الشعراء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿وَلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدخل الْمَدِينَة على حِين غَفلَة من أَهلهَا فَوجدَ فِيهَا رجلَيْنِ يقتتلان هَذَا من شيعته وَهَذَا من﴾
وَقَوله: ﴿فرددناه إِلَى أمه كي تقر عينهَا﴾ أَي: تقر عينهَا برد مُوسَى إِلَيْهَا ﴿وَلَا تحزن﴾ أَي: وَلِئَلَّا تحزن.
وَقَوله: ﴿ولتعلم أَن وعد الله حق﴾ لِأَنَّهُ كَانَ قد وعدها أَنه يردهُ إِلَيْهَا.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ أَن وعد الله حق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما بلغ أشده﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الأشد: ثَلَاثُونَ سنة، وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ: أَربع وَثَلَاثُونَ سنة، وَقيل: ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة، وَقيل خمس وَعِشْرُونَ سنة، وَقيل: عشرُون سنة، وَقيل: [ثَمَانِي عشرَة] سنة.
وَقَوله: ﴿واستوى﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَرْبَعُونَ سنة، وَعَن غَيره: ﴿اسْتَوَى﴾ أَي: انْتهى شبابه.
وَقَوله: ﴿آتيناه حكما وعلما﴾ أَي: الْفِقْه وَالْعقل وَالْعلم.
وَقَوله: ﴿وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدخل الْمَدِينَة﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الْمَدِينَة كَانَت مَدِينَة عين شمس، وَقيل: مَدِينَة منف، وَعَن السّديّ قَالَ: كَانَ مُوسَى يركب من مراكب فِرْعَوْن، ويلبس من ملابسه، وَكَانَ يُسمى ابْن فِرْعَوْن، فَركب فِرْعَوْن مرّة فِي حشمه إِلَى بعض الْمَدَائِن، وَكَانَ مُوسَى غَائِبا فَرجع وَقد ركب فِرْعَوْن، فَركب فِي أَثَره، فوصل إِلَى الْمَدِينَة وَقت القائلة، وَقد اشْتغل النَّاس بالقيلولة، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وَدخل الْمَدِينَة على حِين غَفلَة من أَهلهَا﴾ أَي: غفلوا عَن ذكر مُوسَى.
وَقَوله: ﴿فَوجدَ فِيهَا رجلَيْنِ يقتتلان﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه وجد قبطيا يسخر إِسْرَائِيلِيًّا فِي حمل الْحَطب إِلَى مطبخ فِرْعَوْن، وَقَوله: ﴿يقتتلان﴾ أَي: يختصمان ويتنازعان، وَقَوله: ﴿هَذَا من شيعته وَهَذَا من عدوه﴾ أى: الإسرائيلي من شيعته، والقبطي من
﴿عدوه فاستغاثه الَّذِي من شيعته على الَّذِي من عدوه فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا من عمل الشَّيْطَان إِنَّه عَدو مضل مُبين (15) قَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي فغفر لَهُ إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم (16) قَالَ رب بِمَا أَنْعَمت عَليّ فَلَنْ أكون ظهيرا للمجرمين﴾ عدوه، وَكَانَت بَنو إِسْرَائِيل قد عزوا بمَكَان مُوسَى؛ لأَنهم كَانُوا يعلمُونَ أَنه مِنْهُم، وَيُقَال: ﴿هَذَا من شيعته وَهَذَا من عدوه﴾ أَي: هَذَا مُؤمن وَهَذَا كَافِر.
وَقَوله: ﴿فاستغاثه الَّذِي من شيعته﴾ الاستغاثة: طلب المعونة، وَقَوله: ﴿فوكزه مُوسَى﴾ قَرَأَ (ابْن مَسْعُود) : " فلكزه مُوسَى " واللكز والوكز (وَاحِد، وَهُوَ الضَّرْب بِجمع الْكَفّ، وَقيل الوكز هُوَ الضَّرْب فِي الصَّدْر، واللكز) هُوَ الضَّرْب فِي الظّهْر.
وَفِي بعض التفاسير: (أَن مُوسَى) عقد ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ وضربه ضَرْبَة بِهِ فِي صَدره، وَكَانَ شَدِيد الْبَطْش، فَقتل الرجل، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فَقضى عَلَيْهِ﴾ أَي: قَتله، يُقَال: قضى فلَان أَي: مَاتَ.
فَإِن قيل: كَيفَ يجوز هَذَا على مُوسَى؟ قُلْنَا: وَهُوَ لم يقْصد الْقَتْل، وَإِنَّمَا وَقع الْقَتْل خطأ، وَكَانَ قَصده استنقاذ الإسرائيلي من ظلمه.
وَقَوله: ﴿قَالَ هَذَا من عمل الشَّيْطَان﴾ أَي: من تزيينه، وَقَوله: ﴿إِنَّه عَدو مضل مُبين﴾ أَي: مضل بَين الضَّلَالَة،
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي﴾ يَعْنِي: بقتل القبطي من غير أمره ﴿فَاغْفِر لي﴾ أَي: فَاغْفِر لي بِمَا عملت.
وَقَوله: ﴿فغفر لَهُ إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ أَي: غفر الله لَهُ، إِن الله غَفُور رَحِيم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب بِمَا أَنْعَمت عَليّ﴾ مننت عَليّ بالمغفرة.
وَقَوله: ﴿فَلَنْ أكون ظهيرا للمجرمين﴾ أَي: معاونا للمجرمين، وَفِي بعض التفاسير: أَن قَوْله: ﴿فَلَنْ أكون ظهيرا للمجرمين﴾ كَانَت زلَّة من مُوسَى حِين لم يقرن بِهِ مَشِيئَة الله أَو الاستغاثة من الله، وقلما يَقُول الْإِنْسَان هَذَا القَوْل، وَيُطلق هَذَا الْإِطْلَاق إِلَّا ابتلى، فَابْتلى مُوسَى فِي الْيَوْم الثَّانِي مَا ذكره الله تَعَالَى، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى:
( ﴿17) فَأصْبح فِي الْمَدِينَة خَائفًا يترقب فَإِذا الَّذِي استنصره بالْأَمْس يستصرخه قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّك لغَوِيّ مُبين (18) فَلَمَّا أَن أَرَادَ أَن يبطش بِالَّذِي هُوَ عَدو لَهما قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تقتلني كَمَا قتلت نفسا بالْأَمْس إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تكون جبارا فِي الأَرْض وَمَا تُرِيدُ﴾
﴿فَأصْبح فِي الْمَدِينَة خَائفًا يترقب﴾ . قَالَ سعيد بن جُبَير: يلْتَفت وَيُقَال: ينْتَظر الطّلب، وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى حِين قتل ذَلِك الرجل لم يره أحد، وَدفن لرجل فِي الرمل.
وَرُوِيَ أَن قومه وجدوه قَتِيلا، فَجَاءُوا إِلَى فِرْعَوْن وَذكروا لَهُ ذَلِك.
فَقَالَ: اطْلُبُوا قَاتله لأقيده بِهِ، فَجعلُوا يطلبونه ومُوسَى يخَاف.
وَقَوله: ﴿فَإِذا الَّذِي استنصره بالْأَمْس يستصرخه﴾ أَي: يستغيث بِهِ ويصيح بِهِ من بعد، وَكَانَ ذَلِك الإسرائيلي سَخَّرَهُ قبْطِي آخر، فَبَصر بِهِ مُوسَى فَطلب مِنْهُ المعونة.
وَقَوله: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّك لغوى مُبين﴾ الْأَكْثَرُونَ أَن هَذَا قَالَه مُوسَى للإسرائيلي، فَإِنَّهُ كَانَ أغواه أمس أَي: أوقعه فِي الغواية، فَمَعْنَى قَوْله: ﴿غوى﴾ : موقع فِي الغواية.
وَقَوله: ﴿مُبين﴾ أَي: بَين، وَيُقَال: إِن هَذَا قَالَه للقبطي، وَالأَصَح هُوَ الأول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَن أَرَادَ أَن يبطش بِالَّذِي هُوَ عَدو لَهما﴾ فِي التَّفْسِير: إِن مُوسَى أَدْرَكته الرقة وَالرَّحْمَة للإسرائيلي، فقصد أَن يبطش بالقبطي، فَظن الإسرائيلي أَنه يُرِيد أَن يبطش بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَالَ لَهُ: " إِنَّك لغوى مُبين ".
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تقتلني﴾ يَعْنِي: قَالَ الإسرائيلي: ﴿كَمَا قتلت نفسا بالْأَمْس إِن تُرِيدُ﴾ أَي: مَا تُرِيدُ ﴿إِلَّا أَن تكون جبارا فِي الأَرْض﴾ ، أَي: تقتل على الْغَضَب، وكل من قتل على الْغَضَب فَهُوَ جَبَّار، وَيُقَال: من قتل نفسين بِغَيْر حق فَهُوَ من جبابرة الأَرْض.
وَقَوله: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تكون من المصلحين﴾ أَي: الرافقين بِالنَّاسِ، وَفِي الْقِصَّة: أَن الإسرائيلي لما قَالَ هَذَا وسَمعه القبطي، عرف أَن الَّذِي قتل بالْأَمْس إِنَّمَا قَتله مُوسَى، فَمر إِلَى فِرْعَوْن وَذكر لَهُ ذَلِك، فَبعث فِي طلب مُوسَى ليَقْتُلهُ بِهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاء رجل من أقْصَى الْمَدِينَة يسْعَى﴾ يُقَال: كَانَ اسْمه شَمْعُون، وَيُقَال: شمعان، وَقيل: هُوَ (حزقيل) مُؤمن [من] آل فِرْعَوْن.
﴿أَن تكون من المصلحين (19) وَجَاء رجل من أقصا الْمَدِينَة يسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك فَاخْرُج إِنِّي لَك من الناصحين (20) فَخرج مِنْهَا خَائفًا يترقب قَالَ رب نجني من الْقَوْم الظَّالِمين (21) وَلما توجه تِلْقَاء مَدين قَالَ عَسى رَبِّي أَن﴾
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِن الْمَلأ يأتمرون بك﴾ أَي: يتشاورون فِي قَتلك، وَقيل: يَأْمر بَعضهم بَعْضًا بقتلك، وَقيل: إِن فِرْعَوْن قَالَ: أَيْن وجدتموه فَاقْتُلُوهُ.
وَقَوله: ﴿فَاخْرُج إِنِّي لَك من الناصحين﴾ أَي: من الناصحين لَك فِي الْأَمر بِالْخرُوجِ، والنصح للْإنْسَان هُوَ الْإِشَارَة عَلَيْهِ بِمَا يصلح أمره، وَقد كَانَ السّلف يطْلب هَذَا بَعضهم من بعض.
قَالَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ حِين خطب: إِن أَحْسَنت فَأَعِينُونِي، وَإِن زِغْت فقوموني.
وَرُوِيَ أَن رجلا قَالَ لعمر: اتَّقِ الله يَا عمر، فَأنْكر عَلَيْهِ بَعضهم، فَقَالَ عمر: دَعه، فَمَا نزال بِخَير مَا قيل لنا هَذَا.
وَعَن بَعضهم أَنه قيل لَهُ: أَتُرِيدُ أَن تنصح؟ قَالَ: أما سرا فَنعم، وَأما جَهرا فَلَا.
قَوْله: ﴿فَخرج مِنْهَا خَائفًا يترقب﴾ أَي: ينْتَظر الطّلب، وَفِي الْقِصَّة: أَن فِرْعَوْن بعث لطلبه حِين أخبر بهربه، وَقَالَ: اركبوا ثنيات الطَّرِيق، فَإِنَّهُ لَا يعرف كَيفَ الطَّرِيق.
وَرُوِيَ أَنه خرج متوهجا لَا يدْرِي أَيْن ذهب، فَبعث الله تَعَالَى ملكا حَتَّى هداه إِلَى الطَّرِيق، وَفِي بعض التفاسير: أَنه خرج حافيا يعدو ثَمَان لَيَال لَيْسَ مَعَه زَاد، قَالَ ابْن عَبَّاس: وَهُوَ أول ابتلاء من الله لمُوسَى يسْقط خف قدمه، وَجعل يَأْكُل البقل حَتَّى كَانَ يرى خضرته فِي بَطْنه.
وَقَوله: ﴿قَالَ رب نجني من الْقَوْم الظَّالِمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما توجه تِلْقَاء مَدين﴾ أَي: قبل مَدين.
وَقَوله: ﴿قَالَ عَسى رَبِّي أَن يهديني﴾ أَي: يرشدني رَبِّي ﴿سَوَاء السَّبِيل﴾ أَي: وسط الطَّرِيق، ووسط الطَّرِيق هُوَ السَّبِيل الَّذِي يُوصل إِلَى الْمَقْصُود، ومدين اسْم رجل نسبت الْبَلدة إِلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِر فِي الْمَدَائِن:
﴿يهديني سَوَاء السَّبِيل (22) وَلما ورد مَاء مَدين وجد عَلَيْهِ أمة من النَّاس يسقون وَوجد من دونهم امْرَأتَيْنِ تذودان قَالَ مَا خطبكما قَالَتَا لَا نسقي حَتَّى يصدر الرعاء وأبونا شيخ﴾
(رُهْبَان مَدين لَو رأوك تنزلوا ... والعصم من شعف الْعُقُول الفادر)
وَقَالَ أهل الْمعَانِي: التَّوَجُّه إِلَى جِهَة من الْجِهَات.
وَقَوله: ﴿تِلْقَاء مَدين﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: نَحْو مَدين.
وَقَوله: ﴿عَسى رَبِّي أَن يهديني سَوَاء السَّبِيل﴾ قَالَ مُجَاهِد: طَرِيق مَدين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما ورد مَاء مَدين﴾ يَعْنِي: لما ورد مُوسَى مَاء مَدين، وَهُوَ بِئْر كَانُوا يسقون مِنْهَا أغنامهم ومواشيهم.
وَقَوله: ﴿وجد عَلَيْهِ أمة من النَّاس يسقون﴾ أَي: جمَاعَة.
وَقَوله: ﴿وَوجد من دونهم امْرَأتَيْنِ﴾ أَي: سوى الْجَمَاعَة امْرَأتَيْنِ، وَقيل: بَعيدا من الْجَمَاعَة امْرَأتَيْنِ.
وَقَوله: ﴿تذودان﴾ أَي: تحبسان وتكفان أغنامهما من مُخَالطَة أَغْنَام النَّاس.
وَقَالَ قَتَادَة: تزودان أَي: تكفان النَّاس عَن أغنامهما، قَالَ الشَّاعِر:
(فقد سلبت عصاك بَنو تَمِيم ... فَلَا أَدْرِي بِأَيّ عَصا تذود)
وَأنْشد قطرب شعرًا:
(أَبيت على بَاب القوافي كَأَنَّمَا ... أذود بهَا سربا من الْوَحْش نزعا)
وَقَوله: ﴿مَا خطبكما﴾ أَي: قَالَ مُوسَى للمرأتين: مَا خطبكما؟ أَي: مَا شأنكما؟ والخطب: الْأَمر المهم، وَإِنَّمَا سَأَلَ هَذَا عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا تسقيان الْغنم مَعَ النَّاس.
وَقَوله: ﴿قَالَتَا لَا نسقي﴾ يَعْنِي: لَا نسقي غنمنا، وَقَوله: ﴿حَتَّى يصدر الرعاء﴾ (وَقُرِئَ: " حَتَّى يصدر الرعاء " فَقَوله: ﴿حَتَّى يصدر الرعاء﴾ أَي: يرجع الرعاء بأغنامهم، وَقَوله: ﴿حَتَّى يصدر الرعاء﴾ ) . أَي: يصدر الرعاء أغنامهم، قَالَ
(كَبِير (23) فسقى لَهما ثمَّ تولى إِلَى الظل فَقَالَ رب إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهمَا تمشي على استحياء قَالَت إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك أجر مَا) قَتَادَة.
كَانَتَا تسقيان أغنامهما مَا تفضل من مياه الْقَوْم.
وَقَالَ بَعضهم: لم تسقيا أغنامهما كَرَاهَة مزاحمة الرِّجَال.
وَقَوله: ﴿وأبونا شيخ كَبِير﴾ لَا يقدر على سقِِي الْغنم، كَأَنَّهُمَا جعلتا ذَلِك عذرا لَهما، وَقيل: إِنَّمَا قَالَتَا ذَلِك استعطافا لقلب مُوسَى حَتَّى يسقيهما، قَالَ ابْن عَبَّاس: وصل مُوسَى أَي: مَاء مَدين وخضرة البقل يرى فِي أمعائه من الهزال.
وَقَوله: ﴿فسقى لَهما﴾ فِي الْقِصَّة: أَن الْقَوْم رجعُوا بأغنامهم، وغطوا رَأس الْبِئْر بِحجر، لَا يرفعهُ إِلَّا عشرَة نفر، فجَاء مُوسَى وَرفع الْحجر وَحده، وَسَقَى غنم الْمَرْأَتَيْنِ.
وَيُقَال: إِنَّه نزع ذنوبا ودعا فِيهِ بِالْبركَةِ، فروى مِنْهُ جَمِيع الْغنم.
وَذكر ابْن إِسْحَاق: أَن مُوسَى زاحم الْقَوْم وأخرهم، ونحاهم عَن رَأس الْبِئْر وَسَقَى غنم الْمَرْأَتَيْنِ.
وَقَوله: ﴿ثمَّ تولى إِلَى الظل﴾ يُقَال: كَانَ ظلّ شَجَرَة، وَيُقَال: كَانَ ظلّ حَائِط بِلَا سقف.
وَقَوله: ﴿فَقَالَ رب إِنِّي لما أنزلت إِلَيّ من خير فَقير﴾ أجمع الْمُفَسِّرُونَ على أَنه طلب من الله الطَّعَام لجوعه، قَالَ ابْن عَبَّاس فلقَة خبز، أَو قَبْضَة تمر.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: لم يكن على وَجه الأَرْض أكْرم مِنْهُ، وَكَانَ مُحْتَاجا إِلَى شقّ تَمْرَة.
وَقَالَ مُجَاهِد: طلب الْخبز.
وَفِي بعض الْآثَار: أَن الله تَعَالَى أخرج للخبز بَرَكَات السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَعَن بَعضهم: لَوْلَا الْخبز مَا عبد الله.
وَالْعرب تسمي الْخبز جَابِرا، قَالَ بَعضهم شعرًا:
(لَا تلوموني ولوموا جَابِرا ... فجابر كلفني الهواجرا)
يَعْنِي: الْعَمَل بالهاجرة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهمَا﴾ فِي الْآيَة حذف، وَهُوَ أَن الْمَرْأَتَيْنِ رجعتا إِلَى أَبِيهِمَا، وَأكْثر أهل التَّفْسِير أَن أباهما كَانَ هُوَ: شُعَيْب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هُوَ رجل مِمَّن آمن بشعيب، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ ابْن أخي شُعَيْب، فَلَمَّا
﴿سقيت لنا فَلَمَّا جَاءَهُ وقص عَلَيْهِ الْقَصَص قَالَ لَا تخف نجوت من الْقَوْم الظَّالِمين (25) قَالَت إِحْدَاهمَا يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الْأمين (26) قَالَ إِنِّي أُرِيد﴾ رجعتا إِلَى أَبِيهِمَا بِسُرْعَة أنكر رجوعهما، فذكرتا لَهُ قصَّة الرجل، فَبعث إِحْدَاهمَا فِي طلبه.
وَقَوله: ﴿تمشي على استحياء﴾ روى عَمْرو بن مَيْمُون، عَن عمر أَنه قَالَ: ليبست بسلفع من النِّسَاء، وَلَا خراجة وَلَا ولاجة، وَلَكِن وضعت كمها على وَجههَا استحياء.
وَقَوله: ﴿قَالَت إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك أجر مَا سقيت لنا﴾ أَي: ليطعمك ويثيبك أجر مَا سقيت لنا أَي: عوض مَا سقيت لنا.
قَالَ أَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار: لما سمع مُوسَى هَذَا أَرَادَ أَلا يذهب وَلَكِن كَانَ جائعا، فَلم يجد بدا من الذّهاب، فمشت الْمَرْأَة وَمَشى مُوسَى خلفهَا، فَجعلت الرّيح تضرب ثوبها، وتصف عجيزتها، فكره مُوسَى ذَلِك، فَقَالَ: يَا أمة الله، امشي خَلْفي وصفي لي الطَّرِيق، فَفعلت كَذَلِك، فَلَمَّا وصل مُوسَى إِلَى دَار شُعَيْب، فَإِذا الْعشَاء تهَيَّأ، فَقَالَ: يَا شَاب، اجْلِسْ، فَكل، فَقَالَ: معَاذ الله، إِنَّا أهل بَيت لَا نطلب على عمل من أَعمال الْآخِرَة عوضا من الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ شُعَيْب: إِن هَذَا عاداتي وعادات آبَائِي، نقري الضَّيْف ونطعم الطَّعَام، فَجَلَسَ وَأكل.
هَذَا كُله قَول أبي حَازِم.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وقص عَلَيْهِ الْقَصَص﴾ يَعْنِي: مَا لَقِي من فِرْعَوْن وَأمره من أَوله إِلَى آخِره.
وَقَوله: ﴿لَا تخف نجوت من الْقَوْم الظَّالِمين﴾ إِنَّمَا قَالَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لم يكن لفرعون سُلْطَان على مَدين، والظالمين: فِرْعَوْن وَقَومه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت إِحْدَاهمَا يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ﴾ أَي: اسْتَأْجرهُ لرعي الْغنم.
وَفِي الْقِصَّة: أَن شعيبا قَالَ لابنته: وَمَا علمك بقوته وأمانته؟ فَقَالَت: أما قوته فَلِأَنَّهُ حمل حجرا لَا يحملهُ إِلَّا عشرَة من الرِّجَال، وَأما أَمَانَته فَإِنَّهُ قَالَ لي: امش خَلْفي لِئَلَّا تصف
﴿أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين على أَن تَأْجُرنِي ثَمَانِي حجج فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك وَمَا أُرِيد أَن أشق عَلَيْك ستجدني إِن شَاءَ الله من الصَّالِحين (27) قَالَ ذَلِك بيني﴾ الرّيح بدنك، وَيُقَال: القوى فِيمَا مَا يَلِي، والأمين فِيمَا يستودع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيد أَن أنكحك إِحْدَى ابْنَتي هَاتين﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير: أَنه زوجه الصُّغْرَى مِنْهُمَا، وَاسْمهَا صفوراء، وَهِي الَّتِي ذهبت لطلب مُوسَى.
وَقَوله: ﴿على أَن تَأْجُرنِي﴾ أَي: تكون أجيري، وَقيل: على أَن تثيبني.
﴿ثَمَانِي حجج﴾ أَي: ثَمَان سِنِين.
قَوْله: ﴿فَإِن أتممت عشرا فَمن عنْدك﴾ يَعْنِي: هُوَ تبرع من عنْدك.
وَقَوله: ﴿وَمَا أُرِيد أَن أشق عَلَيْك﴾ أَي: مَا ألزمك تَمام الْعشْرَة إِلَّا أَن تتبرع.
وَقَوله: ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصَّالِحين﴾ أَي: الرافقين بك، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ اخلفني فِي قومِي وَأصْلح﴾ أَي: ارْفُقْ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ ذَلِك بيني وَبَيْنك﴾ أَي: هَذَا الشَّرْط بيني وَبَيْنك.
﴿أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت﴾ أَي: أَي الْأَجَليْنِ قضيت، و " مَا " صلَة.
وَقَوله: ﴿فَلَا عدوان عَليّ﴾ أَي: لَا أطلب بِالزِّيَادَةِ، وَقَوله: ﴿وَالله على مَا نقُول وَكيل﴾ أَي: شَاهد، وَقيل: حفيظ.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أجر مُوسَى نَفسه بطعمة بَطْنه وعفة فُرْجَة ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي سُئِلَ: أَي
﴿وَبَيْنك أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت فَلَا عدوان عَليّ وَالله على مَا نقُول وَكيل (28) فَلَمَّا قضى﴾ الْأَجَليْنِ وفى مُوسَى؟ قَالَ: " أكملهما وأتمهما ".
وروى شَدَّاد بن أَوْس عَن النَّبِي: " أَن شعيبا بَكَى حَتَّى عمي فَرد الله عَلَيْهِ بَصَره، (ثمَّ بَكَى حَتَّى عمي، فَرد الله عَلَيْهِ بَصَره) ، ثمَّ بَكَى حَتَّى عمي، فَقَالَ الله تَعَالَى: لم تبك يَا شُعَيْب؟ أخوفاً من النَّار أَو طَمَعا فِي الْجنَّة؟ فَقَالَ: لَا يَا رب، وَلَكِن أحبك وَقَالَ بَعضهم: شوقا إِلَى لقائك قَالَ: يَا شُعَيْب، وَلذَلِك أخدمتك مُوسَى كليمي " وَالْخَبَر غَرِيب.
وَأما قصَّة الْعَصَا: إِن شعيبا قَالَ لابنته: أعطي مُوسَى عَصا ليتقوى بهَا على رعي الْغنم، وَكَانَ عِنْده عَصا أودعها ملك مِنْهُ، فَدخلت بنت شُعَيْب، وَوَقعت هَذِه الْعَصَا بِيَدِهَا وَخرجت بهَا، فَقَالَ شُعَيْب: ردي هَذِه الْعَصَا، وخذي عَصا أُخْرَى، فَردَّتهَا، وأرادت أَن تَأْخُذ عَصا أُخْرَى فَوَقَعت بِيَدِهَا هَذِه الْعَصَا، هَكَذَا ثَلَاث مَرَّات، فَسلم
﴿مُوسَى الْأَجَل وَسَار بأَهْله آنس من جَانب الطّور نَارا قَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا﴾ شُعَيْب الْعَصَا إِلَى مُوسَى، وَخرج مُوسَى بالعصا، ثمَّ إِن الشَّيْخ نَدم فَذهب فِي أَثَره، وَطلب مِنْهُ أَن يرد الْعَصَا إِلَيْهِ، وأبى مُوسَى، فَقَالَا: نَتَحَاكَم إِلَى أول من يَلْقَانَا، فلقيهما ملك فِي صُورَة رجل، (فَحكم بِأَن يطْرَح) الْعَصَا، فَمن أطَاق حملهَا فَهِيَ لَهُ، فَطرح مُوسَى الْعَصَا، فجَاء شُعَيْب ليأخذها فَلم يطق حملهَا، وَجَاء مُوسَى فَأَخذهَا وَذهب بالعصا.
أورد هَذَا وهب وَابْن إِسْحَاق وَغَيرهمَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الْأَجَل وَسَار بأَهْله﴾ فِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى لما أتم الْأَجَل وَسلم شُعَيْب ابْنَته إِلَيْهِ، قَالَ مُوسَى للْمَرْأَة: اطلبي من أَبِيك ليجعل بعض الْغنم لنا، فطلبت من أَبِيهَا ذَلِك، فَقَالَ شُعَيْب: كل مَا ولدت هَذَا الْعَام على غير شيتها، وَقيل: كلما ولدت بلقاء فَهِيَ لَكمَا، فجَاء مُوسَى إِلَى المَاء الَّذِي تشرب مِنْهُ الْغنم، وَوضع الْعَصَا فِي المَاء، وَرُوِيَ أَنه كلما شربت شَاة من الْغنم فَجعل يضْرب جنبها بالعصا، فَولدت ذَلِك الْعَام كلهَا على غير شيتها، وَقَالَ: ولدت بلقاء، ثمَّ إِن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام اسْتَأْذن من شُعَيْب ليرْجع إِلَى مصر، يزور والدته وأخاه، فَأذن لَهُ، فَسَار بأَهْله إِلَى جَانب مصر.
وَقَوله: ﴿آنس من جَانب الطّور نَارا﴾ رُوِيَ أَن مُوسَى كَانَ رجلا غيورا، وَكَانَ يصحب الرّفْقَة بِاللَّيْلِ، ويفارقهم بِالنَّهَارِ، فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي أَرَادَ الله كرامته فِيهَا، أَخطَأ الطَّرِيق؛ لِأَن الظلمَة اشتدت وَاشْتَدَّ الْبرد، وَانْقطع عَن الرّفْقَة فَجعل يقْدَح الزند فَلَا يورى، ثمَّ إِنَّه أبْصر نَارا من قبل الطّور، وَكَانَ نورا وَلم تكن نَارا، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿آنس من جَانب الطّور نَارا﴾ أَي: أبْصر.
وَقَوله: ﴿قَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا﴾ أَي: أَبْصرت نَارا.
﴿لعَلي آتيكم مِنْهَا بِخَبَر أَو جذوة من النَّار لَعَلَّكُمْ تصطلون (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطئ الواد الْأَيْمن فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة من الشَّجَرَة أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿لعَلي آتيكم مِنْهَا بِخَبَر﴾ أَي: بِخَبَر عَن الطَّرِيق؛ لِأَنَّهُ قد أَخطَأ الطَّرِيق، وَقَوله: ﴿أَو جذوة من النَّار﴾ أَي: قِطْعَة من النَّار، وَقيل: عود فِي رَأسه نَار.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تصطلون﴾ أَي: (تصطلون) بهَا فتذهب عَنْكُم الْبرد، وَيُقَال: أحسن من الصلى فِي لشتاء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطئ الْوَادي الْأَيْمن﴾ أَي: يَمِين مُوسَى، والشاطئ هُوَ الْجَانِب.
وَقَوله: ﴿فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة﴾ سمى الْبقْعَة الْمُبَارَكَة لِأَن الله تَعَالَى كلم مُوسَى فِيهَا، فَإِن قيل: فَلم لم يسم الشَّجَرَة مباركة وَقد قَالَ: ﴿من الشَّجَرَة﴾ ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ إِذا ذكرت الْبركَة فِي الْبقْعَة، فقد ذكرت فِي الشَّجَرَة، فَذكر الْبقْعَة؛ لِأَنَّهَا أَعم.
وَقَوله: ﴿من الشَّجَرَة﴾ قَالُوا: كَانَت شَجَرَة العوسج هِيَ أول شَجَرَة غرست فِي الأَرْض، وَقيل: شجر العليق.
وَقَوله: ﴿أَن ياموسى إِنِّي انا الله رب الْعَالمين﴾ أى: رب الْجِنّ وَالْإِنْس وَالْمَلَائِكَة وَالْخَلَائِق أَجْمَعِينَ.
وَقَوله: ﴿من الشَّجَرَة﴾ قَالَ الزّجاج والنحاس وَغَيرهمَا: كلم الله مُوسَى من الشَّجَرَة بِلَا كَيفَ.
وَعَن الضَّحَّاك: من نَحْو الشَّجَرَة.
وَعند الْمُعْتَزلَة: أَن الله تَعَالَى خلق كلَاما فِي الشَّجَرَة، فَسمع مُوسَى ذَلِك الْكَلَام، وَهَذَا عندنَا بَاطِل، وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي كلم مُوسَى على مَا ورد بِهِ النَّص، وَإِذا كَانَ على هَذَا الْوَجْه الَّذِي قَالُوا فَيكون الله خَالِقًا لَا مكلما؛ لِأَنَّهُ يُقَال: خلق فَهُوَ خَالق، وَلَا يُقَال: خلق فَهُوَ مُكَلم.
وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى لما رأى النَّار، ترك أَهله وَولده، وَتوجه نَحْو النَّار، فَبَقيَ أَهله
((30} وَأَن ألق عصاك فَلَمَّا رَآهَا تهتز كَأَنَّهَا جَان ولى مُدبرا وَلم يعقب يَا مُوسَى أقبل وَلَا تخف إِنَّك من الْآمنينَ (31) اسلك يدك فِي جيبك تخرج بَيْضَاء من غير سوء) فِي ذَلِك الْمَكَان ثَلَاثِينَ سنة، حَتَّى مر بهَا رَاع فرآها حزينة باكية، فَردهَا إِلَى أَبِيهَا، ذكره النقاش فِي تَفْسِيره.
وَقَوله: ﴿إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين﴾ قد بَينا من قبل،
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن ألق عصاك﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن الْعَصَا كَانَ من آس الْجنَّة، وَقعت إِلَى آدم، ثمَّ من آدم إِلَى نوح، ثمَّ من نوح إِلَى إِبْرَاهِيم، ثمَّ من إِبْرَاهِيم إِلَى شُعَيْب، وَكَانَ لَا يَأْخُذهَا غير نَبِي إِلَّا أَكلته، وَكَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا بالسُّرْيَانيَّة أَنا الأول أَنا الآخر أَنا الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت أبدا.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تهتز﴾ أَي: تتحرك ﴿كَأَنَّهَا جَان﴾ الجان: الْحَيَّة الصَّغِيرَة، والثعبان: الْحَيَّة الْعَظِيمَة.
وَقد ذكرنَا التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ، قد قَالَ بَعضهم: كَانَ فِي ابْتِدَاء الْأَمر حَيَّة صَغِيرَة، ثمَّ صَارَت تعظم حَتَّى صَارَت ثعبانا.
وَقَوله: ﴿ولى مُدبرا﴾ أَي: من الْخَوْف، فَإِن قيل: لم خَافَ مُوسَى وَهُوَ فِي مثل ذَلِك الْمقَام؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ رأى شَيْئا بِخِلَاف الْعَادة، وَمن رأى شَيْئا بِخِلَاف الْعَادة فخاف عذر، وَقد رُوِيَ أَنَّهَا لما صَارَت حَيَّة ابتلعت مَا حولهَا من لصخور وَالْأَشْجَار، وَسمع مُوسَى لأسنانها صريفا عَظِيما، فهرب.
وَقَوله: ﴿وَلم يعقب﴾ أَي: لم يلْتَفت، وَقَوله: ﴿يَا مُوسَى أقبل وَلَا تخف إِنَّك من الْآمنينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿اسلك يدك فِي جيبك﴾ أَي: أَدخل يدك فِي جيبك، وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَت عَلَيْهِ مدرعة مصرية من صوف.
وَقَوله: ﴿تخرج بَيْضَاء من غير سوء﴾ يُقَال: خرجت وَلها شُعَاع كضوء الشَّمْس.
وَقَوله: ﴿واضمم إِلَيْك جناحك من الرهب﴾ حكى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَن
3 - ﴿واضمم إِلَيْك جناحك من الرهب فذانك برهانان من رَبك إِلَى فِرْعَوْن وملئه إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين (32) قَالَ رب إِنِّي قتلت مِنْهُم نفسا فَأَخَاف أَن يقتلُون (33) وَأخي هَارُون هُوَ أفْصح مني لِسَانا فَأرْسلهُ معي ردْءًا يصدقني إِنِّي أَخَاف أَن يكذبُون (34) ﴾ مَعْنَاهُ: ضع يدك على صدرك.
والجناح: الْيَد، قَالَ: وَمَا من خَائِف بعد مُوسَى إِلَّا إِذا وضع يَده على صَدره زَالَ خَوفه.
وَذكر الْفراء فِي كِتَابه: أَن الْجنَاح هَاهُنَا هُوَ لعصا، وَمَعْنَاهُ: اضمم إِلَيْك عصاك.
وَمن الْمَعْرُوف أَن الْجنَاح هُوَ الْعَضُد، وَقيل: جَمِيع الْيَد، وَقيل: مَا تَحت الْإِبِط، والخائف إِذا ضم إِلَيْهِ يَده خف خَوفه.
وَعَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أَن الرهب هُوَ الْكمّ بِهِ، فَيكون معنى الْآيَة على هَذَا: واضمم إِلَيْك عصاك ويدك الَّتِي فِي كمك فقد جعلناها آيَتَيْنِ لَك، وَيقْرَأ: " من الرهب " وَقيل: الرهب والرهب بِمَعْنى وَاحِد كالرشد والرشد، وَالْمعْنَى الظَّاهِر فِيهِ أَنه الْخَوْف.
وَقَوله: ﴿فذاناك برهانان من رَبك﴾ أَي: آيتان وحجتان من رَبك.
وَقَوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْن وملئه﴾ يَعْنِي: وَأَتْبَاعه.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين﴾ أَي: خَارِجين عَن الطَّاعَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي قتلت مِنْهُم نفسا فَأَخَاف أَن يقتلُون﴾ يَعْنِي: القبطي.
وَقَوله: ﴿وَأخي هَارُون هُوَ أفْصح مني لِسَانا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: كَانَ فِي لِسَان مُوسَى عقدَة من الْوَقْت الَّذِي أَخذ بلحية فِرْعَوْن، وَأخذ الْجَمْرَة بعد ذَلِك وألقاه فِي فِيهِ على مَا ذكرنَا من قبل.
وَقَوله: ﴿فَأرْسلهُ معي ردْءًا﴾ أَي: عونا.
﴿يصدقني﴾ أَي مُصدقا لي، وَقُرِئَ: " يصدقني " بِسُكُون الْقَاف أَي: إِن كَذَّبُونِي هُوَ يصدقني.
وَقَوله: ﴿إِنِّي أَخَاف أَن يكذبُون﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْن وَقَومه.
﴿قَالَ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لَكمَا سُلْطَانا فَلَا يصلونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتبعكما الغالبون (35) فَلَمَّا جَاءَهُم مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَات قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سحر مفترى وَمَا سمعنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلين (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أعلم بِمن جَاءَ بِالْهدى من﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ سنشد عضدك بأخيك﴾ وَهَذَا على طَرِيق التَّمْثِيل؛ لِأَن قُوَّة الْيَد بالعضد.
وَفِي الْكَلَام الْمَنْقُول من الْعَرَب أَن رجلا قيل لَهُ: مَاتَ أَبوك، قَالَ: ملكت نَفسِي، قيل لَهُ: مَاتَ ولدك، قَالَ: تفرغ قلبِي، قيل: مَاتَت زَوجتك، قَالَ: تجدّد فِرَاشِي، قيل: مَاتَ أَخُوك، قَالَ: وانفصام ظهراه، وَقَالَ الشَّاعِر:
(أَخَاك أَخَاك إِن من لَا أَخا لَهُ ... كساع إِلَى لهيجا بِغَيْر سلَاح)
(وَإِن ابْن عَم الْمَرْء فَاعْلَم جنَاحه ... وَهل ينْهض الْبَازِي بِغَيْر جنَاح؟ !)
وَقدم الله الْأَخ على سَائِر الْأَقَارِب فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يفر الْمَرْء من أَخِيه﴾ لِأَن الْإِنْسَان إِلَى أَخِيه أميل، وَبِه آنس، وَإِلَيْهِ أسكن.
وَقَوله: ﴿ونجعل لكم سُلْطَانا﴾ أَي: حجَّة.
وَقَوله: ﴿فَلَا يصلونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ أَي: لَا يصلونَ إلَيْكُمَا لمَكَان آيَاتنَا، وَيُقَال: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: ونجعل لَكمَا سُلْطَانا بِآيَاتِنَا فَلَا يصلونَ إلَيْكُمَا.
وَقَوله: ﴿أَنْتُمَا وَمن اتبعكما الغالبون﴾ الغالبون لفرعون وَقَومه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَات﴾ أَي: واضحات.
وَقَوله: ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سحر مفترى﴾ أَي: مختلق.
وَقَوله: ﴿مَا سمعنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلين﴾ أَي: الَّذين مضوا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أعلم بِمن جَاءَ بِالْهدى من عِنْده﴾ يَعْنِي: أعلم
﴿عِنْده وَمن تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ (37) وَقَالَ فِرْعَوْن يَا أَيهَا الْمَلأ مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي فَأوقد لي يَا هامان على الطين فَاجْعَلْ لي صرحا لعَلي أطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه من الْكَاذِبين (38) واستكبر هُوَ وَجُنُوده فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ بِمن جَاءَ بِالْهدى، فَأَنا الَّذِي جِئْت بِالْهدى من عِنْده.
وَقَوله: ﴿وَمن تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار﴾ أَي: وَأعلم بِمن تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار، وَهِي الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ أَي: لَا يسْعد من أشرك بِاللَّه.