يوسف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْن﴾ مَعْنَاهُ: فَأَعْرض، وَقيل: ولى الْأَمر فِرْعَوْن.
وَقَوله: ﴿فَجمع كَيده﴾ أَي: مكره وحيلته.
وَقَوله: ﴿ثمَّ أَتَى﴾ أَي: ثمَّ أَتَى بالموعد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَهُم مُوسَى وَيْلكُمْ لَا تفتروا على الله كذبا﴾ قَالَ الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس: جمع فِرْعَوْن سبعين ألفا من السَّحَرَة، وَذكر مقَاتل: حمس عشرَة ألفا، وَذكر بَعضهم: نيفا وَسبعين رجلا، وَهُوَ قَول مَعْرُوف.
﴿وَقد خَابَ من افترى (61) فتنازعوا أَمرهم بَينهم وأسروا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِن﴾
وَقَوله: ﴿وَيْلكُمْ لَا تفتروا عَليّ كذبا﴾ أَي: لَا تختلقوا على الله كذبا، مَعْنَاهُ: لَا تكذبوا على الله.
وَقَوله: ﴿فيسحتكم بِعَذَاب﴾ بِنصب الْيَاء، وقرىء: " فيسحتكم " بِرَفْع الْيَاء، وَمَعْنَاهُ: الاستئصال أَي: يستأصلكم بِالْعَذَابِ، قَالَ الفرزدق شعرًا:
(وعض زمَان يَا بن مَرْوَان لم يدع ... من المَال إِلَّا مسحتا أَو مجلف)
وَفرق بَعضهم بَين الرّفْع وَالْفَتْح؛ فَقَالَ: هُوَ بِالنّصب أَن لَا يبْقى شَيْء، وبالرفع أَن يبْقى بَقِيَّة، وَالأَصَح أَن لَا فرق.
وَقيل: فيسحتكم، أَي: (شهد) لكم.
وَقَوله: ﴿وَقد خَابَ من افترى﴾ أَي: خسر وَهلك من افترى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتنازعوا أَمرهم بَينهم وأسروا النَّجْوَى﴾ قَالَ قَتَادَة: هَذَا ينْصَرف إِلَى السَّحَرَة، وإسرارهم النَّجْوَى أَنهم قَالُوا: إِن كَانَ مَا يَأْتِي بِهِ مُوسَى سحرًا، فسنغلبه، وَإِن غلبنا فَلهُ أَمر، وَرُوِيَ أَنهم قَالُوا: إِن غلبنا اتبعناه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِن هَذَانِ لساحران﴾ اعْلَم أَن هَذِه الْآيَة مشكلة فِي الْعَرَبيَّة، وفيهَا ثَلَاث قراءات: قَرَأَ أَبُو عَمْرو: " إِن هذَيْن لساحران "، وَقَرَأَ حَفْص: " إِن هَذَانِ لساحران "، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: " إِن هَذَانِ لساحران ". أما قِرَاءَة أبي عَمْرو: فَهِيَ المستقيمة على ظَاهر الْعَرَبيَّة، وَزعم أَبُو عَمْرو أَن " هَذَانِ " غلط من الْكَاتِب فِي الْمُصحف.
وَعَن عُثْمَان - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: أرى فِي الْمُصحف لحنا، (تستقيمه) الْعَرَب بألسنتها.
وَمثله عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا -.
وَأما قِرَاءَة حَفْص: فَهِيَ مُسْتَقِيمَة أَيْضا على الْعَرَبيَّة؛ لِأَن إِن مُخَفّفَة يكون مَا بعْدهَا مَرْفُوعا، وَمَعْنَاهُ: مَا هَذَانِ إِلَّا ساحران.
وَأما قِرَاءَة الْأَكْثَرين - وَهُوَ الْأَصَح - قَالَ الزّجاج: لَا نرضى قِرَاءَة أبي عَمْرو فِي هَذِه الْآيَة؛ لِأَنَّهَا خلاف الْمُصحف، وَأما وَجه قَوْله: ﴿إِن هَذَانِ﴾ فَلهُ وُجُوه فِي الْعَرَبيَّة: أما القدماء من النَّحْوِيين فَإِنَّهُم قَالُوا: " هُوَ على تَقْدِير: إِنَّه هَذَانِ، فَحذف الْهَاء، وَمثله كثير فِي الْعَرَبيَّة، وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن هَذَا لُغَة كنَانَة وخثعم (وزبيد) ، وَقَالَ الْكسَائي: لُغَة بلحارث بن كَعْب من كنَانَة، وَأنْشد الْكسَائي شعرًا:
(تزَود مني بَين أذنَاهُ ضَرْبَة ... دَعَتْهُ إِلَى هَذِه التُّرَاب عقيم)
وَأنْشد غَيره:
(إِن أَبَاهَا وَأَبا أَبَاهَا قد ... بلغا فِي الْمجد غايتاها)
وأنشدوا أَيْضا:
(أَي قلُوص رَاكب ترَاهَا ... طاروا علاهن فطر علاها)
أَي: عَلَيْهِنَّ.
قَالَ الْكسَائي: على هَذِه اللُّغَة يَقُولُونَ: أَتَانِي الزيدان، وَرَأَيْت الزيدان، ومررت بالزيدان، وَلَا يتركون ألف التَّثْنِيَة فِي شَيْء مِنْهَا.
وَأما الْوَجْه الثَّالِث، هُوَ أصح الْوُجُوه، فَإِن الْقُرْآن لَا يحمل على اللُّغَة الْبَعِيدَة؛ وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿إِن هَذَانِ﴾ أَي: نعم هَذَانِ، قَالَ الشَّاعِر:
(بكر العواذل فِي الصَّباح ... يلمنني وألومهن)
(وَيَقُلْنَ شيب قد علاك ... وَقد كَبرت فَقلت إِنَّه)
﴿هَذَانِ لساحران يُريدَان أَن يخرجاكم من أَرْضكُم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فَأَجْمعُوا كيدكم ثمَّ ائْتُوا صفا﴾
أَي: نعم
وَرُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا أَتَى عبد الله بن الزبير يطْمع شَيْئا، فَلم (يحصل) لَهُ طمعه، فَقَالَ الْأَعرَابِي: لعن الله نَاقَة حَملتنِي إِلَيْك، فَقَالَ ابْن الزبير: إِن، وصاحبها، أَي: نعم.
وَفِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب: " إِن ذَاك إِلَّا ساحران "، وَهِي شَاذَّة.
وَقَوله: ﴿يُريدَان أَن يخرجاكم من أَرْضكُم بسحرهما﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ أَي: بالطريقة المستقيمة الَّتِي أَنْتُم عَلَيْهَا، وَكَانُوا يظنون أَنهم على دين مُسْتَقِيم، والمثلى تَأْنِيث الأمثل.
وَأما ابْن عَبَّاس قَالَ: بطريقتكم المثلى أَي: الرِّجَال الْأَشْرَاف.
وَقَالَ قَتَادَة: أَرَادَ بِهِ بني إِسْرَائِيل، وَكَانُوا أهل يسَار (وَعزة) .
فَقَالُوا: يُريدَان أَن يذهبا بهؤلاء.
وَالْعرب تَقول: هَؤُلَاءِ طَريقَة الْقَوْم أَي: أَشْرَافهم.
وَمِنْهُم من قَالَ: مَعْنَاهُ أهل طريقتكم المثلى.
وَقَوله: ﴿فَأَجْمعُوا كيدكم﴾ وقرىء بالوصل: " فاجمعوا ". أما قَوْله: ﴿فَأَجْمعُوا﴾ بِالْقطعِ فَمَعْنَاه: الْعَزِيمَة والإحكام.
قَالَ الْأَزْهَرِي: تَقْدِيره: اعزموا كلكُمْ على كَيده مُجْتَمعين لَهُ، وَلَا تختلفوا فيختل أَمركُم.
وَأما قَوْله: " فاجمعوا " بالوصل، مَعْنَاهُ: جيئوا بِكُل كيد لكم؛ لتعارضوا مُوسَى.
وَقَوله: ﴿ثمَّ ائْتُوا صفا﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مصطفين، وَقَالَ غَيره: الصَّفّ هُوَ
﴿وَقد أَفْلح الْيَوْم من استعلى (64) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون أول من ألْقى (65) قَالَ بل ألقوا فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى (66) فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى (67) [الْمصلى] ، وَمَعْنَاهُ: ثمَّ ائْتُوا الْمَكَان الْمَوْعُود.
وَقَوله: {وَقد أَفْلح الْيَوْم من استعلى﴾ أَي: سعد وفاز من كَانَت لَهُ الْغَلَبَة فِي الْيَوْم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون أول من ألْقى﴾ مَعْنَاهُ: اختر، إِمَّا أَن تلقي أَنْت أَولا، أَو نلقي نَحن أَولا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ بل ألقوا﴾ يَعْنِي: ابتدءوا أَنْتُم بالإلقاء.
فَإِن قَالَ قَائِل: إلقاؤهم كَانَ كفرا وسحرا، فَهَل يجوز أَن يَأْمُرهُم مُوسَى بالإلقاء الَّذِي هُوَ سحر وَكفر؟ الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذَا أَمر بِمَعْنى الْخَبَر، وَمَعْنَاهُ: إِن كَانَ إلقاؤكم عنْدكُمْ حجَّة فَألْقوا، وَالثَّانِي: أَنه أَمرهم بالإلقاء على قصد إبِْطَال سحرهم بِمَا يلقى من عَصَاهُ، وَهَذَا جَائِز.
وَقَوله: ﴿فَإِذا حبالهم وعصيهم يخيل إِلَيْهِ من سحرهم أَنَّهَا تسْعَى﴾ وقرىء بِالْيَاءِ وَالتَّاء " تخيل "، فَمن قَرَأَ بِالتَّاءِ، فَهُوَ رَاجع إِلَى العصي والحبال، فأنثت لِأَنَّهَا جمع، وَأما بِالْيَاءِ فَيَنْصَرِف إِلَى الْإِلْقَاء.
وَفِي الْقِصَّة: أَنهم لما ألقوا الحبال والعصي رأى مُوسَى وَالْقَوْم كَأَن الأَرْض امْتَلَأت حيات، وَهِي تسْعَى أَي: تذْهب وتجيء.
وَاعْلَم أَن التخايل مَا لَا أصل لَهُ.
وَيُقَال: إِنَّهُم أخذُوا بأعين النَّاس، فظنوا وَحَسبُوا أَنَّهَا حيات، وَقيل: إِن حبالهم وعصيهم أخذت ميلًا من هَذَا الْجَانِب، وميلا من ذَلِك الْجَانِب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى﴾ أَي: وجد فِي نَفسه خيفة، وَاخْتلفُوا فِي هَذَا الْخَوْف على قَوْلَيْنِ:
﴿قُلْنَا لَا تخف إِنَّك أَنْت الْأَعْلَى (68) وألق مَا فِي يَمِينك تلقف مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى (69) فألقي السَّحَرَة سجدا قَالُوا آمنا بِرَبّ﴾ أَحدهمَا: أَنه خوف البشرية، وَالْآخر: خَافَ على الْقَوْم أَن يلتبس عَلَيْهِم الْأَمر، فَلَا يُؤمنُوا، وَيُقَال: خَافَ على قومه أَن يشكوا، فيرجعوا عَن الْإِيمَان.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْنَا لَا تخف إِنَّك أَنْت الْأَعْلَى﴾ أَي: الْغَلَبَة وَالظفر لَك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وألق مَا فِي يَمِينك تلقف مَا صَنَعُوا﴾ أَي: تلتقم وتبتلع.
وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا فتحت فاها، فابتلعت كل مَا كَانَ يمر من العصي والحبال، وَفرْعَوْن يضْحك ويظن أَنه سحر، ثمَّ قصدت قبَّة فِرْعَوْن، وَكَانَ طولهَا فِي الْهَوَاء [أَرْبَعِينَ] ذِرَاعا، ففتحت فاها على قدر ثَمَانِينَ ذِرَاعا، وأرادت أَن تلتقم الْقبَّة، فَنَادَى فِرْعَوْن: يَا مُوسَى، بِحَق التربية، قَالَ: فجَاء فَأَخذهَا، فَعَادَت عَصا على مَا كَانَت.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر﴾ قرىء " سَاحر "، وقرىء " سحر "، فَقَوله: ﴿كيد سَاحر﴾ أَي: حِيلَة سَاحر.
وَقَوله: ﴿كيد سحر﴾ أَي: حِيلَة من سحر.
وَقَوله: ﴿وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ فِي التَّفْسِير أَن مَعْنَاهُ: أَيْن وجد قتل.
وَفِي بعض المسانيد عَن جُنْدُب بن عبد الله، أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا أَخَذْتُم السَّاحر فَاقْتُلُوهُ، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿فألقي السَّحَرَة سجدا﴾ قد بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿قَالُوا آمنا بِرَبّ هَارُون ومُوسَى﴾ أَي: بإله هَارُون ومُوسَى، وَقدم هَارُون على مُوسَى على وفْق رُءُوس الْآي.
﴿هرون ومُوسَى (70) قَالَ آمنتم لَهُ قبل أَن آذن لكم إِنَّه لكبيركم الَّذِي علمكُم السحر فلأقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل ولتعلمن أَيّنَا أَشد عذَابا وَأبقى (71) قَالُوا لن نؤثرك على مَا جَاءَنَا من الْبَينَات وَالَّذِي فطرنا فَاقْض مَا أَنْت﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ آمنتم لَهُ قبل أَن آذن لكم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿إِنَّه لكبيركم الَّذِي علمكُم السحر﴾ أَي: معلمكم الَّذِي علمكُم السحر.
وَحكى الْكسَائي أَن الْعَرَب تَقول: رجعت من عِنْد كبيري أَي: معلمي.
وَقَوله: ﴿فلأقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ مَعْنَاهُ: على جُذُوع النّخل، وَذكر كلمة فِي؛ لِأَن المصلوب يصلب مستطيلا على الْجذع؛ فالجذع يشْتَمل عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿ولتعلمن أَيّنَا أَشد عذَابا وَأبقى﴾ أَي: أَنا أقوى أَو رب مُوسَى؟ وَذكر الْكَلْبِيّ: أَن فِرْعَوْن قطع أَيْديهم وأرجلهم وصلبهم، وَذكر غَيره: أَنه لم يقدر عَلَيْهِم، وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: ﴿لَا يصلونَ إلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمن اتبعكما الغالبون﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا لن نؤثرك﴾ أَي: لن نختارك.
﴿على مَا جَاءَنَا من الْبَينَات﴾ أَي: الدلالات؛ وَكَانَ استدلالهم أَنهم قَالُوا: إِن كَانَ هَذَا سحر، فَأَيْنَ حبالنا وعصينا؟ وَقيل: من الْبَينَات أَي: الْيَقِين وَالْعلم.
وَقَوله: ﴿وَالَّذِي فطرنا﴾ . فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: (وَقَوله) وَلنْ نؤثرك على الَّذِي فطرنا، وَالْآخر: أَنه قسم.
وَقَوله: ﴿فَاقْض مَا أَنْت قَاض﴾ أَي: فَاصْنَعْ مَا أَنْت صانع.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا تقضي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: أَمرك وسلطانك فِي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا، وسيزول عَن قريب.
﴿قَاض إِنَّمَا تقضي هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وَمَا أكرهتنا عَلَيْهِ من السحر وَالله خير وَأبقى (73) إِنَّه من يَأْتِ ربه مجرما فَإِن لَهُ جَهَنَّم لَا يَمُوت فِيهَا﴾
وَقَوله: ﴿إِنَّا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا﴾ أَي: ذنوبنا.
وَقَوله: ﴿وَمَا أكرهتنا عَلَيْهِ من السحر﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَقد جَاءُوا مختارين، وحلفوا بعزة فِرْعَوْن أَن لَهُم الْغَلَبَة على مَا ذكر فِي مَوضِع آخر؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: كَانَ فِرْعَوْن يجْبر قوما على تعلم السحر؛ لكيلا يذهب أَصله، وَكَانَ قد أكرههم فِي الِابْتِدَاء على تعلمه، فأرادوا بذلك.
وَقَوله: ﴿وَالله خير وَأبقى﴾ قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب مَعْنَاهُ: وَالله خير ثَوابًا إِن أطيع، وَأبقى عقَابا إِن عصي.
يُقَال: إِن أَمر السُّلْطَان إِكْرَاه؛ فَلهَذَا قَالُوا: وَمَا أكرهتنا عَلَيْهِ من السحر، لما سجدوا أَرَاهُم الله تَعَالَى مواضعهم فِي الْجنَّة، وَمَا أعد لَهُم من الثَّوَاب والكرامة، فَلَمَّا رفعوا رُءُوسهم وَقد [رَأَوْا] قَالُوا مَا قَالُوا.
وَعَن عِكْرِمَة: أَصْبحُوا وهم سحرة، وأمسوا وهم شُهَدَاء.
وَرُوِيَ أَن الْحسن كَانَ إِذا بلغ إِلَى هَذِه الْآيَة قَالَ: عجبا لقوم كَافِرين سحرة من أَشد النَّاس كفرا، رسخ الْإِيمَان فِي قُلُوبهم حِين قَالُوا مَا قَالُوا، وَلم يبالوا بِعَذَاب فِرْعَوْن، وَترى الرجل من هَؤُلَاءِ يصحب الْإِيمَان سِتِّينَ سنة، ثمَّ يَبِيعهُ بِثمن يسير.
وَفِي الْقِصَّة: أَن امْرَأَة فِرْعَوْن كَانَت تستخبر فِي ذَلِك الْيَوْم لمن الْغَلَبَة، فَلَمَّا أخْبرت أَن الْغَلَبَة كَانَت لمُوسَى، أظهرت الْإِيمَان لله، فَذكر ذَلِك لفرعون، فَبعث قوما، وَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى أعظم صَخْرَة، فَإِن أصرت على قَوْلهَا، فَألْقوا عَلَيْهَا الصَّخْرَة، فأراها الله تَعَالَى موضعهَا من الْجنَّة، وَقبض روحها، فَجَاءُوا وألقوا الصَّخْرَة على جَسَد ميت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه من يَأْتِ ربه مجرما﴾ قَالَ بَعضهم: هَذَا من قَول السَّحَرَة، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ ابْتِدَاء كَلَام من الله تَعَالَى.
قَوْله: ﴿مجرما﴾ أَي: مُشْركًا.
وَقَوله: ﴿فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ أَي: لَا يحيا حَيَاة ينْتَفع بهَا،
﴿وَلَا يحيى (74) وَمن يَأْته مُؤمنا قد عمل الصَّالِحَات فَأُولَئِك لَهُم الدَّرَجَات العلى (75) جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء من تزكّى (76) وَلَقَد أَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَن أسر بعبادي فَاضْرب لَهُم طَرِيقا فِي الْبَحْر يبسا لَا﴾ وَلَا يَمُوت فيستريح، وَيُقَال: إِن أَرْوَاحهم تكون معلقَة بحناجرهم، لَا تخرج فيموتون، وَلَا تَسْتَقِر فِي موضعهَا فيحيون، قَالَ الشَّاعِر: (أَلا من لنَفس تَمُوت فينقضي ... شقاها وَلَا تحيا حَيَاة لَهَا طعم)
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يَأْته مُؤمنا قد عمل الصَّالِحَات﴾ أَي: أدّى الْفَرَائِض.
قَالَ الْحسن: من أدّى الفراض فقد اسْتكْمل الْإِيمَان، وَمن لم يؤد الْفَرَائِض فَلم يستكمل الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك لَهُم الدَّرَجَات العلى﴾ جمع الْعليا، والعليا تَأْنِيث الْأَعْلَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿جنَّات عدن﴾ قد بَينا هَذَا من قبل، وَفِي بعض التفاسير عَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: جنَّة عدن قصر لَهُ عشرَة آلَاف بَاب، لَا يعلم سعتها إِلَّا الله وَيُقَال: نهر فِي الْجنَّة على حافتيه قُصُور الْجنان.
وَقَوله: ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿خَالِدين فِيهَا﴾ أَي: مقيمين فِيهَا.
وَقَوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاء من تزكّى﴾ أَي: تَطْهِير من الذُّنُوب، وَقيل: جَزَاء من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَن أسر بعبادي﴾ أَي: سر بهم لَيْلًا.
وَقَوله: ﴿فَاضْرب لَهُم طَرِيقا فِي الْبَحْر يبسا﴾ أَي: ذَا يبس، وَقيل: يَابسا، أَي: لَا ندوة فِيهِ، وَلَا بَلل.
﴿تخَاف دركا وَلَا تخشى (77) فأتبعهم فِرْعَوْن بجُنُوده فغشيهم من اليم مَا غشيهم (78) وأضل فِرْعَوْن قومه وَمَا هدى (79) يَا بني إِسْرَائِيل قد أنجيناكم من عَدوكُمْ وواعدناكم جَانب الطّور الْأَيْمن ونزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى (80) كلوا﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَا تخَاف دركا وَلَا تخشى﴾ رُوِيَ أَنهم لما بلغُوا الْبَحْر قَالُوا: يَا مُوسَى، هَذَا الْبَحْر أمامنا، وَفرْعَوْن وجنده وَرَاءَنَا، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تخَاف دركا وَلَا تخشى﴾ . أَي: لَا تخَاف أَن يدركك فِرْعَوْن من ورائك، وَلَا تخشى أَن يغرقك الْبَحْر أمامك، وَقَرَأَ حَمْزَة: " وَلَا تخف " على الْأَمر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأتبعهم فِرْعَوْن بجُنُوده﴾ قرىء: " فأتبعهم "، وقرىء: " فاتبعهم " أما قَوْله: ﴿فأتبعهم﴾ أَي: بعث فِي إثرهم جُنُوده.
وَقَوله: ﴿فاتبعهم﴾ أَي: اتبعهم بجنده.
وَقَوله: ﴿فغشيهم من اليم مَا غشيهم﴾ مَعْنَاهُ: غشيهم من الْبَحْر مَا غرقهم، وَيُقَال: غشيهم من اليم مَا غشي قوم مُوسَى فنجا قوم مُوسَى، وغرقوا هم، وَيُقَال: غشيهم من اليم مَا أهلكهم.
وَقَوله: ﴿وأضل فِرْعَوْن قومه وَمَا هدى﴾ أَي: وَمَا أرشد، وَهُوَ جَوَاب لقَوْل فِرْعَوْن: ﴿وَمَا أهديكم إِلَّا سَبِيل الرشاد﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَا بني إِسْرَائِيل قد أنجيناكم من عَدوكُمْ﴾ أَي: من أعدائكم، وَيُقَال: أَرَادَ بِهِ فِرْعَوْن وَحده.
وَقَوله: ﴿وواعدناكم جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الله تَعَالَى وعد مُوسَى أَن يؤتيه كتابا من عِنْده، وَهُوَ التَّوْرَاة، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وواعدناكم جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ أَي: لإعطاء الْكتاب.
وَقَوله: ﴿ونزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى﴾ قد بَيناهُ فِي سُورَة الْبَقَرَة.