تفسير السمعانيصفحات 117-130
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأعراف

صفحات 117-130
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وَقَوله: ﴿جَهَنَّم يصلونها [وَبئسَ] الْقَرار﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجعلُوا لله أندادا﴾ أَي: شُرَكَاء وأمثالا، قَالَ حسان بن ثَابت: شعرًا: (أتهجوه وَلست لَهُ بند ... فشركما لخير كَمَا الْفِدَاء) وَاعْلَم أَن الله لَيْسَ لَهُ ضد وَلَا ند.
أما الند الَّذِي هُوَ الْمثل فمعلوم، وَأما الضِّدّ فَلِأَن فِيهِ معنى من المثلية، وَالله لَيْسَ لَهُ مثل بِوَجْه مَا.
وَقَوله: ﴿ليضلوا عَن سَبيله﴾ إِنَّمَا نسب إِلَيْهِم الضَّلَالَة، لأَنهم سَبَب فِي (الضلال) ، وَهَذَا كَمَا يَقُول الْقَائِل: فتنتني الدُّنْيَا؛ نسب الْفِتْنَة إِلَى الدُّنْيَا، لِأَنَّهَا سَبَب فِي الْفِتْنَة.
وَقَوله: ﴿ليضلوا عَن سَبيله﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿قل تمَتَّعُوا فَإِن مصيركم إِلَى النَّار﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: لَو أَن كَافِرًا كَانَ فِي أَشد بؤس وضر لَا يهدأ لَيْلًا وَلَا نَهَارا، كَانَ ذَلِك نعيما فِي جنب مَا يصير إِلَيْهِ فِي الْآخِرَة، وَلَو أَن مُؤمنا كَانَ فِي أنعم عَيْش، كَانَ ذَلِك بؤسا فِي جنب مَا يصير إِلَيْهِ فِي الْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿فَإِن مصيركم إِلَى النَّار﴾ أَي: مرجعكم إِلَى النَّار.

( ﴿30) قل لعبادي الَّذين آمنُوا يقيموا الصَّلَاة وينفقوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سرا وَعَلَانِيَة من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ وَلَا خلال (31) الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأنزل من السَّمَاء مَاء فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الْفلك لتجري فِي الْبَحْر بأَمْره وسخر لكم الْأَنْهَار (32) وسخر لكم الشَّمْس وَالْقَمَر دائبين وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار﴾

وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل لعبادي الَّذين آمنُوا يقيموا الصَّلَاة﴾ هَذَا خبر بِمَعْنى الْأَمر، أَي: أقِيمُوا الصَّلَاة.
وَقَوله: ﴿وينفقوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سرا وَعَلَانِيَة﴾ يَعْنِي: جَهرا وَغير جهر.
وَقيل: نفلا سرا، وفرضا جَهرا.
وَقَوله: ﴿من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يَعْنِي لَا فدَاء فِيهِ ﴿وَلَا خلال﴾ أَي: لَا مخالة وَلَا صداقة، وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿الأخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأنزل من السَّمَاء مَاء فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وسخر لكم الْفلك لتجري فِي الْبَحْر بأَمْره﴾ أَي: بِعِلْمِهِ وإذنه.
وَقَوله: ﴿وسخر لكم الْأَنْهَار﴾ أَي: ذلل لكم الْأَنْهَار تجرونها حَيْثُ شِئْتُم.
وَقَوله: ﴿وسخر لكم الشَّمْس وَالْقَمَر دائبين﴾ وَذَلِكَ لكم، وتسخير الشَّمْس وَالْقَمَر هُوَ جريانهما على وتيرة وَاحِدَة فِيمَا يعود إِلَى مصَالح الْعباد.
وَقَوله: ﴿دائبين﴾ مَعْنَاهُ: أَنَّهُمَا لَا يفتران وَلَا يقفان، والدأب فِي الشَّيْء هُوَ الجري على عَادَة وَاحِدَة.

وَقَوله: ﴿وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَقَوله: ﴿وآتاكم من كل مَا سألتموه﴾ قرىء بقراءتين، الْمَعْرُوف: ﴿من كل مَا سألتموه﴾ ، وَيقْرَأ: " من كل مَا سألتموه " بِالتَّشْدِيدِ والتنوين، فَالْقَوْل الْمَعْرُوف مَعْنَاهُ: يَعْنِي من كل الَّذِي سألتموه.
فَإِن قَالَ قَائِل: نَحن نَسْأَلهُ أَشْيَاء وَلَا يُعْطِينَا؟ وَالْجَوَاب: أَن جنسه يُعْطي الْآدَمِيّين

( ﴿33) وآتاكم من كل مَا سألتموه وَإِن تعدوا نعمت الله لَا تحصوها إِن الْإِنْسَان لظلوم كفار (34) وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا الْبَلَد آمنا واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ وَإِن لم يُعْطه على التَّعْيِين؛ فاستقام الْكَلَام على هَذَا، وَقيل مَعْنَاهُ: من كل مَا سألتموه، وَلم تسألوه.
وَأما الْقِرَاءَة الثَّانِيَة، فَمَعْنَى " مَا " هُوَ النَّفْي، وَمَعْنَاهُ: أَعْطَاكُم أَشْيَاء لم تسألوها، فَإِن الله تَعَالَى أَعْطَانَا اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم والرياح، وَمَا أشبه ذَلِك وَلم نَسْأَلهُ شَيْئا مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: مَعْنَاهُ: لَا تُطِيقُوا عدهَا، وَقيل: لَا تطيقون شكرها.
وَقَوله: ﴿إِن الْإِنْسَان لظلوم كفار﴾ يَعْنِي: ظَالِم لنَفسِهِ كَافِر بربه، وَيُقَال: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أبي جهل خَاصَّة، وَيُقَال: إِنَّهَا نزلت فِي جنس الْكفَّار، وَيجوز أَن يذكر الْإِنْسَان وَيُرَاد بِهِ جنس النَّاس، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ وَقيل: [الظَّالِم] هُوَ الَّذِي يشْكر غير من أنعم عَلَيْهِ، وَالْكَافِر هُوَ الَّذِي يجْحَد منعمه.

قَوْله: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا الْبَلَد آمنا﴾ أَجمعُوا أَن الْبَلَد هُوَ مَكَّة، وَقَوله: ﴿آمنا﴾ أَي: ذَا أَمن.
وَقَوله: ﴿واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ مَعْنَاهُ: بعدني وَبني من عبَادَة الْأَصْنَام، فَإِن قَالَ قَائِل: قد كَانَ إِبْرَاهِيم مَعْصُوما عَن عبَادَة الْأَصْنَام، فَكيف يَسْتَقِيم سُؤَاله لنَفسِهِ، وَقد عبد كثير من بنيه الْأَصْنَام، فَأَيْنَ الْإِجَابَة؟ الْجَواب: أما فِي حق إِبْرَاهِيم، فالدعاء لزِيَادَة الْعِصْمَة والتثبيت، وَأما فِي حق الْبَنِينَ فَيُقَال: إِن الدُّعَاء لِبَنِيهِ من الصلب، وَلم يعبد أحد مِنْهُم الصَّنَم، وَقيل: إِن دعاءه لمن كَانَ مُؤمنا من بنيه.

( ﴿35) رب إنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس فَمن تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم (36) رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع عِنْد بَيْتك الْمحرم رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس تهوي إِلَيْهِم وارزقهم من الثمرات لَعَلَّهُم﴾

وَقَوله: ﴿رب إنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس﴾ نسب الضَّلَالَة إلَيْهِنَّ لما بَينا من الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿فَمن تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني﴾ أَي: من أهل ديني.
وَقَوله: ﴿وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه قَالَ هَذَا قبل أَن يُعلمهُ الله أَنه لَا يغْفر الشّرك.
وَالْآخر: أَن المُرَاد من الْعِصْيَان هُوَ مَا دون الشّرك.

قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا إِنِّي أسكنت﴾ يَعْنِي: أنزلت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿من ذريتي﴾ الذُّرِّيَّة هَاهُنَا إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَأمه هَاجر.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه حمل هَاجر وَإِسْمَاعِيل وَهُوَ طِفْل يرضع، وَكَانُوا ثَلَاثَتهمْ على الْبراق، فجَاء بهم إِلَى مَوضِع الْبَيْت، وَهِي مَدَرَة حَمْرَاء، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل: هَاهُنَا أمرت.
فَأنْزل إِسْمَاعِيل وَأمه فِي مَوضِع الْحجر، وَمضى رَاجعا إِلَى الشَّام، فنادته هَاجر، يَا خَلِيل الله، إِلَى من تكلنا؟ قَالَ: إِلَى الله تَعَالَى.
قَالَت: قد قبلنَا ذَلِك، والقصة فِي هَذَا مَعْرُوفَة.
وَقَوله: ﴿بواد غير ذِي زرع﴾ قَالَ هَذَا لِأَن مَكَّة بَين جبلين، وَهِي وَاد.
وَقَوله: ﴿عِنْد بَيْتك الْمحرم رَبنَا ليقيموا الصَّلَاة﴾ سَمَّاهُ محرما؛ لِأَنَّهُ يحرم عِنْده مَا لَا يحرم عِنْد غَيره.
وَقَوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَة من النَّاس﴾ الأفئدة جمع الْفُؤَاد، قَالَ ابْن عَبَّاس: لَو قَالَ " أَفْئِدَة النَّاس " لزاحمتكم [فَارس] وَالروم، وَفِي رِوَايَة: التّرْك والديلم، وَفِي رِوَايَة عَن غَيره: لحجت الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس.
وَقَوله: ﴿تهوي إِلَيْهِم﴾ أَي: تحن إِلَيْهِم، قَالَ السّديّ مَعْنَاهُ: أمل قُلُوبهم إِلَى هَذَا

﴿يشكرون (37) رَبنَا إِنَّك تعلم مَا نخفي وَمَا نعلن وَمَا يخفى على الله من شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء (38) الْحَمد لله الَّذِي وهب لي على الْكبر إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق إِن رَبِّي لسميع الدُّعَاء (39) رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي رَبنَا وَتقبل دُعَاء﴾ لموْضِع؛ فَإِن الْإِنْسَان يمِيل مَعَ قلبه حَيْثُ مَال.
وَقَوله: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ فِي بعض الْأَخْبَار: أَن الله تَعَالَى قلع قَرْيَة من الشَّام بأشجارها وأرضها فوضعها بمَكَان الطَّائِف.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يشكرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا إِنَّك تعلم مَا نخفي وَمَا نعلن وَمَا يخفى على الله من شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَقَوله: ﴿الْحَمد لله الَّذِي وهب لي على الْكبر إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق﴾ . فِي الْقِصَّة: أَن إِسْمَاعِيل ولد لَهُ وَهُوَ ابْن تسع وَتِسْعين سنة، وَإِسْحَاق ولد لَهُ بعد ذَلِك بِثَلَاث عشرَة سنة.
وَيُقَال: إِن إِسْمَاعِيل ولد لَهُ بعد أَن بلغ سنة مائَة [وَسبع] عشرَة سنة.
وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي لسميع الدُّعَاء﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله: ﴿رب اجْعَلنِي مُقيم الصَّلَاة وَمن ذريتي﴾ يَعْنِي: مِمَّن يُقيم الصَّلَاة بحدودها وأركانها، ويحافظ عَلَيْهَا.
قَوْله: ﴿وَمن ذريتي﴾ مَعْنَاهُ: وَاجعَل من ذريتي من يُقِيمُونَ الصَّلَاة.
قَوْله: ﴿رَبنَا وَتقبل دُعَاء﴾ أَي: واستجب دعائي.

قَوْله: ﴿رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي﴾ قَرَأَ سعيد بن جُبَير: ﴿ولوالِديّ﴾ ، وَقَرَأَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَيحيى بن يعمر: " ولوالدتي "، وَالْمَعْرُوف: ﴿ولوالدي﴾ . فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ اسْتغْفر لوَالِديهِ وَلم يَكُونَا آمنا؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قد قيل: إِن أمه قد أسلمت، وَأما الْوَالِد فَإِنَّمَا اسْتغْفر لَهُ قبل أَن يتَبَيَّن لَهُ أَنه مُقيم على الشّرك، وَقد بَينا هَذَا من قبل، وَقيل: ولوالدي آدم وحواء، وَقيل: نوح وَأم إِبْرَاهِيم.

( ﴿40) رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي وَلِلْمُؤْمنِينَ يَوْم يقوم الْحساب (41) وَلَا تحسبن الله غافلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يؤخرهم ليَوْم تشخص فِيهِ الْأَبْصَار (42) مهطعين مقنعي﴾ وَفِي تَفْسِير الدمياطي: أَن قَوْله: ﴿ولوالدي﴾ أَي: لوَلَدي، قَالَ ابْن فَارس: وَيجوز هَذَا فِي اللُّغَة، وَهُوَ أَن يذكر الْوَالِد بِمَعْنى الْمَوْلُود، كَمَا يُقَال: مَاء دافق أَي: مدفوق.
وَقَوله: ﴿وَلِلْمُؤْمنِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿يَوْم يقوم الْحساب﴾ أَي: يَوْم يُحَاسب الله الْخلق.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الله غافلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ﴾ الْآيَة.
الْغَفْلَة معنى يمْنَع الْإِنْسَان من الْوُقُوف على حَقِيقَة الْأُمُور.
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هَذِه الْآيَة تَعْزِيَة للمظلوم وتسلية لَهُ، وتهديد للظالم.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا يؤخرهم﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا يمهلهم.
وَقَوله: ﴿ليَوْم تشخص فِيهِ الْأَبْصَار﴾ يَعْنِي: من الدهش والحيرة وَشدَّة الْأَمر، وَمعنى تشخص أَي: ترْتَفع وتزول عَن أماكنها.

وَقَوله ﴿مهطعين﴾ الْأَكْثَرُونَ أَن مَعْنَاهُ مُسْرِعين، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى الثَّعْلَب: الإهطاع هُوَ النّظر فِي (الذل والخضوع) . وَقيل: مهطعين أَي: مديمي النّظر لَا يطرفون.
وَمعنى الْإِسْرَاع الَّذِي ذكرنَا هُوَ أَنهم لَا يلتفتون يَمِينا وَلَا شمالا، وَلَا يعْرفُونَ مَوَاطِن أَقْدَامهم، وَلَيْسَ لَهُم همة وَلَا نظر إِلَى مَا يساقون إِلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿مقنعي رُءُوسهم﴾ يُقَال: أقنع رَأسه أَي: رَفعه، وأقنع رَأسه إِذْ خفضه، فَإِن كَانَ المُرَاد هُوَ الرّفْع فَمَعْنَاه: أَن أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء ينظرُونَ مَاذَا يرد عَلَيْهِم من الله تَعَالَى، وَإِن حمل الْإِقْنَاع على خفض الرَّأْس فَمَعْنَاه: مطرقون ناكسون، قَالَ الشَّاعِر: (نغض رَأْسِي نَحوه وأقنعا ... كَأَنَّمَا يطْلب شَيْئا أطمعا) وَقَالَ المؤرج: رفعوا رُءُوسهم حَتَّى كَادُوا يضعونها على أكتافهم.

﴿رُءُوسهم لَا يرْتَد إِلَيْهِم طرفهم وأفئدتهم هَوَاء (43) وأنذر النَّاس يَوْم يَأْتِيهم الْعَذَاب فَيَقُول الَّذين ظلمُوا رَبنَا أخرنا إِلَى أجل قريب نجب دعوتك وَنَتبع الرُّسُل أَو لم تَكُونُوا أقسمتم من قبل مَا لكم من زَوَال (44) وسكنتم فِي مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم﴾ وَقَوله ﴿لَا يرْتَد إِلَيْهِم طرفهم﴾ يَعْنِي: لَا يرجع إِلَيْهِم طرفهم، فَكَأَنَّهُ ذهلهم مَا بَين أَيْديهم فَلَا ينظرُونَ لشَيْء سواهُ.
وَقَوله: ﴿وأفئدتهم هَوَاء﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: متخرقة لَا تعي شَيْئا، وَقَالَ قَتَادَة: خرجت قُلُوبهم عَن صُدُورهمْ حَتَّى بلغت الْحَنَاجِر من شدَّة ذَلِك الْيَوْم وهوله فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر﴾ ، فعلى هَذَا قَوْله: ﴿وأفئدتهم هَوَاء﴾ أَي: خَالِيَة، وَمِنْه سمي الجو هَوَاء لخلوه، وَقيل: خَالِيَة عَن الْعُقُول؛ فَكَأَنَّهَا ذهبت من الْفَزع وَالْخَوْف.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: " وأفئدتهم هَوَاء " أَي: مترددة لَا تَسْتَقِر فِي مَكَان، وَقيل: هَوَاء أَي: متخربة من الْجُبْن والفزع.
قَالَ حسان بن ثَابت: (أَلا أبلغ أَبَا سُفْيَان عني ... فَأَنت مجوف نخب هَوَاء) حَقِيقَة الْمَعْنى من الْآيَة أَن الْقُلُوب زائلة عَن أماكنها، والأبصار شاخصة من هول ذَلِك الْيَوْم.

وَقَوله: ﴿وأنذر النَّاس يَوْم يَأْتِيهم الْعَذَاب﴾ يَعْنِي: خوف النَّاس.
قَوْله: ﴿فَيَقُول الَّذين ظلمُوا رَبنَا أخرنا إِلَى أجل قريب﴾ مَعْنَاهُ: أمهلنا.
وَقَوله: ﴿إِلَى أجل قريب﴾ هَذَا سُؤال الرّجْعَة، كَأَنَّهُمْ سَأَلُوا ردهم إِلَى الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿نجب دعوتك وَنَتبع الرُّسُل﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿أَو لم تَكُونُوا أقسمتم﴾ أَي حلفتم فِي الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿من قبل مَا لكم من زَوَال﴾ يَعْنِي: لَيْسَ لكم بعث وَلَا جَزَاء وَلَا حِسَاب.

وَقَوله: ﴿وسكنتم فِي مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم﴾ أَي: ظلمُوا أنفسهم

﴿وَتبين لكم كَيفَ فعلنَا بهم وضربنا لكم الْأَمْثَال (45) وَقد مكروا مَكْرهمْ وَعند الله مَكْرهمْ وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال (46) فَلَا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾ فأهلكناهم.
وَقَوله: ﴿وَتبين لكم كَيفَ فعلنَا بهم﴾ يَعْنِي: عَرَفْتُمْ عقوبتنا إيَّاهُم.
وَقَوله: ﴿وضربنا لكم الْأَمْثَال﴾ أَي: الْأَشْبَاه، وَمَعْنَاهُ: بَينا أَن مثلكُمْ كمثلهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقد مكروا مَكْرهمْ﴾ أَي: كَادُوا كيدهم.
وَقَوله: ﴿وَعند الله مَكْرهمْ﴾ أَي: عِنْد الله جَزَاء مَكْرهمْ.
وَقَوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال﴾ قرئَ بقرائتين: " لتزول " و " لتزول " قَرَأَهُ الْكسَائي وَحده بِنصب اللَّام.
أما قَوْله: ﴿لتزول﴾ - بِكَسْر اللَّام وَعَلِيهِ الْأَكْثَرُونَ - مَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال، يَعْنِي: أَن مَكْرهمْ لَا يزِيل أَمر مُحَمَّد الَّذِي هُوَ ثَابت كثبوت الْجبَال.
وَقيل: إِن معنى الْآيَة بَيَان ضعف كيدهم ومكرهم، وَأَنه لَا يبلغ هَذَا الْمبلغ، وَأما قَوْله: " وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول " بِنصب اللَّام الأول وَرفع الثَّانِي مَعْنَاهُ: أَن مَكْرهمْ لَو بلغ فِي الْعظم بِمُحَمد يزِيل الْجبَال لم يقدروا على إِزَالَة أَمر مُحَمَّد.
وَقَرَأَ عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة: " وَإِن كَاد مَكْرهمْ لتزول مِنْهُ الْجبَال:.
وَعَن أبي بن كَعْب أَنه قَرَأَ: " وَلَوْلَا كلمة الله لزال بمكرهم الْجبَال ". وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي معنى الْآيَة: وَهُوَ أَنَّهَا نزلت فِي نمروذ حِين قَالَ: لأصعدن السَّمَاء، وَاتخذ النسور وجوعها ثمَّ اتخذ تابوتا، وَنصب خشبات فِي أطرافها، وَجعل على رءوسها اللَّحْم، ثمَّ ربط قَوَائِم النسور على الخشبات وخلاها، فاستعلت النسور، وَقد جلس نمروذ فِي التابوت مَعَ حَاجِبه، وَقيل: مَعَ غُلَام لَهُ، وللتابوت بَابَانِ: بَاب من أَعلَى، وَبَاب من أَسْفَل، وَقَالَ: فَلَمَّا صعدت النسور فِي السَّمَاء، وَمضى على ذَلِك يَوْم، قَالَ لغلامه: افْتَحْ الْبَاب السُّفْلى، فَإِذا الأَرْض

﴿إِن الله عَزِيز ذُو انتقام (47) يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات وبرزوا لله﴾ كاللجة، فَقَالَ: افْتَحْ الْبَاب الْأَعْلَى فَإِذا السَّمَاء كَمَا هِيَ، ثمَّ مر [يَوْم] آخر فَقَالَ: افْتَحْ الْبَاب الْأَسْفَل فَفتح فَإِذا الأَرْض كالدخان، فَقَالَ: افْتَحْ الْبَاب الْأَعْلَى فَفتح فَإِذا السَّمَاء كَمَا هِيَ، فَأمر غُلَامه حَتَّى يصوب رُءُوس النسور والخشبات، فجَاء التابوت إِلَى جَانب الأَرْض وَله هدة عَظِيمَة، فخافت الْجبَال أَنه جَاءَ من السَّمَاء أَمر، وكادت تَزُول عَن أماكنها، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرهمْ لتزول﴾ - بِنصب اللَّام الأولى وَرفع الثَّانِي - ﴿مِنْهُ الْجبَال﴾ . وَفِي الْآيَة قَول آخر - وَهُوَ قَول قَتَادَة - أَن مَعْنَاهَا: وَإِن كَانَ شركهم لتزول مِنْهُ الْجبَال، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿تكَاد السَّمَوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا أَن دعوا للرحمن ولدا﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تحسبن الله مخلف وعده رسله﴾ قيل: هَذَا من المقلوب وَمَعْنَاهُ: مخلف رسله وعده.
قَوْله: ﴿إِن الله عَزِيز ذُو انتقام﴾ قد بَينا الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات وبرزوا﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: تبدل هَذِه الأَرْض بِأَرْض بَيْضَاء كالفضة لم يسفك عَلَيْهَا دم، وَلم يعْمل فِيهَا بخطيئة، وَأما السَّمَاء تبدل بسماء من ذهب.
وَالْقَوْل الثَّانِي: قَالَه أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر وَمُحَمّد بن كَعْب: أَنه تبدل الأَرْض بِأَرْض من خبْزَة يَأْكُلُون مِنْهَا، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر: ﴿وَمَا جعلناهم جسدا لَا يَأْكُلُون الطَّعَام﴾ وَالْقَوْل الْمَعْرُوف فِي الْآيَة أَن تَبْدِيل الأَرْض هُوَ تغييرها من هَيْئَة إِلَى هَيْئَة، كَالرّجلِ يَقُول لغيره: تبدلت بعدِي، أَي: تَغَيَّرت هيئتك وحالك.
وتغيير الأَرْض بتسيير جبالها، وطم أنهارها، وتسوية أَوديتهَا، وَقلع أشجارها وَجعلهَا قاعا

﴿الْوَاحِد القهار (48) وَترى الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ مُقرنين فِي الأصفاد (49) سرابيلهم من﴾ صفصفا لَا ترى فِيهَا عوجا وَلَا أمتا، وَأما تَبْدِيل السَّمَوَات بتغيير حَالهَا، وَذَلِكَ بتكوير شمسها وقمرها، وانتثار نجومها، وَكَونهَا مرّة كالدهان، وَهُوَ الْأَدِيم الْأَحْمَر، وَمرَّة كَالْمهْلِ، وَقيل: إِن معنى التبديل هُوَ أَنه يَجْعَل السَّمَوَات جنَانًا وَالْأَرضين نيرانا، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي بِرِوَايَة مَسْرُوق عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: " يَا رَسُول الله، قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض﴾ أَيْن يكون النَّاس حِينَئِذٍ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: على الصِّرَاط " وَإِذا ثَبت هَذَا فَالْأولى هُوَ هَذَا القَوْل.
أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو عَليّ الْحسن بن عبد الرَّحْمَن الشَّافِعِي، قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس، قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد المقريء قَالَ: حَدثنَا جدي مُحَمَّد بن عبد الله، قَالَ: نَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن دَاوُد بن أبي هِنْد، عَن الشّعبِيّ، عَن مَسْرُوق، عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ... الْخَبَر.
وَقَوله: ﴿وبرزوا لله الْوَاحِد القهار﴾ مَعْنَاهُ: وَخَرجُوا من قُبُورهم لله الْوَاحِد القهار يحكم فيهم بِمَا أَرَادَ.

قَوْله: ﴿وَترى الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ مُقرنين فِي الأصفاد﴾ يُقَال: صفده إِذا قَيده، وأصفده إِذا أعطَاهُ، قَالَ الْأَعْشَى: (تضيفته يَوْمًا فَأكْرم مقعدي ... وأصفدني على الزمانة قائدا) أصفدني أَي: أَعْطَانِي.
وَقَوله: ﴿مُقرنين﴾ أَي: مجعولين بَعضهم مَعَ بعض فِي السلَاسِل والأقياد، وَقيل: إِنَّه يقرن كل كَافِر مَعَ شَيْطَان فِي كل سلسلة وَقيد، ذكره الْكَلْبِيّ، وَيُقَال: تجمع رِجْلَاهُ إِلَى عُنُقه ويغل، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿مُقرنين فِي الأصفاد﴾ .

﴿قطران وتغشى وُجُوههم النَّار (50) ليجزي الله كل نفس مَا كسبت إِن الله سريع الْحساب (51) هَذَا بَلَاغ للنَّاس ولينذروا بِهِ وليعلموا أَنما هُوَ إِلَه وَاحِد وليذكر أولُوا الْأَلْبَاب (52) ﴾

وَقَوله: ﴿سرابيلهم من قطران﴾ أَي: قميصهم من قطران، والقطران مَا تهنأ بِهِ الْإِبِل، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة: " من قطرآن " أَي: من صفر مذاب، (قَالَ) : انْتهى حره.
وَقيل: من نُحَاس مذاب قد انْتهى حره.
قَالَ أهل الْمعَانِي: وَإِنَّمَا ذكر أَن قميصهم من قطران؛ لِأَن النَّار إِلَيْهِ أسْرع اشتعالا.
وَقَوله: ﴿وتغشى وُجُوههم النَّار﴾ مَعْنَاهُ: وَتَعْلُو وُجُوههم النَّار، وَقيل: تصلى.

وَقَوله: ﴿ليجزي الله كل نفس بِمَا كسبت﴾ يَعْنِي: مَا كسبت من خير وَشر.
وَقَوله: ﴿إِن الله سريع الْحساب﴾ مَعْنَاهُ: سريع المجازاة، وَحَقِيقَة الْحساب إحصاء مَا عمله الْإِنْسَان من خير أَو شَرّ ليجازي عَلَيْهِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا بَلَاغ للنَّاس﴾ يَعْنِي: هَذَا الْقُرْآن، وَهَذَا الَّذِي أنزلته عَلَيْك بَلَاغ للنَّاس، أَي: فِيهِ تَبْلِيغ للنَّاس.
قَوْله: ﴿ولينذروا بِهِ﴾ أَي: [و] ليخوفوا بِهِ.
وَقَوله: ﴿وليعلموا أَنما هُوَ إِلَه وَاحِد﴾ أَي: ليستدلوا بِهَذِهِ الْآيَات على وحدانية الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿وليذكر أولو الْأَلْبَاب﴾ مَعْنَاهُ: وليتعظ أولو الْأَلْبَاب - أَي أولو الْعُقُول -، وَفِي بعض التفاسير: أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ.
وَالله أعلم.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿الر تِلْكَ آيَات الْكتاب وَقُرْآن مُبين (1) رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين﴾

تَفْسِير سُورَة الْحجر وَهِي مَكِّيَّة

قَوْله تَعَالَى: ﴿الر﴾ مَعْنَاهُ: أَنا الله أرى، وَقيل: " الر "، و " حم " و " ن " هُوَ الرَّحْمَن.
﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب﴾ مَعْنَاهُ: هَذِه آيَات الْكتاب.
﴿وَقُرْآن مُبين﴾ مَعْنَاهُ: أَنه يبين الْحَلَال من الْحَرَام، وَالْحق من الْبَاطِل، فَإِن قَالَ قَائِل: الْقُرْآن هُوَ الْكتاب، وَالْكتاب هُوَ الْقُرْآن، فأيش فَائِدَة الْجمع بَينهمَا؟ الْجَواب: أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُفِيد معنى لَا يفِيدهُ الآخر، فَإِن الْكتاب هُوَ مَا يكْتب، وَالْقُرْآن هُوَ مَا يجمع بعضه إِلَى بعض، وَقيل: إِن المُرَاد من الْكتاب هُوَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَالْقُرْآن هُوَ الَّذِي أنزلهُ الله تَعَالَى على مُحَمَّد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين﴾ اعْلَم أَن كم للتكثير، وَرب للتقليل، وَيُقَال: رُبمَا للتشديد، وَرُبمَا بِالتَّخْفِيفِ، وربتما بِالتَّاءِ بِمَعْنى وَاحِد.
قَالَ الشَّاعِر: (ماوي يَا ربتما غَارة ... شعواء كاللذعة بالميسم) وَقد فصل بَعضهم بَين رب وَرُبمَا، قَالَ: رب تدخل على الِاسْم، وَرُبمَا على الْفِعْل، فَقَالَ: رب رجل جَاءَنِي، وَيُقَال: رُبمَا جَاءَنِي.
وَاخْتلف القَوْل فِي الْحَال الَّذِي يتَمَنَّى الْكفَّار هَذَا، - والود هُوَ التَّمَنِّي -[فَالْقَوْل] الأول: أَنه فِي حَال المعاينة، وَهَذَا قَول الضَّحَّاك.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يَوْم الْقِيَامَة، وَالْقَوْل الثَّالِث - وَهُوَ الْأَشْهر -: أَنه حِين يخرج

﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فَسَوف يعلمُونَ (3) وَمَا أهلكنا من قَرْيَة﴾ الله الْمُؤمنِينَ من النَّار.
وَفِي الْأَخْبَار المسندة بِرِوَايَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي قَالَ: " يدْخل الله قوما - من أهل الْقبْلَة النَّار مَعَ الْكفَّار فيمكثون فِيهَا مَا شَاءَ الله؛ فَيَقُول الْكفَّار لَهُم: أَنْتُم مُسلمُونَ، فَيَقُولُونَ: نعم، فَيَقُول الْكفَّار: مَا أغْنى عَنْكُم إسلامكم شَيْئا، وَأَنْتُم مَعنا فِي النَّار، فَيَقُولُونَ: نَحن أَذْنَبْنَا ذنوبا فأخذنا بهَا، فَيسمع الله تَعَالَى ذَلِك كُله، فَيَقُول: أخرجُوا من النَّار من كَانَ مُسلما - وَفِي رِوَايَة: من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله - فَيخْرجُونَ، فَحِينَئِذٍ يتَمَنَّى الْكفَّار لَو كَانُوا مُسلمين ". وَفِي بعض الرِّوَايَات: " أَن الْكفَّار إِذا قَالُوا للْمُسلمين هَذِه الْمقَالة؛ يغْضب الله تَعَالَى لقَولهم، فَيَقُول: أخرجُوا ... ، على مَا بَينا.
فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا كَانَت رُبمَا للتقليل، فَكيف يقل تمنيهم هَذَا، وَنحن نعلم حَقِيقَة أَن كلهم يتمنون هَذَا، وَأَن هَذَا التَّمَنِّي مِنْهُم يكثر؟ وَالْجَوَاب: أَن الْعَرَب قد تذكر هَذَا اللَّفْظ وتريد بِهِ التكثير، يَقُول الْقَائِل لغيره: رُبمَا تندم على هَذَا الْفِعْل، وَهُوَ يعلم أَنه يكثر مِنْهُ النَّدَم عَلَيْهِ، وَيكون الْمَعْنى: إِنَّك لَو نَدِمت قَلِيلا لَكَانَ الْقَلِيل من الندامة يَكْفِيك للاجتناب عَنهُ، فَكيف الْكثير؟ ! . وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن شغلهمْ بِالْعَذَابِ لَا يفرغهم للندامة، وَفِي بعض الآحايين رُبمَا يَقع لَهُم هَذَا النَّدَم، ويخطر ببالهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذرهم يَأْكُلُوا ويتمتعوا﴾ الْآيَة.
هَذَا تهديد ووعيد، وَالْأكل مَعْلُوم، وَأما التَّمَتُّع هُوَ التَّلَذُّذ بِطَلَبِهِ حَالا بعد حَال (كالتعرب) هُوَ طلبه حَالا بعد حَال.
قَوْله: ﴿ويلههم الأمل﴾ أَي: يشغلهم الأمل عَن الْآخِرَة.

﴿إِلَّا وَلها كتاب مَعْلُوم (4) مَا تسبق من أمة أجلهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَقَالُوا يَا أَيهَا الَّذِي نزل عَلَيْهِ الذّكر إِنَّك لمَجْنُون (6) لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كنت من الصَّادِقين (7) مَا ننزل الْمَلَائِكَة إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذا منظرين (8) إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر﴾ قَوْله: ﴿فَسَوف يعلمُونَ﴾ تهديد آخر، وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: " ذرهم " تهديد.
وَقَوله: ﴿فَسَوف يعلمُونَ﴾ تهديد آخر، فَمَتَى يهنأ الْعَيْش بَين تهديدين؟ .

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل