الأنفال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿من تحتهَا الْأَنْهَار لَهُم فِيهَا مَا يشاءون كَذَلِك يَجْزِي الله الْمُتَّقِينَ (31) الَّذين تتوفاهم الْمَلَائِكَة طيبين يَقُولُونَ سَلام عَلَيْكُم ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (32) هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة أَو يَأْتِي أَمر رَبك كَذَلِك فعل الَّذين من قبلهم وَمَا ظلمهم الله وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سيئات مَا عمِلُوا وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿جنَّات عدن يدْخلُونَهَا تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار لَهُم فِيهَا مَا يشاءون كَذَلِك يَجْزِي الله الْمُتَّقِينَ﴾ ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين تتوفاهم الْمَلَائِكَة طيبين﴾ يَعْنِي: طاهرين زاكين من الشّرك، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن وفاتهم تقع طيبَة سهلة.
قَوْله: ﴿يَقُولُونَ سَلام عَلَيْكُم﴾ يُقَال: إِن المُرَاد مِنْهُ تَسْلِيم الْمَلَائِكَة، يبلغون سَلام الله إِلَيْهِم، وَفِي الْأَخْبَار: " أَنهم يَقُولُونَ لكل وَاحِد مِنْهُم: السَّلَام عَلَيْك يَا ولي الله ". وَعَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا -: أَن الْمَيِّت الْمُؤمن يزف إِلَى الله كَمَا تزف الْعَرُوس.
وَقَوله: ﴿ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: يُقَال لَهُم: ادخُلُوا الْجنَّة بإيمانكم وطاعتكم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة﴾ مَعْنَاهُ: هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة بِالْمَوْتِ؟ ﴿أَو يَأْتِي أَمر رَبك﴾ الْقِيَامَة.
وَفِي بعض الْآثَار: أَن أعوان ملك الْمَوْت سِتَّة أَمْلَاك: ثَلَاثَة يقبضون أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ، وَثَلَاثَة يقبضون أَرْوَاح الْكفَّار، وَقيل: هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن تأتيهم الْمَلَائِكَة بِالْعَذَابِ وَالْقَتْل للْكفَّار، أَو يَأْتِي أَمر رَبك؟ يَعْنِي: الْمَوْت.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك فعل الَّذين من قبلهم﴾ يَعْنِي: كَذَلِك كفر الَّذِي من قبلهم.
وَقَوله: ﴿وَمَا ظلمهم الله وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سيئات مَا عمِلُوا﴾ مَعْنَاهُ: فَأَصَابَهُمْ وبال السَّيِّئَات الَّتِي
﴿يستهزءون (34) وَقَالَ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا عَبدنَا من دونه من شَيْء نَحن وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء كَذَلِك فعل الَّذين من قبلهم فَهَل على الرُّسُل إِلَّا﴾ عمِلُوا، وَقيل: جَزَاء السَّيِّئَات الَّتِي عمِلُوا.
وَقَوله: ﴿وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون﴾ مَعْنَاهُ: نزل بهم، وأحاط بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا عَبدنَا من دونه من شَيْء نَحن وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء﴾ .
وَمعنى التَّحْرِيم الْمَذْكُور فِي الْآيَة هُوَ مَا حرمُوا من الْبحيرَة والوصيلة والسائبة والحام، وَقد احتجت الْقَدَرِيَّة بِهَذِهِ الْآيَة، وَوجه احتجاجهم أَن الْمُشْركين قَالُوا: لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا، [ ﴿وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء﴾ ] ثمَّ إِن الله تَعَالَى قَالَ فِي آخر الْآيَة: ﴿كَذَلِك فعل الَّذين من قبلهم﴾ ردا وَإِنْكَارا عَلَيْهِم، فَدلَّ على أَن الله تَعَالَى لَا يَشَاء الْكفْر، وَأَنَّهُمْ فعلوا مَا فعلوا بِغَيْر مَشِيئَة الله.
وَالْجَوَاب عَنهُ: ذكر الزّجاج وَغَيره أَنهم قَالُوا هَذَا القَوْل على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء لَا على طَرِيق التَّحْقِيق، وَلَو قَالُوا على طَرِيق التَّحْقِيق لَكَانَ قَوْلهم مُوَافقا لقَوْل الْمُؤمنِينَ، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة شُعَيْب: ﴿إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد﴾ فَإِنَّهُم قَالُوا هَذَا على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء لَا على طَرِيق التَّحْقِيق، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة يس، ﴿وَإِذا قيل لَهُم أَنْفقُوا مِمَّا رزقكم الله قَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا أنطعم من لَو يَشَاء الله أطْعمهُ﴾ وَهَذَا إِنَّمَا قَالُوهُ على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء؛ لِأَنَّهُ فِي نَفسه قَول حق يُوَافق قَول الْمُؤمنِينَ، كَذَلِك هَاهُنَا قَالُوا مَا قَالُوا على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء؛ فَلهَذَا أنكر الله تَعَالَى عَلَيْهِم، ورد قَوْلهم، وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد من هَذَا مَا ذكر من بعد وسنبين.
وَقَوله: ﴿فَهَل على الرُّسُل إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ يَعْنِي: لَيْسَ إِلَيْهِم الْهِدَايَة والإضلال، وَإِنَّمَا عَلَيْهِم التَّبْلِيغ.
﴿الْبَلَاغ الْمُبين (35) وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت فَمنهمْ من هدى الله وَمِنْهُم من حقت عَلَيْهِ الضَّلَالَة فسيروا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين (36) إِن تحرص على هدَاهُم فَإِن الله لَا يهدي من يضل وَمَا لَهُم من ناصرين (37) وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم لَا يبْعَث الله من يَمُوت بلَى وَعدا عَلَيْهِ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت﴾ أَي: وحدوا الله وَاجْتَنبُوا الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿فَمنهمْ من هدى الله وَمِنْهُم من حقت عَلَيْهِ الضَّلَالَة﴾ مَعْنَاهُ: فَمنهمْ من هداه الله للْإيمَان، وَمِنْهُم من وَجَبت عَلَيْهِ الضَّلَالَة، وَتَركه فِي الْكفْر بِالْقضَاءِ السَّابِق، فَهَذِهِ الْآيَة تبين أَن من آمن بِمَشِيئَة الله، وَأَن من كفر، كفر بِمَشِيئَة الله.
وَقَوله: ﴿فسيروا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين﴾ مَعْنَاهُ: مآل أَمر المكذبين ومرجعهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تحرص على هدَاهُم﴾ الْحِرْص: طلب الشَّيْء بالجد وَالِاجْتِهَاد: وَقَوله: ﴿فَإِن الله لَا يهدي من يضل﴾ قَرَأَ بقراءتين: قَرَأَ أهل الْكُوفَة: " لَا يهدي من يضل " بِفَتْح الْيَاء الأولى وَضم الثَّانِيَة، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: " لَا يهدي من يضل " بِضَم اليائين، أما الْقِرَاءَة الأولى فَمَعْنَاه: لَا يهدي الله من أضلّهُ، وَأما الْقِرَاءَة الثَّانِيَة فَمَعْنَاه: فَإِن من يضله الله لَا يهدى، وَقيل: لَا يقدر أحد على هدايته، قَالُوا: وَهَذَا أولى الْقِرَاءَتَيْن.
وَقَوله: ﴿وَمَا لَهُم من ناصرين﴾ أَي: مانعين من الْعَذَاب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ جهد الْيَمين هُوَ أَن يحلف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه غَيره.
وَقَوله: ﴿لَا يبْعَث الله من يَمُوت﴾ هَذَا دَلِيل على أَنهم كَانُوا مستبصرين فِي كفرهم.
وَقَوله: ﴿بلَى وَعدا عَلَيْهِ حَقًا﴾ مَعْنَاهُ: لَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالُوا، وَلَكِن الله يَبْعَثهُم، ثمَّ قَالَ: ﴿وَعدا عَلَيْهِ حَقًا﴾ أَي: وَاجِبا.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ يَعْنِي: أَن وعد الله حق؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُعلمهُ
﴿حَقًا وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ (38) ليبين لَهُم الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وليعلم الَّذين كفرُوا أَنهم كَانُوا كاذبين (39) إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون (40) وَالَّذين هَاجرُوا فِي الله من بعد مَا ظلمُوا لنبوئنهم فِي الدُّنْيَا حَسَنَة ولأجر الْآخِرَة﴾ الْمُؤْمِنُونَ دون الْكفَّار.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ليبين لَهُم الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ يَعْنِي: ليظْهر لَهُم الْحق فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
وَقَوله: ﴿وليعلم الَّذين كفرُوا أَنهم كَانُوا كاذبين﴾ يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه﴾ فَإِن قيل: قد قُلْتُمْ بِأَن الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء، وَقد جعل الله هَاهُنَا الْمَعْدُوم شَيْئا حَيْثُ قَالَ: ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه﴾ وَمَعْنَاهُ: أردنَا تكوينه.
وَالْجَوَاب: أَن الْأَشْيَاء الَّتِي قدر الله كَونهَا هِيَ فِي علم الله كالكائنة (الْقَائِمَة) ؛ فاستقام قَوْله: ﴿إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه﴾ وَقيل: إِن هَذَا على طَرِيق الْمجَاز، وَمَعْنَاهُ: إِنَّمَا يكون شَيْئا إِذا أردنَا تكوينه.
وَقَوله: ﴿أَن نقُول لَهُ﴾ مَعْنَاهُ: أَن نقُول لأَجله: ﴿كن فَيكون﴾ أَي: كن فَكَانَ، وقرىء بقرائتين.
" فَيكون " بِالنّصب، " وَيكون " بِالرَّفْع.
أما بِالرَّفْع مَعْنَاهُ: فَهُوَ يكون، وَأما بِالنّصب فَهُوَ منسوق على قَوْله: ﴿أَن نقُول﴾ وَذَلِكَ يَقْتَضِي النصب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين هَاجرُوا فِي الله من بعد مَا ظلمُوا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: نزلت الْآيَة فِي عمار، وبلال، وصهيب بن سِنَان، وخباب بن الْأَرَت، وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة.
وَقَوله: ﴿من بعد مَا ظلمُوا﴾ يَعْنِي: من بعد مَا عذبُوا وأوذوا.
وَقَوله: ﴿لنبوئنهم فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَالشعْبِيّ وَالْحسن: هِيَ الْمَدِينَة، وَيُقَال: هِيَ قدم الصدْق، وَقيل: التَّوْفِيق وَالْهِدَايَة.
﴿أكبر لَو كَانُوا يعلمُونَ (41) الَّذين صَبَرُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ (42) وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ والزبر وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم ولعلهم يتفكرون (44) أفأمن﴾
وَقَوله: ﴿ولأجر الْآخِرَة أكبر لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ أَي: أعظم لَو كَانُوا يعلمُونَ.
وَقَوله: ﴿لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ منصرف إِلَى الْمُشْركين دون هَؤُلَاءِ النَّفر، فَإِنَّهُم كَانُوا يعلمُونَ أَن أجر الْآخِرَة أكبر.
وَقَوله: ﴿الَّذين صَبَرُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَهِي نازلة فِي هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا رجَالًا من الْبشر نوحي إِلَيْهِم، فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يُنكرُونَ إرْسَال الْآدَمِيّين، وَيطْلبُونَ إرْسَال الْمَلَائِكَة على مَا ذكر الله تَعَالَى ذَلِك فِي غير مَوضِع.
وَقَوله: ﴿فاسألوا أهل الذّكر﴾ يَعْنِي: مؤمني أهل الْكتاب، وَقيل: حَملَة أهل الْكِتَابَيْنِ، فَإِنَّهُم كَانُوا لَا يُنكرُونَ هَذَا.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ والزبر﴾ اخْتلفُوا فِي أَن قَوْله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ والزبر﴾ إِلَى مَاذَا يرجع؟
قَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا بِالْبَيِّنَاتِ والزبر، وَمِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ: وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم بِالْبَيِّنَاتِ والزبر.
ثمَّ قَالَ: ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ .
قَوْله: ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ . وَقد كَانَ الرَّسُول مُبينًا للوحي، وَقد قَالَ أهل الْعلم: إِن بَيَان الْكتاب فِي السّنة.
وَقَوله: ﴿ولعلهم يتفكرون﴾ يَعْنِي: يتدبرون ويعتبرون.
قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أفأمن الَّذين مكروا السَّيِّئَات أَن يخسف الله بهم الأَرْض﴾ " مكروا السَّيِّئَات " يَعْنِي: فعلوا السَّيِّئَات، وَذَلِكَ جحدهم التَّوْحِيد وعبادتهم غير الله، وعملهم بِالْمَعَاصِي، وَقد قَالُوا: إِن الْمَكْر فِي هَذَا الْمَوْضُوع هُوَ السَّعْي بِالْفَسَادِ، وَمَا قُلْنَاهُ أفسد الْفساد.
﴿الَّذين مكروا السَّيِّئَات أَن يخسف الله بهم الأَرْض أَو يَأْتِيهم الْعَذَاب من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَو يَأْخُذهُمْ فِي تقلبهم فَمَا هم بمعجزين (46) أَو يَأْخُذهُمْ على تخوف﴾
وَقَوله: ﴿أَن يخسف الله بهم الأَرْض﴾ الْخَسْف مَعْلُوم الْمَعْنى، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " بَيْنَمَا رجل يتبختر فِي حلَّة لَهُ فَخسفَ بِهِ الأَرْض، فَهُوَ يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".
وَحكى النقاش عَن بعض أهل الْعلم مُسْندًا: أَن قوما تدافعوا الْإِمَامَة بعد مَا أُقِيمَت الصَّلَاة فَخسفَ الله بهم الأَرْض.
وَفِي بعض المسانيد عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " يفتح للنَّاس مَعْدن، ويبدو من الذَّهَب أَمْثَال البخت؛ فيميل النَّاس إِلَيْهِ فيخسف الله بهم وبالمعدن، فهم يتجلجلون فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".
وَقَوله: ﴿أَو يَأْتِيهم الْعَذَاب من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو يَأْخُذهُمْ فِي تقلبهم﴾ قَالَ ابْن جريج: فِي إقبالهم وإدبارهم، وَقيل: فِي ليلهم ونهارهم، وَقيل: فِي أسفارهم.
وَقَوله: ﴿فَمَا هم بمعجزين﴾ أَي: بفائتين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو يَأْخُذهُمْ على تخوف﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: على تنقص، وَمعنى التنقص فِي هَذَا الْموضع أَنه يَأْخُذهُمْ الأول فَالْأول حَتَّى يُهْلِكهُمْ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى التخوف هُوَ أَن يَأْخُذ قوما وَلَا يَأْخُذ آخَرين، وتخوفهم بِأخذ هَؤُلَاءِ، قَول الْحسن وَالضَّحَّاك.
وَالْقَوْل الثَّالِث: حكى عَن اللَّيْث بن سعد أَنه قَالَ: سَمِعت أَنه على عجل.
﴿فَإِن ربكُم لرءوف رَحِيم (47) أولم يرَوا إِلَى مَا خلق الله من شَيْء يتفيأ ظلاله عَن الْيَمين وَالشَّمَائِل سجدا لله﴾ وَقَوله: ﴿فَإِن ربكُم لرءوف رَحِيم﴾ رَحمته للْكفَّار هِيَ إمهالهم فِي الْعَذَاب.
قَوْله تَعَالَى: (أولم يرَوا إِلَى مَا خلق الله من شَيْء يتفيأ ظلاله) يتَحَوَّل ظلاله، وَأما الْفرق بَين الْفَيْء والظل: فَيُقَال: إِن الظل بِالْغَدَاةِ، والفيء بالْعَشي، وَيُقَال: إِن مَعْنَاهُمَا وَاحِد.
وَقَوله: ﴿عَن الْيَمين﴾ أَي: عَن الْأَيْمَان؛ لِأَنَّهُ قد قَالَ عَقِيبه: ﴿وَالشَّمَائِل﴾ والظل دائر من جَوَانِب الْإِنْسَان، فَمرَّة يكون عَن يَمِينه، وَمرَّة يكون عَن شِمَاله، وَمرَّة يكون قدامه، وَمرَّة يكون خَلفه.
وَقَوله: ﴿سجدا لله﴾ أَكثر السّلف أَن السُّجُود هَاهُنَا: هُوَ الطَّاعَة لله، وَأَن كل الْأَشْيَاء سَاجِدَة لله مطيعة من حَيَوَان وجماد، وَهَذَا محكي عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَقَتَادَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ، قَالَ الْحسن: يَا ابْن آدم، ظلك يسْجد لله تَعَالَى، وَأَنت لَا تسْجد، فبئس مَا صنعت.
وَذكر أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بِرِوَايَة ابْن عمر عَن عمر - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَن النَّبِي قَالَ: أَربع بعد الزَّوَال قبل الظّهْر يعدلن مِثْلهنَّ من السحر، وَمَا من شَيْء إِلَّا وَيسْجد لله فِي تِلْكَ السَّاعَة، ثمَّ تَلا قَوْله تَعَالَى: ﴿أولم يرَوا إِلَى مَا خلق الله من شَيْء يتفيأ ظلاله﴾ الْآيَة.
قَالَ الضَّحَّاك: المُرَاد من سُجُود الظلال سُجُود الْأَشْخَاص، وَذكر بَعضهم أَن معنى قَوْله: ﴿سجدا لله﴾ أَي: خاضعة ذليلة خادمة فِيمَا أُرِيد لَهَا بِأَصْل الْخلقَة، والأشياء.
﴿وهم داخرون (48) وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة وَالْمَلَائِكَة وهم لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم ويفعلون مَا يؤمرون (50) وَقَالَ الله﴾ كلهَا مجبولة على مَا أُرِيد لَهَا فِي أصل الْخلقَة.
وَذكر بَعضهم: أَنه إِنَّمَا أضَاف السُّجُود إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء؛ لِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَى السُّجُود، فَكَأَنَّهَا فِي أَنْفسهَا سَاجِدَة، وَالأَصَح هُوَ القَوْل الأول ثمَّ الثَّانِي.
وَقَوله: ﴿وهم داخرون﴾ أَي: صاغرون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة﴾ المُرَاد من الدَّابَّة هَاهُنَا قَالُوا: هِيَ الْحَيَوَان؛ لِأَن الْحَيَوَان من شَأْنه الدبيب، وَيُقَال: وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَوَات من الْمَلَائِكَة، وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا الْمَعْنى، وَقد قَالَ بعده: ﴿وَالْمَلَائِكَة﴾ ؟
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه خصهم بِالذكر تَشْرِيفًا لَهُم.
وَالْآخر: أَن المُرَاد من الْمَلَائِكَة الْمَذْكُورين أخيرا هم مَلَائِكَة الله فِي الأَرْض، يعْبدُونَ الله تَعَالَى ويسبحونه.
وَقَوله: ﴿وهم لَا يستكبرن﴾ الاستكبار: طلب الْكبر بترك الإذعان للحق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ قَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: يخَافُونَ عَذَاب رَبهم من فَوْقهم، وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَح - أَن هَذِه صفة الْعُلُوّ [الَّتِي] تفرد الله بهَا، وَهُوَ كَمَا وصف بِهِ نَفسه من غير تكييف.
وَقَوله: ﴿ويفعلون مَا يؤمرون﴾ يَعْنِي: أَن الْمَلَائِكَة لَا يعصونه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الله لَا تَتَّخِذُوا إلَيْهِنَّ اثْنَيْنِ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أيش معنى قَوْله: ﴿اثْنَيْنِ﴾ وَقد قَالَ: ﴿إِلَهَيْنِ﴾ ؟ الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: على طَرِيق التَّأْكِيد، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: {فَصِيَام
﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد فإياي فارهبون (51) وَله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَله الدّين واصبا أفغير الله تَتَّقُون (52) وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله ثمَّ إِذا﴾ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا أرجعتم تِلْكَ عشرَة كَامِلَة) .
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن الْآيَة على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَمَعْنَاهَا: وَقَالَ الله: لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد.
﴿فإياي فارهبون﴾ يَعْنِي: فخافون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وَله الدّين واصبا﴾ أَي: دَائِما، هَكَذَا قَالَه ابْن عَبَّاس، وَالدّين بِمَعْنى الطَّاعَة.
وَحَقِيقَة الْمَعْنى أَن [طَاعَة] غير الله تَنْقَطِع وتزول، وَطَاعَة الله لَا تَزُول وَلَا تَنْقَطِع، وَقيل: واصبا أَي: خَالِصا، والوصب فِي اللُّغَة هُوَ التَّعَب، فَيُقَال على هَذَا: أَن معنى الْآيَة أَن الطَّاعَات كلهَا لله، وَإِن كَانَ فِيهَا الوصب والتعب.
وَقَوله: ﴿أفغير الله تَتَّقُون﴾ أَي: تخافون، وَهَذَا اسْتِفْهَام على طَرِيق الْإِنْكَار.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا يكن لكم من نعْمَة فَمن الله، وَفِي بعض المسانيد بِرِوَايَة ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا مس عبدا نعْمَة فَعلم أَنَّهَا من الله إِلَّا وَقد [شكر] الله، وَإِن لم يحمده ".
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِذا مسكم الضّر﴾ قيل: الْقَحْط، وَقيل: الْمَرَض.
وَقَوله: ﴿فإليه تجأرون﴾ الجؤار هُوَ الصَّوْت على وَجه الاستغاثة، وَمِنْه جؤار الْبَقر، وَمعنى الْآيَة أَنكُمْ تدعون الله مستغيثين.
قَالَ الشَّاعِر:
﴿مسكم الضّر فإليه تجأرون (53) ثمَّ إِذا كشف الضّر عَنْكُم إِذا فريق مِنْكُم برَبهمْ يشركُونَ (54) ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم فتمتعوا فَسَوف تعلمُونَ (55) ويجعلون لما لَا يعلمُونَ نَصِيبا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تالله لتسألن عَمَّا كُنْتُم تفترون (56) ويجعلون لله الْبَنَات﴾ (يراوح فِي صلوَات المليك ... فطورا سجودا وطورا وجؤارا)
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِذا كشف الضّر عَنْكُم﴾ يَعْنِي: مَا يضركم.
وَقَوله: ﴿إِذا فريق مِنْكُم برَبهمْ يشركُونَ﴾ أَي: يكفرون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم﴾ مَعْنَاهُ: أَن حَاصِل أَمرهم هُوَ كفرهم بِمَا آتَيْنَاهُم من النِّعْمَة، وَهَذِه اللَّام وأمثالها تسمى لَام الْعَاقِبَة، وَقيل: إِن النِّعْمَة هِيَ الْآيَات الَّتِي أَرَاهَا خلقه على وحدانيته.
وَقَوله: ﴿فتمتعوا﴾ أَي: عيشوا الْمدَّة الَّتِي ضرب لكم فِي طلب اللَّذَّة ﴿فَسَوف تعلمُونَ﴾ عَاقِبَة أَمركُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويجعلون لما لَا يعلمُونَ نَصِيبا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ مَعْنَاهُ: ويجعلون للأصنام نَصِيبا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا هَذَا لله بزعمهم وَهَذَا لشركائنا﴾ . وَقَوله: ﴿لَا يعلمُونَ﴾ يَعْنِي: لَا يعلمُونَ أَنَّهَا تَضُرهُمْ وَلَا تنفعهم.
وَقَوله: ﴿تالله لتسألن عَمَّا كُنْتُم تفترون﴾ مَعْنَاهُ: وَالله لتسألن، وَالسُّؤَال سُؤال إِلْزَام الْحجَّة، لَا سُؤال الاستعلام والاستفهام.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويجعلون لله الْبَنَات﴾ هَذَا معنى قَوْلهم: إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله.
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هُوَ بَيَان تنزيهه عَن قَوْلهم.
وَقَوله: ﴿وَلَهُم مَا يشتهون﴾ أَي: الْبَنِينَ، فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ الْبَنَات، وَلنَا البنون.
وَقَوله: ﴿وَإِذا بشر أحدهم بِالْأُنْثَى﴾ كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يودون الذُّكُور من الْأَوْلَاد، ويكرهون الْإِنَاث، وَيَقُولُونَ: إنَّهُنَّ لَا يقاتلن، وَلَا يركبن الْخَيل، وَكَانَ الرجل مِنْهُم إِذا دنت ولادَة امْرَأَته توارى من نَادَى قومه، فَإِن بشر بالابن ظهر، ويهنئه الْقَوْم،
﴿سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَا يشتهون (57) وَإِذا بشر أحدهم بِالْأُنْثَى ظلّ وَجهه مسودا وَهُوَ كظيم (58) يتَوَارَى من الْقَوْم من سوء مَا بشر بِهِ أيمسكه على هون أم يدسه فِي التُّرَاب أَلا﴾ وَإِن بشر بِالْأُنْثَى تغير واستخفى وَرُبمَا يئدها؛ فَهَذَا معنى
قَوْله: ﴿يتَوَارَى من الْقَوْم من سوء مَا بشر بِهِ﴾ يَعْنِي: من كَرَاهَة مَا بشر بِهِ.
وَأما قَوْله: ﴿ظلّ وَجهه مسودا وَهُوَ كظيم﴾ مَعْنَاهُ: تغير وَجهه من الْغم، تَقول الْعَرَب: اسود وَجه فلَان، إِذا تغير بِمَا أَصَابَهُ من الْغم.
وَقَوله: ﴿وَهُوَ كظيم﴾ أَي: ممتلىء حزنا، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: حَزِين، وَقَالَ غَيره: امْتَلَأَ حزنا، فَهُوَ يكظمه، أَي: يمسِكهُ وَلَا يظهره.
وَأما قَوْله: ﴿أيمسكه على هون﴾ قَرَأَ الجحدري: " على هوان "، وَقَالَ الْكسَائي: الْهون والهوان بِمَعْنى وَاحِد، وَقَالَت الخنساء شعرًا:
(نهين النُّفُوس ووهن النُّفُوس ... ليَوْم الكريهة أبقى لَهَا)
وَقَرَأَ عِيسَى بن عمر: " أم يدسها فِي التُّرَاب " وَيلْزمهُ على هَذِه الْقِرَاءَة أَن يقْرَأ: " أيمسكها "، وَأما على الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة فَإِنَّهَا تَنْصَرِف إِلَى لَفْظَة " مَا " وَمَا بِمَعْنى الَّذِي.
وَقَوله: (أم يدسه فِي التُّرَاب) أَي: يدفنه حَيا، وَعَن قَتَادَة قَالَ: رب أُنْثَى خير لأَهْلهَا من غُلَام، وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا وضعت امْرَأَة بِنْتا إِلَّا وضع الْملك يَده على رَأسهَا وَقَالَ: ضَعِيفَة خرجت من ضَعِيفَة، الْمُنفق عَلَيْهَا معَان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".