البقرة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ التلفيق بَين هَذَا وَبَين قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ الله [ليعذبهم] ﴾ ؟ قيل: أَرَادَ بِالْأولِ: عَذَاب الاستئصال، وَبِهَذَا: عَذَاب السَّيْف.
وَقيل: أَرَادَ بِالْأولِ: عَذَاب الدُّنْيَا، وَبِالثَّانِي: عَذَاب الْآخِرَة.
﴿الْحَرَام وَمَا كَانُوا أولياءه إِن أولياءه إِلَّا المتقون وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ (34) وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون (35) إِن﴾
وَقيل: المُرَاد بِهِ أُولَئِكَ الَّذين ترك تعذيبهم؛ لكَون النَّبِي بَينهم، وَمَعْنَاهُ: وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم الله بعد خُرُوجك من بَينهم.
﴿وهم يصدون عَن الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ أَي: يمْنَعُونَ عَنهُ ﴿وَمَا كَانُوا أولياءه﴾ وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يدعونَ: إِنَّا أَوْلِيَاء الْبَيْت ﴿إِن أولياؤه إِلَّا المتقون﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ ﴿وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية﴾ قَالَ ابْن عمر، وَابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُم - وَالْحسن المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق.
والمكاء فِي اللُّغَة: اسْم طَائِر لَهُ صفير فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِلَّا صَوت مكاء، وَقَالَ مُجَاهِد: والمكاء أَن يَجْعَل أَصَابِعه فِي شدقيه، والتصدية: الصفير؛ فجعلهما شَيْئا وَاحِدًا.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: التصدية: هِيَ صدهم الْمُؤمنِينَ عَن الْمَسْجِد الْحَرَام.
وَالْأول أصح، قَالَ الشَّاعِر:
(وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم)
أَي: تصفر فريصته كشدق الأعلم.
والقصة فِي ذَلِك: أَن أَرْبَعَة من بني عبد الدَّار كَانُوا إِذا صلى النَّبِي فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وقف اثْنَان عَن يَمِينه، وَاثْنَانِ عَن يسَاره، فيصفر اللَّذَان عَن يَمِينه ويصفق اللَّذَان عَن يسَاره حَتَّى يخلطوا عَلَيْهِ الْقِرَاءَة.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: إِنَّمَا سَمَّاهُ صَلَاة؛ لأَنهم أمروا بِالصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِد، فَلَمَّا وضعُوا ذَلِك مَوضِع الصَّلَاة سَمَّاهُ صَلَاة ﴿فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الذيك كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ليصدوا عَن سَبِيل الله فيسنفقونها ثمَّ تكون عَلَيْهِم حسرة ثمَّ يغلبُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ:
﴿الَّذين كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ليصدوا عَن سَبِيل الله فسينفقونها ثمَّ تكون عَلَيْهِم حسرة ثمَّ يغلبُونَ وَالَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم يحشرون (36) ليميز الله الْخَبيث من الطّيب وَيجْعَل الْخَبيث بعضه على بعض فيركمه جَمِيعًا فَيَجْعَلهُ فِي جَهَنَّم أُولَئِكَ هم الخاسرون (37) قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف وَإِن يعودوا فقد مَضَت سنت﴾
أَحدهمَا: أَن الْآيَة فِي المطمعين يَوْم بدر، وهم اثْنَا عشر نَفرا من رُؤْس الْمُشْركين: أَبُو جهل بن هِشَام، والْحَارث بن هِشَام، وَأبي بن خلف، وَعتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة، ومنبه وَنبيه ابْنا الْحجَّاج، وَأَبُو البخْترِي بن هِشَام، وَحَكِيم بن حزَام، وَالنضْر بن الْحَارِث، وَزَمعَة بن الْأسود، وَالْعَبَّاس بن عبد الْمطلب؛ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم كَانَ كل يَوْم ينْحَر عشرَة أَبْعِرَة وَيطْعم الْجَيْش.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن هَذَا فِي أبي سُفْيَان بن حَرْب اسْتَأْجر ثَلَاثَة آلَاف رجل من الْأَحَابِيش يَوْم أحد لقِتَال النَّبِي - عَلَيْهِ السَّلَام - فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ليصدوا عَن سَبِيل الله ثمَّ تكون حسرة عَلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يغلبُونَ﴾ .
قَالَ الْحسن: أَشد النَّاس حسرة يَوْم القيامه من يرى مَاله فِي ميزَان غَيره ﴿وَالَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم يحشرون﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿ليميز الله الْخَبيث من الطّيب﴾ أَي: ليفرق الله الْخَبيث من الطّيب؛ الْخَبيث: مَا أنْفق من الْحَرَام، وَالطّيب: مَا أنْفق من الْحَلَال.
وَقيل: الْخَبيث مَا أنْفق فِي الْمعْصِيَة، وَالطّيب مَا أنْفق فِي الطَّاعَة.
﴿وَيجْعَل الْخَبيث بعضه على بعض فيركمه جَمِيعًا﴾ أَي: يجمعه جَمِيعًا؛ يُقَال: سَحَاب مركوم إِذا كَانَ بعضه على بعض ﴿فَيَجْعَلهُ فِي جَهَنَّم أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ .
وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: إِن الله تَعَالَى يجمع الدُّنْيَا يَوْم الْقِيَامَة، فَيَأْخُذ مَاله ويطرح الْبَاقِي فِي النَّار.
ولأي معنى يطرحه فِي النَّار؟ قيل: ليضيق الْمَكَان على الْكفَّار، وَقيل: لتَكون الْحَسْرَة أَشد عَلَيْهِم إِذا نظرُوا إِلَيْهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ قَالَ يحيى بن
﴿الْأَوَّلين (38) وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة وَيكون الدّين كُله لله فَإِن انْتَهوا فَإِن الله بِمَا يعْملُونَ بَصِير (39) وَإِن توَلّوا فاعلموا أَن الله مولاكم نعم الْمولى وَنعم النصير (40) وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى﴾ معَاذ الرَّازِيّ - رَحمَه الله - إِيمَان لم يعجز عَن هدم كفر قبله فَمَتَى يعجز عَن هدم ذَنْب بعده! ﴿وَإِن يعودوا فقد مَضَت سنة الْأَوَّلين﴾ قيل: سنة الْأَوَّلين: أَن يصل عَذَاب الدُّنْيَا بعقوبة الْآخِرَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة﴾ أَي: لَا يكون شرك ﴿وَيكون الدّين كُله لله فَإِن انْتَهوا فَإِن الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير وَإِن توَلّوا فاعلموا أَن الله مولاكم نعم الْمولى وَنعم النصير﴾ فالمولى: الْقيم بالأمور، والنصير: النَّاصِر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ﴾ الْآيَة.
اخْتلف الْعلمَاء فِي الْغَنِيمَة والفيء؛ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنَّهُمَا سَوَاء، وَهُوَ المَال الْمَأْخُوذ من الْكفَّار على وَجه الْقَهْر.
وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ الْأَصَح -: أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَالْفرق بَينهمَا: أَن الْغَنِيمَة: هِيَ المَال الْمَأْخُوذ من الْكفَّار على وَجه العنوة بِإِيجَاف الْخَيل والركاب، والفيء: هُوَ المَال الْمَأْخُوذ من غير إيجَاف خيل وَلَا ركاب.
وَهَذَا القَوْل مَنْقُول عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، وَالشَّافِعِيّ - رَضِي الله عَنْهُمَا - وَغَيرهمَا.
﴿فَأن الله﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن قَوْله: ﴿لله﴾ افْتِتَاح كَلَام، وَلَيْسَ لله سهم مُنْفَرد؛ بل سهم الله وَسَهْم الرَّسُول وَاحِد.
وَفِيه قَول آخر: أَن لله سَهْما يصرف إِلَى الْكَعْبَة.
وَقد رُوِيَ أَن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة فَقَالَ: قَوْله ﴿فَأن لله خَمْسَة﴾ افْتِتَاح كَلَام، لله الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
وَعَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي قَالَ: " كَانَ رَسُول الله يقسم الْغَنِيمَة على
خَمْسَة أسْهم، فيفرز الْخمس مِنْهُ، ثمَّ يَأْخُذ مِنْهُ قَبْضَة فَيَجْعَلهُ للكعبة، ثمَّ يقسم الْبَاقِي على مَا ذكر الله ".
وَأما قَوْله: ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن للرسول سَهْما مُفردا.
وَقَالَ بَعضهم: لَيْسَ للرسول سهم أصلا؛ وَإِنَّمَا هُوَ افْتِتَاح كَلَام، وَمعنى ذكر الرَّسُول أَن التَّدْبِير إِلَيْهِ.
ثمَّ اخْتلفُوا على القَوْل الأول أَن ذَلِك السهْم بعد مَوته لمن يكون؟
قَالَ قَتَادَة: هُوَ للخليفة بعده.
وَقَالَ بَعضهم: يرد إِلَى الأسهم الْأَرْبَعَة.
وَأما مَذْهَب الشَّافِعِي: أَن ذَلِك السهْم يصرف إِلَى الْمصَالح.
وَفِيه قَول رَابِع: أَنه يصرف إِلَى الكراع وَالسِّلَاح فِي سَبِيل الله.
وَهَذَا مَرْوِيّ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَغَيره.
وَأما قَوْله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ اخْتلفُوا فِي هَذَا على ثَلَاثَة أقاويل:
فمذهب الشَّافِعِي: أَن لَهُم سَهْما مُفردا بعد رَسُول الله إِلَى قيام السَّاعَة، يشْتَرك فِيهِ أغنياؤهم وفقراؤهم على مَا هُوَ الْمَعْرُوف.
وَهَذَا قَول أَحْمد وَغَيره.
وَقَالَ مَالك: الْأَمر فِيهِ إِلَى الإِمَام إِن شَاءَ أَعْطَاهُم، وَإِن شَاءَ لم يعطهم، وَكَذَلِكَ فِي الْبَاقِي، وَإِنَّمَا ذكرُوا لجَوَاز الصّرْف إِلَيْهِم لَا للاستحقاق.
وَالْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة - رَضِي الله عَنهُ -: أَن سهم ذَوي الْقُرْبَى يرد إِلَى البَاقِينَ، وَلَيْسَ لَهُم سهم مُفْرد، فَيقسم على ثَلَاثَة أسْهم لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل.
ويروون هَذَا عَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة أَنهم قسموا على هَذَا الْوَجْه، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي ذَوي الْقُرْبَى من هم؟ قَالَ مُجَاهِد.
هم بَنو هَاشم خَاصَّة؛ وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: جَمِيع قُرَيْش.
وَحكى عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن سهم ذَوي الْقُرْبَى فَقَالَ: نزعم أَنه لنا، ويأبى قَومنَا ذَلِك علينا.
﴿وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه وَمَا أنزلنَا على عَبدنَا يَوْم الْفرْقَان يَوْم التقى﴾
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن ذَوي الْقُرْبَى هم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب، وَهَذَا قَول الشَّافِعِي - رَحمَه الله - وَقد دلّ عَلَيْهِ الْخَبَر الْمَرْوِيّ بطرِيق جُبَير بن مطعم - رَضِي الله عَنهُ - عَن النَّبِي: " قسم سهم ذَوي الْقُرْبَى بَين بني هَاشم وَبني الْمطلب، فمشيت أَنا وَعُثْمَان إِلَى رَسُول الله وَقُلْنَا: يَا رَسُول الله، إِنَّا لَا ننكر فَضِيلَة بني هَاشم لِمَكَانِك الَّذِي وضعك الله فيهم؛ ولكننا وإخواننا بني الْمطلب فِي الْقَرَابَة مِنْك سَوَاء، وَقد أَعطيتهم وَحَرَمْتنَا، فَقَالَ: أَنا وَبني الْمطلب شَيْء وَاحِد - وَشَبك بَين أَصَابِعه - وَإِنَّهُم لم يفارقونا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام ". ٍ
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿واليتامى﴾ فاليتامى لَهُم سهم مُفْرد بِالْإِنْفَاقِ، واليتيم الَّذِي يسْتَحق السهْم هُوَ الَّذِي لَا أَب لَهُ فَيكون صَغِيرا فَقِيرا.
وَقَوله: ﴿وَالْمَسَاكِين﴾ فالمساكين هم أهل الْحَاجة، وَسَيَرِدُ الْفرق بَين الْمِسْكِين وَالْفَقِير فِي سُورَة بَرَاءَة.
وَأما قَوْله: ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ فَهُوَ الْمُنْقَطع الَّذِي بعد عَن مَاله.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه﴾ مَعْنَاهُ: وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ، على مَا ذكر، إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه.
وَقيل مَعْنَاهُ: يأمران فِيهِ بِمَا يُريدَان فاقبلوا إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أنزلنَا﴾ يَعْنِي: إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه وَبِمَا أنزلنَا ﴿على عَبدنَا﴾ .
وَفِيه قَول آخر: أَن هَذَا رَاجع إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة﴾ إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه وَبِمَا أنزلنَا على عَبدنَا ﴿يَوْم الْفرْقَان﴾ يَوْم بدر، فرق الله تَعَالَى فِيهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل ﴿يَوْم التقى الْجَمْعَانِ﴾ مَعْنَاهُ: التقى حزب الله وحزب الشَّيْطَان
﴿الْجَمْعَانِ وَالله على كل شَيْء قدير (41) إِذْ إنتم بالعدوة الدُّنْيَا وهم بالعدوة القصوى والركب أَسْفَل مِنْكُم وَلَو تواعدتم لاختلفتم فِي الميعاد وَلَكِن ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة وَإِن الله لسميع عليم (42) إِذْ﴾ ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ . وَرُوِيَ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: يَوْم الْفرْقَان يَوْم السَّابِع عشر من رَمَضَان أخبر الله تَعَالَى بِتمَام قدرته.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ أَنْتُم بالعدوة الدُّنْيَا﴾ الْآيَة، العدوة: شَفير الْوَادي؛ والغدوة والعدوة وَاحِد، وَقَوله ﴿الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: الْأَدْنَى من الْمَدِينَة؛ فَهِيَ تَأْنِيث الْأَدْنَى ﴿وهم بالعدوة القصوى﴾ يَعْنِي: الْأَقْصَى من مَكَّة؛ وَهِي تَأْنِيث الْأَقْصَى ﴿والركب أَسْفَل مِنْكُم﴾ قَالُوا مَعْنَاهُ: والركب بمنزل أَسْفَل مِنْكُم.
والركب: هُوَ العير الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَان، وَكَانُوا بساحل الْبَحْر على ثَلَاثَة أَمْيَال من بدر ﴿وَلَو تواعدتم لاختلفتم فِي الميعاد﴾ مَعْنَاهُ: وَلَو تواعدتم الِاتِّفَاق والاجتماع لِلْقِتَالِ لاختلفتم لقلتكم وكثرتهم ﴿فِي الميعاد وَلَكِن﴾ الله جمع من غير ميعاد ﴿ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة﴾ الْآيَة فِيهَا قَولَانِ:
أَحدهمَا - وَهُوَ الْأَظْهر -: أَن الْهَلَاك هُوَ الْكفْر، والحياة هِيَ الْإِيمَان، وَمَعْنَاهُ: ليكفر من كفر عَن حجَّة بَيِّنَة فِيمَا لَهُ وَعَلِيهِ ﴿ويحيا من حَيّ﴾ يَعْنِي: ويؤمن من آمن على مثل ذَلِك.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْهَلَاك هُوَ الْمَوْت، والحياة هِيَ الْعَيْش، وَمَعْنَاهُ: ليَمُوت من يَمُوت عَن حجَّة بَيِّنَة، ويعيش من يعِيش على مثل ذَلِك.
﴿وَإِن الله لسميع عليم﴾ سميع لأقوالكم، عليم بأموركم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ يريكهم الله فِي مَنَامك قَلِيلا﴾ الْآيَة فِيهَا قَولَانِ: أظهر الْقَوْلَيْنِ: أَن الْمَنَام حَقِيقَة النّوم؛ فَرَآهُمْ رَسُول الله فِي نَومه أقل مِمَّا كَانُوا
﴿يريكهم الله فِي مَنَامك قَلِيلا وَلَو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم فِي الْأَمر وَلَكِن الله سلم إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور (43) وَإِذ يريكموهم إِذا التقيتم فِي أعينكُم قَلِيلا ويقللكم فِي أَعينهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور (44) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فِي الْعدَد.
وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ: أَنه قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي مَنَامك﴾ أَي: فِي عَيْنك قَلِيلا؛ وسمى الْعين مناما؛ لِأَنَّهَا مَوضِع النّوم.
﴿وَلَو أراكهم كثيرا لفشلتم﴾ لجبنتم ﴿ولتنازعتم فِي الْأَمر﴾ يَعْنِي: فِي الإحجام والإقدام ﴿وَلَكِن الله سلم﴾ أَي: سلمكم من الفشل والجبن ﴿إِنَّه عليم بِذَات الصُّدُور﴾ .
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه كَانَ يستعيذ بِاللَّه من الْجُبْن.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ يريكموهم إِذْ التقيتم فِي أعينكُم قَلِيلا ويقللكم فِي أَعينهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور﴾ معنى الْآيَة: أَن الله تَعَالَى قلل الْمُشْركين فِي أعين الْمُؤمنِينَ؛ ليقدموا وَلَا يجبنوا، وقلل الْمُؤمنِينَ فِي أعين الْكفَّار؛ لِئَلَّا يهربوا.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: قلت يَوْم بدر لبَعض من كَانَ بجنبي: تراهم سبعين رجلا، فَقَالَ: أَرَاهُم مائَة، ثمَّ إِنَّا أسرنا مِنْهُم فَقُلْنَا لَهُم: كم كُنْتُم؟ فَقَالُوا: كُنَّا ألفا ﴿ليقضي الله﴾ يَعْنِي: ليقضي الله من إعلاء الْإِسْلَام وإذلال الشّرك ونصرة الْمُؤمنِينَ وَقتل الْمُشْركين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا لَقِيتُم فِئَة﴾ الْآيَة، الفئة: الْجَمَاعَة.
﴿إِذا لَقِيتُم فِئَة فاثبتوا واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون (45) وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا إِن الله مَعَ الصابرين (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطرا ورئاء النَّاس ويصدون عَن سَبِيل الله وَالله بِمَا يعلمُونَ﴾ قَوْله: ﴿فاثبتوا واذْكُرُوا الله كثيرا﴾ وَمعنى ذكر الله: هُوَ الدُّعَاء بالنصرة وَالظفر ﴿لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ وَكُونُوا على رَجَاء الْفَلاح.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطيعُوا الله وَرَسُوله﴾ الْآيَة، وَقَوله: ﴿وَلَا تنازعوا فتفشلوا﴾ مَعْنَاهُ: وَلَا تختلفوا فتضعفوا ﴿وَتذهب ريحكم﴾ مَعْنَاهُ: جدكم وجهدكم.
وَقَالَ قَتَادَة: الرّيح هَاهُنَا: ريح النُّصْرَة.
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " نصرت بالصبا، وأهلكت عَاد بالدبور ".
وَالْقَوْل الثَّالِث، قَول الْأَخْفَش وَغَيره: وَتذهب ريحكم أَي: دولتكم ﴿واصبروا إِن الله مَعَ الصابرين﴾ مَعْلُوم التَّفْسِير.
وَفِي الْآيَة فَضِيلَة عَظِيمَة لأهل الصَّبْر؛ فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إِن الله مَعَ الصابرين﴾ قَالَ الشَّاعِر:
(إِنِّي رَأَيْت فِي الْأَيَّام تجربة ... للصير عَاقِبَة محمودة الْأَثر)
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطرا ورئاء النَّاس﴾ الْآيَة، البطر: الطغيان فِي النِّعْمَة وَترك الشُّكْر، والرياء: إِظْهَار الْجَمِيل وإبطان الْقَبِيح.
وَالْآيَة نزلت فِي الْمُشْركين حِين أَقبلُوا إِلَى بدر،
فَقَالَ تَعَالَى للْمُؤْمِنين: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطرا ورئاء النَّاس﴾ . ﴿ويصدون عَن سَبِيل الله﴾ مَعْنَاهُ: يمْنَعُونَ عَن سَبِيل الْحق ﴿وَالله بِمَا يعلمُونَ مُحِيط﴾ رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ حِين أقبل الْمُشْركُونَ: " اللَّهُمَّ هَذِه قُرَيْش أَقبلت
﴿مُحِيط (47) وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَقَالَ لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم فَلَمَّا تراءت الفئتان نكص على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُم وَإِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ إِنِّي أَخَاف الله وَالله شَدِيد الْعقَاب (48) إِذْ يَقُول المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ بفخرها وخيلائها تُحَادك وتحاد رَسُولك " الْخَبَر إِلَى آخِره.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَقَالَ لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس﴾ الْآيَة.
رُوِيَ أَن إِبْلِيس - عَلَيْهِ مَا يسْتَحق - تمثل فِي صُورَة سراقَة بن مَالك وَقَالَ للْمُشْرِكين: ﴿وَإِنِّي جَار لكم﴾ مَعْنَاهُ: مجير لكم من بني كنَانَة، فَلَا يُصِيبكُم مِنْهُم سوء، ثمَّ جعل يحرضهم على الْقِتَال ﴿فَلَمَّا تراءت الفئتان﴾ أَي: تلاقت الفئتان، الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ﴿نكص على عَقِبَيْهِ﴾ رَجَعَ الْقَهْقَرِي على عَقِبَيْهِ ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُم﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ آخِذا بيد الْحَارِث بن هِشَام أخي أبي جهل، فَلَمَّا رأى الْمَلَائِكَة ينزلون من السَّمَاء يقدمهم جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - نزع يَده من يَد الْحَارِث وهرب، فَقَالَ لَهُ الْحَارِث: أفرارا من غير قتال؟ وَجعل يمسِكهُ، فَدفع فِي صَدره وَقَالَ: ﴿إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ﴾ وهرب ﴿إِنِّي أَخَاف الله﴾ .
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ إِنِّي أَخَاف الله وَقد ترك السُّجُود لآدَم وَهُوَ لم يخف الله؟ الْجَواب فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه قَالَ هَذَا كذبا، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه خَافَ أَن يُؤْخَذ فيفتضح بَين الْإِنْس.
وَمِنْهُم من قَالَ: خَافَ أَنه قد حضر أَجله ﴿وَالله شَدِيد الْعقَاب﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُول المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض غر هَؤُلَاءِ دينهم﴾ هَؤُلَاءِ قوم كَانُوا أَسْلمُوا بِمَكَّة وَلم يهاجروا، فَكَانَ فِي قُلُوبهم بعض الريب، فَخَرجُوا مَعَ الْمُشْركين وَقَالُوا: إِن نرى مَعَ مُحَمَّد قُوَّة انتقلنا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا قلَّة الْمُؤمنِينَ وَضعف شوكتهم قَالُوا هَذَا القَوْل، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ﴿إِذْ يَقُول المُنَافِقُونَ﴾ الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يتوكل على الله﴾ وَمن يَثِق بِاللَّه ﴿فَإِن الله عَزِيز حَكِيم﴾ قد
﴿غر هَؤُلَاءِ دينهم وَمن يتوكل على الله فَإِن الله عَزِيز حَكِيم (49) وَلَو ترى إِذْ يتوفى الَّذين كفرُوا الْمَلَائِكَة يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم وذوقوا عَذَاب الْحَرِيق (50) ذَلِك بِمَا قدمت أَيْدِيكُم وَأَن الله لَيْسَ بظلام للعبيد (51) كدأب آل فِرْعَوْن وَالَّذين من قبلهم كفرُوا بآيَات الله فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ إِن الله قوي شَدِيد الْعقَاب (52) ذَلِك بِأَن الله لم يَك مغيرا نعْمَة أنعمها على قوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَأَن الله سميع عليم﴾ بَينا معنى الْعَزِيز الْحَكِيم من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ يتوفى الَّذين كفرُوا الْمَلَائِكَة﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن هَذَا عِنْد الْمَوْت، وَقَوله: ﴿يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم﴾ يضْربُونَ وُجُوههم بأسواط النَّار، وأدبارهم سوقا إِلَى الْعَذَاب.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن التوفي هَاهُنَا هُوَ الْقَتْل، وَمَعْنَاهُ: قتل الْمَلَائِكَة الْمُشْركين ببدر، وَقَوله ﴿يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم﴾ مَعْنَاهُ: يضربونهم بِالسَّيْفِ إِذا أَقبلُوا.
وَقَوله ﴿وأدبارهم﴾ ويضربونهم بِالسَّيْفِ إِذا أدبروا، وَيَقُولُونَ: ﴿وذوقوا عَذَاب الْحَرِيق﴾ .
رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: مَعَ الْمَلَائِكَة مَقَامِع من حَدِيد يضْربُونَ بهَا الْكفَّار، فتلتهب النَّار فِي جراحاتهم؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وذوقوا عَذَاب الْحَرِيق﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك بِمَا قدمت أَيْدِيكُم وَأَن الله لَيْسَ بظلام للعبيد﴾ وَمَعْنَاهُ ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كدأب آل فِرْعَوْن﴾ الْآيَة، الدأب هَاهُنَا بِمَعْنى الْعَادة، وَمَعْنَاهُ: عَادَتهم فِي الْكفْر كعادة آل فِرْعَوْن ﴿وَالَّذين من قبلهم كفرُوا بآيَات الله﴾ الْآيَة، وَمعنى الْآيَة ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك بِأَن الله لم يَك مغيرا نعْمَة أنعمها على قوم﴾ الْآيَة، فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَعْنَاهُ: ﴿لم يكن مغيرا نعْمَة﴾ يَعْنِي: لم يكن مبدلا النِّعْمَة بالبلية
( ﴿53) كدأب آل فِرْعَوْن وَالَّذين من قبلهم كذبُوا بآيَات رَبهم فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغرقنا آل فِرْعَوْن وكل كَانُوا ظالمين (54) إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الَّذين كفرُوا فهم لَا يُؤمنُونَ (55) الَّذين عَاهَدت مِنْهُم ثمَّ ينقضون عَهدهم فِي كل مرّة وهم لَا يَتَّقُونَ﴾ ﴿حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ يَعْنِي: حَتَّى يتْركُوا الشُّكْر، ويؤتوا الكفران.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن هَذَا فِي أهل مَكَّة؛ فَإِن الرَّسُول كَانَ نعْمَة أنعمها الله تَعَالَى عَلَيْهِم، فَكَفرُوا بِهَذِهِ النِّعْمَة، فغيرها الله تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: أَنه نقلهَا إِلَى أهل الْمَدِينَة ﴿وَأَن الله سميع عليم﴾ معلومان.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كدأب آل فِرْعَوْن﴾ وَمَعْنَاهُ: مَا بَينا، وإعادة الذّكر للتَّأْكِيد، وَيجوز أَن هَذَا كَانَ فِي قوم آخَرين سوى الْأَوَّلين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين من قبلهم كذبُوا بآيَات رَبهم فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ يَعْنِي: نهلك هَؤُلَاءِ كَمَا أهلكنا أُولَئِكَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأغرقنا آل فِرْعَوْن وكل كَانُوا ظالمين﴾ يَعْنِي: الْأَوَّلين والآخرين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الَّذين كفرُوا﴾ الْآيَة.
هَذِه الْآيَة مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ﴾ سماهم الله تَعَالَى دَوَاب وأنعاماً؛ لقلَّة انتفاعهم بعقولهم وألبابهم وأسماعهم وأبصارهم ﴿فهم لَا يُؤمنُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين عَاهَدت مِنْهُم﴾ هَذِه الْآيَة نزلت فِي قوم من الْمُشْركين عَاهَدُوا مَعَ رَسُول الله ثمَّ نقضوا الْعَهْد، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذين عَاهَدت مِنْهُم ثمَّ ينقضون عَهدهم فِي كل مرّة﴾ يَعْنِي: كلما عَاهَدُوا نقضوا ﴿وهم لَا يَتَّقُونَ﴾ مَعْنَاهُ: لَا يَتَّقُونَ نقض الْعَهْد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فإمَّا تثقفنهم فِي الْحَرْب﴾ مَعْنَاهُ: فإمَّا تصادفنهم فِي الْحَرْب ﴿فشرد بهم من خَلفهم﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير: أنذر بهم من خَلفهم، قَالَ الشَّاعِر: (أَطُوف فِي الأباطح كل يَوْم ... مَخَافَة أَن يشرد بِي حَكِيم)
( ﴿56) فإمَّا تثقفهم فِي الْحَرْب فشرد بهم من خَلفهم لَعَلَّهُم يذكرُونَ (57) وَإِمَّا تخافن من قوم خِيَانَة فانبذ إِلَيْهِم على سَوَاء إِن الله لَا يحب الخائنين (58) وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا سبقوا إِنَّهُم لَا يعجزون (59) وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّهُم يذكرُونَ﴾ يَعْنِي: يتذكرون.
وَمعنى الْآيَة: أَي نكل بهؤلاء الَّذين جَاءُوا لحربك أَو نقضوا عَهْدك تنكيلا يفرق بَينهم من خَلفهم من جماعاتهم.
فَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تخافن من قوم خِيَانَة﴾ الْآيَة، معنى المخافة هَاهُنَا: هُوَ الإحساس بالخيانة ﴿فانبذ إِلَيْهِم على سَوَاء﴾ يَعْنِي: فانبذ الْعَهْد إِلَيْهِم ﴿على سَوَاء﴾ يَعْنِي: على حَالَة تستوي أَنْت وهم فِي الْعلم بِهِ.
وَالْمرَاد من الْآيَة: أَلا تقَاتلهمْ قبل نبذ الْعَهْد، وَقبل علمهمْ بالنبذ حَتَّى لَا تنْسب إِلَى نقض الْعَهْد، وَهَذِه الْآيَة تعد من فصيح الْقُرْآن.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يحب الخائنين﴾ وَالْمعْنَى مَعْلُوم.
قَوْله تَعَالَى (وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا سبقوا) الْآيَة فِي الْقَوْم الَّذين انْهَزمُوا يَوْم بدر من الْمُشْركين، قَوْله: ﴿سبقوا﴾ يَعْنِي: فاتوا.
قَوْله ﴿إِنَّهُم لَا يعجزون﴾ يَعْنِي: لَا يفوتوني.
وَقَرَأَ ابْن مُحَيْصِن: " لايعجزون " وَالصَّحِيح الْقِرَاءَة الأولى.
وَقد قُرِئت الْآيَة بقراءتين: " أَنهم " و " إِنَّهُم " فَقَوله: " إِنَّهُم " على طَرِيق الِابْتِدَاء، وَقَوله: " أَنهم " يَعْنِي: لأَنهم لَا يفوتون.
وَمعنى الْفَوات مَنْقُول عَن أبي عُبَيْدَة، وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: ﴿لَا يعجزون﴾ مَعْنَاهُ: إِن فاتهم عَذَاب الدُّنْيَا لَا يفوتهُمْ من عَذَاب الْآخِرَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ الْآيَة، الإعداد: اتِّخَاذ الشَّيْء لوقت الْحَاجة، وَقَوله: ﴿من قُوَّة﴾ فِيهِ أَقْوَال:
﴿ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ وَآخَرين من دونهم لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ وَمَا تنفقوا﴾
أَحدهَا: مَا روى عقبَة بن عَامر: " أَن النَّبِي قَرَأَ هَذِه الْآيَة على الْمِنْبَر ثمَّ قَالَ: أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي، أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي ". أوردهُ مُسلم فِي " الصَّحِيح ".
وَالْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ أَن الْقُوَّة: ذُكُور الْخَيل، والرباط: إناثها.
هَذَا قَول عِكْرِمَة.
وَرُوِيَ عَن خَالِد بن الْوَلِيد أَنه كَانَ لَا يركب فِي الْقِتَال إِلَّا الْإِنَاث؛ لقلَّة صهيلها.
وَعَن أبي محيريز قَالَ: كَانُوا يستحبون ركُوب ذُكُور الْخَيل عِنْد الصُّفُوف، وركوب إناث الْخَيل عِنْد الثَّبَات والغارات.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْقُوَّة: هِيَ جَمِيع الأسلحة.
وَقد قيل: إِن الْقُوَّة: الْحُصُون؛ والحصون: الْخُيُول، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلَقَد علمت على تجنبي الردى ... أَن الْحُصُون الْخَيل لَا مدر الْقرى)
وَقَوله: ﴿ترهبون بِهِ﴾ مَعْنَاهُ: تخيفون بِهِ ﴿عَدو الله وَعَدُوكُمْ﴾ أَي: أَعدَاء الله وأعداءكم وَاحِد بِمَعْنى الْجمع.
وَقَوله: ﴿وَآخَرين من دونهم﴾ أَي: ترهبون بِهِ آخَرين من دونهم، وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ:
رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: هم بَنو قُرَيْظَة.
وَفِيه قَول آخر: أَنهم المُنَافِقُونَ.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَنهم الْجِنّ.
وَعَن السدى أَنه قَالَ: أهل فَارس.
وَرُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لن يخبل الْجِنّ آدَمِيًّا فِي دَاره فرس عَتيق ". أوردهُ النقاش فِي تَفْسِيره.
﴿من شَيْء فِي سَبِيل الله يوف إِلَيْكُم وَأَنْتُم لَا تظْلمُونَ (60) وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا وتوكل على الله إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (61) وَإِن يُرِيدُوا أَن يخدعوك فَإِن حَسبك الله هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَألف بَين قُلُوبهم لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض﴾
وَفِي الْآيَة قَول رَابِع: رُوِيَ عَن معَاذ بن جبل أَنه قَالَ: ﴿وَآخَرين من دونهم﴾ يَعْنِي: الشَّيَاطِين.
وَقَوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ﴾ ظَاهر.
قَوْله: ﴿وَمَا تنفقوا من شَيْء فِي سَبِيل الله يوف إِلَيْكُم وَأَنْتُم لَا تظْلمُونَ﴾ أَي: لَا ينقص أجوركم.