تفسير السمعانيصفحات 212-220
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 212-220
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية (1) وُجُوه يَوْمئِذٍ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى نَارا حامية (4) ﴾ . تَفْسِير سُورَة الغاشية

وَهِي مَكِّيَّة بِالْإِجْمَاع

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل أَتَاك حَدِيث

﴾ أَي: الْقِيَامَة، وَسميت غاشية؛ لِأَنَّهَا تغشى كل شَيْء بالأهوال، وَيُقَال: تغشى كل كَافِر وَفَاجِر بِالْعَذَابِ، والغاشية هِيَ المجللة، وَمعنى هَل أَتَاك: قد أَتَاك.

وَقَوله: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ خاشعة﴾ أَي: ذليلة لما ترى من سوء الْعَاقِبَة، وَالْمعْنَى: ركبهَا الذل.

وَقَوله: ﴿عاملة ناصبة﴾ أَي: عملت فِي الدُّنْيَا لغير الله، فَنصبت وتعبت فِي الْآخِرَة بِعَذَاب الله.
وَعَن السّديّ وَجَمَاعَة: أَنهم الرهبان وَأَصْحَاب الصوامع من النَّصَارَى وَالْيَهُود.
وَقد روى عَن عمر أَنه لما قدم الشَّام فَمر بصومعة رَاهِب فناداه فَاطلع عَلَيْهِ، وَقد تنْحَل من الْجُوع والضر وَالْعِبَادَة، وَعَلِيهِ برنس، فَبكى عمر - رَضِي الله عَنهُ - فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَمَا يبكيك؟ ! فَقَالَ: مِسْكين طلب أمرا، وَلم يصل إِلَيْهِ، وسلك طَرِيقا وأخطأه، ثمَّ قَرَأَ قَوْله: ﴿عاملة ناصبة﴾ الْآيَة.

وَقَوله: ﴿تصلى نَارا حامية﴾ أَي: تقاسي حرهَا.

وَقَوله: ﴿تسقى من عين آنِية﴾ أَي: انْتَهَت فِي الْحر.
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: أوقدت عَلَيْهَا جَهَنَّم مُنْذُ خلقت، فدفعوا إِلَيْهَا وردا، أَي: عطاشا.

﴿تسقى من عين آنِية (5) لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع (6) لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع (7) وُجُوه يَوْمئِذٍ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) فِي جنَّة عالية﴾ ) . قَالَ النَّابِغَة: (ويخضب نحبة (غدرت) وهانت ... بأحمر من جَمِيع الْجوف آن) وَفِي بعض التفاسير: أَنهم إِذا دنوا ذَلِك من وُجُوههم سلخت وُجُوههم، فَإِذا شربوا مِنْهَا قطعت أمعاءهم.

وَقَوله: ﴿لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع﴾ هُوَ شجر يُسمى بالحجاز: الشبرق، لَهُ شوك كثير، فَإِذا يبس يُسمى الضريع.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الضريع شَيْء إِذا وَقعت عَلَيْهَا الْإِبِل فأكلته هَلَكت هزلا.
وَيُقَال: الضريع هُوَ الْحِجَارَة، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن سعيد بن جُبَير وَغَيره، وَهُوَ قَول غَرِيب.
وَيُقَال: نبت فِيهِ سم.
وَفِي التَّفْسِير: أَن أهل النَّار سلط الله عَلَيْهِم الْجُوع حَتَّى يعدل بِمَا هم فِيهِ من الْعَذَاب، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بالضريع، ثمَّ يستغيثون فَيُغَاثُونَ بِطَعَام [ذِي] غُصَّة، ثمَّ يذكرُونَ أَنهم كَانُوا فِي الدُّنْيَا يدْفَعُونَ الغصة بِالْمَاءِ، فَيَسْتَغِيثُونَ فيتركون ألف سنة يستسقون ثمَّ يسقون الْحَمِيم

وَقَوله: ﴿لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع﴾ روى أَن الْمُشْركين قَالُوا: إِن إبلنا تسمن على الضريع، وَقد كذبُوا فِي ذَلِك، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناعمة﴾ أَي: ذَات نعْمَة.

وَقَوله: ﴿لسعيها راضية﴾ أَي: مرضية.

وَقَوله: ﴿فِي جنَّة عالية لَا تسمع فِيهَا لاغية﴾ أَي: لَغوا فاعلة بِمَعْنى الْمصدر، وَهُوَ

( ﴿10) لَا تسمع فِيهَا لاغية (11) فِيهَا عين جَارِيَة (12) فِيهَا سرر مَرْفُوعَة (13) وأكواب مَوْضُوعَة (14) ونمارق مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) أَفلا﴾ . فِي معنى قَوْله: ﴿لَا تسمع فِيهَا لَغوا وَلَا تأثيما﴾ .

وَقَوله: ﴿فِيهَا عين جَارِيَة﴾ قد قد بَينا من قبل.

وَقَوله: ﴿فِيهَا سرر مَرْفُوعَة﴾ أَي: مُرْتَفعَة عَن أَرض الْجنَّة.
وَيُقَال فِي التَّفْسِير: السرر مُرْتَفعَة، عَلَيْهَا فرش محشوة، كل فرش كجنبذ.
وَفِيه أَيْضا أَنَّهَا تتطامن لِلْمُؤمنِ، فَإِذا صعد عَلَيْهَا ارْتَفَعت.

وَقَوله: ﴿وأكواب مَوْضُوعَة﴾ قد بَينا معنى الأكواب، وَهِي الأباريق الَّتِي لَا خراطيم لَهَا.

وَقَوله: ﴿ونمارق مصفوفة﴾ أَي: وسائد صف بَعْضهَا إِلَى بعض، قَالَ الشَّاعِر: (وَإِنَّا لنجري الكأس بَين شروبنا ... وَبَين أبي قَابُوس فَوق النمارق)

وَقَوله: ﴿وزرابي مبثوثة﴾ أَي: بسط، وَاحِدهَا زربية.
وَقَوله: ﴿مبثوثة﴾ مُتَفَرِّقَة، وَمعنى المتفرقة: أَنَّهَا قد فرقت فِي الْمجَالِس، وفرشت الْمجَالِس بهَا.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَفلا ينظرُونَ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَلِيق هَذَا بِالْأولِ؟ . وَالْجَوَاب: أَن النَّبِي لما ذكر لَهُم مَا أوعده الله للْكفَّار ووعده للْمُؤْمِنين استبعدوا ذَلِك غَايَة الاستبعاد.
وَقَالُوا: لَا نفهم حَيَاة بعد الْمَوْت، وَلَا نَدْرِي وَعدا وَلَا وعيدا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَذكر لَهُم من الدَّلَائِل مَا هِيَ مجْرى أَبْصَارهم.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ - رَضِي الله عَنْهُم - ذكر الله تَعَالَى هَذِه الْأَرْبَع وَهِي الْإِبِل، وَالسَّمَاء، وَالْأَرْض، وَالْجِبَال، وخصها بِالذكر من بَين سَائِر الْأَشْيَاء؛ لِأَن الْأَعرَابِي إِذا ركب بعيره، وَخرج إِلَى الْبَريَّة،

﴿ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت (17) وَإِلَى السَّمَاء كَيفَ رفعت (18) وَإِلَى الْجبَال كَيفَ نصبت (19) وَإِلَى الأَرْض كَيفَ سطحت (20) فَذكر إِنَّمَا أَنْت مُذَكّر (21) لست عَلَيْهِم بمسيطر (22) إِلَّا من تولى وَكفر (23) فيعذبه الله﴾ فَلَا يرى إِلَّا بعيره الَّذِي هُوَ رَاكِبه، وَالسَّمَاء الَّتِي فَوْقه، وَالْأَرْض الَّتِي تَحْتَهُ، وَالْجِبَال الَّتِي هِيَ نصب عينه.
وَقَوله: ﴿إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت﴾ فِي الْإِبِل من أعجوبة الْخلق مَا لَيْسَ فِي غَيرهَا؛ لِأَنَّهَا مَعَ كبرها وعظمها تنقاد لكل وَاحِد يَقُودهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تبرك وَيحمل عَلَيْهِ الْحمل الثقيل، وَتقوم من بروكها، وَلَا يُوجد هَذَا فِي غَيره، والطفل الصَّغِير يَقُودهُ فينقاد، وينخه فيستنخ.
وَفِي بعض الحكايات أَن فارة جرت بزمام بعير، وَدخلت جحرها، فَنزل الْبَعِير، وَجَرت الْفَأْرَة الزِّمَام، فَوضع فاها على الْجُحر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَى السَّمَاء كَيفَ رفعت وَإِلَى الْجبَال كَيفَ نصبت وَإِلَى الأَرْض كَيفَ سطحت﴾ أَي: بسطت.
وَعَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء: أَن قَوْله: ﴿إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت﴾ أَنَّهَا السَّحَاب، وَهُوَ قَول شَاذ، وَيجوز أَن يحمل هَذَا على هَذَا إِذا شدد وَمد.
وَقُرِئَ فِي الشاذ بِالتَّشْدِيدِ.
وَقَالَ الْمبرد: قد قيل الْإِبِل: الْقطع الْعِظَام من السَّحَاب، يُقَال: فلَان يوبل على فلَان أَي: يكبر عَلَيْهِ ويعظم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَذكر إِنَّمَا أَنْت مُذَكّر﴾ فِي التَّفْسِير: أَنه عظة لِلْمُؤمنِ، وَحجَّة على الْكَافِر، وَيُقَال: ذكر أَي: اذكر دَلَائِل تَوْحِيد الله تَعَالَى، وَمَا أنعم عَلَيْهِ من النِّعْمَة.

وَقَوله: ﴿لست عَلَيْهِم بمسيطر﴾ أَي: بمسلط، وَقيل: إِن هَذَا قبل آيَة السَّيْف، فَأَما بعد نُزُولهَا فقد سلط عَلَيْهِم.

وَقَوله: ﴿إِلَّا من تولى وَكفر﴾ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع كَأَنَّهُ قَالَ: لَكِن من تولى وَكفر ﴿فيعذبه الله الْعَذَاب الْأَكْبَر﴾ .

وَقَوله: ﴿إِن إِلَيْنَا إيابهم﴾ أَي: رجوعهم، يُقَال: آب يئوب إِذا رَجَعَ، قَالَ الشَّاعِر: (وكل ذِي غيبَة يئوب ... وغائب الْمَوْت لَا يؤوب)

﴿الْعَذَاب الْأَكْبَر (24) إِن إِلَيْنَا إيابهم (25) ثمَّ إِن علينا حسابهم (26) ﴾ .

وَقَوله: (ثمَّ إِن علينا حسابهم) أَي: فِي الْقِيَامَة.
فَإِن قيل: قَالَ: ﴿لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع﴾ ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْم هَاهُنَا حميم وَلَا طَعَام إِلَّا من غسلين﴾ فَكيف وَجه الْجمع بَينهمَا؟ . وَالْجَوَاب من وُجُوه: أَحدهَا: أَن الضريع والغسلين وَاحِد.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن هَذَا لقوم، وَذَاكَ لقوم آخَرين.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن الغسلين طَعَام لَا ينفع، وَلَا يغنيهم من شَيْء، فَوضع الضريع مَوضِع ذَلِك؛ أَن الْكل بِمَعْنى وَاحِد، ذكره النّحاس، وَالله أعلم.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿وَالْفَجْر (1) وليال عشر (2) وَالشَّفْع وَالْوتر (3) ﴾ تَفْسِير سُورَة الْفجْر

وَهِي مَكِّيَّة

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْفَجْر﴾ روى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس: أَنه فجر الْمحرم، وَذَلِكَ أول يَوْم مِنْهُ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ: أَنه فجر يَوْم النَّحْر، وَيُقَال: هُو

فِي كل الْأَيَّام.

وَقَوله: ﴿وليال عشر﴾ أَكثر الْأَقَاوِيل: أَنَّهَا عشر ذِي الْحجَّة، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة: أَنَّهَا الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان، وَعَن مَسْرُوق: أَنَّهَا الْعشْر الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى فِي قصَّة مُوسَى: ﴿وأتممناها بِعشر﴾ وَعَن بَعضهم: أَنَّهَا الْعشْر الأول من الْمحرم.

وَقَوله: ﴿وَالشَّفْع وَالْوتر﴾ روى عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي: " (أَنه) الصَّلَاة، مِنْهَا شفع، وَمِنْهَا وتر " رَوَاهُ أَبُو عِيسَى فِي جَامعه.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الشفع هُوَ يَوْم نحر، وَالْوتر يَوْم عَرَفَة، وروى بَعضهم هَذَا مَرْفُوعا

﴿وَاللَّيْل إِذا يسر (4) هَل فِي ذَلِك قسم لذِي حجر (5) ﴾ إِلَى النَّبِي.
وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا.
وَهُوَ قَول مَعْرُوف.
وَعَن ابْن الزبير: أَن الشفع هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن تعجل فِي يَوْمَيْنِ﴾ فاليومان الْأَوَّلَانِ من أَيَّام الرَّمْي شفع، وَالْيَوْم الثَّالِث وتر.
وروى هشيم، عَن مُغيرَة، عَن إِبْرَاهِيم أَن الشفع هُوَ الزَّوْج، وَالْوتر هُوَ الْفَرد.
قَالَ مُجَاهِد: هُوَ الْعدَد كُله، مِنْهُ الشفع، وَمِنْه الْوتر، وَهُوَ قريب من قَول إِبْرَاهِيم.
وَعَن عَطاء قَالَ: الشفع هُوَ عشر ذِي الْحجَّة، وَالْوتر أَيَّام التَّشْرِيق.
وَعَن جمَاعَة أَنهم قَالُوا: الشفع هُوَ الْخلق، وَالْوتر هُوَ الله تَعَالَى.
وَيُقَال: الشفع هُوَ آدم وحواء، وَالْوتر هُوَ الله.
وَقُرِئَ " وَالْوتر " بِالْفَتْح، وَقَالَ أهل اللُّغَة: بِالْفَتْح وَالْكَسْر بِمَعْنى وَاحِد.

وَقَوله: ﴿وَاللَّيْل إِذا يسر﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: إِذا أقبل، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِذا اسْتَوَى، وَعَن بَعضهم: " إِذا يسر " يَعْنِي: إِذا يُسرى فِيهِ، فَيذْهب بعضه فِي إِثْر بعض، وَقيل يُسرى فِيهِ.
وَقد أول بليلة جمع، وَهِي لَيْلَة يَوْم النَّحْر.

وَقَوله: ﴿هَل فِي ذَلِك قسم لذِي حجر﴾ أَي: لذِي عقل.
وَقَالَ الْفراء: " لذِي حجر " أَي: لمن كَانَ ضابطا لنَفسِهِ قاهرا لهواه.
وَيُقَال: " لذِي حجر " أَي لذِي حكم، والحَجْر فِي اللُّغَة: هُوَ الْمَنْع، والحِجْر مَأْخُوذ مِنْهُ، وسمى

﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بعاد (6) إرم ذَات الْعِمَاد (7) ﴾ الْعقل حِجرا؛ لِأَنَّهُ يمْنَع الْإِنْسَان من القبائح، وَهَذَا لتأكيد الْقسم، وَلَيْسَ بمقسم عَلَيْهِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بعاد إرم﴾ هُوَ أَبُو عَاد؛ لأَنهم قَالُوا: هُوَ عَاد ابْن إرم بن عوص بن سَام بن نوح، وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ اسْم بَلْدَة، وَلِهَذَا لم يصرف، فَإِن قُلْنَا: هُوَ اسْم رجل، فَلم نصرفه؛ لِأَنَّهَا اسْم أعجمي.
وَعَن مَالك بن أنس: أَن إرم كورة دمشق.
وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: أَنه الْإسْكَنْدَريَّة.
وَقَوله: ﴿ذَات الْعِمَاد﴾ أَي: ذَات الْبناء الرفيع، هَذَا إِذا قُلْنَا: إِن إرم اسْم بَلْدَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله ﴿ذَات الْعِمَاد﴾ أَي: ذَات الْأَجْسَام الطوَال.
يُقَال: رجل معمد إِذا كَانَ طَويلا، فعلى هَذَا عَاد اسْم الْقَبِيلَة، فَقَوله: ﴿ذَات الْعِمَاد﴾ منصرف إِلَى الْقَبِيلَة.
وَفِي الْقِصَّة: أَن طول الطَّوِيل مِنْهُم كَانَ خَمْسمِائَة ذِرَاع، والقصير ثلثمِائة.
وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يتَّخذ المصراع من الْحجر، فَلَا يَنْقُلهُ خَمْسمِائَة نفر مِنْكُم، وَقَالَ مُجَاهِد: ذَات عماد أَي: ذَات عَمُود، وَالْمعْنَى: أَنهم أهل خيام لَا يُقِيمُونَ فِي مَوضِع وَاحِد، بل ينتجعون لطلب الْكلأ أَي: ينتقلون من مَوضِع إِلَى مَوضِع، وَقَالَ الضَّحَّاك: ذَات الْعِمَاد أَي: ذَات الْقُوَّة، مَأْخُوذ من قُوَّة الأعمدة.
وَفِي الْقِصَّة: أَن عاج بن عوج كَانَ مِنْهُم.
وَذكر النقاش: أَن طول مُوسَى كَانَ سَبْعَة أَذْرع، وَعَصَاهُ سَبْعَة أَذْرع، ووثب سَبْعَة أَذْرع، فَأصَاب كَعْب عاج بن عوج فَقتله.
وَفِيمَا نقل فِيهِ أَيْضا فِي الْقَصَص: أَن ضلعا من أضلاعه جسر أهل مصر كَذَا كَذَا سنة أَي: كَانَ جِسْرًا لَهُم وَهُوَ على النّيل، وَفِي التَّفْسِير أَن عادا اثْنَان: عادا الأولى، وعادا الْأُخْرَى، فَعَاد الأولى عَاد إرم، وَعَاد الثَّانِيَة هُوَ عَاد الْمَعْرُوفَة، وَهُوَ الَّذِي أرسل إِلَيْهِم هود النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام.
قَالَ ابْن قيس الرقيات:

﴿الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد (8) وَثَمُود الَّذين جابوا الصخر بالواد (9) وَفرْعَوْن ذِي الْأَوْتَاد (10) الَّذين طغوا فِي الْبِلَاد (11) فَأَكْثرُوا فِيهَا الْفساد (12) فصب عَلَيْهِم رَبك سَوط عَذَاب (13) إِن رَبك لبالمرصاد (14) ﴾ (مجدا تليدا بناه أَوله ... أدْرك عادا وَقَبله إرما)

وَقَوله: ﴿الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد﴾ أَي: لم يخلق مثل (أجسامهم) فِي الْبِلَاد.
وَفِي رِوَايَة أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود: " الَّذين لم يخلق مثلهم فِي الْبِلَاد ".

وَقَوله: ﴿وَثَمُود الَّذين جابوا الصخر بالواد﴾ قطعُوا ونقبوا، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانُوا ينحتون من الْجبَال بُيُوتًا آمِنين﴾ .

وَقَوله: ﴿وَفرْعَوْن ذِي الْأَوْتَاد﴾ يُقَال: كَانَ لَهُ أَرْبَعَة أوتاد، فَإِذا غضب على إِنْسَان وعذبه زند يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ على الأَرْض بِتِلْكَ الْأَوْتَاد.
فِي الْقِصَّة: أَنه عذب امْرَأَته آسِيَة بِمثل هَذَا الْعَذَاب، وَوضع على صدرها صَخْرَة حَتَّى مَاتَت، وَعَن بَعضهم: أَنه كَانَ لَهُ أَربع أساطين، يشد الرجل بيدَيْهِ وَرجلَيْهِ بهَا.
وَقيل: ذِي الْأَوْتَاد أَي: ذِي الْملك الشَّديد، قَالَ الشَّاعِر: (فِي ظلّ ملك ثَابت الْأَوْتَاد ... )

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل