الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله﴾ حكى الْفراء عَن الْعَرَب أَنهم يَقُولُونَ: أرأيتك بِمَعْنى أَخْبرنِي، [وأرأيتكما] بِمَعْنى أخبراني، وأرأيتكم يَعْنِي: أخبروني وأرأيتك بِمَعْنى: للْمَرْأَة بِمَعْنى: أَخْبِرِينِي، هَكَذَا ﴿بَغْتَة أَو جهرة﴾ مَعْنَاهُ: لَيْلًا أَو نَهَارا وَقيل: مَعْنَاهُ: فَجْأَة أَو عيَانًا ﴿هَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الظَّالِمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا نرسل الْمُرْسلين إِلَّا مبشرين ومنذرين﴾ وَقد بَينا هَذَا ﴿فَمن آمن وَأصْلح فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.
﴿وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا يمسهم الْعَذَاب﴾ أَي: يصيبهم عَذَاب النَّار ﴿بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله﴾ أنزل هَذَا حِين اقترحوا الْآيَات، وَكَانُوا يَقُولُونَ: لن نؤمن لَك حَتَّى تنزل علينا كتابا من السَّمَاء، وَسَائِر مَا
﴿هم يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا مسهم الْعَذَاب بِمَا كَانُوا يفسقون (49) قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول لكم إِنِّي ملك إِن اتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير أَفلا تتفكرون (50) وأنذر بِهِ الَّذين يخَافُونَ﴾ اقترحوا من الْآيَات؛ فَنزل قَوْله: ﴿قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله﴾ فأعطيكم مَا تُرِيدُونَ (وَلَا أعلم الْغَيْب) . والغيب.
كل مَا غَابَ عَنْك وَيكون مَاضِيا، وَيكون فِي الْمُسْتَقْبل، والماضي مِنْهُ يجوز أَن يُعلمهُ الْإِنْسَان بِخَبَر مخبر وَنَحْوه.
فَأَما الْمُسْتَقْبل فَلَا يُعلمهُ إِلَّا الله، وَرَسُول ارْتَضَاهُ، كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْجِنّ، وَقَوله: ﴿وَلَا أعلم الْغَيْب﴾ فِيهِ إِضْمَار، أَي: وَلَا أعلم الْغَيْب إِلَّا مَا أعلمنيه الله ﴿وَلَا أَقُول لكم إِنِّي ملك﴾ إِنَّمَا أمره بذلك؛ لِأَن الْملك يقدر على مَا لَا يقدر عَلَيْهِ الْآدَمِيّ، وَقيل: لِأَن الْملك يُشَاهد مَا لَا يُشَاهد الْآدَمِيّ، وَاسْتدلَّ بِهَذَا من فضل الْمَلَائِكَة على الْآدَمِيّين، وَلَيْسَ فِيهِ مستدل، وَمَعْنَاهُ: مَا بَينا.
﴿إِن اتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى والبصير﴾ قَالَ قَتَادَة: الْكَافِر وَالْمُؤمن، وَقَالَ مُجَاهِد: الضال والمهتدي، وَقيل: الْجَاهِل والعالم ﴿أَفلا تتفكرون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وانذر بِهِ﴾ أَي: خوف بِهِ ﴿الَّذين يخَافُونَ أَن يحْشرُوا إِلَى رَبهم﴾ قيل: هم الْمُسلمُونَ، وَقيل: كل من يُؤمن بِالْبَعْثِ من الْمُسلمين وَأهل الْكتاب.
﴿لَيْسَ لَهُم من دونه ولي وَلَا شَفِيع لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ فَإِن قيل: أَلَيْسَ يشفع الْأَنْبِيَاء والأولياء يَوْم الْقِيَامَة، فَمَا معنى قَوْله: ﴿لَيْسَ لَهُم من دونه ولي وَلَا شَفِيع﴾ ؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ: لَا شَفَاعَة إِلَّا بِإِذْنِهِ، وهم إِنَّمَا يشفعون [بِإِذْنِهِ، أَو هَذَا رد لما زَعَمُوا أَن الْمَلَائِكَة والأصنام يشفعون] لنا.
