تفسير السمعانيصفحات 69-85
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَاتِحَة

صفحات 69-85
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات﴾ التلقي: هُوَ قبُول عَن فطنة وَفهم دَلِيل: فَتلقى هُوَ [أَي: تعلم] : ﴿ظلمنَا أَنْفُسنَا﴾ إِلَى آخِره.
وَقَالَ عبيد بن عُمَيْر: هِيَ كَلِمَات قَالَهَا آدم حِين ابتلاه الله بالمعصية.
﴿من ربه كَلِمَات﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَالْأَكْثَرُونَ: الْكَلِمَات هِيَ قَوْله: رَبنَا أَي: تعلم بالمعصية يارب هَذَا شَيْء كتبته عَليّ [أم] ابتدعته من تِلْقَاء نَفسِي؟ فَقَالَ: بل شَيْء كتبته عَلَيْك.
فَقَالَ آدم: (فَكَمَا) كتبته عَليّ فاغفره.

﴿الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين (36) فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّه هُوَ التواب الرَّحِيم (37) قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا فإمَّا﴾ ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فَقبل تَوْبَته ﴿إِنَّه هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ هُوَ الْقَابِل للتَّوْبَة من الْعباد؛ الرَّحِيم بهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الهبوط الأول كَانَ من الْجنَّة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، والهبوط الثَّانِي كَانَ من السَّمَاء الدُّنْيَا إِلَى الأَرْض.
(فإمَّا يَأْتينكُمْ مني هدى) أَي: رشد [و] بَيَان شَرِيعَة.
﴿فَمن تبع هُدَايَ﴾ أَي: ذَلِك الرشد والشريعة.
﴿فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ فِي الْآخِرَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا﴾ أَي: كفرُوا بِاللَّه وبالرسل وكذبوا بآياته ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار﴾ يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة ﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بني إِسْرَائِيل﴾ إِسْرَائِيل اسْم يَعْقُوب.
وَله فِي الْقُرْآن اسمان: يَعْقُوب وَإِسْرَائِيل.
وَمعنى إِسْرَائِيل عبد الله، " إسر " مثل قَوْلنَا " عبد "، و " إيل " مثل قَوْلنَا " الله " ﴿اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم﴾ الذّكر يكون بِالْقَلْبِ، وَيكون بِاللِّسَانِ، وَهُوَ ضد النسْيَان.
وَقَوله: ﴿نعمتي﴾ أَي: نعمي، ذكر الْجمع بِلَفْظ الوحدان، وَمثله كثير فِي الْقُرْآن.
وَاخْتلفُوا فِي تِلْكَ النعم.
قَالَ قَتَادَة: هِيَ النعم الَّتِي خصت بهَا بَنو إِسْرَائِيل من

﴿يَأْتينكُمْ مني هدى فَمن تبع هُدَايَ فَلَا خوف عَلَيْهِم ولاهم يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (39) يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وأوفوا بعهدي﴾ إنجائهم من فِرْعَوْن بتغريقه، وإرسال مُوسَى إِلَيْهِم، وإنزال التَّوْرَاة عَلَيْهِم، وَنَحْو ذَلِك.
وَقَالَ غَيره: هِيَ جَمِيع النعم الَّتِي لله على عباده.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم أَمرهم بِالذكر وهم كَانُوا ذاكرين لتِلْك النعم؟ قُلْنَا: الذّكر بِمَعْنى الشُّكْر، وَمَعْنَاهُ: اشكروا نعمتي.
وَإِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الذّكر؛ لِأَن فِي الشُّكْر ذكرا، وَفِي الْكفْر نِسْيَانا.
﴿وأوفوا بعهدي﴾ أوفي يُوفى، ووفى يَفِي، بِمَعْنى وَاحِد.
وَقد جمعهَا الشَّاعِر فِي بَيت وَاحِد فَقَالَ: (أما ابْن عَوْف فقد أوفى بِذِمَّتِهِ ... كَمَا وفى بقلاص النَّجْم حاويها) والعهد: هُوَ الْأَمر الْمُؤَكّد.
وَمَعْنَاهُ: " أَوْفوا بعهدي " بامتثال أَمْرِي.
﴿أوف بعهدكم﴾ بِالْقبُولِ وَالثَّوَاب.
وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهَذَا الْعَهْد مَا ذكر فِي سُورَة الْمَائِدَة ﴿وَلَقَد أَخذ الله مِيثَاق بني إِسْرَائِيل وبعثنا مِنْهُم اثْنَي عشر نَقِيبًا﴾ إِلَى آخر الْآيَة.
﴿وإياي فارهبون﴾ فخافوني.

قَوْله تَعَالَى ﴿وآمنوا بِمَا أنزلت مُصدقا لما مَعكُمْ﴾ بِمَا أنزلت فِي الْقُرْآن مُصدقا لما مَعكُمْ من التَّوْرَاة.
يَعْنِي أَن الْقُرْآن مُصدق لما فِي التَّوْرَاة من التَّوْحِيد ونعت مُحَمَّد

﴿أوف بعهدكم وإياي فارهبون (40) وآمنوا بِمَا أنزلت مُصدقا لما مَعكُمْ وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا وإياي فاتقون (41) وَلَا﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ﴾ يَعْنِي أول من كفر بِهِ.
وَقيل: أول فريق كَافِر بِهِ.
وهما فِي الْمَعْنى سَوَاء.
فَإِن قيل: قد كفر بِهِ مشركو الْعَرَب قبلهم، فَكيف قَالَ: وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ؟ قُلْنَا: أَرَادَ بِهِ من أهل الْكتاب؛ لِأَن الْخطاب مَعَ أهل الْكتاب.
﴿وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا﴾ وَلَا تستبدلوا؛ ذَلِك أَن علماءهم وَأَحْبَارهمْ كَانَت لَهُم مأكلة على أغنيائهم وجهالهم؛ فخافوا أَن تذْهب مأكلتهم إِن آمنُوا بِمُحَمد فغيروا نَعته، وكتموا اسْمه، فَهَذَا معنى بيع الْآيَات بِالثّمن الْقَلِيل.
﴿وإياي فاتقون﴾ فاحذرون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ﴾ اللّبْس: هُوَ الْخَلْط والتعمية.
يُقَال: لبس يلبس لبسا، من اللبَاس.
وَلبس يلبس لبسا، من التلبيس.
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ أَي: خلطنا عَلَيْهِم كَمَا خلطوا.
وَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ لِلْحَارِثِ: لَا يكن ملبوسا عَلَيْك، الْحق لَا يعرف بِالرِّجَالِ، أعرف الْحق تعرف أَهله.
فَمَعْنَى قَوْله: ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ﴾ أَي: الْإِسْلَام باليهودية والنصرانية، كَذَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ.
وَقيل: هُوَ لبس التَّوْرَاة بِمَا غيروا من نعت مُحَمَّد.
﴿وتكتموا الْحق﴾ يَعْنِي نعت مُحَمَّد.
﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ أَنه حق.
قَالَ مُحَمَّد ابْن سِيرِين: هَذَا الْخطاب مَعَ قوم من الْيَهُود كَانُوا بِالشَّام رَأَوْا فِي كتبهمْ اسْم مُحَمَّد ونعته، وَأَنه يبْعَث من الْقرى الْعَرَبيَّة، فَخَرجُوا فِي طلبه ونزلوا بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا بعث مُحَمَّد حسدوه، وغيروا اسْمه ونعته؛ خوفًا من ذهَاب مأكلتهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ أما الصَّلَاة فقد ذكرنَا.
وَأما

﴿تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتموا الْحق وَأَنْتُم تعلمُونَ (42) وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة واركعوا مَعَ الراكعين (43) أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون﴾ الزَّكَاة: فمأخوذ من زكا الزَّرْع، إِذا كثر ونما.
وَقيل: هِيَ من تزكّى.
أَي: تطهر، وكلا الْمَعْنيين مَوْجُود فِي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة؛ لِأَن فِيهَا تنمية المَال وتطهيره.
(واركعوا مَعَ الراكعين) أَي: صلوا مَعَ الْمُصَلِّين.
وأصل الرُّكُوع: عبَادَة مَعَ انحناء.
يُقَال: ركعت النَّخْلَة إِذا انحنت، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (أخبر أَخْبَار الْقُرُون الَّتِي مَضَت ... أدب كَأَنِّي كلما قُمْت رَاكِع) وَإِنَّمَا ذكره بِلَفْظ الرُّكُوع؛ لِأَن صَلَاة الْيَهُود مَا كَانَ فِيهَا رُكُوع؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وصلوا صَلَاة ذَات رُكُوع.
فَإِن قيل: قد أَمرهم فِي أول الْآيَة بِإِقَامَة الصَّلَاة، فَأَي شَيْء معنى هَذَا الْأَمر الثَّانِي: قُلْنَا: الأول مُطلق فِي حق الْكل، وَهَذَا الثَّانِي خطاب لقوم مخصوصين، قَالَ لَهُم: صلوا مَعَ الَّذين [سبقوكم] بِالْإِيمَان وَالصَّلَاة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ﴾ أَي: بِالطَّاعَةِ ﴿وتنسون أَنفسكُم﴾ أَي: تتركون أَنفسكُم ﴿وَأَنْتُم تتلون الْكتاب﴾ التَّوْرَاة.
﴿أَفلا تعقلون﴾ الْعقل: مَأْخُوذ من عقال الْبَعِير، وَهُوَ مَا يشد بِهِ ركبة الْبَعِير، سمى بِهِ لِأَن يمنعهُ من الشرود، كَذَلِك الْعقل يمْنَع صَاحبه من التمرد وَالْخُرُوج عَن طَاعَته.
وَفِي معنى الْآيَة قَولَانِ، أَحدهمَا: أَنه خطاب لأحبارهم، حَيْثُ أمروا أتباعهم بالتمسك بِالتَّوْرَاةِ، ثمَّ خالفوا وغيروا نعت مُحَمَّد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن أهل الْمَدِينَة كَانُوا يشاورون علماءهم فِي اتِّبَاع مُحَمَّد فأشاروا عَلَيْهِم باتباعه ثمَّ خالفوه وَكَفرُوا بِهِ.
فِي الحَدِيث: (روى أنس) عَن النَّبِي أَنه قَالَ " رَأَيْت لَيْلَة أسرى بِي فِي السَّمَاء أَقْوَامًا تقْرض شفاهم بمقاريض من نَار، فَسَأَلت من هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ

﴿أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين (45) الَّذين يظنون أَنهم﴾ الخطباء من أمتك كَانُوا يأمرون النَّاس بِالْبرِّ وينسون أنفسهم ".

قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة﴾ الِاسْتِعَانَة طلب المعونة.
وَأما الصَّبْر فالأكثرون على أَنه حبس النَّفس عَن الْمعاصِي.
وَمِنْه الدَّابَّة المصبورة وَهِي أَن تمسك لترمي كالهدف.
وَفِي الحَدِيث: " أنة نهى عَن الدَّابَّة المصبورة ". وَقَالَ فِي الَّذِي يمسك غَيره حَتَّى يقتل: " اصْبِرُوا الصابر واقتلوا الْقَاتِل " أَي: احْبِسُوا الممسك واقتلوا الْمُبَاشر.
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هُوَ الصَّوْم.
وَمِنْه سمى شهر رَمَضَان شهر الصَّبْر.
فَإِن قيل: مَا معنى الِاسْتِعَانَة بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاة؟ قيل: لِأَن الصَّوْم يزهده فِي الدُّنْيَا.
(وَكَذَلِكَ) فِي الصَّلَاة يقْرَأ مَا يحثه على الزّهْد فِي الدُّنْيَا.
فَكَأَنَّهُ قَالَ: اسْتَعِينُوا بِهَذَيْنِ على الدّين؛ لتقووا على الإقبال على الْآخِرَة والإعراض عَن الدُّنْيَا.
﴿وَإِنَّهَا لكبيرة﴾ لثقيلة.
وَفِي قَوْله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن (لكناية)

﴿ملاقو رَبهم وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون (46) يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين (47) وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس﴾ رَاجِعَة إِلَى الصَّوْم وَالصَّلَاة جَمِيعًا.
إِلَّا أَنه اكْتفى بِأحد الْمَذْكُورين وَالْكِنَايَة عَنهُ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَائِل: (وَمن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله ... فَإِنِّي وقيار بهَا لغريب) أَي: لغريبان إِلَّا أَنه اكْتفى بِأَحَدِهِمَا.
وَأورد الْأَزْهَرِي فِي كتاب التَّقْرِيب قولا حسنا، فَقَالَ: تَقْدِيره: وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَإنَّهُ لكبير، وبالصلاة وَإِنَّهَا لكبيرة، إِلَّا أَنه حذف أَحدهمَا وَاخْتصرَ الْمَعْنى اختصارا.
(إِلَّا على الخاشعين) الخاشع: هُوَ الْمُطِيع المتواضع.

﴿الَّذين يظنون﴾ يستيقنون.
وَالظَّن يكون بِمَعْنى الشَّك، وَيكون بِمَعْنى الْيَقِين، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي ملاق حسابيه﴾ أَي: استيقنت، وَقَالَ الشَّاعِر: (فَقلت لَهُم ظنُّوا بألفي مقنع ... سراتهم فِي الْفَارِسِي المسرد) وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَنهم ملاقوا رَبهم﴾ أَي صائرون إِلَى رَبهم.
وكل مَا ورد فِي الْقُرْآن من اللِّقَاء فَهُوَ بِمَعْنى الصيرورة إِلَيْهِ، كَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ.
وَقيل: هُوَ اللِّقَاء الْمَوْعُود، وَهُوَ رُؤْيَة الله تَعَالَى.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ أَي: صائرون.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم﴾ مَعْنَاهُ مَا سبق.
﴿وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين﴾ التَّفْضِيل نقيض التَّسْوِيَة.
وَأَرَادَ بِهِ التَّفْضِيل بِتِلْكَ النعم الَّتِي سبق ذكرهَا.
وَذَلِكَ التَّفْضِيل وَإِن كَانَ فِي حق الْآبَاء وَلَكِن يحصل بِهِ الشّرف للأبناء، فصح الْخطاب مَعَهم.
﴿على الْعَالمين﴾ على عالمي زمانهم.

قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا﴾ مَعْنَاهُ: واحذروا

﴿عَن نفس شَيْئا وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة وَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا عدل ولاهم ينْصرُونَ (48) وَإِذ نجيناكم من آل فِرْعَوْن﴾ عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة.
﴿لَا تجزى نفس عَن نفس شَيْئا﴾ قَالَ الْأَخْفَش: مَعْنَاهُ لَا تقوم نفس مقَام نفس.
وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ لَا تقضى نفس عَن نفس حَقًا لَزِمَهَا.
﴿وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة﴾ يقْرَأ بقراءتين بِالتَّاءِ وَالْيَاء وَالْكل جَائِز لِأَن الشفع والشفاعة بِمَعْنى وَاحِد كالوعظ وَالْمَوْعِظَة وَالصَّوْت والصيحة بِمَعْنى وَاحِد.
ثمَّ يذكر تَارَة بالتذكير على الْمَعْنى.
وَتارَة بالتأنيث على اللَّفْظ.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قد جاءتكم موعظة من ربكُم﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه﴾ قَالَ ﴿وَأخذت الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَأخذ الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة﴾ كَذَا هَذَا.
﴿وَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا عدل﴾ الْعدْل وَالْعدْل هُوَ الْمثل، قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَو عدل ذَلِك صياما﴾ أَي: مثله.
وَالْمرَاد بِالْعَدْلِ هَاهُنَا الْفِدْيَة، وَسميت عدلا، لِأَنَّهَا مثل المفدي بِهِ.
وَأما قَوْلهم: لَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل قيل: الصّرْف النَّافِلَة، وَالْعدْل الْفَرِيضَة.
وَقيل: الصّرْف الْحِيلَة، وَالْعدْل الْفِدْيَة.
(ولاهم ينْصرُونَ) يمْنَعُونَ الْعَذَاب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا نجيناكم من آل فِرْعَوْن﴾ الإنجاء والتنجية وَاحِد.
هُوَ الإنقاذ من الْمَكْرُوه.
وَآل فِرْعَوْن: أَتْبَاعه الَّذين اقتدوا بِهِ وبفعله.
وَكَذَلِكَ آل النَّبِي أَتْبَاعه.

﴿يسومونكم سوء الْعَذَاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم (49) وَإِذ فرقنا بكم الْبَحْر فأنجيناكم وأغرقنا﴾ وروى أنس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " آلى كل مُؤمن تَقِيّ "، فَأَما آل الْقَرَابَة فهم قوم مخصوصون [لَا] تجْرِي عَلَيْهِم الصَّدَقَة.
وَقد ذكرُوا فِي الْفِقْه.
﴿يسومونكم سوء الْعَذَاب﴾ أَي: يجشمونكم ويولونكم.
وَقيل: يصرفونكم فِي الْعَذَاب مرّة هَكَذَا وَمرَّة هَكَذَا، كَالْإِبِلِ السَّائِمَة فِي الْبَريَّة.
﴿سوء الْعَذَاب﴾ أَشد الْعَذَاب ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ مَذْكُور على وَجه الْبَدَل عَن قَوْله ﴿يسومونكم﴾ وَمثله قَول الشَّاعِر: (مَتى تأتنا تلمم بِنَا فِي دِيَارنَا ... تَجِد حطبا جزلا وَنَارًا تأججا) وَقَوله: " تلمم بِنَا فِي دِيَارنَا " بدل عَن قَوْله: " مَتى تأتنا ". وَمعنى قَوْله: ﴿يذبحون أبناءكم﴾ أَي: يقتلُون.
الذّبْح والذبيح بِمَعْنى وَاحِد.
وَسبب ذَلِك أَن فِرْعَوْن رأى فِي الْمَنَام نَارا جَاءَت من نَحْو بَيت الْمُقَدّس، وأحاطت بِمصْر، وأحرقت كل قبْطِي هُنَالك، وَلم تتعرض لبني إِسْرَائِيل، فَعلم بذلك أَن نَبيا يخرج من بني إِسْرَائِيل؛ يكون هلاكهم على يَدَيْهِ، فَأمر بقتل الْأَبْنَاء، وَترك الْبَنَات، حَتَّى قيل: إِنَّه قتل فِي طلب مُوسَى اثْنَي عشر ألف صَبيا.
﴿ويستحيون نساءكم﴾ أَي: يتركون ويستبقون، وَهُوَ استفعال من الْحَيَاة، وَمِنْه

﴿آل فِرْعَوْن وَأَنْتُم تنْظرُون (50) وَإِذ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ اتخذتم﴾ قَول النَّبِي: " اقْتُلُوا شُيُوخ الْمُشْركين واستحيوا شرخهم " أَي: شبابهم، وَأَرَادَ بِهِ الذُّرِّيَّة وَالنِّسَاء.
﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء من ربكُم عَظِيم﴾ الْبلَاء: يكون بِمَعْنى النِّعْمَة وَيكون بالشدة، لِأَنَّهُ من الِابْتِلَاء.
وَالله تَعَالَى قد يختبر على النِّعْمَة بالشكر وَقد يختبر على الشدَّة بِالصبرِ.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة﴾ قَالَ الشَّاعِر: (جزى الله إحسانا بِمَا فعلا بِهِ ... وأبلاهما خير الْبلَاء الَّذِي يبلو) وَقَوله - تَعَالَى -: ﴿وَفِي ذَلِكُم بلَاء﴾ يحْتَمل هَذَا الْمَعْنيين، أَحدهمَا: فِيمَا لحقكم من فِرْعَوْن من الْأَذَى والشدة بلَاء عَظِيم.
وَيحْتَمل أَنه أَرَادَ: فِيمَا حصل لكم من النجَاة بغرق فِرْعَوْن بلَاء غظيم، أَي: نعْمَة عَظِيمَة.

قَوْله - تَعَالَى - ﴿وَإِذ فرقنا بكم الْبَحْر﴾ قيل: فرقنا لكم الْبَحْر.
وَقيل: الْبَاء فِي موضعهَا، وَمَعْنَاهُ: فرقنا الْبَحْر بدخولكم إِيَّاه فرقا فرقا فَوق الرَّأْس وفرقا من تَحت الْقدَم أَو فرقا من ذَلِك الْجَانِب، وفرقا من ذَلِك الْجَانِب، وَالْبَحْر سمى بحرا، لاتساعه.
وَمِنْه يُقَال للْفرس: بَحر إِذا اتَّسع فِي جريه، وللجواد: بَحر إِذا اتَّسع كَفه للجود.
وَقَوله تَعَالَى ﴿فأنجيناكم وأغرقنا آل فِرْعَوْن﴾ قيل فِي الْقَصَص: إِن عدد المنجين مِنْهُم كَانُوا سِتّمائَة ألف [وَعشْرين] ألفا، لَا يعد فيهم ابْن عشْرين لصغره،

﴿الْعجل من بعده وَأَنْتُم ظَالِمُونَ (51) ثمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم من بعد ذَلِك لَعَلَّكُمْ تشكرون (52) وَإِذ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب وَالْفرْقَان لَعَلَّكُمْ﴾ وَلَا ابْن سِتِّينَ لكبره.
وَأما عدد المغرقين فَالله بهم عليم.
وَقيل: كَانَ على مقدمته هامان مَعَ ألف ألف وَسَبْعمائة ألف نفر حِين غرقوا، وَالله أعلم بِمن كَانَ على المؤخرة.
﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ إِلَى غرقهم وهلاكهم.
وَقيل: تعلمُونَ.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا واعدنا﴾ وَقَرَأَ: " وَإِذ وعدنا " مَعْنَاهُمَا وَاحِد، فَإِن قَالَ قَائِل: المواعدة على وزن المفاعلة، فتقتضي اثْنَيْنِ يتواعدان، فَكيف تكون المواعدة من الله مَعَ مُوسَى؟ قُلْنَا: المواعدة من الله تَعَالَى بِالْأَمر، وَمن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ بِالْقبُولِ وَكَذَلِكَ الْوَعْد.
وَأما مُوسَى، اسْم عبري، و " مو " بلغَة العبرية هُوَ المَاء و " شى " هُوَ الشّجر، فَسمى " موشى " لِأَنَّهُ أَخذ من المَاء وَالشَّجر ثمَّ قلب الشين سنا فِي الْعَرَبيَّة فَصَارَ مُوسَى.
وَقَوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾ أَي: انْقِضَاء أَرْبَعِينَ لَيْلَة.
أمره الله تَعَالَى أَن يَصُوم أَرْبَعِينَ يَوْمًا لإعطائه التَّوْرَاة، وَكَانَ قد وعده ثَلَاثِينَ؛ إِلَّا أَن الله تَعَالَى كَانَ قد نَهَاهُ أَن يتَنَاوَل شَيْئا فِي هَذِه الثَّلَاثِينَ، فَلَمَّا أتم الثَّلَاثِينَ مر بشجرة، فَتَنَاول من وَرقهَا، أمره الله تَعَالَى أَن يَصُوم عشرَة أَيَّام بِسَبَب ذَلِك.
وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَعْرَاف ﴿وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة وأتممناها بِعشر﴾ الْآيَة.
وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ اتخذتم الْعجل من بعده﴾ يَعْنِي: إِلَهًا، وَله قصَّة مَعْرُوفَة ستأتي فِي سُورَة طه.

﴿تهتدون (53) وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قوم إِنَّكُم ظلمتم أَنفسكُم باتخاذكم الْعجل فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم ذَلِكُم خير لكم عِنْد بارئكم فَتَابَ﴾ ﴿وَأَنْتُم ظَالِمُونَ﴾ باتخاذ الْعجل إِلَهًا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم من بعد ذَلِك﴾ . الْعَفو: محو الْآثَار.
وَيُقَال: عفت الرِّيَاح كَذَا، إِذا محت الْآثَار.
يَقُول: عَفَوْنَا عَنْكُم من بعد اتخاذكم الْعجل إِلَهًا.
﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة.
﴿وَالْفرْقَان﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه أَرَادَ بِهِ التَّوْرَاة أَيْضا.
إِلَّا أَنه ذكرهَا باسمين، وَمثله قَول الشَّاعِر: (أَلا حبذا هِنْد وَأَرْض بهَا هِنْد ... وَهِنْد أَتَى من دونهَا النأي والبعد) والنأي والبعد اسمان بِمَعْنى وَاحِد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَرَادَ بِهِ الْفرْقَان بَين الْحق وَالْبَاطِل.
وَقد أعْطى الله مُوسَى ذَلِك.
وَمِنْه سمى يَوْم بدر: يَوْم الْفرْقَان؛ لِأَنَّهُ فرق فِيهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَرَادَ بِهِ انفراق الْبَحْر كَمَا سبق.
﴿لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ بِالتَّوْرَاةِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ مَعْنَاهُ: اذكره إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴿يَا قوم إِنَّكُم ظلمتم أَنفسكُم باتخاذكم الْعجل﴾ إِلَهًا.
﴿فتوبوا إِلَى بارئكم﴾ خالقكم ﴿فَاقْتُلُوا أَنفسكُم﴾ ليقْتل بَعْضكُم بَعْضًا.
وَقيل مَعْنَاهُ: استسلموا للْقَتْل.
﴿ذَلِكُم خير لكم عِنْد بارئكم﴾ خالقكم ﴿فَتَابَ عَلَيْكُم﴾ بِالْقبُولِ ﴿إِنَّه هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ الْقَابِل للتَّوْبَة.
وروى عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: كَانَ عدد الْقَتْلَى مِنْهُم [سبعين] ألفا فَلَمَّا بلغُوا ذَلِك، أوحى الله تَعَالَى إِلَى مُوسَى: إِنِّي رفعت الْقَتْل عَنْهُم،

﴿عَلَيْكُم إِنَّه هُوَ التواب الرَّحِيم (54) وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وَأَنْتُم تنْظرُون (55) ثمَّ بعثناكم من بعد موتكم﴾ ورحمت من مضى مِنْهُم، وعفوت عَمَّن بقى، وتبت عَلَيْهِم.
وَحكى أَن يُوشَع بن نون خرج عَلَيْهِم حِين تأهبوا للْقَتْل واحتبوا لَهُ، فَقَالَ: إِن الله رحم من حل حبوته.
ثمَّ إِن الَّذين لم يعبدوا الْعجل سلوا سيوفهم، وَأَقْبلُوا على قتل الَّذين عبدُوا الْعجل، حَتَّى كَانَ الابْن يقتل أَبَاهُ وَالْأَب يقتل ابْنه، حَتَّى أَتَوا على سبعين ألفا؛ ثمَّ نزل الْوَحْي كَمَا وَصفنَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة﴾ هُوَ خطاب للسبعين الَّذين حملهمْ مُوسَى إِلَى الطّور ليسمعوا كَلَام الله؛ فَإِنَّهُم لما سمعُوا كَلَام الله قَالُوا لمُوسَى: لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة.
أَي: عيَانًا.
وَقيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير يَعْنِي قُلْتُمْ: يَا مُوسَى جهرة لن (نؤمن) (لَك) حَتَّى نرى الله (جهرة) . ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ قَرَأَ عَمْرو: " فأخذتكم الصعقة " وَهُوَ فِي الشواذ: وَقد سبق تَفْسِير الصاعقة.
وَالْمرَاد بهَا الْمَوْت هَا هُنَا، أَي: أخذكم ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ . فَإِن قيل: إِذا مَاتُوا كَيفَ نظرُوا؟ قيل: مَعْنَاهُ: ينظر بَعْضكُم إِلَى بعض حِين أخذكم الْمَوْت.
قيل: مَعْنَاهُ: تعلمُونَ وَيكون النّظر معنى الْعلم.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿ثمَّ بعثناكم من بعد موتكم﴾ يَعْنِي أحييناكم بعد تِلْكَ الموتة بِالطورِ.
قَالَ قَتَادَة: أحياهم ليستوفوا آجالهم ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ .

﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون (56) وظللنا عَلَيْكُم الْغَمَام وأنزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم وَمَا ظلمونا وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظلمن (57) ﴾

قَوْله تَعَالَى ﴿وظللنا عَلَيْكُم الْغَمَام﴾ الْغَمَام: من الْغم.
وَأَصله: التغطية والستر وَمِنْه يُقَال للقلب الحزين: مغموم.
لِأَن الْحزن غطى قلبه.
وللسحاب: غمام لِأَنَّهُ يغطى وَجه الشَّمْس.
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لَا يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة﴾ أَي: ملبوسا عَلَيْكُم.
وَمعنى الْآيَة: قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بتظليل الْغَمَام عَلَيْهِم مَا ذكر فِي قَوْله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ وَسَيَأْتِي شَرحه.
وَقَالَ قَتَادَة: إِن قوما من بني إِسْرَائِيل بقوا فِي التيه فعطشوا، وتأذوا بَحر الشَّمْس، وظلل الله عَلَيْهِم غماما، كَيْلا يتأذوا.
﴿وأنزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى﴾ الْأَكْثَرُونَ: على أَن الْمَنّ هُوَ الترنجبين.
وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ صمغة تقع على الشّجر.
وَقَالَ وهب: هُوَ الْخبز الرقَاق.
وَأما السلوى: قيل: إِنَّه طَائِر يشبه السماني بِعَيْنِه.
وَفِيه قَول غَرِيب: أَنه الْعَسَل.
وَفِي الْقَصَص: أَن الله تَعَالَى كَانَ ينزل عَلَيْهِم ذَلِك كل صباح من طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس قدر مَا يَكْفِي ليومهم؛ إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ كَانَ ينزل صباح الْجُمُعَة والسبت جَمِيعًا، وَمَا كَانَ للْجُمُعَة ينزل عَلَيْهِم يَوْم السبت.
وَأما قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: " الكمأة من الْمَنّ، وماؤها شِفَاء للعين " فَلَيْسَ ذَلِك من هَذَا الْمَنّ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنَّهَا من عَطاء الله من غير كلفة وَلَا مشقة.

﴿وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم رغدا وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد الْمُحْسِنِينَ (58) فبدل الَّذين ظلمُوا﴾ ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم﴾ أَي: من حَلَال مَا رزقناكم.
﴿وَمَا ظلمونا﴾ وَمَا بخسوا بحقنا ﴿وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ . فالظلم: بِمَعْنى البخس وَالنَّقْص، وَأَصله مَا بَينا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة﴾ سميت الْقرْيَة قَرْيَة؛ لِأَنَّهَا تجمع أَهلهَا.
وَمِنْه المقرآة للحوض؛ لِأَنَّهُ مجمع المَاء.
وَمِنْه قَرْيَة النَّمْل؛ لِأَنَّهَا تجمع النَّمْل، وَالْمرَاد بالقرية هَاهُنَا الْبَيْت الْمُقَدّس.
وَقيل: هِيَ أرِيحَا مَوضِع هُنَالك.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم رغدا﴾ وَمعنى الرغد مَا سبق، وَقيل: هُوَ الرزق الْوَاسِع الَّذِي لَا يضيق (وَلَا يَعْنِي) طَالبه.
﴿وادخلوا الْبَاب سجدا﴾ أَرَادَ بِالْبَابِ: بَاب الْقرْيَة.
وَقيل: هُوَ بَاب حطة، وَهُوَ بَاب إيلياء.
﴿سجدا﴾ أَي: ركعا خضعا.
وأصل السُّجُود الخضوع وَفِي الرُّكُوع خضوع، وَقَالَ الشَّاعِر (بِجمع تضل البلق فِي حجراته ... ترى الأكم فِيهِ سجدا للحوافر) أَي: ركعا خضعا.
﴿وَقُولُوا حطة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: مَعْنَاهُ قُولُوا: حط ذنوبنا، وَقَالَ الزّجاج: تَقْدِيره: قُولُوا: مَسْأَلَتنَا حطة.
وَقَالَ عِكْرِمَة: هُوَ قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله.
﴿نغفر لكم﴾ تقْرَأ بقراءتين: " نغفر لكم " بالنُّون، و " يغْفر لكم " بِالْيَاءِ وهما

﴿قولا غير الَّذِي قيل لَهُم فأنزلنا على الَّذين ظلمُوا رجزا من السَّمَاء بِمَا كَانُوا يفسقون (59) وَإِذ استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بعصاك الْحجر﴾ وَاحِد.
وَهُوَ من الغفر، وَهُوَ السّتْر.
وَمِنْه الْمَغْفِرَة؛ لِأَنَّهُ يستر الرَّأْس.
كَذَلِك الْمَغْفِرَة تستر الذُّنُوب.
﴿خطاياكم﴾ جمع الْخَطِيئَة وَتجمع على الخطيئات أَيْضا، وَهِي الذُّنُوب.
يُقَال: خطئَ يُخطئ خطأ وخطيئة، إِذا أذْنب مُتَعَمدا.
وَأَخْطَأ يُخطئ إخطاء إِذا أذْنب خاطئا.
﴿وسنزيد الْمُحْسِنِينَ﴾ من فضلنَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فبدل الَّذين ظلمُوا قولا غير الَّذِي قيل لَهُم﴾ أَجمعُوا على أَنهم بدلُوا قَول الحطة بِالْحِنْطَةِ، وَقَالُوا بلسانهم: هطا سمقاثا.
أَي: حِنْطَة حَمْرَاء.
وَقيل: إِنَّهُم دخلُوا الْبَاب يزحفون على استاههم، وَكَانَ قد طوطىء لَهُم الْبَاب، فَمَا اسْتَطَاعُوا أَن يدخلُوا قيَاما، وأبوا أَن يدخلُوا سجدا، فَدَخَلُوا يزحفون على استاههم مُخَالفَة فِي الْفِعْل كَمَا بدلُوا القَوْل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأنزلنا على الَّذين ظلمُوا رجزا من السَّمَاء بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ . الرجز.
الْعَذَاب.
والرجس: النتن.
وَالرجز (بِضَم الرَّاء) صنم على قَول من قَرَأَ ﴿وَالرجز فاهجر﴾ وَقيل: أنزل الله عَلَيْهِم إِذْ فعلوا ذَاك طاعونا أهلك مِنْهُم أَرْبَعَة وَعشْرين ألفا فِي سَاعَة وَاحِدَة.
﴿بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ من الْمُخَالفَة فعلا وقولا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الاسْتِسْقَاء طلب السقيا.
وَالسَّبَب فِي ذَلِك: أَن بني إِسْرَائِيل بقوا فِي التيه فعطشوا، فسألوا مُوسَى أَن يَسْتَسْقِي لَهُم، فَفعل.

﴿فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا قد علم كل أنَاس مشربهم كلوا وَاشْرَبُوا من رزق الله وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين (60) وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نصبر على﴾ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بعصاك الْحجر﴾ اخْتلفُوا فِي ذَلِك الْحجر، مِنْهُم من قَالَ: كَانَ حجرا معينا على قدر رَأس الرجل.
وَقيل: كَانَ ذِرَاعا فِي ذِرَاع.
وَقيل: كَانَ حجرا من الْأَحْجَار لَا يعنيه، أَي حجر كَانَ.
﴿فانفجرت مِنْهُ﴾ يَعْنِي: فَضرب (وتفجرت) . هَكَذَا تَقْدِيره: مِنْهُ ﴿اثْنَتَا عشرَة عينا﴾ على عدد الأسباط.
﴿قد علم كل أنَاس مشربهم﴾ عرف كل سبط مِنْهُم مشربهم.
وَقيل: كَانَ يظْهر فِيهِ بِضَرْب مُوسَى [اثْنَتَيْ عشرَة] حُفْرَة، يعرف كل سبط مِنْهُم حفرته.
وَقيل: كَانَ يحمل الْحجر مَعَ نَفسه فِي وعَاء؛ فَكلما احتاجوا إِلَى المَاء ضرب مُوسَى على الْحجر.
﴿كلوا﴾ مِمَّا أنزلنَا عَلَيْكُم من الْمَنّ والسلوى ﴿وَاشْرَبُوا﴾ من هَذِه المشارب.
[ ﴿من رزق الله﴾ ] . ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ العيث: أَشد الْفساد.
وَقيل: مَعْنَاهُ: وَلَا تسعوا فِي الأَرْض مفسدين.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل