تفسير السمعانيالبروج
أهل الأثرالأرشيف العلمي

البروج

عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿أولم يرَوا إِلَى الطير فَوْقهم صافات﴾ يُقَال: صف الطير جنَاحه إِذا بَسطه، وَقَبضه إِذا ضربه، وَالْمرَاد من الْقَبْض: هُوَ ضرب الجناحين بالجنبين، وَهَذَا الْقَبْض والبسط فِي بعض الطُّيُور لَا فِي جَمِيع الطُّيُور، فَإِن بَعْضهَا يقبض بِكُل حَال، وَبَعضهَا يبسط تَارَة وَيقبض أُخْرَى.
وَقَوله: ﴿مَا يمسكهن إِلَّا الرَّحْمَن﴾ يَعْنِي: مَا يمسكهن عَن الْوُقُوع إِلَّا الرَّحْمَن.
قَالُوا: والهواء للطير بِمَنْزِلَة المَاء للسابح، فَهُوَ يسبح فِي الْهَوَاء بجناحيه كَمَا يسبح الْإِنْسَان فِي المَاء بأطرافه.
وَقَوله: ﴿إِنَّه بِكُل شَيْء بَصِير﴾ أَي: عليم.

( ﴿19) أَمن هَذَا الَّذِي هُوَ جند لكم ينصركم من دون الرَّحْمَن إِن الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غرور (20) أَمن هَذَا الَّذِي يرزقكم إِن أمسك رزقه بل لجوا فِي عتو ونفور (21) أَفَمَن يمشي مكبا على وَجهه أهْدى أَمن يمشي سويا على صِرَاط مُسْتَقِيم (22) ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمن هَذَا الَّذِي هُوَ جند لكم ينصركم﴾ مَعْنَاهُ: أَيْن هَذَا الَّذِي هُوَ جند لكم يمنعكم من عَذَاب الله؟ وَهُوَ اسْتِفْهَام بِمَعْنى التوبيخ وَالْإِنْكَار.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غرور﴾ أَي: مَا الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غرور.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمن هَذَا الَّذِي يرزقكم﴾ الْمَعْنى: أَن الله هُوَ الَّذِي يرزقكم إِن أمسك رزقه، فَمن ذَا الَّذِي يرزقكم سواهُ؟ . وَقَوله: ﴿بل لجوا فِي عتو ونفور﴾ العتو هُوَ التَّمَادِي فِي الْكفْر، والنفور هُوَ التباعد عَن الْحق.
وَيُقَال الْمَعْنى: أَن اللجاج حملهمْ على الْكفْر والنفور عَن الْحق، فَإِن الدَّلَائِل أظهر وَأبين من أَن تخفى على أحد، وَالْعرب تسمي كل سَفِيه متمرد متماد فِي الْبَاطِل عاتيا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن يمشي مكبا على وَجهه﴾ فِي الضَّلَالَة لَا يبصر الْحق.
وَيُقَال: مكبا على وَجهه أَي: لَا ينظر من بَين يَدَيْهِ وَلَا عَن يَمِينه وَلَا عَن يسَاره وَلَا من خَلفه.
وَقيل: إِن هَذَا فِي الْآخِرَة، فَإِن الله تَعَالَى يحْشر الْكفَّار على وُجُوههم على مَا نطق بِهِ الْقُرْآن فِي غير هَذَا الْموضع، وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: " إِن الَّذِي قدر أَن يُمشيهمْ على أَرجُلهم قَادر على أَن يُمشيهمْ على وُجُوههم ". وَقَوله: ﴿أهْدى أَمن يمشي سويا على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: يمشي فِي طَرِيق الْحق بِنور الْهدى.
وَيُقَال: ينظر من بَين يَدَيْهِ وَعَن يَمِينه وَعَن يسَاره وَمن خَلفه.
وَقيل: هُوَ فِي الْآخِرَة.
وَعَن عِكْرِمَة قَالَ: قَوْله ﴿أَفَمَن يمشي مكبا على وَجهه﴾ هُوَ أَبُو جهل، وَقَوله: ﴿أم من يمشي سويا على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ هُوَ عمار بن يَاسر.
وَحكى بَعضهم عَن ابْن عَبَّاس: أَنه حَمْزَة بن عبد الْمطلب وكنيته أَبُو عمَارَة.

﴿قل هُوَ الَّذِي أنشأكم وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة قَلِيلا مَا تشكرون (23) قل هُوَ الَّذِي ذرأكم فِي الأَرْض وَإِلَيْهِ تحشرون (24) وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين (25) قل إِنَّمَا الْعلم عِنْد الله وَإِنَّمَا أَنا نَذِير مُبين (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زلفة سيئت وُجُوه الَّذين كفرُوا وَقيل هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تدعون (27) ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هُوَ الَّذِي أنشأكم وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة قَلِيلا مَا تشكرون﴾ أَي: قل شكركم لهَذِهِ النعم.

قَوْله تَعَالَى (قل هُوَ الَّذِي ذرأكم فِي الأَرْض) أَي: خَلقكُم فِي الأَرْض ﴿وَإِلَيْهِ تحشرون﴾ أَي: فِي الْآخِرَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ أَي: الْقِيَامَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنَّمَا الْعلم عِنْد الله﴾ أَي: علم السَّاعَة عِنْد الله.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنا نَذِير مُبين﴾ أَي: مُنْذر بَين النذارة.

قَوْله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زلفة﴾ قَالَ الْمبرد وثعلب: أَي: رَأَوْا الْعَذَاب حَاضرا.
وَقيل: قَرِيبا.
وَقَوله: ﴿سيئت وُجُوه الَّذين كفرُوا﴾ أَي: تبين السوء والكآبة فِي وجهوهم.
وَيُقَال: اسودت وُجُوههم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقيل هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تدعون﴾ وَقُرِئَ فِي الشاذ: " تدعون " بِغَيْر تَشْدِيد.
وَعَن بَعضهم: أَن تدعون وتدعون بِمَعْنى وَاحِد، فَقَوله: ﴿تدعون﴾ أَي: تدعون الله بِهِ.
وَقَوله: ﴿تدعون﴾ أَي: تتداعون بِهِ، وَهُوَ مثل قَوْله ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى: ﴿قَالُوا رَبنَا عجل لنا قطنا﴾ أَي: نصيبنا من الْعَذَاب.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: تدعون افتعال من الدُّعَاء.
وَعَن بَعضهم: تدعون أَي: تكذبون.
وَيُقَال: تَسْتَعْجِلُون

﴿قل أَرَأَيْتُم إِن أهلكني الله وَمن معي أَو رحمنا فَمن يجير الْكَافرين من عَذَاب أَلِيم (28) قل هُوَ الرَّحْمَن آمنا بِهِ وَعَلِيهِ توكلنا فستعلمون من هُوَ فِي ظلال مُبين (29) قل أَرَأَيْتُم إِن أصبح ماؤكم غورا فَمن يأتيكم بِمَاء معِين (30) ﴾ . وتمترون وتختلفون.
وَقيل: تدعون تمنون.
تَقول الْعَرَب لغيره: ادْع مَا شِئْت أَي: تمن، وَهَذَا القَوْل يقرب من القَوْل الأول.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن أهلكني الله وَمن معي أَو رحمنا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: كَانَ الْكفَّار يَقُولُونَ: إِن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه أَكلَة رَأس، يهْلكُونَ عَن قريب، وكل يرجون الأباطيل فِي حق الرَّسُول وَأَصْحَابه، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن أهلكني الله وَمن معي أَو رحمنا﴾ يَعْنِي: إِن نجونا أَو هلكنا ﴿فَمن يجير الْكَافرين من عَذَاب أَلِيم﴾ أَي: فَمن يجيركم من عَذَاب الله تَعَالَى وَقد كَفرْتُمْ بِهِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هُوَ الرَّحْمَن آمنا بِهِ وَعَلِيهِ توكلنا فستعلمون من هُوَ فِي ظلال مُبين﴾ أَي: خطأ بَين، وتباعد من الْحق وضلال عَنهُ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن أصبح ماؤكم غورا﴾ أَي: غائرا، وَمَعْنَاهُ: ذَاهِبًا.
قَالَ قَتَادَة: وَيُقَال: لَا تناله الدلاء، قَالَه سعيد بن جُبَير.
وَقيل: إِن الْآيَة نزلت فِي بِئْر زَمْزَم وبئر مَيْمُون، وهما بِمَكَّة.

وَقَوله: ﴿فَمن يأتيكم بِمَاء معِين﴾ قَالَ ثَعْلَب: أَي ظَاهر.
وَهُوَ مَنْقُول عَن الْحسن وَقَتَادَة وَمُجاهد وَغَيرهم.
وَيُقَال: بِمَاء عذب، وَيُقَال: بِمَاء جَار.
يَعْنِي: أَن الله هُوَ الْقَادِر أَن يَأْتِي بِهِ، وَلَا تصلونَ إِلَيْهِ بِأَنْفُسِكُمْ.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم تَفْسِير سُورَة الْقَلَم

وَهِي مَكِّيَّة فِي قَول الْأَكْثَرين.
وَعَن بَعضهم: أَن بَعْضهَا مَكِّيَّة، وَبَعضهَا مَدَنِيَّة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ن﴾ اخْتلف القَوْل فِيهِ؛ قَالَ مُجَاهِد: هِيَ السَّمَكَة الَّتِي عَلَيْهَا قَرَار الْأَرْضين.
وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن جَمِيع الْمِيَاه تنصب من شدقها.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه اسْم من أَسمَاء السُّورَة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه حرف من حُرُوف التهجي.
وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن " الر " و " حم " و " ن " مَجْمُوع من اسْم الرَّحْمَن.
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن النُّون هِيَ الدواة، وَهُوَ قَول الْحسن وَقَتَادَة، وَفِيه خبر مأثور بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " إِن الله خلق أول مَا خلق

ثمَّ خلق النُّون وَهِي الدواة، ثمَّ قَالَ للقلم: اكْتُبْ.
فَقَالَ: وَمَا أكتب؟ ! فَقَالَ: اكْتُبْ مَا يكون وَمَا كَانَ من عمل وَأجل ورزق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
فَكتب الْقَلَم وَختم الله على فيِّ الْقَلَم فَلم ينْطق، وَلَا ينْطق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ خلق الْعقل، وَقَالَ لَهُ: مَا خلقت خلقا أعجب إِلَيّ مِنْك، وَعِزَّتِي لأكملنك فِيمَن أَحْبَبْت، ولأنقصنك فِيمَن أبغضت، ثمَّ قَالَ النَّبِي: " أكمل النَّاس عقلا أطوعهم لله وأعملهم بِطَاعَتِهِ، وأنقص النَّاس عقلا أطوعهم للشَّيْطَان وأعملهم بِطَاعَتِهِ ".

﴿ن والقلم وَمَا يسطرون (1) مَا أَنْت بِنِعْمَة رَبك بمجنون (2) وَإِن لَك لأجرا﴾ . قَوْله ﴿والقلم﴾ فِي التَّفْسِير: أَنه خلق من نور، وَطوله مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض.
وَفِي خبر عبَادَة بن الصَّامِت أَن النَّبِي قَالَ: " أول مَا خلق الله الْقَلَم وَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ.
فَقَالَ: وَمَا أكتب؟ قَالَ: مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". وَاخْتلف القَوْل فِي هَذِه الدواة والقلم، الْأَكْثَرُونَ أَنه الدواة والقلم الَّذِي كتب بِهِ الذّكر فِي السَّمَاء.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه الدواة والقلم الَّذِي يكْتب بِهِ بَنو آدم.
وَمعنى الْآيَة هُوَ الْقسم، وَللَّه أَن يقسم بِمَا شَاءَ من خلقه.
وَقَالَ قَتَادَة: لَوْلَا الْقَلَم مَا قَامَ لله دين، وَلَا كَانَ لِلْخلقِ عَيْش.
وَقَوله: ﴿وَمَا يسطرون﴾ أَي: مَا يَكْتُبُونَ من أَعمال بني آدم يَعْنِي: الْمَلَائِكَة.
وَحكى النقاش عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْكفَّار لَا يكْتب لَهُم حَسَنَات وَلَا سيئات، وَإِنَّمَا يكْتب ذَلِك للْمُؤْمِنين وَمَا يَفْعَلُونَ من الْحَسَنَات فِي الدُّنْيَا ويكافئون عَلَيْهَا، وَمَا يَفْعَلُونَ من السَّيِّئَات، فالشرك أعظم من ذَلِك كُله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَنْت بِنِعْمَة رَبك بمجنون﴾ هَذَا مَوضِع الْقسم، وَهُوَ جَوَاب لقَولهم على مَا حكى الله تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَقَالُوا يَا أَيهَا الَّذِي نزل عَلَيْهِ الذّكر إِنَّك لمَجْنُون﴾ . وَقَوله: ﴿بِنِعْمَة رَبك﴾ أَي: برحمة رَبك.
وَيُقَال: بإنعامه عَلَيْك، كَأَنَّهُ نفى عَنهُ الْجُنُون بِمَا أنعم الله عَلَيْهِ، كَمَا يَقُول الْقَائِل لغيره: أَنْت عَاقل أَو غَنِي بِنِعْمَة الله عَلَيْك.

وَقَوله: ﴿وَإِن لَك لأجرا غير ممنون﴾ أَي: غير مُنْقَطع.
وَيُقَال: غير مَحْسُوب.
وَيُقَال: غير ممتن بِهِ عَلَيْك.

﴿غير ممنون (3) وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم (4) ﴾ .

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل