاستغفار؛ كَرَامَة لَهُم؛ وتيسيرا عَلَيْهِم.

﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر العاملين (136) قد خلت من قبلكُمْ سنَن فسيروا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين (137) هَذَا بَيَان للنَّاس وَهدى﴾ وَسُئِلَ ابْن المعتز: إِذا كَانَ الله - تَعَالَى - وَاسع الْمَغْفِرَة، وسعت رَحمته كل شَيْء فَمَا يمنعهُ أَن يرحم الْكَافِر؟ فَقَالَ: إِن رَحمته لَا تغلب حكمته.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قد خلت من قبلكُمْ سنَن﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " قد مَضَت "، وَهُوَ بِمَعْنى خلت.
السّنة: هِيَ الطَّرِيقَة المتبعة فِي الْخَيْر وَالشَّر.
وَقد قَالَ فِي الْمَجُوس: " سنوا بهم سنة أهل الْكتاب " وَكَانَت شرا لَهُم.
وَقَالَ الشَّاعِر: (وَإِن الآلى بالطف من آل هَاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا) قَالَ ابْن عَبَّاس: سنَن [الَّذين] من قبلكُمْ، وَهِي وقائع الله على الْكفَّار.
وَقَالَ غَيره: هِيَ الْأَعْلَام والْآثَار الَّتِي كَانَت.
وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنَّهَا طرائق الله فِي الْكفَّار، وبقتلهم، وَسَبْيهمْ وتخريب دِيَارهمْ، وَنَحْوه، قَالَ الزّجاج: ﴿قد خلت من قبلكُمْ سنَن﴾ أَي: أهل سنَن.
﴿فسيروا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا بَيَان للنَّاس وَهدى وموعظة لِلْمُتقين﴾ قَالَ الشّعبِيّ: بَيَان من الْعَمى، وَهدى من الضَّلَالَة، وموعظة من الْجَهْل؛ فالبيان: هُوَ إِظْهَار معنى الْكَلَام، وَالْمَوْعِظَة: هِيَ الدُّعَاء إِلَى الْحق بالترغيب والترهيب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تنهوا وَلَا تحزنوا﴾ أَي: وَلَا تضعفوا، وَلَا تجبنوا، وَلَا تحزنوا، ﴿وَأَنْتُم الأعلون﴾ أَي: تكون لكم الْعَاقِبَة والنصرة.
وَقيل: إِنَّمَا قَالَ ﴿وَأَنْتُم الأعلون﴾ ؛ لِأَن الْمُسلمين كَانُوا على الْجَبَل، وَالْمُشْرِكين فِي

﴿وموعظة لِلْمُتقين (138) وَلَا تهنوا وَلَا تحزنوا وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين (139) إِن يمسسكم قرح فقد مس الْقَوْم قرح مثله وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس وليعلم الله﴾ أَسْفَل الْجَبَل، وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ أَي: لَا تهنوا إِن كُنْتُم مُؤمنين؛ لِأَن الْإِيمَان يزِيد الْقُوَّة فَلَا يُورث الوهن.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن يمسسكم قرح﴾ تقْرَأ: بِفَتْح الْقَاف، وضمنها، وَقَالَ الْفراء: الْقرح - بِالْفَتْح -: الْجراحَة، والقرح: الْأَلَم، وَقَالَ الْكسَائي: هما عبارتان عَن معنى وَاحِد.
وَالْأَكْثَرُونَ على القَوْل الأول، وَقَوله: ﴿إِن يمسسكم قرح﴾ خطاب للْمُسلمين فِيمَا مسهم يَوْم أحد ﴿فقد مس الْقَوْم قرح مثله﴾ أَي: مس الْكفَّار يَوْم بدر (قرح) مثل مَا مسكم يَوْم أحد.
﴿وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس﴾ فَتَارَة تكوم الدولة للْمُسلمين على الْكفَّار، وَتارَة للْكفَّار على الْمُسلمين، قَالَ الزّجاج: الدولة تكون للْمُسلمين على الْكفَّار، وَقد كَانَت الدولة للْكفَّار على الْمُسلمين؛ لما خالفوا أَمر الرَّسُول، فَإِن لم يخالفوا أمره كَانَت الدولة للْمُسلمين أبدا؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن جندنا لَهُم الغالبون﴾ ؛ وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ . ﴿وليعلم الله الَّذين آمنُوا﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وليبلي الله الَّذين آمنُوا "، وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: ﴿وليعلم﴾ ، فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى قَوْله: ﴿وليعلم الله الَّذين آمنُوا﴾ ، وَهُوَ عَالم بهم أبدا؟ قيل: مَعْنَاهُ: وليعلم الصابرين على الْجِهَاد فِي مَوَاطِن الْجِهَاد ليعاملهم مُعَاملَة من يبتليهم؛ فيعلمهم، وَالْعلم بِالْجِهَادِ فِي مَوَاطِن الْجِهَاد إِنَّمَا يَقع بعد وُقُوع الْجِهَاد، وَقيل: الْعلم الأول: علم الْغَيْب، وَقَوله: ﴿وليعلم﴾ يَعْنِي: علم الْمُشَاهدَة، والوقوع والمجازة على علم الْوُقُوع لَا على علم الْغَيْب.
﴿ويتخذ مِنْكُم شُهَدَاء وَالله لَا يحب الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: أَنه مَا جعل الْيَد للْكفَّار يَوْم أحد لحبه إيَّاهُم؛ وَلَكِن ليبتليكم، ويجعلكم شُهَدَاء.

﴿الَّذين آمنُوا ويتخذ مِنْكُم شُهَدَاء وَالله لَا يحب الظَّالِمين (140) وليحمص الله الَّذين آمنُوا ويمحق الْكَافرين (141) أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وليحمص الله الَّذين آمنُوا﴾ وكل هَذَا على نسق قَوْله: ﴿ليقطع طرفا﴾ (وَكَذَلِكَ) قَوْله: ﴿وليعلم الله الَّذين آمنُوا﴾ وَأما التمحيص: قيل: هُوَ [التخليص] وَهُوَ قَول الْحسن، وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ بِمَعْنى: الِابْتِلَاء، وَحَقِيقَة معنى التمحيص: التَّطْهِير من الذُّنُوب، تَقول الْعَرَب: محص عَنَّا ذنوبنا أَي: طهرنا من الذُّنُوب.
﴿ويمحق الْكَافرين﴾ [معنى] الْآيَة: أَنهم إِن قتلوكم؛ فَذَلِك تَطْهِير لكم، وَإِن قَتَلْتُمُوهُمْ فَذَلِك محق لَهُم واستئصال.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسبتم﴾ أَي: [أحسبتم] ﴿أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم﴾ أَي: وَلم يعلم الله الَّذين وَقع مِنْهُم الْجِهَاد، ﴿وَيعلم الصابرين﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت﴾ سَبَب نزُول الْآيَة أَن الَّذين تخلفوا من حَرْب بدر من الْمُسلمين قَالُوا لما انْقَضتْ حَرْب بدر: لَو كَانَ لنا يَوْم مثله فنقاتل ونقتل ونستشهد، فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد انْهَزمُوا، وهربوا؛ فَنزلت الْآيَة.
﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت﴾ أَي: سَبَب الْمَوْت وَهُوَ الْجِهَاد؛ إِذْ لَا يجوز أَن يتَمَنَّى الْمَوْت بقتل الْكَافِر إِيَّاه ﴿من قبل أَن تلقوهُ﴾ أَي: تلقونَ سَببه من الْجِهَاد ﴿فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ ، فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ ، وَقد قَالَ: ﴿فقد رَأَيْتُمُوهُ﴾ ؟ (قيل) : يحْتَمل [أَن تكون] الرُّؤْيَة بِمَعْنى الْعلم؛ فَقَالَ:

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل