آل عمران
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يَقُولُونَ افتراه قل فَأتوا بِسُورَة مثله﴾ معنى الْآيَة: هُوَ الِاحْتِجَاج على الْكفَّار بمعجزة الْقُرْآن؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: إِن مُحَمَّدًا قد افتراه، فَقَالَ لَهُم: إِن كَانَ افتراه وأتى بِهِ من عِنْد نَفسه فَأتوا أَنْتُم بِمثلِهِ.
فَإِن قيل: قَالَ: ﴿فَأتوا بِسُورَة مثله﴾ فللقرآن مثل يُؤْتى بِسُورَة مِنْهُ؟
الْجَواب: أَن مَعْنَاهُ: فَأتوا بِسُورَة من مثله فِي البلاغة وَالنّظم وَصِحَّة الْمَعْنى.
وَقيل: إِن مَعْنَاهُ: فَأتوا بِسُورَة مثل سُورَة الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿وَادعوا من اسْتَطَعْتُم من دون الله﴾ مَعْنَاهُ: وَاسْتَعِينُوا بِمن اسْتَطَعْتُم من دون الله ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ .
قَوْله: ﴿بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ﴾ الْإِحَاطَة بِعلم الشَّيْء هِيَ: الْمعرفَة بِهِ من جَمِيع وجوهه، وَمعنى الْآيَة: بل كذبُوا بِالْقُرْآنِ وَلم يحيطوا بِعِلْمِهِ، يَعْنِي: لم يعلموه.
وَقَوله: ﴿وَلما يَأْتهمْ تَأْوِيله﴾ أَي: وَلم يَأْتهمْ تَأْوِيله، وَمَعْنَاهُ: وَلم يعلمُوا مَا يؤول إِلَيْهِ عَاقِبَة أَمرهم.
ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من يُؤمن بِهِ وَمِنْهُم من لَا يُؤمن بِهِ وَرَبك أعلم بالمفسدين﴾ مَعْنَاهُ: وَمِنْهُم من يُؤمن بِهِ - بِالْقُرْآنِ - كأصحاب النَّبِي من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَمِنْهُم من لَا يُؤمن بِهِ كَأبي جهل وَمن (تَابعه) ، وَمِنْهُم من قَالَ: وَمِنْهُم من يُؤمن
﴿أَنْتُم بريئون مِمَّا أعمل وَأَنا بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون إِلَيْك أفأنت تسمع الصم وَلَو كَانُوا لَا يعْقلُونَ (42) وَمِنْهُم من ينظر إِلَيْك أفأنت تهدي الْعمي وَلَو﴾ بِهِ سرا وَعَلَانِيَة كالمؤمنين المخلصين، وَمِنْهُم من لَا يُؤمن بِهِ سرا كالمنافقين.
﴿وَرَبك أعلم بالمفسدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَذبُوك فَقل لي عَمَلي وَلكم عَمَلكُمْ﴾ الْآيَة، مَعْنَاهُ: لي عَمَلي وجزاؤه وَلكم عَمَلكُمْ وجزاؤه.
قَوْله: ﴿أَنْتُم بريئون مِمَّا أعمل وَأَنا بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ هَذَا مثل قَوْله: ﴿لكم دينكُمْ ولي دين﴾ وَمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لنا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون إِلَيْك﴾ الْآيَة، الِاسْتِمَاع: طلب السّمع، وَقد كَانُوا يطْلبُونَ سَماع الْقُرْآن للرَّدّ والتكذيب بِهِ، لَا للتفهم وَالْإِيمَان بِهِ.
وَقَوله: ﴿أفأنت تسمع الصم﴾ الصمم: آفَة تمنع من السماع، وَالْمرَاد من الصمم هَاهُنَا: صمم الْقلب؛ فَإِنَّهُم لما لم يسمعوا الْقُرْآن للْإيمَان بِهِ وقبوله كَأَنَّهُمْ لم يسمعوا، وجعلهم بِمَنْزِلَة الصم، والصم: جمع الْأَصَم.
وَقَالَ الزّجاج: قد كَانُوا يسمعُونَ حَقِيقَة؛ وَلَكِن لشدَّة بغضهم وعداوتهم للنَّبِي لم يستمعوا ليفهموا، فجعلهم كَأَن لم يسمعوا.
قَوْله: ﴿وَلَو كَانُوا لَا يعْقلُونَ﴾ مَعْنَاهُ: وَلَو كَانُوا جُهَّالًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من ينظر إِلَيْك﴾ النّظر: طلب الرُّؤْيَة بتقليب الْبَصَر، وَأما نظر الْقلب: هُوَ طلب الْعلم بالفكرة.
وَقَوله: ﴿أفأنت تهدي الْعمي﴾ جعلهم بِمَنْزِلَة الْعمي؛ لأَنهم لم ينْظرُوا لطلب الْحق، وَالْمرَاد من الْعَمى هَاهُنَا: عمى الْقلب.
وَمِنْهُم من قَالَ: جعلهم بِمَنْزِلَة الْعَمى كَمَا جعلهم بِمَنْزِلَة الصم حَيْثُ لم ينتفعوا لَا بأسماعهم وَلَا بِأَبْصَارِهِمْ.
وَذكر ابْن الْأَنْبَارِي حاكيا عَن ابْن قُتَيْبَة أَنه اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة على أَن السّمع أفضل
﴿كَانُوا لَا يبصرون (43) إِن الله لَا يظلم النَّاس شَيْئا وَلَكِن النَّاس أنفسهم يظْلمُونَ (44) وَيَوْم يحشرهم كَأَن لم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من النَّهَار يَتَعَارَفُونَ بَينهم قد خسر الَّذين﴾ من الْبَصَر، فَإِن الله تَعَالَى قَالَ فِي الصمم: ﴿لَو كَانُوا لَا يعْقلُونَ﴾ ، وَقَالَ فِي الْعَمى: ﴿وَلَو كَانُوا لَا يبصرون﴾ .
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَهَذَا غلط؛ لِأَن المُرَاد من الْآيَة عمى الْقلب لَا عمى الْعين، وَكَذَلِكَ صمم الْقلب لَا صمم الْأذن؛ فعلى هَذَا لَا يَقع التَّفْضِيل.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَلِأَن حاسة الْبَصَر أفضل من حاسة السّمع، أَلا ترى أَن الْجمال فِيهَا أَكثر، وَالنُّقْصَان بفوتها أعظم، وسماها الرَّسُول كريمتى الْإِنْسَان؛ فَإِنَّهُ قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: من أخذت كريمتيه فَصَبر واحتسب، لم يكن لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة ".
وَإِذا كَانَ الرجل أعمى فَإِنَّهُ لَا يبصر إقباله من إدباره، وَلَا طَرِيق غيه من طَرِيق رشده، وَيكون أَسِيرًا فِي نَفسه، (ويتعطل) عَلَيْهِ مَنَافِع عَامَّة جوارحه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يظلم النَّاس شَيْئا وَلَكِن النَّاس أنفسهم يظْلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يحشرهم كَأَن لم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من النَّهَار﴾ معنى الْآيَة: تقريب وَقت مماتهم من وَقت بَعثهمْ، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كَأَن لم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من نَهَار﴾ . وَقَوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَينهم﴾ يَعْنِي: يعرف بَعضهم بَعْضًا.
وَفِي بعض
﴿كذبُوا بلقاء الله وَمَا كَانُوا مهتدين (45) وَإِمَّا نرنيك بعض الَّذين نعدهم أَو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثمَّ الله شَهِيد على مَا يَفْعَلُونَ (46) وَلكُل أمة رَسُول فَإِذا جَاءَ رسولهم قضي بَينهم بِالْقِسْطِ وهم لَا يظْلمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين (48) قل لَا أملك لنَفْسي ضرا وَلَا نفعا إِلَّا مَا شَاءَ الله لكل أمة أجل إِذا جَاءَ أَجلهم فَلَا﴾ الْآثَار: أَن الْإِنْسَان يَوْم الْقِيَامَة يعرف من بجنبه، وَلَا يكلمهُ هَيْبَة وخشية.
وَقَوله: ﴿قد خسر الَّذين كذبُوا بلقاء الله وَمَا كَانُوا مهتدين﴾ الخسران هَاهُنَا: خسران النَّفس، وَلَا شَيْء أعظم من خسران النَّفس.
وَفِي بعض الْآثَار: يَا بَان آدم، أَنْت فِي دَار التِّجَارَة فاربح فِيهَا نَفسك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا نرينك بعض الَّذِي نعدهم﴾ قَالَ مُجَاهِد: بعض الَّذِي نعدهم هُوَ: الْقَتْل يَوْم بدر.
وَقَالَ غَيره: معنى الْآيَة: إِمَّا نعذبهم فِي حياتك ﴿أَو نتوفينك﴾ قبل تعذيبهم ﴿فإلينا مرجعهم﴾ ومرجعهم إِلَيْنَا.
وَقَوله: ﴿ثمَّ الله شَهِيد على مَا يَفْعَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى، و " ثمَّ " هَاهُنَا بِمَعْنى الْوَاو.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلكُل أمة رَسُول﴾ الْأمة: هِيَ الْجَمَاعَة إِذا كَانُوا على مَنْهَج وَاحِد ومقصد وَاحِد.
وَالرَّسُول: كل من حمل رِسَالَة ليؤديها على الْحق.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَإِذا جَاءَ رسولهم﴾ قَالَ مُجَاهِد: فَإِذا جَاءَ رسولهم شَاهدا عَلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة ﴿قضى بَينهم بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ ﴿وهم لَا يظْلمُونَ﴾ يَعْنِي: لَا ينقص من حَقهم.
وَفِي الْآيَة معنى آخر: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿فَإِذا جَاءَ رسولهم﴾ يَعْنِي: إِذا جَاءَ رسولهم بالإعذار والإنذار قضى بَينهم بِالْقِسْطِ أَي: بِالْحَقِّ، وَمَعْنَاهُ: أَنه قبل مَجِيء الرُّسُل لَا يتَوَجَّه ثَوَاب وَلَا عِقَاب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ يَعْنِي: وعد السَّاعَة.
ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قل لَا أملك لنَفْسي ضرا وَلَا نفعا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ الْآيَة.
الْملك: قُوَّة يتَصَرَّف بهَا فِي الشَّيْء، وَقَوله: ﴿ضرا وَلَا نفعا﴾ يَعْنِي: دفع ضرّ وَلَا جلب نفع لم يقدره الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿لكل أمة أجل﴾ الْأَجَل: مُدَّة مَضْرُوبَة لحلول أَمر.
﴿يستئخرون سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49) قل أَرَأَيْتُم إِن أَتَاكُم عَذَابه بياتا أَو نَهَارا مَاذَا يستعجل مِنْهُ المجرمون (50) أَثم إِذا مَا وَقع آمنتم بِهِ الْآن وَقد كُنْتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُون (51) ثمَّ قيل للَّذين ظلمُوا ذوقوا عَذَاب الْخلد هَل تُجْزونَ إِلَّا بِمَا كُنْتُم تكسبون (52) ويستنبئونك أَحَق هُوَ قل إِي وربي إِنَّه لحق وَمَا أَنْتُم بمعجزين (53) وَلَو أَن﴾ وَقَوله: ﴿إِذا جَاءَ أَجلهم فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن أَتَاكُم عَذَابه بياتا أَو نَهَارا﴾ والبيات: مَا يحصل لَيْلًا.
وَقَوله: ﴿مَاذَا يستعجل مِنْهُ المجرمون﴾ مَعْنَاهُ: مَاذَا يستعجل من الله المجرمون؟ وَقيل: مَاذَا يستعجل من الْعَذَاب المجرمون؟ وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنهم كَانُوا يستعجلون الْعَذَاب؛ مثل قَول النَّضر بن الْحَارِث، فَإِنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك، فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء، أَو ائتنا بِعَذَاب أَلِيم، فَقَالَ الله تَعَالَى فِي هَذِه الْآيَة: ﴿مَاذَا يستعجل مِنْهُ المجرمون﴾ يَعْنِي: وأيش يعلم المجرمون مَاذَا يستعجلون وَيطْلبُونَ؟ كَالرّجلِ يَقُول لغيره: مَاذَا جنيت على نَفسك؟ إِذا فعل فعلا قبيحا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِذا مَا وَقع آمنتم بِهِ﴾ قيل فِي التَّفْسِير: معنى قَوْله: (أَثم) : هُنَالك إِذا مَا وَقع - أَي: الْعَذَاب ﴿آمنتم بِهِ﴾ يَعْنِي: آمنتم بِاللَّه؟ من وَقع الْعَذَاب؟ أَي: نزل.
ثمَّ قَالَ: ﴿الْآن﴾ وَفِيه حذف وَمَعْنَاهُ: الْآن آمنتم بِهِ ﴿وَقد كُنْتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُون﴾ تَكْذِيبًا واستهزاء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قيل للَّذين ظلمُوا ذوقوا عَذَاب الْخلد هَل تُجْزونَ إِلَّا بِمَا كُنْتُم تكسبون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستنبئونك أَحَق هُوَ﴾ مَعْنَاهُ: ويستخبرونك أَحَق هُوَ؟ وَالْحق ضد الْبَاطِل، وَيُقَال: الْحق مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيل.
وَقَوله: ﴿قل إِي وربي﴾ مَعْنَاهُ: قل نعم وربي ﴿إِنَّه لحق وَمَا أَنْتُم بمعجزين﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا أَنْتُم بفائتين من الْعَذَاب؛ لِأَن من عجز عَن الشَّيْء فقد فَاتَهُ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن لكل نفس ظلمت مَا فِي الأَرْض لافتدت بِهِ﴾ الافتداء
﴿لكل نفس ظلمت مَا فِي الأَرْض لافتدت بِهِ وأسروا الندامة لما رَأَوْا الْعَذَاب وَقضي بَينهم بِالْقِسْطِ وَهُوَ لَا يظْلمُونَ (54) أَلا إِن لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض أَلا إِن وعد الله حق وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ (55) هُوَ يحيي وَيُمِيت وَإِلَيْهِ ترجعون (56) يَا أَيهَا﴾ هَاهُنَا: بذل مَا ينجو بِهِ عَن الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿وأسروا الندامة لما رَأَوْا الْعَذَاب﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: قَول أبي عُبَيْدَة، وَهُوَ: أَن مَعْنَاهُ: وأظهروا الندامة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: وأسروا الرؤساء مِنْهُم الندامة من الضُّعَفَاء خوفًا من مذامتهم وتعييرهم.
وَقَوله: ﴿وَقضى بَينهم بِالْقِسْطِ وهم لَا يظْلمُونَ﴾ قد بَينا الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا إِن لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ أَن عنْدكُمْ السَّمَوَات سبع، والأرضون سبع، فَكيف ذكر السَّمَوَات بِلَفْظ الْجمع وَالْأَرْض بِلَفْظ (الوحدان) ؟
الْجَواب: أَن الْوَاحِد هَاهُنَا بِمَعْنى الْجمع، وَالْعرب قد تذكر الْوَاحِد بِلَفْظ الْجمع، وَالْجمع بِلَفْظ الْوَاحِد، وَقيل: إِن الْأَرْضين وَإِن كَانَت سبعا وَلَكِن لما لم تظهر سوى هَذِه الْوَاحِدَة وَكَانَت الْبَاقُونَ مخفية، ذكر بِلَفْظ الوحدان.
وَقَوله: ﴿أَلا إِن وعد الله حق وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ يحيي وَيُمِيت وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم﴾ الْآيَة، الموعظة: قَول على طَرِيق الْعلم يُؤَدِّي إِلَى صَلَاح الْعباد.
وَقَوله: ﴿وشفاء لما فِي الصُّدُور﴾ الشِّفَاء هَاهُنَا هُوَ الدَّوَاء لذِي الْجَهْل.
وَقَالَ أهل الْعلم: لَا دَاء أعظم من الْجَهْل، وَلَا دَوَاء أعز من دَوَاء الْجَهْل، وَلَا طَبِيب أقل من طَبِيب الْجَهْل، وَلَا شِفَاء أبعد من شِفَاء الْجَهْل.
﴿النَّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين (57) قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ (58) قل أَرَأَيْتُم مَا أنزل الله لكم من رزق فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون﴾
وَأما قَوْله ﴿لما فِي الصُّدُور﴾ الصَّدْر مَوضِع الْقلب، وَهُوَ أعز مَوضِع فِي الْإِنْسَان؛ لجوار الْقلب.
وَقَوله: ﴿وَهدى﴾ يَعْنِي: وَهدى من الضَّلَالَة.
وَقَوله: ﴿وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾ الرَّحْمَة: هِيَ النِّعْمَة على الْمُحْتَاج، فَإِنَّهُ لَو أهْدى ملك إِلَى ملك شَيْئا لَا يُقَال: قد رَحمَه، وَإِن كَانَ هَذَا نعْمَة على الْحَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ لم يَضَعهَا فِي مُحْتَاج.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل بِفضل الله وبرحمته﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: فضل الله: الْقرَان، وَرَحمته: الْإِسْلَام.
وَعَن بَعضهم: فضل الله: الْإِسْلَام، وَرَحمته: الْقُرْآن.
وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: فضل الله: الْقُرْآن، وَرَحمته: أَن جعلنَا من أَهله.
وَهَذَا مَرْوِيّ أَيْضا عَن عِكْرِمَة.
وَقَوله: ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ وَقَرَأَ الْحسن: " فبذلك فلتفرحوا " مَعْنَاهُ: فبذلك فلتعجبوا.
وَقَوله: ﴿هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ أَي: مِمَّا يجمع الْكفَّار من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم مَا أنزل الله لكم من رزق فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: معنى هَذَا هِيَ السوائب والحوامي الَّتِي جعلهَا أهل الشّرك حَرَامًا عَلَيْهِم، وَقد ذكرنَا هَذَا فِي تَفْسِير سُورَة الْأَنْعَام، وَمَا أحلُّوا من ذَلِك وَمَا حرمُوا فِي تَفْسِير قَوْله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بطُون هَذِه الْأَنْعَام خَالِصَة لذكورنا ومحرم على أَزوَاجنَا﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا الْمَعْنى، وَقد قَالَ فِي آخر الْآيَة: ﴿قل الله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ ؟ وَلَيْسَ المُرَاد من الْآيَة الِاسْتِفْهَام؛ وَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهَا الرَّد وَالْإِنْكَار عَلَيْهِم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا ظن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب يَوْم الْقِيَامَة﴾ قَالُوا: مَعْنَاهُ:
((59} وَمَا ظن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب يَوْم الْقِيَامَة إِن الله لذُو فضل على النَّاس وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يشكرون (60) وَمَا تكون فِي شَأْن وَمَا تتلو مِنْهُ من قُرْآن وَلَا تَعْمَلُونَ من عمل إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ وَمَا يعزب عَن رَبك من مِثْقَال ذرة فِي وَمَا ظن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب يَوْم الْقِيَامَة، أيلقاهم الْخَيْر أم يلقاهم الشَّرّ؟ وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَن الشَّرّ يلقاهم؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَلِيق بافترائهم.
وَقَوله: ﴿إِن الله لذُو فضل على النَّاس وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يشكرون﴾ فِي التفاسير: من ألف وَاحِد شَاكر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا تكون فِي شَأْن﴾ الشَّأْن: اسْم مُبْهَم، وَهُوَ مثل قَول الْقَائِل لغيره: مَا حملك وَمَا بالك؟ وَمَا شانك؟ وَقَوله: ﴿فِي شَأْن﴾ يَعْنِي: فِي شَأْن من الشؤون.
وَقَوله: ﴿وَمَا تتلو مِنْهُ من قُرْآن﴾ فَإِن قيل: [أيش معنى] قوبه: ﴿وَمَا تتلو مِنْهُ﴾ وَلم يسْبق ذكر الْقُرْآن؟ الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن مَعْنَاهُ: وَمَا تتلو من الشَّأْن، من قُرْآن، وَالْآخر: أَنه رَاجع إِلَى الْقُرْآن أَيْضا، فأبطن فِي قَوْله: ﴿مِنْهُ﴾ وَأظْهر فِي قَوْله ﴿من قُرْآن﴾ تفخيما لَهُ.
وَقَوله: ﴿وَلَا تعلمُونَ من عمل إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا﴾ الشُّهُود هَاهُنَا: جمع شَاهد.
وَقَوله: ﴿إِذْ تفيضون فِيهِ﴾ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: إِذْ تندفعون فِيهِ، والإفاضة هِيَ الدّفع بِالْكَثْرَةِ.
وَقَوله: ﴿وَمَا يعزب عَن رَبك﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا يغيب عَن رَبك ﴿من مِثْقَال ذرة﴾ من وزن ذرة؛ والذرة: هِيَ النملة الصَّغِيرَة، وَقيل: مَا يظْهر فِي شُعَاع الشَّمْس.
وَالْأول هُوَ الْمَعْرُوف.
﴿الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر إِلَّا فِي كتاب مُبين (61) أَلا إِن﴾
وَقَوله: ﴿فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَر من ذَلِك﴾ يَعْنِي: أَصْغَر من الذّرة.
﴿وَلَا أكبر﴾ مَعْنَاهُ: وَلَا أكبر من الذّرة إِلَى مَا لَا يعلم قدره إِلَّا الله تَعَالَى.
قَوْله: ﴿إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا هُوَ مُبين فِي الْكتاب، يَعْنِي: اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
وَفِي الْأَخْبَار الْمَشْهُورَة: " أَن الله تَعَالَى لما خلق الْقَلَم قَالَ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أكتب؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". وَقد ثَبت بِرِوَايَة عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَن النَّبِي قَالَ: " إِن الله قدر الْمَقَادِير قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة ". خرجه مُسلم فِي " صَحِيحه ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله﴾ اخْتلفُوا فِي أَوْلِيَاء الله على أَقْوَال:
أَحدهمَا: أَنهم الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، وَالْآخر: أَنهم الَّذين يرضون بِالْقضَاءِ، ويشكرون عِنْد الرخَاء، ويصبرون على الْبلَاء، وَالثَّالِث: هم المتحابون فِي الله تَعَالَى.
وَقد روى عمر بن الْخطاب - رَضِي الله عَنهُ - أَن النَّبِي قَالَ: " إِن من عباد الله عبادا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاء، يَغْبِطهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاء لِمَكَانِهِمْ عِنْد الله.
فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله، وَمن هم؟ فَقَالَ رَسُول: قوم تحَابوا بِروح الله من غير أَرْحَام يصلونها، وَلَا أَمْوَال يَتَعَاطونَهَا، وَإِن على وُجُوههم لنورا، وَإِنَّهُم على مَنَابِر من نور، لَا يخَافُونَ إِذا خَافَ النَّاس، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذا حزن النَّاس، ثمَّ قَرَأَ: ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم﴾ ". ذكره أَبُو دَاوُد فِي " سنَنه " قَرِيبا من هَذَا.
﴿أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ (62) الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُم﴾
وَالرَّابِع: هُوَ أَن أَوْلِيَاء الله من إِذا رؤوا [ذكر] الله.
وَفِي بعض الْأَخْبَار المرفوعة إِلَى النَّبِي: " سُئِلَ من أَوْلِيَاء الله؟ فَقَالَ الَّذين إِذا رؤوا [ذكر] الله ". وَفِي رِوَايَة: " الَّذين [يذكر] الله برؤيتهم ".
وَقَوله: ﴿لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ الْخَوْف: انزعاج فِي النَّفس من توقع مَكْرُوه، والحزن: هم يَقع فِي الْقلب لنَوْع عَارض.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُم الْبُشْرَى﴾ اخْتلفُوا فِي هَذِه الْبُشْرَى على أَقْوَال: الأول: روى (أَبُو الدَّرْدَاء) - رَضِي الله عَنهُ - عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة يَرَاهَا الْمُؤمن أوترى لَهُ ". وَرَوَاهُ - أَيْضا - عبَادَة بن الصَّامِت أَبُو الْوَلِيد - رَضِي الله عَنهُ -. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الرُّؤْيَا الصادقة جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من
﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة لَا تَبْدِيل لكلمات الله ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم (64) وَلَا يحزنك قَوْلهم إِن الْعِزَّة لله جَمِيعًا هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (65) أَلا إِن لله من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَمَا يتبع الَّذين يدعونَ من دون الله شُرَكَاء إِن يتبعُون إِلَّا﴾ النُّبُوَّة ".
وَالْقَوْل الثَّانِي: روى أَبُو ذَر - رَضِي الله عَنهُ - عَن النَّبِي: " إِن الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا: هُوَ الثَّنَاء الْحسن، وَفِي الْآخِرَة: الْجنَّة ".
وَالثَّالِث: الْبُشْرَى: هِيَ نزُول نزُول مَلَائِكَة الرَّحْمَة بالبشارة من الله تَعَالَى عِنْد الْمَوْت.
وَالرَّابِع: الْبُشْرَى: هِيَ علم الْمُؤمن بمكانه من الْجنَّة قبل أَن يَمُوت.
قَالَه قوم من التَّابِعين.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَا تَبْدِيل لكلمات الله﴾ مَعْنَاهُ: لَا خلف لوعد الله.
وَقَوله: ﴿ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ أَي: النجَاة الْعَظِيمَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يحزنك قَوْلهم﴾ وقف تَامّ.
ثمَّ قَالَ: ﴿إِن الْعِزَّة لله جَمِيعًا﴾ يعْنى: إِن الْغَلَبَة لله جَمِيعًا ﴿هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا إِن لله من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
وَقَوله: ﴿وَمَا يتبع الَّذين يدعونَ من دون الله شُرَكَاء﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا يتبع الَّذين يدعونَ من دون الله شُرَكَاء على الْحَقِيقَة؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لله شريك.
وَقيل: مَعْنَاهُ: وَمَا يتبع الَّذين يدعونَ من دون الله شُرَكَاء علما ويقينا؛ بل يتبعُون على الظَّن كَمَا قَالَ: ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَإِن هم إِلَّا يخرصون﴾ وَمعنى قَوْله: ﴿يخرصون﴾ : يكذبُون؛ لقَوْله: ﴿قتل الخراصون﴾ أَي: الكذابون.
﴿الظَّن وَإِن هم إِلَّا يخرصون (66) هُوَ الَّذِي جعل لكم اللَّيْل لتسكنوا فِيهِ وَالنَّهَار مبصرا إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يسمعُونَ (67) قَالُوا اتخذ الله ولدا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض إِن عنْدكُمْ من سُلْطَان بِهَذَا أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ (68) قل إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لَا يفلحون (69) مَتَاع فِي الدُّنْيَا ثمَّ إِلَيْنَا﴾