النساء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جَاءَت رسلنَا إِبْرَاهِيم بالبشرى﴾ قَالَ السّديّ: كَانُوا اثنى عشر ملكا.
وَقَالَ غَيره: كَانُوا تِسْعَة من الْأَمْلَاك.
وَيُقَال: إِنَّهُم ثَلَاثَة: جِبْرِيل، وَمِيكَائِيل، وإسرافيل.
وَقيل: جَاءُوا على صُورَة الْبشر.
وَفِي الْقِصَّة: أَن إِبْرَاهِيم - صلوَات الله عَلَيْهِ - كَانَ لَا يَأْكُل إِلَّا مَعَ الضَّيْف، وَمكث خمس عشرَة لَيْلَة وَلم يَأْته ضيف، ثمَّ جَاءَهُ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿بالبشرى﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: بالبشرى بِإسْحَاق، وَالْآخر: بالبشرى بإهلاك قوم لوط.
وَقَوله: ﴿قَالُوا سَلاما﴾ مَعْنَاهُ: قَالُوا سلمنَا سَلاما ﴿قَالَ سَلام﴾ قرئَ بقراءتين: إِحْدَاهمَا: " سَلام " وَهُوَ الْمَعْرُوف، وَالْآخر: " سلم " قِرَاءَة حَمْزَة وَالْكسَائِيّ.
أما قَوْله: ﴿سَلام﴾ مَعْنَاهُ: جوابي سَلام، أَو قولي سَلام.
أما قَوْله: " سلم " قيل: إِن السّلم وَالسَّلَام بِمَعْنى وَاحِد، كالحل، والحلال، وَالْحرم وَالْحرَام.
وَيُقَال: إِن " السّلم " بِمَعْنى
﴿جَاءَ بعجل حنيذ (69) فَلَمَّا رأى أَيْديهم لَا تصل إِلَيْهِ نكرهم وأوجس مِنْهُم خيفة قَالُوا لَا تخف إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم لوط (70) وَامْرَأَته قَائِمَة فَضَحكت فبشرناها بِإسْحَاق وَمن﴾ الصُّلْح، فَمَعْنَاه: أَنا أطلب السَّلامَة مِنْكُم.
وَقَوله: ﴿فَمَا لبث أَن جَاءَ بعجل حنيذ﴾ فَهَذَا دَلِيل على ان الضَّيْف يَنْبَغِي أَن يعجل لَهُ [بِشَيْء] يَأْكُلهُ، وَهُوَ سنة إِبْرَاهِيم - صلوَات الله عَلَيْهِ - وَقَوله: ﴿أَن جَاءَ بعجل حنيذ﴾ الْعجل: ولد الْبَقَرَة، والحنيذ: هُوَ المحنوذ، وَهُوَ المشوي على الْحِجَارَة المحماة يخد لَهُ فِي الأَرْض خدا فيشوى فِيهِ.
وَرُوِيَ أَنه كَانَ سمينا يسيل دسما.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رأى أَيْديهم لَا تصل إِلَيْهِ﴾ أَي: لما رَآهُمْ لَا يَأْكُلُون؛ فَإِن الْمَلَائِكَة لَا تَأْكُل.
قَوْله: ﴿نكرهم﴾ أَي: أنكرهم، قَالَ الشَّاعِر:
(فأنكرتني وَمَا كَانَ الَّذِي نكرت ... من الْحَوَادِث إِلَّا الشيب والصلعا)
وَقَوله: ﴿وأوجس مِنْهُم خيفة﴾ كَانَ إِبْرَاهِيم - صلوَات الله عَلَيْهِ - نازلا على طرف من النَّاس، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَلم يَأْكُلُوا خَافَ انهم جَاءُوا لبلية وَقصد مَكْرُوه، وَعَادَة الْعَرَب أَن الْقَوْم إِذا أكلُوا من الطَّعَام أمنُوا مِنْهُم، وَإِذا لم يَأْكُلُوا استشعروا خوفًا، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وأوجس مِنْهُم خيفة﴾ وَقَوله: ﴿وأوجس﴾ أَي: فاضمر مِنْهُم خوفًا.
وَقَوله: ﴿قَالُوا لَا تخف إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم لوط﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّا مَلَائِكَة أرسلنَا رَبنَا إِلَى قوم لوط.
وَقَوله: ﴿وَامْرَأَته قَائِمَة﴾ فِي مصحف ابْن مَسْعُود: " وَامْرَأَته قَائِمَة وَهُوَ قَاعد " وَهِي سارة بنت هاران، فَيُقَال: إِن سارة كَانَت تخدمهم وَإِبْرَاهِيم يتحدث مَعَهم.
وَيُقَال: إِن سارة كَانَت قَائِمَة وَرَاء السّتْر.
قَوْله: ﴿فَضَحكت﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن الضحك هَاهُنَا هُوَ الضحك الْمَعْرُوف، وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة: فَضَحكت، أَي: حَاضَت.
يُقَال: ضحِكت الأرنب، إِذا حَاضَت.
﴿وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب (71) قَالَت يَا ويلتي أألد وَأَنا عَجُوز وَهَذَا بعلي شَيخا إِن هَذَا﴾
وَأما الضحك الْمَعْرُوف فَاخْتلف القَوْل فِي أَنَّهَا لم ضحِكت؟
فالأكثرون على أَنَّهَا ضحِكت سُرُورًا بِمَا زَالَ من الْخَوْف عَنْهَا وَعَن إِبْرَاهِيم.
وَقيل: بِبِشَارَة إِسْحَاق.
وعَلى هَذَا القَوْل: الْآيَة على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَامْرَأَته قَائِمَة فبشرناها بِإسْحَاق وَمن وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب فَضَحكت.
وَالْقَوْل الثَّالِث: ضحِكت تَعَجبا من غَفلَة قوم لوط، وَقد نزلت الْمَلَائِكَة بعذابهم.
وَقَوله ﴿فبشرناها بِإسْحَاق﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله ﴿وَمن وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب﴾ أَي: من بعد إِسْحَاق يَعْقُوب.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الوراء: ولد الْوَلَد.
وَقَوله ﴿يَعْقُوب﴾ قرئَ بقراءتين: " يَعْقُوب " و " يَعْقُوب " بِالرَّفْع وَالنّصب أما الرّفْع مَعْنَاهُ: وَيحدث يَعْقُوب من بعد إِسْحَاق.
وَأما النصب فَمَعْنَاه: بشرناها بِإسْحَاق وبشرناها بِيَعْقُوب.
وَأنْشد الشَّاعِر فِي الوراء:
(حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَة ... وَلَيْسَ وَرَاء الله للمرء مَذْهَب)
وَهَذَا شعر الْأَعْشَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت يَا ويلتي أألد وانا عَجُوز وَهَذَا بعلي شَيخا﴾ قَالُوا: أصل قَوْله: ﴿يَا ويلتي﴾ : يَا ويلتي؛ إِلَّا أَن هَا هُنَا أبدل الْألف عَن الْيَاء.
وَمعنى قَوْله: ﴿يَا ويلتي﴾ هَاهُنَا: اعجبا؛ وَهَذِه كلمة يَقُولهَا الْإِنْسَان عِنْد رُؤْيَة مَا يتعجب مِنْهُ، وَلَيْسَ على حَقِيقَة الدُّعَاء بِالْوَيْلِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أألد وَأَنا عَجُوز﴾ اخْتلفُوا فِي سنّ إِبْرَاهِيم وَسَارة فِي ذَلِك الْوَقْت.
قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: كَانَ سنّ إِبْرَاهِيم مائَة وَعشْرين سنة، وَسن سارة تسعين سنة.
وَقَالَ بَعضهم: كَانَ سنّ إِبْرَاهِيم مائَة سنة، وَسن سارة تِسْعَة وَتِسْعين سنة.
وَقيل غير هَذَا، وَالله أعلم.
﴿لشَيْء عَجِيب (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله رحمت الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت إِنَّه حميد مجيد (73) فَلَمَّا ذهب عَن إِبْرَاهِيم الروع وجاءته الْبُشْرَى يجادلنا فِي قوم﴾
قَوْله تَعَالَى ﴿وَهَذَا بعلي﴾ يَعْنِي: هَذَا زَوجي ﴿شَيخا﴾ نصب على الْقطع، وَقيل: على الْحَال.
وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " وَهَذَا بعلي شيخ " على الْخَبَر.
قَوْله تَعَالَى ﴿إِن هَذَا لشَيْء عَجِيب﴾ يَعْنِي: إِن هَذَا لشَيْء مستعجب بِخِلَاف الْعَادة.
قَوْله: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ من أَمر الله﴾ مَعْنَاهُ: لَا تعجبي من أَمر الله؛ فَإِن الله إِذا أَرَادَ شَيْئا كَانَ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت﴾ فِيهِ مَعْنيانِ:
أَحدهمَا: أَن هَذَا على معنى الدُّعَاء من الْمَلَائِكَة.
وَالْآخر: أَنه على معنى الْخَبَر، و ﴿رَحْمَة الله﴾ أَي: نعْمَة الله ﴿وَبَرَكَاته﴾ والبركات: جمع الْبركَة، وَالْبركَة: ثُبُوت الْخَيْر.
وَقيل: وَبَرَكَاته: سعاداته.
وَقَوله: ﴿عَلَيْكُم أهل الْبَيْت﴾ هَذَا دَلِيل على أَن الْأزْوَاج يجوز أَن يسمين أهل الْبَيْت.
وَزَعَمت الشِّيعَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ أَن الْأزْوَاج لَا يدخلن فِي هَذَا.
وَهَذِه الْآيَة دَلِيل على أَنَّهُنَّ يدخلن فِيهَا.
قَوْله: ﴿إِنَّه حميد مجيد﴾ الحميد: هُوَ الْمَحْمُود فِي أَفعاله، والمجيد: هُوَ الْكَرِيم، وأصل الْمجد هُوَ الرّفْعَة والشرف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذهب عَن إِبْرَاهِيم الروع﴾ قَالَ قَتَادَة: الروع: الْفَزع؛ وَأما الروع بِالرَّفْع هُوَ النَّفس، وَمِنْه قَوْله: " ألْقى روح الْقُدس فِي روعي: (أَن لن) تَمُوت
﴿لوط (74) إِن إِبْرَاهِيم لحليم أَواه منيب (75) يَا إِبْرَاهِيم أعرض عَن هَذَا إِنَّه قد جَاءَ﴾ نفس حَتَّى تستكمل رزقها، فَاتَّقُوا الله واجملوا فِي الطّلب ". وَقَوله: ﴿وجاءته الْبُشْرَى﴾ قيل: إِن الْبُشْرَى بِإسْحَاق وَيَعْقُوب.
وَقيل: إِنَّهَا بإهلاك قوم لوط.
وَقَوله: ﴿يجادلنا﴾ مَعْنَاهُ: جعل إِبْرَاهِيم يجادلنا، والمجادلة هَاهُنَا كَمَا قَالَ فِي سور الذاريات وَالْحجر: ﴿قَالَ فَمَا خطبكم أَيهَا المُرْسَلُونَ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يجوز أَن يُجَادِل إِبْرَاهِيم ربه فِي شَيْء قَضَاهُ وَأمر بِهِ؟
الْجَواب: أَن هَذِه المجادلة كَانَت مَعَ اللائكة لَا مَعَ الرب، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿يجادلنا﴾ على توسع الْكَلَام.
وَفِي التَّفْسِير: أَن مجادلته كَانَت أَنه قَالَ للْمَلَائكَة: أَرَأَيْتُم لَو كَانَ فِي مَدَائِن قوم لوط خَمْسُونَ من الْمُؤمنِينَ أتهلكونهم؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: أَفَرَأَيْتُم إِن كَانَ فيهم أَرْبَعُونَ أتهلكونهم؟ قَالُوا: لَا، فَمَا زَالَ ينقص عشرَة عشرَة حَتَّى بلغ خَمْسَة نفر وَكَانَ عِنْد إِبْرَاهِيم أَن امْرَأَة لوط مُؤمنَة.
وَكَانَت هِيَ الْخَامِسَة، وَلم يعلم أَنَّهَا كَافِرَة، فَمَا بلغ عدد الْمُؤمنِينَ خَمْسَة ﴿فِي قوم لوط﴾ .
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن إِبْرَاهِيم لحليم أَواه منيب﴾ قد بَينا من قبل.
وَرُوِيَ عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ قَالَ: الْمُنِيب هُوَ الَّذِي يكون قلبه مَعَ الله تَعَالَى.
وَحَقِيقَة الْإِنَابَة: هِيَ الرُّجُوع، يُقَال: نَاب وآب وأناب، إِذا رَجَعَ.
قَوْله تَعَالَى ﴿يَا إِبْرَاهِيم أعرض عَن هَذَا﴾ معنى الْآيَة: أَن الْمَلَائِكَة قَالُوا: يَا إِبْرَاهِيم أعرض عَن المجادلة.
قَوْله: ﴿إِنَّه قد جَاءَ أَمر رَبك﴾ أَي: قَضَاء رَبك وَحكم رَبك.
وَقَوله: {وَإِنَّهُم
﴿أَمر رَبك وَإِنَّهُم آتيهم عَذَاب غير مَرْدُود (76) وَلما جَاءَت رسلنَا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وَقَالَ هَذَا يَوْم عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إِلَيْهِ وَمن قبل كَانُوا﴾ آتيهم عَذَاب غير مَرْدُود) أَي: غير مَصْرُوف عَنْهُم.
قَوْله: ﴿لما جَاءَت رسلنَا لوطا﴾ هَؤُلَاءِ الرُّسُل هم الَّذين كَانُوا عِنْد إِبْرَاهِيم جَاءُوا لوطا على صُورَة غلْمَان مرد، حسن وُجُوههم، نظيف ثِيَابهمْ، طيب [روائحهم] .
وَفِي الْقِصَّة: أَنهم لقوا لوطا وَهُوَ يحتطب واستضافوه، فَحمل الْحَطب وَتَبعهُ الْمَلَائِكَة، فَمر مَعَهم على جمَاعَة من قومه فغمزوا فِيمَا بَينهم، فَقَالَ لوط لَهُم: إِن قومِي شَرّ خلق الله، ثمَّ إِنَّه مر مَعَهم على قوم آخَرين مِنْهُم، فغمزوا - أَيْضا - فِيمَا بَينهم، فَقَالَ لوط - ثَانِيًا -: إِن قومِي شَرّ خلق الله تَعَالَى، ثمَّ إِنَّه مر مَعَهم على قوم آخَرين، فتغامزوا فِيمَا بَينهم - أَيْضا - فَقَالَ لوط - ثَالِثا -: إِن قومِي شَرّ خلق الله، وَكَانَ الله تَعَالَى قَالَ لجبريل: لَا تهلكهم حَتَّى يشْهد لوط عَلَيْهِم ثَلَاث مَرَّات، فَكَانَ كلما قَالَ لوط هَذَا القَوْل قَالَ جِبْرِيل للْمَلَائكَة الَّذين مَعَه: اشْهَدُوا.
وَقَوله: ﴿سيء بهم﴾ مَعْنَاهُ: سَاءَهُ مجيئهم.
وَقَوله: ﴿وضاق بهم ذرعا﴾ يُقَال: ضَاقَ ذرعاً فلَان بِكَذَا إِذا وَقع فِي مَكْرُوه لَا يُطيق الْخَلَاص عَنهُ.
وَمعنى الْآيَة هَاهُنَا: أَنه ضَاقَ ذرعا فِي حفظهم وَمنع القَوْل مِنْهُم.
قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْم عصيب﴾ أَي: شَدِيد.
قَالَ الشَّاعِر:
(فَإنَّك إِن لم ترض بكر بن وَائِل ... يكن لَك يَوْم بالعراق عصيب)
أَي: شَدِيد.
وَقَالَ آخر:
(يَوْم عصيب يعصب الأبطالا ... عصب القوى السّلم الطوالا)
قَوْله تَعَالَى: ﴿وجاءه قومه يهرعون إِلَيْهِ﴾ الْآيَة، يهرعون إِلَيْهِ مَعْنَاهُ: يسرعون ويهرولون؛ وَقد بَينا أَن لوطا قد مر مَعَهم بهم.
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: أَن الْمَلَائِكَة جَاءُوا إِلَى بَيت لوط - عَلَيْهِ السَّلَام - وَكَانَ لوط فِي دَاره، فَذَهَبت امْرَأَته السوء الْكَافِرَة إِلَى قومه وَأَخْبَرتهمْ مَجِيء هَؤُلَاءِ فَلَمَّا سمعُوا جَاءُوا لقصد الْفَاحِشَة.
﴿يعْملُونَ السَّيِّئَات قَالَ يَا قوم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هن أطهر لكم فَاتَّقُوا الله وَلَا تخزون فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُم رجل رشيد (78) قَالُوا لقد علمت مَا لنا فِي بناتك من حق وَإنَّك لتعلم مَا﴾
وَقَوله: ﴿وَمن قبل كَانُوا يعْملُونَ السَّيِّئَات﴾ يَعْنِي: الْفَوَاحِش؛ وَهِي: إتْيَان الرِّجَال.
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا قوم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هن أطهر لكم﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه عرض عَلَيْهِم بَنَات نَفسه تزويجا ونكاحا؛ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يجوز للمشرك أَن يتَزَوَّج بِمسلمَة؟
وَالْجَوَاب: أَن ذَلِك كَانَ جَائِزا فِي شريعتهم.
وَمِنْهُم من قَالَ: عرض عَلَيْهِم بِشَرْط الْإِسْلَام.
وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ قَول مُجَاهِد، وَسَعِيد بن جُبَير، وَغَيرهمَا -: أَنه عرض عَلَيْهِم نِسَاءَهُمْ، وسماهن بَنَات نَفسه؛ لِأَن النَّبِي للْأمة بِمَنْزِلَة الْأَب؛ وَفِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب: " النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وَهُوَ أَب لَهُم ". وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا قَالَ هَذَا على طَرِيق الدّفع، لَا على طَرِيق التَّحْقِيق، وَلم يرْضوا هَذَا القَوْل؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْصُوما من الْكَذِب.
وَقَوله: ﴿هن أطهر لكم﴾ مَعْنَاهُ: أحل لكم.
قَوْله: ﴿فَاتَّقُوا الله وَلَا تخزون فِي ضَيْفِي﴾ مَعْنَاهُ: خَافُوا الله وَلَا تفضحوني فِي أضيافي.
﴿أَلَيْسَ مِنْكُم رجل رشيد﴾ مَعْنَاهُ: أَلَيْسَ مِنْكُم رجل يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَيدْفَع الْقَوْم عَن أضيافي.
وَرُوِيَ عَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ: معنى قَوْله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُم رجل رشيد﴾ مَعْنَاهُ: أَلَيْسَ فِيكُم رجل يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله.
قَوْله: ﴿قَالُوا لقد علمت مَا لنا فِي بناتك من حق﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: مَا لنا فِي بناتم من حق، أَي: حَاجَة وشهوة.
وَالثَّانِي: مَا لنا فِي بناتك من حق، أَي: من نِكَاح.
وَقَوله ﴿وَإنَّك لتعلم مَا نُرِيد﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّا نُرِيد أدبار الرِّجَال.
﴿نُرِيد (79) قَالَ لَو أَن لي بكم قُوَّة أَو آوي إِلَى ركن شَدِيد (80) قَالُوا يَا لوط إِنَّا رسل رَبك لن يصلوا إِلَيْك فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد إِلَّا امْرَأَتك إِنَّه﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَو أَن لي بكم قُوَّة أَو آوي إِلَى ركن شَدِيد﴾ الْقُوَّة هَاهُنَا: هِيَ الْقُوَّة فِي الْبدن، أَو الْقُوَّة بالأتباع.
والركن الشَّديد: المنعة بالعشيرة.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " رحم الله أخي لوطا؛ لقد كَانَ يأوي إِلَى ركن شَدِيد " أَي: إِلَى الله.
رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة.
وَعَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: مَا بعث الله بعد ذَلِك نَبيا إِلَّا فِي مَنْعَة من قومه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا لوط إِنَّا رسل رَبك لن يصلوا إِلَيْك﴾ . روى أَنهم جَاءُوا وكسروا بَاب لوط وقصدوا الدُّخُول.
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: أَنهم كَانُوا ينازعون مَعَ لوط على الْبَاب، فَقَالَ جِبْرِيل: يَا لوط، افْتَحْ الْبَاب ودعهم يدخلُوا، فَلَمَّا دخلُوا ضرب بجناحه وُجُوههم فعموا كلهم، وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد راودوه عَن ضَيفه فطمسنا أَعينهم﴾ فَقَالُوا: يَا لوط، لقد جئتنا بِقوم سحرة، سترى مَا تلقى منا غَدا، وَكَانُوا جَاءُوا مسَاء.
وَقَوله: ﴿لن يصلوا إِلَيْك﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
وَقَوله: ﴿فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل﴾ قرئَ: " فسر " من السرى، و " فَأسر " من الْإِسْرَاء؛ والسرى: هُوَ السّير بِاللَّيْلِ.
وَقَالَ الشَّاعِر:
(عِنْد الصَّباح يحمد الْقَوْم السرى ... وتنجلي عني غيابات الْكرَى)
وَقَوله: ﴿أسر﴾ من الْإِسْرَاء، والمعنيان وَاحِد.
وَقَوله: ﴿بِقطع من اللَّيْل﴾ أَي: بآخر اللَّيْل.
وَقيل: إِنَّه السحر الأول.
قَالَ الشَّاعِر:
(ونائحة تنوح بِقطع ليل ... على ميت بقارعة الصَّعِيد)
﴿مصيبها مَا أَصَابَهُم إِن موعدهم الصُّبْح أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب (81) فَلَمَّا جَاءَ أمرنَا جعلنَا عاليها سافلها وأمطرنا عَلَيْهَا حِجَارَة من سجيل منضود﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد إِلَّا امْرَأَتك﴾ بِالرَّفْع، وَقُرِئَ: " إِلَّا امْرَأَتك " بِالنّصب؛ فَقَوله بِالنّصب مَعْنَاهُ: فَأسر بأهلك إِلَّا امْرَأَتك.
وَمن قَرَأَ بِالرَّفْع مَعْنَاهُ: وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد إِلَّا امْرَأَتك؛ فَإِنَّهَا تلْتَفت؛ فَروِيَ أَنَّهَا لما سَمِعت الهدة فِي هَلَاك الْقَوْم التفتت وَرَاءَهَا فأصابها حجر فَمَاتَتْ، وَقد كَانَ الله أَمر لوطا وَأَهله أَن لَا يلتفتوا.
وَقَوله: ﴿إِنَّه مصيبها مَا أَصَابَهُم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله: ﴿إِن موعدهم الصُّبْح﴾ رُوِيَ أَن لوطا - عَلَيْهِ السَّلَام - لما سمع هَذَا من جِبْرِيل قَالَ: يَا جِبْرِيل، أُرِيد أَن تهلكهم الْآن فَقَالَ لَهُ مجيبا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب﴾ ؟
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أمرنَا﴾ أَي: عذابنا.
وَقَوله: ﴿جعلنَا عاليها سافلها﴾ رُوِيَ أَن جِبْرِيل جعل جنَاحه تَحت مدائ لوط، وَهِي خمس مَدَائِن، وفيهَا أَرْبَعمِائَة ألف، وَقيل: فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف ألف - ثمَّ رفع الْمَدَائِن حَتَّى قربت من السَّمَاء وَسمع أهل السَّمَاء صياح الديكة ونباح الْكلاب، وَرُوِيَ أَنه لم يكفأ لَهُم إِنَاء وَلَا انتبه لَهُم نَائِم، ثمَّ قَلبهَا وأتبعهم الله تَعَالَى بِالْحِجَارَةِ، هَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿جعلنَا عاليها سافلها وأمطرنا عَلَيْهَا حِجَارَة من سجيل﴾ .
وَقَوله: ﴿من سجيل﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: سنك وكل؛ وَكلمَة سجيل فارسية معربة.
وَقيل: إِنَّه كَانَ طينا مطبوخا كالآجر.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن السجيل هُوَ السَّمَاء الدُّنْيَا.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن السجيل هُوَ السجين؛ أبدلت النُّون بِاللَّامِ.
وَقيل: إِن السجيل: مَأْخُوذ من السّجل؛ وَهُوَ سجل الدَّلْو.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَأَنا الْأَخْضَر من يعرفنِي ... أَخْضَر الْجلْدَة من بَيت الْعَرَب)
﴿مسومة عِنْد رَبك وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد (83) وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبا قَالَ يَا قوم﴾
(من يساجلني يساجل ماجدا ... يمْلَأ الدَّلْو إِلَى عقد الكرب)
وَمعنى السجيل فِي الْآيَة: هُوَ الْإِرْسَال، يَعْنِي: إرْسَال الْحِجَارَة.
وَقَوله: ﴿منضود﴾ مَعْنَاهُ: يتبع بَعْضهَا بَعْضًا.
وَقَوله: ﴿مسومة﴾ أَي: معلمة.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ عَلَيْهَا خطوط حمر فِي سَواد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: " مسومة " أَي: عَلَيْهَا أَسمَاء الْقَوْم.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ: أَنه كَانَ عَلَيْهَا شبه الخواتيم.
قَوْله: ﴿عِنْد رَبك﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد﴾ يَعْنِي: من ظالمي أهل مَكَّة بِبَعِيد.
وَقد رُوِيَ فِي بعض الْآثَار: أَن على رَأس كل ظَالِم حجرا مُعَلّقا فِي السَّمَاء ينْتَظر أَمر الله تَعَالَى.
وَهَذَا من الغرائب، وَالله أعلم.
وَفِي بعض الْقَصَص: أَنه كَانَ مِنْهُم رجل فِي الْحرم، فَبَقيَ الْحجر مُعَلّقا فِي السَّمَاء أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى خرج الرجل [وأصابه الْحجر] . وَرُوِيَ أَن الْحجر اتبع شرادهم ومسافريهم أَيْن كَانُوا فِي الْبِلَاد حَتَّى هَلَكُوا.
وَأورد بَعضهم أَن الله تَعَالَى أهلك مَدَائِن لوط سوى زعر، فَإِنَّهُ أبقاها للوط وَأَهله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبا﴾ قد بَينا أَن الْأُخوة هَاهُنَا هِيَ الْأُخوة فِي النّسَب لَا فِي الدّين.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه لم يكن بَين شُعَيْب وَأهل مَدين أخوة فِي النّسَب - أَيْضا - وَكَانَ غَرِيبا فيهم، وَإِنَّمَا أَرَادَ بالأخوة المجانسة فِي البشرية.
وَالصَّحِيح هُوَ الأول.
﴿اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره وَلَا تنقصوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِنِّي أَرَاكُم بِخَير وَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم مُحِيط (84) وَيَا قوم أَوْفوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَان بِالْقِسْطِ وَلَا تبخسوا النَّاس أشياءهم وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إِن كُنْتُم مُؤمنين وَمَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ (86) قَالُوا يَا شُعَيْب أصلاتك تأمرك أَن نَتْرُك مَا﴾
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَول: ﴿وَلَا تنقصوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَان﴾ مَعْنَاهُ: وَلَا تبخسوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَان.
وَكَانُوا مَعَ شركهم يُطَفِّفُونَ فِي الْمِكْيَال وَالْمِيزَان.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر أَنه كَانَ إِذا مر بِالسوقِ قَالَ: أَيهَا الباعة، أَوْفوا الْكَيْل وأوفوا الْوَزْن، وَقد سَمِعْتُمْ مَا فعل الله بِقوم شُعَيْب.
وَعَن ابْن عَبَّاس قريب من هَذَا.
وَقَوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُم بِخَير﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَي: بخصب وسعة.
وَقَوله: ﴿وَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم مُحِيط﴾ أَي: مُحِيط بكم فيهلككم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَا قوم أَوْفوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَان بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ.
وَقيل: تَقْوِيم لِسَان الْمِيزَان.
وَقَوله: ﴿وَلَا تبخسوا النَّاس أشياءهم﴾ أَي: لَا تنقصوا النَّاس أشياءهم.
وَقَوله: ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿بَقِيَّة الله خير لكم إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ مَعْنَاهُ: مَا أبقى الله لكم من الْحَلَال خير مِمَّا تأخذون بالبخس فِي الْمِكْيَال وَالْمِيزَان.
وَقيل: بَقِيَّة الله: طَاعَة الله.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ أَي: إِن كُنْتُم مُؤمنين أَن مَا عنْدكُمْ من رزق الله تَعَالَى وعطائه.
قَوْله: ﴿وَمَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ﴾ قيل مَعْنَاهُ: لم أُؤمر بقتالكم.
وَقيل: مَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ أَي: بوكيل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْب أصلاتك تأمرك أَن نَتْرُك﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أدينك يَأْمُرك؟ ، وَالثَّانِي: أقرآنك يَأْمُرك أَن نَتْرُك {مَا يعبد آبَاؤُنَا أَو أَن
﴿يعبد آبَاؤُنَا أَو أَن نَفْعل فِي أَمْوَالنَا مَا نشَاء إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد (87) قَالَ يَا قوم أَرَأَيْتُم إِن كنت على بَيِّنَة من رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رزقا حسنا وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب (88) وَيَا قوم لَا يجرمنكم شقاقي أَن يُصِيبكُم مثل مَا أصَاب قوم نوح أَو قوم﴾ نَفْعل فِي أَمْوَالنَا مَا نشَاء) يَعْنِي: من النُّقْصَان وَالزِّيَادَة: وَقيل: من قرض الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير، وَكَانَ قد نَهَاهُم عَن ذَلِك، وَزعم أَنه محرم عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد فِي زعمك؛ قَالُوا ذَلِك استهزاء.
وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: إِنَّك لأَنْت السَّفِيه الأحمق.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا قوم أَرَأَيْتُم إِن كنت على بَيِّنَة من رَبِّي﴾ مَعْنَاهُ: على بَيَان من رَبِّي.
وَقَوله: ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رزقا حسنا﴾ مَعْنَاهُ: رزقا حَلَالا.
وَفِي الْقِصَّة: أَن شعيبا كَانَ كثير المَال.
وَقيل: الرزق الْحسن هَاهُنَا: هُوَ النُّبُوَّة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ﴾ مَعْنَاهُ: مَا أُرِيد أَن آمركُم بِشَيْء وأعمل خِلَافه.
وَقَوله: ﴿إِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه﴾ دَلِيل على أَن الطَّاعَة لَا يُؤْتى بهَا إِلَّا بِتَوْفِيق الله، والتوفيق من الله: هُوَ التسهيل والتيسير والمعونة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلَيْهِ توكلت﴾ أَي: عَلَيْهِ اعتمدت.
وَقَوله: ﴿وَإِلَيْهِ أنيب﴾ مَعْنَاهُ: إِلَيْهِ أرجع.
قَوْله: ﴿وَيَا قوم لَا يجرمنكم شقاقي﴾ مَعْنَاهُ: لَا يكسبنكم وَلَا يحملنكم شقاقي أَي: خلافي على فعل ﴿أَن يُصِيبكُم﴾ فيصيبكم ﴿مثل مَا أصَاب قوم نوح﴾ من
﴿هود أَو قوم صَالح وَمَا قوم لوط مِنْكُم بِبَعِيد (89) وَاسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِن رَبِّي رَحِيم ودود (90) قَالُوا يَا شُعَيْب مَا نفقه كثيرا مِمَّا تَقول وَإِنَّا لنراك فِينَا ضَعِيفا﴾ الْغَرق ﴿أَو قوم هود﴾ من الرّيح ﴿أَو قوم صَالح﴾ من الصَّيْحَة الصعقة.
وَقَوله ﴿وَمَا قوم لوط مِنْكُم بِبَعِيد﴾ قيل: إِنَّهُم كَانُوا جيران قوم لوط فِي الديار، وَكَانَت مدائنهم قَرِيبا بَعْضهَا من بعض.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قد بَينا الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي رَحِيم ودود﴾ فِي الْوَدُود مَعْنيانِ:
أَحدهمَا: أَن الْوَدُود هُوَ الْمُحب لِعِبَادِهِ.
وَالثَّانِي: أَو الْوَدُود بِمَعْنى المودود أَي: يُحِبهُ الْعباد لفضله وإحسانه.
وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف أَن النَّبِي قَالَ: " أَحبُّوا الله بِمَا يغذوكم بِهِ مِنْهُ نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بَيْتِي لحبي ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي قَالَ: " كَانَ شُعَيْب خطيب الْأَنْبِيَاء ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْب مَا نفقه كثيرا مِمَّا تَقول﴾ مَعْنَاهُ: مَا نفهم كثيرا مِمَّا تَقول.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لنراك فِينَا ضَعِيفا﴾ فِي الضَّعِيف أَقْوَال، أَكثر الْمُفَسّرين أَن الضَّعِيف هَاهُنَا: هُوَ ضَرِير بالبصر.
وَيُقَال: إِنَّه لُغَة حمير.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الضَّعِيف هُوَ الضَّعِيف فِي الْبدن.
وَالثَّالِث: أَنه قَلِيل الأتباع.
﴿وَلَوْلَا رهطك لرجمناك وَمَا أَنْت علينا بعزيز (91) قَالَ يَا قوم أرهطي أعز عَلَيْكُم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إِن رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيط (92) وَيَا قوم اعْمَلُوا على﴾
وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا رهطك لرجمناك﴾ أَي: وَلَوْلَا عشيرتك لرجمناك، وَالرَّجم أقبح القتلات.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَنْت علينا بعزيز﴾ يَعْنِي: مَا أَنْت عندنَا بعزيز، وَإِنَّمَا نَتْرُكك لمَكَان رهطك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا قوم أرهطي أعز عَلَيْكُم من الله﴾ مَعْنَاهُ: أمكان رهطي عنْدكُمْ أهيب وَأَمْنَع من الله تَعَالَى؟ وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنكُمْ تركْتُم قَتْلِي بمَكَان رهطي فَأولى أَن تحفظوني فِي الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ مَعْنَاهُ: وألقيتم أَمر الله تَعَالَى وَرَاء ظهوركم.
يُقَال: فلَان جعل كَذَا مِنْهُ ظهريا أَي: أَلْقَاهُ وَرَاء ظَهره.
وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيط﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَذكر الْأَزْهَرِي فِي تَقْدِير الْآيَة وَمَعْنَاهَا قَالَ: إِنَّكُم تَزْعُمُونَ أَنكُمْ تتركون قَتْلِي لكرامة رهطي، فَأولى أَن تكرموا أَمر الله وتتبعوه؛ وَحَقِيقَة الْمَعْنى: هُوَ الْإِنْكَار على من اتَّقى النَّاس وَلم يتق الله.
قَالَ: وَقَوله: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ تَقول الْعَرَب: فلَان جعل كَذَا بِظهْر إِذا تَركه وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ.
قَالَ الشَّاعِر:
(تَمِيم بن قيس لَا تكونن حَاجَتي ... بِظهْر فَلَا يعيا على جوابها)
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَا قوم اعْمَلُوا على مكانتكم﴾ قيل: المكانة: هِيَ الْحَالة الَّتِي يتَمَكَّن فِيهَا الْمَرْء من الْفِعْل) .
وَمعنى الْآيَة: اعْمَلُوا على تمكنكم ومنزلتكم ﴿إِنِّي عَامل﴾ على تمكني ومنزلتي ﴿سَوف تعلمُونَ﴾ من ينجو وَمن يهْلك.
وَالْآيَة فِيهَا تهديد ووعيد شَدِيد، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن ﴿سَوف تعلمُونَ﴾ إِلَّا فِي هَذِه الْآيَة.
﴿مكانتكم إِنِّي عَامل سَوف تعلمُونَ من يَأْتِيهِ عَذَاب يخزيه وَمن هُوَ كَاذِب وارتقبوا إِنِّي مَعكُمْ رَقِيب (93) وَلما جَاءَ أمرنَا نجينا شعيبا وَالَّذين آمنُوا مَعَه برحمة منا وَأخذت الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة فَأَصْبحُوا فِي دِيَارهمْ جاثمين (94) كَأَن لم يغنوا فِيهَا أَلا بعدا لمدين كَمَا بَعدت ثَمُود (95) وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين (96) إِلَى﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿من يَأْتِيهِ عَذَاب يخزيه﴾ يذله ويفضحه ﴿وَمن هُوَ كَاذِب﴾ فِيهِ حذف، وَتَقْدِير الْآيَة: سَوف تعلمُونَ من يَأْتِيهِ عَذَاب يخزيه، وَمن هُوَ كَاذِب يخزى أَيْضا.
وَقَوله: ﴿وارتقبوا إِنِّي مَعكُمْ رَقِيب﴾ يَعْنِي: انتظروا إِنِّي مَعكُمْ منتظر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَ أمرنَا﴾ مَعْنَاهُ: لما جَاءَ وَقت عذابنا ﴿نجينا شعيبا وَالَّذين آمنُوا مَعَه برحمة منا وَأخذت الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ والصيحة: الْهَلَاك، تَقول الْعَرَب: صَاح فلَان فِي مَال فلَان أَي: أهلكه، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(فدع عَنْك نهبا صِيحَ فِي حجراته ... وَلَكِن حَدِيثا مَا حَدِيث الرَّوَاحِل)
رُوِيَ أَن عليا - رَضِي الله عَنهُ - تمثل بِهَذَا الْبَيْت فِي بعض أُمُوره.
وَيُقَال: إِن الصَّيْحَة هَاهُنَا صَيْحَة جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - صَاح بهم صَيْحَة وَاحِدَة فماتوا عَن آخِرهم، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فَأَصْبحُوا فِي دِيَارهمْ جاثمين﴾ أَي: ميتين خامدين، لَا يتحركون.