قَوْله: ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن الْمُشْركين بِمَكَّة أَتَوا رَسُول الله، وَقَالُوا: إِنَّك تجَالس الْفُقَرَاء، وَأَرَادُوا بِهِ: بِلَالًا،
﴿أَن يحْشرُوا إِلَى رَبهم لَيْسَ لَهُم من دونه ولي وَلَا شَفِيع لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ (51) وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه مَا عَلَيْك من حسابهم من شَيْء وَمَا﴾ وصهيبا، وَابْن مَسْعُود، وعمار بن يَاسر، وخباب بن الْأَرَت، وَمهجع، وَنَحْوهم من فُقَرَاء أهل الصّفة، وَقَالُوا: لَو طردتهم آمنا بك؛ كَأَنَّهُمْ استنكفوا الْجُلُوس مَعَهم فهم النَّبِي بذلك طَمَعا فِي إِيمَانهم؛ فَنزلت الْآيَة ". قَالَ سعد بن أبي وَقاص: " فِي نزلت الْآيَة وَابْن مَسْعُود ... " وعد جمَاعَة، وَقَالَ مُجَاهِد: نزلت الْآيَة فِي بِلَال وَجَمَاعَة، وَفِيه قَول آخر: أَن الْآيَة نزلت بِالْمَدِينَةِ، وروى: " أَن الْأَقْرَع بن حَابِس التَّمِيمِي، وعيينة بن حصن الْفَزارِيّ أَتَيَا رَسُول الله، كَانَا من أكَابِر الْكفَّار؛ فَقَالَا: إِنَّا نستنكف من الْجُلُوس مَعَ هَؤُلَاءِ، فَلَو اتَّخذت لنا مَجْلِسنَا مِنْك؛ آمنا بك؛ فهم بذلك، طَمَعا فِي إِيمَانهم؛ فَنزلت الْآيَة " فعلى هَذَا تكون الْآيَة من الْآيَات المبينة الَّتِي نزلت بِالْمَدِينَةِ.
قَوْله: ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم﴾ اخْتلفُوا فِي هَذِه الدعْوَة، قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: يصلونَ الصَّلَوَات الْخمس، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هُوَ ذك الله، وَقَالَ الضَّحَّاك: كل الطَّاعَات.
﴿من حِسَابك عَلَيْهِم من شَيْء فَتَطْرُدهُمْ فَتكون من الظَّالِمين (52) وَكَذَلِكَ فتنا بَعضهم بِبَعْض لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ من الله عَلَيْهِم من بَيْننَا أَلَيْسَ الله بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذا جَاءَك الَّذين يُؤمنُونَ بِآيَاتِنَا فَقل سَلام عَلَيْكُم كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل﴾
وَقَوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجهه﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي: يُرِيدُونَ إِيَّاه بِالطَّاعَةِ، ويريدون خَالص وَجهه، وَالْوَجْه صفة لله - تَعَالَى - بِلَا كَيفَ؛ وَجه لَا كالوجوه.
﴿فَتَطْرُدهُمْ فَتكون من الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: إِن طردتهم، وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه فَتكون من الظَّالِمين، (ثمَّ قَالَ) : ﴿مَا عَلَيْك من حسابهم من شَيْء وَمَا من حِسَابك عَلَيْهِم من شَيْء﴾
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ فتنا بَعضهم بعض﴾ هُوَ فتْنَة الْأَغْنِيَاء بالفقراء، [وَالله - تَعَالَى - يفتن الْأَغْنِيَاء بالفقراء] ، ويفتن الْفُقَرَاء بالأغنياء، وَالْمرَاد هَاهُنَا: فتْنَة أكابرهم بفقرائهم؛ حَيْثُ امْتَنعُوا عَن الْإِيمَان بسببهم؛ وَذَلِكَ كَانَ فتْنَة لَهُم.
﴿وليقولوا أَهَؤُلَاءِ من الله عَلَيْهِم من بَيْننَا﴾ يَقُول الْأَغْنِيَاء: أَهَؤُلَاءِ الْفُقَرَاء سبقُونَا بِالْإِيمَان، ثمَّ يَقُول الله - تَعَالَى -: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: أَلَيْسَ الله بِأَعْلَم من هُوَ أهل لِلْإِسْلَامِ؛ فَيدْخل فِي الْإِسْلَام؟ ! .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا جَاءَك الَّذين يُؤمنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ هم الْفُقَرَاء الَّذين ذكرنَا ﴿فَقل سَلام عَلَيْكُم﴾ أَمر رَسُوله ببدائتهم بِالسَّلَامِ، وَقد ذكرنَا معنى السَّلَام فِيمَا سبق، وَقيل: مَعْنَاهُ: [سلمكم] الله فِي دينكُمْ، وَقيل: مَعْنَاهُ السَّلامَة لكم.
﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ أَي قضى بِالرَّحْمَةِ لكم ﴿أَنه من عمل مِنْكُم سَوَاء بِجَهَالَة﴾ أَي خطيئه، وَقد بَينا أَن كل عَاص جَاهِل ﴿ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم﴾ يقْرَأ: أَنه، وفأنه، كِلَاهُمَا بِنصب الْألف؛ فَيكون بَدَلا عَن قَوْله:
﴿مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم (54) وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين (55) قل إِنِّي نهيت أَن اعبد الَّذين تدعون من دون الله قل لَا أتبع أهواءكم قد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين (56) قل إِنِّي على بَيِّنَة من﴾ ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ وَيقْرَأ: كِلَاهُمَا بِكَسْر الْألف على الِابْتِدَاء، وَيقْرَأ: الأول بِالْفَتْح وَالثَّانِي بِالْكَسْرِ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين﴾ يقْرَأ بِثَلَاثَة أوجه ولتستبين - بِالتَّاءِ، سَبِيل: بِنصب اللَّام.
وَمَعْنَاهُ: ولتستبين يَا مُحَمَّد سَبِيل الْمُجْرمين؛ فَإِن قيل: ألم يكن مستبينا لَهُ؟ قيل: مَعْنَاهُ: لتزداد بَيَانا، وَقَالَ الزّجاج: الْخطاب مَعَ الرَّسُول، وَالْمرَاد بِالْآيَةِ: الْأمة.
وَيقْرَأ وليستبين: بِالْيَاءِ وَالتَّاء سَبِيل: بِرَفْع اللَّام، وَقَالُوا: لِأَن السَّبِيل يذكر وَيُؤَنث؛ قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿قل هَذِه سبيلي﴾ وَمَعْنَاهُ: وليظهر سَبِيل الْمُجْرمين؛ (فَإِن قيل: لم خص سَبِيل الْمُجْرمين؟) قيل: تَقْدِيره: ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين وسبيل الْمُؤمنِينَ؛ فَحذف أَحدهمَا اختصارا، وَالأَصَح أَن تَقْدِيره: ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين عَن سَبِيل الْمُؤمنِينَ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل إِنِّي نهيت أَن أعبد الَّذين تدعون من دون الله﴾ هُوَ النَّهْي عَن الشّرك ﴿قل لَا أتبع أهواءكم قد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين﴾ يَعْنِي: إِن اتبعت أهواءكم،
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل إِنِّي على بَيِّنَة من رَبِّي﴾ على بَيَان من رَبِّي ﴿وكذبتم بِهِ﴾ أَي: بِمَا [جِئْت] بِهِ ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُون بِهِ﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ استعجالهم الْآيَات والمعجزات، وَقيل: أَرَادَ بِهِ استعجالهم الْقِيَامَة، قَالَ الله - تَعَالَى - ﴿يستعجل بهَا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بهَا﴾ وَقيل: أَرَادَ بِهِ استعجال الْعَذَاب، قَالَ الله -
﴿رَبِّي وكذبتم بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُون بِهِ إِن الحكم إِلَّا لله يقص الْحق وَهُوَ خير الفاصلين (57) قل لَو أَن عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُون بِهِ لقضي الْأَمر بيني وَبَيْنكُم وَالله أعلم بالظالمين (58) وَعِنْده مفاتح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر وَمَا﴾ تَعَالَى -: " ويستعجلونك بِالْعَذَابِ " وَكَانُوا يَقُولُونَ: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء أَو ائتنا بِعَذَاب أَلِيم﴾ . ﴿إِن الحكم إِلَّا لله يقْضِي الْحق وَهُوَ خير الفاصلين﴾ وَيقْرَأ: يقص بالصَّاد، وَاسْتدلَّ بِالْكِتَابَةِ فِي الْمَصَاحِف؛ فَإِن هَذِه الْكَلِمَة تكْتب بِغَيْر الْيَاء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَو أَن عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُون بِهِ لقضي الْأَمر بيني وَبَيْنكُم﴾ مَعْنَاهُ: لقامت الْقِيَامَة، وَقيل: هُوَ فِي الْعَذَاب، وَمَعْنَاهُ: لَو كَانَ الْعَذَاب بيَدي لعجلته؛ حَتَّى أتخلص مِنْكُم ﴿وَالله أعلم بالظالمين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَعِنْده مَفَاتِيح الْغَيْب لَا يعلمهَا إِلَّا هُوَ﴾ روى ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مفاتح الْغَيْب خَمْسَة " وَذكر (الْخمس) الْمَذْكُورَة فِي قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة﴾ ثمَّ قَرَأَ الْآيَة.
﴿وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ قَالَ مُجَاهِد: الْبَحْر: الْقرى والأمصار هَاهُنَا، (وَالْبر: المفاوز) ، يُقَال: هَذَا الْمصر بَحر، وَهَذِه الْقرْيَة بَحر؛ لاجتماعها وَكَثْرَة أَهلهَا، وَقيل: هُوَ الْبر وَالْبَحْر الْمَعْرُوف.
﴿وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: لم خص [الْوَرق] السَّاقِط
﴿تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين (59) وَهُوَ الَّذِي يتوفاكم بِاللَّيْلِ وَيعلم مَا جرحتم بِالنَّهَارِ ثمَّ يبعثكم فِيهِ ليقضى أجل مُسَمّى ثمَّ عَلَيْهِ مرجعكم ثمَّ ينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ وَهُوَ يعلم السَّاقِط وَالثَّابِت؟ قيل: هَذَا مَعْنَاهُ: أَي: وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا سَاقِطَة وثابتة، قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق: أَرَادَ بِالْوَرَقَةِ الساقطة: السقط.
﴿وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض﴾ هُوَ الْحبّ الْمَعْرُوف، وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق: هُوَ الْوَلَد ﴿وَلَا رطب وَلَا يَابِس﴾ قيل: مَعْنَاهُ: وَلَا حَيّ وَلَا موَات، وَقيل: هُوَ عبارَة عَن كل شَيْء ﴿إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ يَعْنِي: أَن الْكل مَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَهُوَ مثل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وكل صَغِير وكبير مستطر﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يتوفاكم بِاللَّيْلِ﴾ أَي: يقبض أرواحكم بِاللَّيْلِ إِذا نمتم، وَهَذَا نَظِير قَوْله: ﴿الله يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ من نَام فروحه مَعَه؛ فَمَا معنى هَذَا الْقَبْض؟ قيل: هُوَ قبض النَّفس المميزة المتصرفة ﴿وَيعلم مَا جرحتم بِالنَّهَارِ﴾ أَي: كسبتم بِالنَّهَارِ ﴿ثمَّ يبعثكم فِيهِ﴾ قَالَ قَتَادَة: الْبَعْث الْيَقَظَة هَاهُنَا، أَي: ثمَّ يوقظكم فِي النَّهَار ﴿ليقضي أجل مُسَمّى﴾ الْقَضَاء: هُوَ فصل الحكم على التَّمام، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: اسْتِيفَاء أجل الْعُمر على التَّمام.
(ثمَّ إِلَيْهِ مرجعكم ثمَّ ينئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ) .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده وَيُرْسل عَلَيْكُم حفظَة﴾ أما معنى القاهر، وَصفَة الفوق، فقد ذكرنَا؛ وَأما إرْسَال الْحفظَة: هُوَ إرْسَال الْمَلَائِكَة الْحفاظ، وَهُوَ مَا قَالَ فِي آيَة أُخْرَى ﴿وَإِن عَلَيْكُم لحافظين كراما كاتبين﴾ وَقَالَ: {لَهُ مُعَقِّبَات
﴿وَيُرْسل عَلَيْكُم حفظَة حَتَّى إِذا جَاءَ أحدكُم الْمَوْت توفته رسلنَا وهم لَا يفرطون (61) ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق أَلا لَهُ الحكم وَهُوَ أسْرع الحاسبين (62) قل من ينجيكم﴾ من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه يَحْفَظُونَهُ من أَمر الله) وحفظهم: أَن [يحفظوا] على الْعباد الْعَمَل وَالْأَجَل والرزق ﴿حَتَّى إِذا جَاءَ أحدكُم الْمَوْت توفته رسلنَا﴾ وَيقْرَأ: " توفيه " بِالْيَاءِ ﴿وهم لَا يفرطون﴾ أَي: لَا يؤخرون.
فَإِن قيل: قد قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿قل يتوفاكم ملك الْمَوْت﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿توفته رسلنَا﴾ فَكيف وَجه الْجمع؟ قيل: قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: لملك الْمَوْت أعوان من الْمَلَائِكَة، يتوفون عَن أمره؛ فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿توفته رسلنَا﴾ وَيكون ملك الْمَوْت هُوَ الْمُتَوفَّى فِي الْحَقِيقَة؛ لأَنهم يصدرون عَن أمره، وَلذَلِك نسب الْفِعْل إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْآيَة، وَقيل: مَعْنَاهُ: ذكر الْوَاحِد بِلَفْظ الْجمع، وَالْمرَاد بِهِ: ملك الْمَوْت، وَفِي الْقَصَص أَن الله - تَعَالَى - جعل الدُّنْيَا بَين يَدَيْهِ كالمائدة الصَّغِيرَة؛ فَيقبض من هَاهُنَا وَمن هَاهُنَا؛ فَإِذا كثرت الْأَرْوَاح يَدْعُو الْأَرْوَاح فتجيب لَهُ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ثمَّ ردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الْآيَة فِي الْمُؤمنِينَ وَالْكفَّار، فَكيف قَالَ: ﴿مَوْلَاهُم الْحق﴾ وَقد قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم﴾ ؟ قيل: الْمولى فِي تِلْكَ الْآيَة بِمَعْنى: النَّاصِر، وَلَا نَاصِر للْكفَّار، وَالْمولى هَاهُنَا بِمَعْنى: الْمَالِك، وَالله مَالك الْكل، وَقيل: أَرَادَ بِهِ رد الْمُؤمنِينَ إِلَيْهِ، وَيدخل الْكفَّار فِيهِ تبعا.
﴿أَلا لَهُ الحكم وَهُوَ أسْرع الحاسبين﴾ أَي: يُحَاسب الْكل فِي لَحْظَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات الْبر وَالْبَحْر﴾ يَعْنِي: من شَدَائِد الْبَحْر وَالْبر، تَقول الْعَرَب: يَوْم مظلم.
إِذا كَانَ يَوْم شدَّة، ويسمونه أَيْضا: يَوْمًا ذَا كَوْكَب.
كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ كالليل لِشِدَّتِهِ، قَالَ الشَّاعِر:
﴿من ظلمات الْبر وَالْبَحْر تَدعُونَهُ تضرعا وخفية لَئِن أنجانا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ (63) قل الله ينجيكم مِنْهَا وَمن كل كرب ثمَّ أَنْتُم تشركون (64) قل هُوَ الْقَادِر على﴾ (بني أَسد هَل تعلمُونَ (بلاءنا) إِذا كَانَ يَوْمًا ذَا كواكب أشهبا) وَقَالَ آخر: (فدا لبني ذهل بن شَيبَان نَاقَتي ... إِذا كَانَ يَوْمًا ذَا كواكب أشنعا) ﴿تَدعُونَهُ تضرعا وخفية﴾ أَي: عَلَانيَة وسرا، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن يكون السِّرّ مَعَ الْجَهْر فِي الدُّعَاء بِحَيْثُ يَدْعُو بِاللِّسَانِ وسره مَعَه، وَيقْرَأ " وخفية " بِكَسْر الْخَاء ومعناهما وَاحِد ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ وَالشُّكْر: [هُوَ] معرفَة النِّعْمَة مَعَ الْقيام [بِحَقِّهَا] ، وَلَا بُد من هذَيْن حَتَّى يتَحَقَّق الشُّكْر.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل الله ينجيكم مِنْهَا وَمن كل كرب ثمَّ أَنْتُم تشركون﴾ الكرب: غَايَة الْهم.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل هُوَ الْقَادِر على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس، وَالْحسن، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة: نزلت الْآيَة فِي أهل الْإِيمَان وَأهل الصَّلَاة.
وَقَالَ غَيرهم: نزلت فِي الْمُشْركين، وَقَوله: ﴿عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم﴾ قَالَ مُجَاهِد، وَسَعِيد بن جُبَير: عذَابا من فَوْقكُم: هُوَ الرَّمْي بِالْحِجَارَةِ، كَمَا كَانَ فِي قوم لوط.
أَو من تَحت أَرْجُلكُم هُوَ الْخَسْف والرجفة.
وَحكي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: عذَابا من فَوْقكُم: تسليط أَئِمَّة السوء، وَمن تَحت أَرْجُلكُم: تسليط الخدم السوء، وَقيل: عذَابا من فَوْقكُم: الطوفان وَالْغَرق، وَمن تَحت
﴿أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم أَو من تَحت أَرْجُلكُم أَو يلْبِسكُمْ شيعًا وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض انْظُر كَيفَ نصرف الْآيَات لَعَلَّهُم يفقهُونَ (65) وَكذب بِهِ قَوْمك وَهُوَ﴾ أَرْجُلكُم: الرّيح، كَمَا كَانَ فِي قوم عَاد ﴿أَو يلْبِسكُمْ شيعًا﴾ قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: يخلطكم خلط اضْطِرَاب لَا خلط اتِّفَاق، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَن يبث فِيكُم الْأَهْوَاء المتفرقة؛ فتصيرون فرقا وأحزابا.
(وَيُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض) هُوَ وُقُوع الْقَتْل بَينهم؛ وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة، وَسمع الْأَوَّلين؛ قَالَ: " أعوذ بِوَجْهِك؛ فَلَمَّا سمع الآخرين؛ قَالَ: هَاتَانِ أيسر " وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف: " أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة؛ دَعَا لأمته وناجى طَويلا؛ حَتَّى نزل جِبْرِيل أَن الله رفع الْأَوَّلين، وَأجَاب دعوتك فيهمَا، وَلم يجب فِي الآخرين ". فبثت الْأَهْوَاء والقتال فِي هَذِه الْأمة، وَقد سل السَّيْف من زمَان عُثْمَان، فَلَا يغمد إِلَى قيام السَّاعَة، وَقد روى أَن الدُّعَاء الْمَعْرُوف الَّذِي كَانَ يَدْعُو بِهِ رَسُول الله، دَعَا بِهِ حَيْثُ نزلت هَذِه الْآيَة، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بعفوك من عقابك، وَأَعُوذ برضاك من سخطك وَأَعُوذ بك مِنْك " أَي: بقضاءك من قضاءك ﴿انْظُر كَيفَ نصرف الْآيَات﴾ يَعْنِي: مرّة هَكَذَا، وَمرَّة هَكَذَا ﴿لَعَلَّهُم يفقهُونَ﴾ .
﴿الْحق قل لست عَلَيْكُم بوكيل (66) لكل نبأ مُسْتَقر وسوف تعلمُونَ (67) وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره وَإِمَّا ينسينك الشَّيْطَان فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين (68) وَمَا على الَّذين يَتَّقُونَ من حسابهم من شَيْء وَلَكِن ذكرى لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ (69) وذر الَّذين اتَّخذُوا دينهم لعبا﴾
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكذب بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحق﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿قل لست عَلَيْكُم بوكيل﴾ أَي: بمسلط؛ فألزمكم الْإِسْلَام شِئْتُم أَو أَبَيْتُم، قَالَ ابْن جريج: كَانَ هَذَا فِي الِابْتِدَاء ثمَّ نسخ بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ .
﴿لكل نبأ مُسْتَقر﴾ قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: لكل خبر من أَخْبَار الْقُرْآن حَقِيقَة إِمَّا فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا فِي الْآخِرَة ﴿وسوف تعلمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم﴾ أَرَادَ بِهِ: يَخُوضُونَ فِيهَا بِالرَّدِّ والاستهزاء، قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر: وَيدخل فِي هَذَا: الْخَوْض فِي كل الْآيَات لَا على وفْق الْكتاب وَالسّنة.
﴿فَأَعْرض عَنْهُم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره وَإِمَّا ينسينك الشَّيْطَان فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: قَوْله: ﴿وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم﴾ قَالَت الصَّحَابَة: إِذا كَيفَ تقعد فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَكَيف نطوف بِالْبَيْتِ، وهم يَخُوضُونَ أبدا؟ فَنزلت هَذِه الْآيَة:
﴿وَمَا على الَّذين يَتَّقُونَ من حسابهم من شَيْء﴾ يَعْنِي: إِذا لقوهم، وَلم يخوضوا فِيمَا يَخُوضُونَ ﴿وَلَكِن ذكرى لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ أَمر [بتذكيرهم] ومنعهم عَن ذَلِك، وَقيل: مَعْنَاهُ: فِي حَال الذّكر، وَلَيْسَ عَلَيْهِم شَيْء فِي حَال مَا يذكرونهم إِذا لم يرْضوا بِمَا خَاضُوا فِيهِ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وذر الَّذين اتَّخذُوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ . قَالَ الْفراء فِي كِتَابه: عيد [أهل كل مِلَّة] يَوْم لَهو وَلعب إِلَّا عيد الْمُسلمين؛
﴿ولهوا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَذكر بِهِ أَن تبسل نفس بِمَا كسبت لَيْسَ لَهَا من دون الله ولي وَلَا شَفِيع وَإِن تعدل كل عدل لَا يُؤْخَذ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذين أبسلوا بِمَا كسبوا لَهُم شراب من حميم وَعَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكفرون (70) قل أندعوا من دون الله مَا لَا ينفعنا وَلَا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إِذْ هدَانَا الله كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين فِي﴾ فَإِنَّهُ (يَوْم) الصَّلَاة وَفعل الْخَيْر وَالتَّكْبِير.
﴿وَذكر بِهِ أَن تبسل نفس بِمَا كسبت﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَن تسلم للهلاك، وَقَالَ قَتَادَة: أَن تحبس، وَقَالَ الْفراء: أَن ترتهن، وَقَالَ الْكسَائي، والأخفش: أَن تجزي.
وَالصَّحِيح هُوَ الأول، يُقَال: فلَان مستبسل إِذا استسلم للهلاك، قَالَ الشَّاعِر:
(وإبسالي بني بِغَيْر جرم ... [بعوه وَلَا بِغَيْر دم مراق] )
وَحَقِيقَة الْمَعْنى: وَذكر بِهِ، لِأَن لَا تسلم نفس للهلاك بعملها ﴿لَيْسَ لَهَا من دون الله ولي وَلَا شَفِيع﴾ وَقد ذكرنَا ﴿وَإِن تعدل كل عدل﴾ هُوَ الْفِدْيَة ﴿لَا يُؤْخَذ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذين أبسلوا بِمَا كسبوا﴾ هُوَ مَا ذكرنَا ﴿لَهُم شراب من حميم وَعَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكفرون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أندعوا من دون الله مَا لَا ينفعنا وَلَا يضرنا﴾ فَإِن قيل: كَيفَ لَا يضرهم وَفِي الْأَصْنَام ضرهم؟ قيل: مَعْنَاهُ: لَا يجلب نفعا، وَلَا يدْفع ضرا، قيل: مَعْنَاهُ: لَيْسَ بيدهم شَيْء.
﴿ونرد على أعقابنا بعد إِذْ هدَانَا الله﴾ أَي: مرتدين على أعقابنا بعد الْهِدَايَة بِهِ وَالْإِسْلَام ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين فِي الأَرْض حيران﴾ أضلته الشَّيَاطِين وغلبته حَتَّى هوى، والحيران: المتردد بَين شَيْئَيْنِ لَا يدْرِي كَيفَ يفعل.
﴿الأَرْض حيران لَهُ أَصْحَاب يَدعُونَهُ إِلَى الْهدى ائتنا قل إِن هدى الله هُوَ الْهدى وأمرنا لنسلم لرب الْعَالمين (71) وَأَن أقِيمُوا الصَّلَاة واتقوه وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون (72) وَهُوَ الَّذِي حلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ وَيَوْم يَقُول كن فَيكون قَوْله الْحق وَله الْملك يَوْم ينْفخ فِي الصُّور عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير (73) وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم﴾
﴿لَهُ أَصْحَاب يَدعُونَهُ إِلَى الْهدى ائتنا﴾ ضرب مثلا للَّذي يرْتَد عَن الْإِسْلَام بِرَجُل يكون فِي الطَّرِيق مَعَ رفْقَة؛ فيضل بِهِ الغول، ويدعوه أَصْحَابه من أهل الرّفْقَة إِلَى الطَّرِيق، فَيبقى حيران، لَا يدْرِي أَيْن يذهب.
( ﴿قل إِن هدى الله هُوَ الْهدى وأمرنا لنسلم لرب الْعَالمين﴾
وَأَن أقِيمُوا الصَّلَاة واتقوه) أَي: وأمرنا بِإِقَامَة الصَّلَاة وَالتَّقوى ( ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون﴾
وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ) أَي: لإِظْهَار الْحق؛ لِأَنَّهُ جعل صنعه دَلِيلا على وحدانيته ﴿وَيَوْم يَقُول كن فَيكون﴾ قيل: هُوَ رَاجع إِلَى قَوْله: ﴿خلق السَّمَوَات﴾ يَعْنِي: وَخلق يَوْم يَقُول، فَإِن قيل: كَيفَ يَصح هَذَا التَّقْدِير، وَالْقِيَامَة غير مخلوقة بعد؟ قيل: هِيَ كائنة فِي علم الله - تَعَالَى -[فَتكون] كالمخلوقة؛ إِذْ الْحلق بِمَعْنى: الْقَضَاء وَالتَّقْدِير، وَهِي مقضية مقدرَة، وَقيل: تَقْدِيره: وَاذْكُر يَوْم يَقُول: كن فَيكون ( ﴿قَوْله الْحق﴾ وَله الْملك يَوْم ينْفخ فِي الصُّور) قرئَ فِي الشواذ: " يَوْم ينْفخ فِي الصُّور " وَهِي جمع الصُّورَة، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الصُّور: هُوَ الصُّور فِي كل مَوضِع، وَقَالَ ابْن مَسْعُود فِي تَفْسِير الْآيَة: الصُّور: قرن ينْفخ فِيهِ، وَهُوَ مَعْرُوف فِي الْأَخْبَار.
﴿عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ آزر﴾ يقْرَأ " آزر " بِرَفْع الرَّاء، وَهُوَ فِي الشواذ، وَمَعْنَاهُ: يَا آزر، وَكَذَلِكَ فِي حرف أبي بن كَعْب: يَا آزر، وَالْمَعْرُوف " آزر " بِنصب