تفسير السمعانيصفحات 422-436
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ص

صفحات 422-436
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ﴾ أَي: ذُو الْعِزَّة،

وَقَوله: ﴿وَسَلام على الْمُرْسلين﴾ أَي: الْأَنْبِيَاء الَّذين أرْسلُوا إِلَى الْخلق.

وَقَوله: ﴿وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين﴾ على مَا ذكرنَا، وروى الْأَ

ْبَغ بن نباتة عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: من أَرَادَ أَن يكتال الْأجر يَوْم الْقِيَامَة بالمكيال الأوفى، فَلْيَكُن آخر كَلَامه فِي مَجْلِسه: ﴿سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ﴾ إِلَى آخر السُّورَة ". وَفِي بعض الْأَخْبَار بِرِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ ((أَن النَّبِي كَانَ إِذا صلى أَو انْصَرف من مَجْلِسه قَالَ ﴿سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ﴾ إِلَى ى خر السُّورَة)) (1) .

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿ص وَالْقُرْآن ذِي الذّكر (1) بل الَّذين كفرُوا فِي عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من﴾ تَفْسِير سُورَة ص

وَهِي مَكِّيَّة

قَوْله تَعَالَى: ﴿ص﴾ قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ: ﴿ص﴾ بالتسكين، وَقَرَأَ الْحسن: ﴿ص﴾ بخفض الدَّال، وَقَرَأَ عِيسَى بن عمر النَّحْوِيّ: ﴿ص﴾ بِفَتْح الدَّال، وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة بالتسكين.
وَعلة التسكين أَنه حرف من حُرُوف التهجي، وَعند الْعَرَب أَن هَذَا يكون سَاكِنا، وَأما قِرَاءَة الْحسن فَمَعْنَاه: صَاد الْقُرْآن بعملك أَي: عَارضه بعملك، واما قِرَاءَة الْفَتْح فَمَعْنَاه: إِنَّك صَاد.
وَأما معنى " ص ": روى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: صدق مُحَمَّد، وَعَن الضَّحَّاك: صدق الله، وَقَالَ مُجَاهِد: هَذَا من فواتح السُّور، وَقَالَ قَتَادَة: اسْم من أَسمَاء الْقُرْآن، وَهُوَ قسم، وَذكر الْكَلْبِيّ أَن مَعْنَاهُ: والصادق الْمَعْنى على الْقسم.
وَقَوله: ﴿وَالْقُرْآن ذِي الذّكر﴾ أَي: ذِي الشّرف، وَقد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿لقد أنزلنَا إِلَيْكُم كتابا فِيهِ ذكركُمْ﴾ أَي: شرفكم.

وَقَوله: ﴿بل الَّذين كفرُوا فِي عزة وشقاق﴾ وَقُرِئَ فِي الشاذ: " فِي غرَّة وشقاق " بالغين الْمُعْجَمَة، وَالْمَعْرُوف بِالْعينِ وَالزَّاي.
وَقَوله: ﴿فِي عزة﴾ أَي: فِي حمية، قَالَ قَتَادَة: معنى قَوْله: ﴿عزة﴾ أَي: نفروا عَن قبُول الْحق، وتكبروا عَن الانقياد، وَأما الْقِرَاءَة بالغين فَهُوَ من الْغرُور والغفلة، وَقَوله: ﴿وشقاق﴾ أَي: عَدَاوَة وَاخْتِلَاف.

قَوْله تَعَالَى: ﴿كم أهلكنا﴾ اعْلَم أَنه اخْتلف قَول أهل التَّفْسِير فِي جَوَاب الْقسم؛ فَقَالَ بَعضهم: جَوَاب الْقسم هُوَ قَوْله تَعَالَى: {إِن ذَلِك لحق تخاصم أهل

﴿قبلهم من قرن فَنَادوا ولات حِين مناص (3) وعجبوا أَن جَاءَهُم مُنْذر مِنْهُم وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحر كَذَّاب (4) أجعَل الْآلهَة إِلَهًا وَاحِدًا إِن هَذَا لشَيْء عُجاب﴾ النَّار) وَهَذَا قَول ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ قد تخَلّل بَين الْقسم وَبَين هَذَا الْجَواب أقاصيص وأخبار كَثِيرَة، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن جَوَاب الْقسم قَوْله: ﴿كم أهلكنا﴾ وَفِيه حذف، وَمَعْنَاهُ: لكم أهلكنا.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن جَوَاب الْقسم مَحْذُوف، وَمَعْنَاهُ: صَاد وَالْقُرْآن ذِي الذّكر، لَيْسَ الْأَمر على مَا زَعَمُوا يَعْنِي: الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿كم أهلكنا من قبلهم من قرن﴾ كم للتكثير، والقرن قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿فَنَادوا﴾ أَي: اسْتَغَاثُوا عِنْد الْهَلَاك، وَقَوله: ﴿ولات حِين مناص﴾ أَي: لَيْسَ حِين (فرار) ، وَقيل: لَيْسَ حِين (مغاب) ، وَيُقَال: نادوا وَلَيْسَ حِين نِدَاء.
" ولات " بِمَعْنى لَيْسَ لُغَة يَمَانِية، وَقيل: ضمت " التَّاء " إِلَى " لَا " للتَّأْكِيد، كَمَا يُقَال: ربت وثمت بِمَعْنى رب وَثمّ، وَقَالَ أهل اللُّغَة: ناص ينوص إِذا تَأَخّر، وباص يبوص إِذا تقدم، قَالَ الشَّاعِر: (أَمن ذكر سلمى إِن نتك تنوص ... فتقصر عَنْهَا خطْوَة حِين وتبوص)

وَقَالَ آخر فِي ((لات)) بِمَعْنى لَيْسَ: (طلبُوا صلحنا ولات أَوَان ... فأجبنا أَن لَيْسَ حِين بَقَاء)

وَذكر بَعضهم: أَنه كَانَ من عَادَة الْعَرَب إِذا اشتدت الْحَرْب، يَقُول بَعضهم لبَعض: مناص مناص، أَي: احملوا حَملَة وَاحِدَة ينجو فِيهَا من نجا، وَيهْلك [فِيهَا] من

( ﴿5) وَانْطَلق الْمَلأ مِنْهُم أَن امشوا واصبروا على آلِهَتكُم إِن هَذَا لشَيْء يُرَاد (6) مَا﴾ هلك فَقَالُوا ذَلِك حِين أَصَابَهُم الْعَذَاب من الله تَعَالَى، فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُم: " ولات حِين مناص " أَي: وَلَيْسَ (حِين هَذَا) القَوْل، وَأنْشد بَعضهم شعرًا: (تذكر حب ليلى لات حينا ... ويضحي الشيب قد قطع القرينا)

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعجبوا أَن جَاءَهُم مُنْذر مِنْهُم﴾ أَي: مُحَمَّد، وَقَوله: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحر كَذَّاب﴾ أَي: خَادع كَذَّاب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أجعَل الْآلهَة إِلَهًا وَاحِدًا إِن هَذَا لشَيْء عُجاب﴾ أَي: عجب، وَعَجِيب وعجاب بِمَعْنى وَاحِد، وَقَرَأَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ: " إِن هَذَا لشَيْء عُجاب " بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ بِمَعْنى الأول.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَانْطَلق الْمَلأ مِنْهُم﴾ سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة هُوَ " أَنه جَاءَ وُجُوه قُرَيْش إِلَى أبي طَالب، وهم أَبُو جهل، والوليد بن الْمُغيرَة، وَعتبَة وَشَيْبَة وَطعيمَة بن عدي، وَعقبَة بن أبي معيط، وَأبي وَأُميَّة ابْنا خلف، وَزَمعَة بن الْأسود، وَغَيرهم، وَشَكوا إِلَيْهِ مُحَمَّدًا، وَقَالُوا: إِنَّه يسب آلِهَتنَا ويسفه أَحْلَامنَا، وَيذكر أَن آبَاءَنَا فِي النَّار؛ فَدَعَا أَبُو طَالب النَّبِي وَقَالَ: يَا بن أَخ، هَؤُلَاءِ قَوْمك جَاءُوا يشكونك، ويذكرون كَذَا وَكَذَا، فَمَاذَا تطلب مِنْهُم؟ قَالَ: أطلب مِنْهُم كلمة وَاحِدَة إِن قالوها دَانَتْ لَهُم الْعَرَب، وَأَدت إِلَيْهِم الْعَجم الْجِزْيَة، فَقَالَ الْقَوْم: نَحن نقُول عشر كَلِمَات، فَمَاذَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله، فنفروا وَقَامُوا، وَقَالُوا: لَا نقولها أبدا، وَجعل بَعضهم يَقُول لبَعض: امشوا واصبروا على آلِهَتكُم أَي: الزموها، وَأقِيمُوا على عبادتها ". وَقَوله: ﴿إِن هَذَا لشَيْء يُرَاد﴾ أَي: أَمر مُحَمَّد شَيْء، يُرَاد بِالنَّاسِ فِيهِ الشَّرّ

﴿سمعنَا بِهَذَا فِي الْملَّة الْآخِرَة إِن هَذَا إِلَّا اخْتِلَاق (7) أؤنزل عَلَيْهِ الذّكر من بَيْننَا بل هم فِي شكّ من ذكري بل لما يَذُوقُوا عَذَاب (8) أم عِنْدهم خَزَائِن رَحْمَة رَبك﴾ والهلاك، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ " وَانْطَلق الْمَلأ يَمْشُونَ أَن اصْبِرُوا على آلِهَتكُم "، وَيُقَال: إِن هَذَا لشَيْء يُرَاد أَي: لشَيْء يُرَاد بِأَهْل الأَرْض فِي إرْسَال مُحَمَّد وَيُقَال: يُرَاد أَي: يُرَاد بِمُحَمد وَيملك علينا ويرأس.
وَفِي الْآيَة قَول آخر، وَهُوَ أَنَّهَا نزلت فِي إِسْلَام عمر رَضِي الله عَنهُ وَمَا حصل للْمُسلمين من الْقُوَّة بمكانه، فَقَالَ الْكفَّار لما أسلم عمر: إِن هَذَا لشَيْء يُرَاد أَي: إِن أَمر مُحَمَّد لشَيْء يُرَاد، حَيْثُ قوي بِإِسْلَام عمر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا سمعنَا بِهَذَا فِي الْملَّة الْآخِرَة﴾ أَي: النَّصْرَانِيَّة، هَكَذَا قَالَه ابْن عَبَّاس وَابْن جريج وَالسُّديّ، وَهِي آخر الْملَل، وَلم يَكُونُوا مُوَحِّدين، فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة، وَقَالَ مُجَاهِد: مَا سمعنَا هَذَا فِي الْملَّة الْآخِرَة أَي: فِي مِلَّة قُرَيْش، وَقيل: فِي ملتنا هَذِه، وَعَن مؤرج بن عَمْرو قَالَ: فِي الْملَّة الْآخِرَة أَي: فِي الْملَّة الأولى، وَهُوَ لُغَة لبَعض الْعَرَب.
وَقَوله: ﴿إِن هَذَا إِلَّا اخْتِلَاق﴾ أَي: افتعال وَكذب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أأنزل عَلَيْهِ الذّكر من بَيْننَا﴾ مَعْنَاهُ: أَن أهل مَكَّة قَالُوا: أأنزل على مُحَمَّد الْقُرْآن من بَيْننَا، وَلَيْسَ بأفضلنا وَلَا أَشْرَفنَا؟ . وَقَوله: ﴿بل هم فِي شكّ من ذكري﴾ أَي: مِمَّا أنزلت.
وَقَوله: ﴿بل لما يَذُوقُوا عَذَاب﴾ أَي: لم يَذُوقُوا عَذَابي وسيذقونه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم عِنْدهم خَزَائِن رَحْمَة رَبك﴾ مَعْنَاهُ: أعندهم خَزَائِن رَحْمَة رَبك؟ والخزائن: هِيَ البوت الَّتِي تعد فِيهَا الْأَشْيَاء النفيسة.
وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنه لَيْسَ عِنْدهم خَزَائِن الرَّحْمَة والنبوة، فيعطونها من شَاءُوا، ويمنعونها من شَاءُوا.

(الْعَزِيز الْوَهَّاب (9) أم لَهُم ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فليرتقوا فِي الْأَسْبَاب (10) جند مَا هُنَالك مهزوم من الْأَحْزَاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وَعَاد وَفرْعَوْن) وَقَوله: ﴿الْعَزِيز الْوَهَّاب﴾ الْعَزِيز: هُوَ المنيع فِي ملكه، الْغَالِب على خلقه، الْوَهَّاب: الْمُعْطِي لخلقه،

وَقَوله تَعَالَى: ﴿أم لَهُم ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ أَي: لَيْسَ لَهُم ذَلِك.
وَقَوله: ﴿فليرتقوا فِي الْأَسْبَاب﴾ أَي: فليعلوا فِي أَسبَاب الْقُوَّة والمنعة إِن كَانَ لَهُم ذَلِك على مَا زَعَمُوا، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة، وَقيل: فليقعدوا إِلَى أَبْوَاب السَّمَاء.
والأسباب هِيَ الموصلاة فِي الغة، وَالْحَبل يُسمى سَببا؛ لأته يُوصل بِهِ إِلَى الشَّيْء، فالارتقاء فِي الْأَسْبَاب هُوَ التَّوَصُّل من شَيْء إِلَى شَيْء حَتَّى يبلغ أَعْلَاهُ، وَالْمرَاد من الْآيَة إِثْبَات عجزهم، وَإِبْطَال زعمهم فِيمَا ادعوهُ من المنعة وَالْقُوَّة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿جند مَا هُنَالك مهزوم من الْأَحْزَاب﴾ أَي: جند هُنَالك، " وَمَا " صلَة، وَالْمعْنَى أَنهم مهزومون مقموعون، وَاخْتلف القَوْل فِي الْمَعْنى لَهُم، فأحد الْقَوْلَيْنِ: هم الْأَصْنَام، وَالْقَوْل الآخر: أَن الْمَعْنى هم مشركو قُرَيْش، وهم الَّذين قتلوا وأسروا ببدر، وَقيل: إِن هُنَالك إِشَارَة إِلَى مصَارِعهمْ من بدر.
وَقَوله: ﴿من الْأَحْزَاب﴾ أَي: من الَّذين تحزبزا وتجمعوا على الْأَنْبِيَاء بالتكذيب،

قَوْله تَعَالَى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وَعَاد﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَفرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد﴾ فِي الْأَوْتَاد أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا الْبُنيان، قَالَ الشَّاعِر: (وَلَقَد غنوا فِيهَا بأنعم عيشة ... فِي ظلّ ملك ثَابت الْأَوْتَاد) أَي: الْأَبْنِيَة، وَقيل: الْأَوْتَاد جمع الوتد، وَكَانَ إِذا أَرَادَ قتل إِنْسَان وتد فِي يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ أَرْبَعَة أوتاد وَهُوَ مستلقي، وَوَجهه إِلَى السَّمَاء.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْأَوْتَاد هِيَ الملاعب بالأرسان المشدودة بالأوتاد، وَقد كَانَ

﴿ذُو الْأَوْتَاد (12) وَثَمُود وَقوم لوط وَأَصْحَاب الأيكة أؤلئك الْأَحْزَاب (13) إِن كل إِلَّا كذب الرُّسُل فَحق عِقَاب (14) وَمَا ينظر هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة مَا لَهَا من فوَاق (15) وَقَالُوا رَبنَا عجل لنا قطنا قبل يَوْم الْحساب (16) اصبر على مَا يَقُولُونَ وَاذْكُر﴾ لفرعون ذَلِك.

وَقَوله: ﴿وَثَمُود وَقوم لوط﴾ قد بَينا، وَحكى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: أَنه مَا من نَبِي إِلَّا وَيكون لَهُ أمة يَوْم الْقِيَامَة سوى لوط عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُ يَأْتِي وَحده، وَذكر بَعضهم: أَن قوم لوط كَانُوا أَرْبَعمِائَة ألف بَيت، فِي كل بَيت عشرَة نفر، وَلم يسلم أحد مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿وَأَصْحَاب الأيكة﴾ أَي: الغيضة، وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَاب﴾ يَعْنِي: الَّذين تحزبوا على الْأَنْبِيَاء.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كل إِلَّا كذب الرُّسُل﴾ أَي: مَا مِنْهُم قوم إِلَّا وَقد كذب الرُّسُل، وَقَوله: ﴿فَحق عِقَاب﴾ أَي: فَوَجَبَ عَذَابي عَلَيْهِم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا ينظر هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة﴾ والصيحة هَا هُنَا هِيَ نفخة فِي الصُّور، وَقَوله: ﴿مَا لَهَا من فوَاق﴾ قرئَ بِالنّصب وَالرَّفْع، وَقَالَ بَعضهم: هما بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَالَ بَعضهم: هما مُخْتَلِفَانِ؛ فَقَوله بِالنّصب: من الْإِفَاقَة، وَقيل: مثنوية، وَيُقَال: رُجُوع وَتَأْخِير، وَقَوله بِالرَّفْع أَي: من انْتِظَار، والفواق فِي اللُّغَة مَا بَين الحلبتين، وَالْمعْنَى أَن الْعَذَاب لَا يمهلهم، وَلَا يلبثهم بذلك الْقدر.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا رَبنَا عجل لنا قطنا﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: أَي: نصيبنا (من) الْجنَّة، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: قطنا أَي: نصيبنا من الْعَذَاب، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِك تَكْذِيبًا واستهزاء، والقط هُوَ الْكتاب الَّذِي يكْتب فِيهِ الْجَائِزَة، والقطوط كتب الجوائز.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن الله تَعَالَى لما أنزل قَوْله: {فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه

﴿عَبدنَا دَاوُود ذَا الأيد إِنَّه أواب (17) إِنَّا سخرنا الْجبَال مَعَه يسبحْنَ بالْعَشي وَالْإِشْرَاق بِيَمِينِهِ) {وَأما من أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ﴾ فَسمع الْمُشْركُونَ ذَلِك؛ فَقَالُوا: رَبنَا عجل لنا قطنا أَي: صحيفتنا.
وَقَوله: ﴿قبل يَوْم الْحساب﴾ ظَاهر، وَإِنَّمَا قَالُوا تَكْذِيبًا واستهزاء.

قَوْله تَعَالَى: ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ أَي: على مَا يَقُول الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿وَاذْكُر عَبدنَا دَاوُد﴾ هُوَ دَاوُد بن إيشا، وَقد بَينا، قَوْله: ﴿ذَا الأيد﴾ أَي: ذَا الْقُوَّة، فَيُقَال: ذَا الْقُوَّة فِي الْعِبَادَة، وَيُقَال: ذَا الْقُوَّة فِي الْملك.
وَأما قَوْله فِي الْعِبَادَة؛ فقد كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، وَكَانَ يقوم سدس اللَّيْل وينام نصفه، وَيقوم ثلثه، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أحب الصّيام إِلَى الله تَعَالَى صِيَام دَاوُد، وَأحب الْقيام إِلَى الله قيام دَاوُد "، وَقَوله: ﴿إِنَّه أواب﴾ أَي: تواب، وَقيل: رجاع، فَقَالَ: آب يئوب إِذا رَجَعَ، قَالَ الشَّاعِر: (وكل ذِي غيبَة يئوب ... وغائب الْمَوْت لَا يئوب) وَقيل: أواب مَعْنَاهُ: أَنه كَانَ كلما ذكر ذَنبه اسْتغْفر الله تَعَالَى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا سخرنا الْجبَال مَعَه يسبحْنَ بالْعَشي﴾ الْعشي: آخر النَّهَار.
وَقَوله: ﴿وَالْإِشْرَاق﴾ هُوَ وَقت الضُّحَى، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَا كنت أعرف معنى الْإِشْرَاق حَتَّى أَخْبَرتنِي أم هَانِئ رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي صلى صَلَاة الضُّحَى

( ﴿18) وَالطير محشورة كل لَهُ أواب (19) وشددنا ملكه وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب (20) وَهل أَتَاك نبأ الْخصم إِذْ تسوروا الْمِحْرَاب (21) إِذْ دخلُوا على دَاوُود﴾ فِي بَيتهَا، ثمَّ قَالَ: " هَذِه صَلَاة الْإِشْرَاق " وَالْإِشْرَاق: أَنه تشرق الشَّمْس حَتَّى تتناهى فِي ضوئها.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالطير محشورة﴾ وسخرنا الطير محشورة، وَقَوله: ﴿محشورة﴾ مَجْمُوعَة، وَقَوله: ﴿كل لَهُ أواب﴾ اخْتلف القَوْل فِي معنى قَوْله: ﴿كل لَهُ أواب﴾ فأحد الْقَوْلَيْنِ مَعْنَاهُ: كل لله أواب أَي: مسبح.
وَالْقَوْل الثَّانِي: كل لَهُ أواب أَي: لداود يَعْنِي: أواب مَعَه.
والأواب هَا هُنَا هُوَ المسبح، وَالتَّسْبِيح هُوَ عبَادَة أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وشددنا ملكه﴾ أَي: وقوينا ملكه، قَالَ مُجَاهِد: كَانَ لَهُ أَرْبَعمِائَة ألف رجل يحرسونه، وَمن الْمَعْرُوف سِتَّة وَثَلَاثُونَ ألفا يحرسونه.
وَعَن بَعضهم: أَرْبَعُونَ ألفا مستلأمة أَي: فِي السِّلَاح، وَقد لبس لأمته أَي: درعه وسلاحه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَة﴾ أَي: النُّبُوَّة، وَقيل: الْفِقْه فِي الدّين، وَيُقَال: الْفَهم فِي الْقَضَاء.
وَقَوله: ﴿وَفصل الْخطاب﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي، وَالْيَمِين على من أنكر، وَهُوَ فصل الْخطاب، وَهَذَا قَول مَشْهُور ومعروف.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن فصل الْخطاب هُوَ الْبَيَان الْفَاصِل بَين الْحق وَالْبَاطِل.

﴿ففرع مِنْهُم قَالُوا لَا تخف خصمان بغي بَعْضنَا على بعض فاحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ وَلَا تشطط واهدنا إِلَى سَوَاء الصِّرَاط (22) إِن هَذَا أخي لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة ولي نعجة وَاحِدَة﴾ وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن مَعْنَاهُ: أما بعد، ذكره الشّعبِيّ، وَإِنَّمَا سمي: أما بعد فصل الْخطاب؛ لِأَن الْإِنْسَان يذكر الله وَيَحْمَدهُ، فَإِذا شرع فِي كَلَام آخر قَالَ: أما بعد، فقد كَانَ كَذَا، وَكَانَ كَذَا.
وَقد ورد فِي الْقِصَّة: أَن رجلا أَتَى دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام وَادّعى أَن فلَانا اغتصب مِنْهُ بقرًا، فَدَعَا الْمُدَّعِي عَلَيْهِ، فَجحد؛ فَرَأى فِي الْمَنَام أَنه أَمر بقتل الْمُدعى عَلَيْهِ فَلم يفعل فَرَأى ثَانِيًا وثالثا وأنذر بِالْعَذَابِ إِن لم يفعل فَدَعَا الْمُدعى عَلَيْهِ وَأخْبرهُ أَن الله تَعَالَى أمره بقتْله؛ فَقَالَ: أَو حق هُوَ؟ قَالَ: نعم.
فَقَالَ: أتقتلني بِغَيْر حجَّة؟ فَقَالَ لَهُ: وَالله لأنفذن أَمر الله فِيك.
فَقَالَ: إِنِّي لم أقتل بِهَذَا، وَلَكِنِّي كنت اغتلت أَبَا هَذَا الرجل وقتلته، وَأقر بِهِ، فَقتله دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام فَلَمَّا رَأَتْ بَنو إِسْرَائِيل ذَلِك هابوه أَشد الهيبة، فَهِيَ معنى قَوْله ﴿وشددنا ملكه﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهل أَتَاك نبأ الْخصم﴾ أَي: خبر الْخصم، وأنشدوا فِي النبأ بِمَعْنى الْخَبَر: (إِنِّي أرقت فَلم أغمض جاري ... جزعا من النبأ الْعَظِيم السار) والخصم اسْم يَقع على الْوَاحِد والاثنين وَالْجَمَاعَة، وَقيل مَعْنَاهُ: ذُو خصم ذَوا خصم وذوو خصم، فعلى هَذَا يتَنَاوَل الْكل.
وَقَوله: ﴿إِذْ تسوروا الْمِحْرَاب﴾ أَي صعدوا وعلوا، وَالْمعْنَى: أَنهم دخلُوا من جَانب سور الْمِحْرَاب لَا من مدْخل الَّذِي يدْخل النَّاس.
واتفقت عَامَّة الْمُفَسّرين على أَن الَّذين دخلُوا كَانُوا ملكَيْنِ، وَقيل: إِنَّه كَانَ أَحدهمَا جِبْرِيل وَالْآخر مِيكَائِيل، وَذكر تسوروا بِلَفْظ الْجمع؛ لِأَن الْجمع يتَنَاوَل الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدا.

وَقَوله: ﴿إِذْ دخلُوا على دَاوُد فَفَزعَ مِنْهُم﴾ أَي: خَافَ مِنْهُم وَاخْتلف القَوْل فِي عِلّة الْخَوْف، فَقَالَ بَعضهم: إِنَّه خَافَ مِنْهُم، لأَنهم دخلُوا فِي غير وَقت الدُّخُول، وَقيل: خَافَ مِنْهُم؛ لأَنهم دخلُوا من أَعلَى السُّور.
وَقَوله: ﴿قَالُوا لَا تخف﴾ يَعْنِي: فَلَا تخف ﴿خصمان بغى بَعضهم على بعض﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿خصمان بغى بَعْضنَا على بعض﴾ وَلم يكن من الْملكَيْنِ من بغى أَحدهمَا على الآخر؟ وَالْجَوَاب عَنهُ أَن مَعْنَاهُ: أَرَأَيْت خصمين بغى أَحدهمَا على الآخر، فَهَذَا من معاريض الْكَلَام، وَلَيْسَ على معنى تَحْقِيق بغي أَحدهمَا على الآخر.
وَقيل مَعْنَاهُ: قَالَا: مَا قَوْلك فِي خصمين بغى أَحدهمَا على الآخر؟ وَهَذَا قريب من الأول، وَقَوله: ﴿فاحكم بَيْننَا بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ.
وَقَوله: ﴿وَلَا تشطط﴾ يُقَال: أشط يشط إِذا جَار، وشطا يشط إِذا أبعد، قَالَ الشَّاعِر: (شطت مَزَار العاشقين، فَأَصْبَحت ... عسرا عَليّ طلابك ابْنة مخرم) وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة: ﴿تشط غَدا دَار جيراننا ... وللدار بعد غَد أبعد﴾ فَمَعْنَى قَوْله: ﴿وَلَا تشطط﴾ أَي: لَا تجر، وَقُرِئَ بِنصب التَّاء أَي: لَا تبعد عَن الْحق، وَقَوله: ﴿واهدنا إِلَى سَوَاء الصِّرَاط﴾ أَي: إِلَى الطَّرِيق الْمُسْتَقيم الصَّوَاب وَالْعدْل، وَقَوله: ﴿واهدنا﴾ أَي: وأرشدنا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا أخي لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة﴾ ذكر أهل التَّفْسِير أَن سَبَب ابتلاء دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام أَنه فتن بِامْرَأَة أوريا بن حنان، وَسبب ذَلِك أَن دَاوُد صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ قسم أَيَّامه، فَكَانَ يَخْلُو يَوْمًا لِلْعِبَادَةِ، ويخلو يَوْمًا لنسائه، وَيجْلس للْقَضَاء يَوْمًا مَعَ بني إِسْرَائِيل فيذاكرهم ويذاكرونه، فَجَلَسَ يَوْمًا مَعَ بني إِسْرَائِيل يذاكرهم، فذاكروا فتْنَة النِّسَاء، فأضمر دَاوُد فِي نَفسه أَنه إِن ابْتُلِيَ اعْتصمَ.

وَفِي بعض التفاسير: أَن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام رأى قرينيه من الْمَلَائِكَة، فَقَالَ لَهما: مَا بالكما معي، فَقَالَا: نحفظك ونحرسك، فتفكر فِي نَفسه أَنه كَانَ مَا يحْتَرز عَنهُ من الْأَشْيَاء يكون بحفظهما، أَو مَا يفعل من الْعِبَادَة فَيكون بحفظهما، فَهُوَ لَا يحمد فِي ذَلِك؛ فَأمر الله تَعَالَى الْملكَيْنِ أَن يخلياه يَوْمًا.
وَفِي بعض الْقَصَص: أَن الله تَعَالَى حذره يَوْمًا، وَقَالَ: هُوَ يَوْم فتنتك، وَفِي بَعْضهَا: أَنه سمع بني إِسْرَائِيل يَقُولُونَ فِي دعواتهم: يَا إِلَه إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب، فَأحب أَن يذكر مَعَهم، فَذكر ذَلِك لله تَعَالَى فِي مناجاته، فَقَالَ: يَا دَاوُد إِنِّي ابتليتهم فصبروا.
فَقَالَ: لَو ابتليتني صبرت، فَقَالَ: يَا دَاوُد إِنِّي مبتليك يَوْم كَذَا، فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم دخل فِي متعبده، وتخلى لِلْعِبَادَةِ، وَهَذَا الْوَجْه الثَّالِث غَرِيب، وَالْمَشْهُور مَا ذكرنَا من قبل، قَالُوا: وَلما كَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم وتخلى لِلْعِبَادَةِ وَجعل يُصَلِّي وَيقْرَأ التَّوْرَاة وَالزَّبُور ويكب على قراءتهما، فَبَيْنَمَا هُوَ خلال ذَلِك؛ إِذْ سقط طير من ذهب قَرِيبا مِنْهُ، وَيُقَال: إِنَّه إِبْلِيس تصور فِي صُورَة طير، وَكَانَ جناحاه من الدّرّ والزبرجد، فأعجبه حسن الطير، فقصد أَن يَأْخُذهُ فتباعد مِنْهُ، وَجعل هُوَ يتبعهُ إِلَى أَن أسرف فِي اتِّبَاعه إِلَى دَار من دور جِيرَانه، فَرَأى امْرَأَة تَغْتَسِل، فأعجبه حسنها وخلقها، وَفتن بهَا، فَلَمَّا أحست الْمَرْأَة بِمن ينظر إِلَيْهَا؛ حللت شعرهَا، فغشاها شعرهَا؛ فازداد دَاوُد فتْنَة، وَرجع وَسَأَلَ عَن الْمَرْأَة؛ فَقيل: إِنَّهَا امْرَأَة أوريا بن حنان، فَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت توجه غازيا إِلَى بعض الثغور، فَأحب أَن يقتل ويتزوج بامرأته، فَذكر بَعضهم أَن ذَنبه كَانَ هَذَا الْقدر.
وَذكر بَعضهم: انه كتب إِلَى أَمِير الْجَيْش أَن يَجْعَل أوريا قُدَّام التابوت، وَكَانَ من جعل قُدَّام التابوت فإمَّا أَن يقتل أَو يفتح الله على يَدَيْهِ، فَلَمَّا جعل قُدَّام التابوت قتل، فَتزَوج دَاوُد الْمَرْأَة بَعْدَمَا انْقَضتْ عدتهَا.
وروى مَسْرُوق عَن ابْن مَسْعُود، وَسَعِيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَ ذَنْب دَاوُد انه التمس من الرجل أَن ينزل عَن امْرَأَته، هَذَا قَول ابْن مَسْعُود، وَأما لفظ ابْن عَبَّاس: التمس أَن يتَحَوَّل لَهُ عَنْهَا.

﴿فَقَالَ أكفلنيها وعزني فِي الْخطاب (23) قَالَ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إِلَى نعاجه وَإِن﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: وَقد كَانَ ذَلِك مُبَاحا لَهُم غير أَن الله تَعَالَى لم يرض لَهُ بذلك، لِأَنَّهُ كَانَ ذَلِك رَغْبَة فِي الدُّنْيَا، وازدياد من النِّسَاء، وَقد أغناه الله تَعَالَى عَنْهَا بِمَا أعطَاهُ من غَيرهَا.
وَذكر بَعضهم: أَن ذَنبه كَانَ هُوَ أَنه خطب امْرَأَة، وَقد خطبهَا غَيره، فَدخل على خطْبَة غَيره، وَكَانَ ذَلِك مَنْهِيّا فِي شريعتهم، كَمَا هُوَ مَنْهِيّ فِي شريعتنا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هَذَا أخي لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة﴾ النعجة هَا هُنَا كِنَايَة عَن الْمَرْأَة، وَالْعرب تكنى عَن الْمَرْأَة بالنعجة وَالشَّاة، قَالَ الشَّاعِر: (فرميت غَفلَة عينه عَن شاته ... فَأَصَبْت حَبَّة قلبه وطحالها) وَالْمرَاد من الشَّاة هَا هُنَا هِيَ الْمَرْأَة، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " تِسْعَة وَتسْعُونَ نعجة أُنْثَى " قَالَ بَعضهم: ذكر أُنْثَى على طَرِيق التَّأْكِيد.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا أبقت الْفَرَائِض فَلأولى رجل ذكر " فَقَوله: " ذكر " مَذْكُور على وَجه التَّأْكِيد.
وَقيل: يجوز أَن يُقَال: تِسْعَة وَتسْعُونَ نعجة، وَإِن كَانَ فِي خلالها ذكر، فَلَمَّا قَالَ: تِسْعَة وَتسْعُونَ نعجة أُنْثَى، عرف قطعا أَنه لَيْسَ فِي خلالها ذكر.
وَقَوله: ﴿ولي نعجة وَاحِدَة﴾ فِي التَّفْسِير: أَنه كَانَ لأوريا امْرَأَة وَاحِدَة، ولداود تِسْعَة وَتسْعُونَ امْرَأَة، فَهَذَا هُوَ المعني بالنعاج والنعجة.
وَقَوله: ﴿فَقَالَ أكفلنيها﴾ أَي: ضمهَا إِلَيّ: وَقيل: انْزِلْ لي عَنْهَا، وَقيل: اجْعَلنِي قيمها وكفيلا بأمرها.
وَقَوله: ﴿وعزني فِي الْخطاب﴾ أَي: غلبني فِي الْخطاب، وقهرني فِي الْخطاب أَي:

﴿كثيرا من الخلطاء ليبغي بَعضهم على بعض إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَقَلِيل مَا هم وَظن دَاوُود أَنما فتناه فَاسْتَغْفر ربه وخر رَاكِعا وأناب (24) فغفرنا لَهُ ذَلِك وَإِن لَهُ﴾ فِي القَوْل لقُوَّة ملكه.
وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَن الْغَلَبَة كَانَت لَهُ لضعفي فِي يَده، وَإِن كَانَ الْحق معي، وَعَن مُجَاهِد قَالَ: تحدث بَنو إِسْرَائِيل عِنْد دَاوُد أَنه لَا يمْضِي على ابْن آدم يَوْمًا إِلَّا ويذنب فِيهِ ذَنبا، واعتقد دَاوُد صلوَات الله عَلَيْهِ أَنه يحفظ نَفسه من الذَّنب، وَعين يَوْمًا، فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم تخلى فِي متعبده، وَجعل يُصَلِّي ويسبح، وَيقْرَأ التَّوْرَاة وَالزَّبُور، فابتلي بِمَا ابْتُلِيَ بِهِ على مَا ذكرنَا.
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: من زعم أَن دَاوُد ارْتكب محرما من تِلْكَ الْمَرْأَة جلدته مائَة وَسِتِّينَ جلدَة، يَعْنِي ضعف مَا يجلد الْإِنْسَان فِي غَيره.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لقد ظلمك﴾ مَعْنَاهُ: لقد ظلمك بسؤاله نعجتك إِلَى نعاجه، فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: لقد ظلمك بِمُجَرَّد قَوْله، وَلم يكن سمع قولة صَاحبه؟ الْجَواب عَنهُ: أَن يحْتَمل لقد ظلمك بِمُجَرَّد قَوْله، وَلم يكن صَاحبه أقرّ بذلك، وَيحْتَمل أَنه قَالَ: إِن كَانَ الْأَمر على مَا ذكرت فقد ظلمك بسؤاله نعجتك إِلَى نعاجه، وَفِي الْآيَة حذف، والمحذوف بسؤاله أَن تضم نعجتك إِلَى نعاجه، وَقد ثَبت عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ سَأَلَ زوج الْمَرْأَة أَن ينزل لَهُ عَن امْرَأَته، رَوَاهُ سعيد بن جُبَير عَنهُ.
وَقَوله: ﴿وَإِن كثيرا من الخلطاء﴾ أَي: من الشُّرَكَاء، يُقَال: هَذَا خليطي أَي: شَرِيكي، وَقَوله: ﴿ليبغي بَعضهم على بعض﴾ أَي: يظلم بَعضهم بَعْضًا.
وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ يَعْنِي: أَنهم لَا يظلم بَعضهم بَعْضًا، وَقَوله: ﴿وَقَلِيل مَا هم﴾ أَي: وَقيل هم، و " مَا " صلَة.
وَقَوله: ﴿وَظن دَاوُد أَنما فتناه﴾ أَي: وأيقن دَاوُد أَنما فتناه أَي: ابتليناه، وأوقعناه فِي الْفِتْنَة، وَقُرِئَ: " إِنَّمَا فتناه " بِالتَّخْفِيفِ، يَعْنِي: أَن الْملكَيْنِ فتناه.

وَقَوله: ﴿فَاسْتَغْفر ربه﴾ أَي: طلب الْمَغْفِرَة من ربه (وخر رَاكِعا) أَي: سَاجِدا، فَعبر عَن السُّجُود بِالرُّكُوعِ؛ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا نوع من الانحناء.
وَقَوله: ﴿وأناب﴾ أَي: رَجَعَ وَتَابَ، قَالَ مُجَاهِد: مكث دَاوُد سَاجِدا أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يرفع رَأسه.
وَيُقَال: مكث فِي السُّجُود وَبكى حَتَّى نبت العشب حول رَأسه.
وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن الله تَعَالَى بعث إِلَيْهِ ملكا بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَن أرفع رَأسك، فَلم يرفع، فَقَالَ لَهُ الْملك: أَيهَا العَبْد، أول أَمرك ذَنْب وَآخره مَعْصِيّة، ارْفَعْ رَأسك حِين أَمرك رَبك.
وَذكر وهب بن مُنَبّه: أَن دَاوُد صلوَات الله عَلَيْهِ لم يشرب بعد ذَلِك مَاء، إِلَّا وَقد مزجه بدموعه، وَلم يَأْكُل طَعَاما إِلَّا وَقد بله بدموعه، وَلم ينم على فرَاش إِلَّا وَقد غرقه بدموعه.
وَأم حكم السُّجُود فِي هَذِه الْآيَة، فَذكر بَعضهم: أَنَّهَا سَجْدَة شكر، وَذكر بَعضهم: أَنَّهَا سَجْدَة عَزِيمَة، وَقد روى الشَّافِعِي رَحمَه الله بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه كَانَ لَا يسْجد فِي " سُورَة ص " وَيَقُول: إِنَّهَا تَوْبَة نَبِي.
وَفِي بعض التفاسير: أَن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام لما قَالَ مَا قَالَ ضحك أحد الْملكَيْنِ إِلَى صَاحبه، ثمَّ ارتفعا إِلَى السَّمَاء، فَعلم دَاوُد أَنَّهُمَا أراداه بذلك القَوْل وأنهما ملكان مبعوثان من قبل الله تَعَالَى فَحِينَئِذٍ وَقع على الأَرْض سَاجِدا.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل