تفسير السمعانيصفحات 281-292
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هود

صفحات 281-292
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سويا (10) فَخرج على قومه من الْمِحْرَاب فَأوحى إِلَيْهِم أَن سبحوا بكرَة وعشيا (11) يَا يحيى﴾ الْآيَة، وَقد سَأَلَ الْآيَة ليَكُون زِيَادَة فِي سُكُون الْقلب.
وَقَوله: ﴿قَالَ آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سويا﴾ أَي: مُتَتَابِعَات، وَقيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَمَعْنَاهُ: أَلا يتَكَلَّم النَّاس سويا يَعْنِي: وَأَنت سوي لَا آفَة بك ثَلَاث لَيَال.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه لم يقدر أَن يتَكَلَّم مَعَ النَّاس، وَكَانَ إِذا أَرَادَ التَّسْبِيح وَذكر الله يُطلق لِسَانه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخرج على قومه من الْمِحْرَاب﴾ قد بَينا معنى الْمِحْرَاب.
وَقَوله: ﴿فَأوحى إِلَيْهِم﴾ أَي: أَوْمَأ إِلَيْهِم ﴿أَن سبحوا بكرَة وعشيا﴾ وَرُوِيَ أَنه كَانَ يَدُور على الْأَحْبَار كل يَوْم بكرَة وعشيا، وَيَأْمُرهُمْ بِالْعبَادَة وَالصَّلَاة، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِه الْأَيَّام جعل يُشِير، وَيُقَال: إِنَّه كتب حَتَّى قرءوا مِنْهُ.
وَقَالَ بعض أهل الْعلم: إِن أَخذ لِسَانه عَن الْكَلَام كَانَ عُقُوبَة عَلَيْهِ لما سَأَلَ الله تَعَالَى عَن الْآيَة بعد أَن سمع وعد الله إِيَّاه، وَالله أعلم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا يحيى﴾ قيل: يحيى مَأْخُوذ من قَوْله: (يَا) حَيّ ". وَحكى النقاش فِي تَفْسِيره: أَن " سارة " كَانَ اسْمهَا " يسارة " فسماها جِبْرِيل " سارة "، فَقَالَت: لم نقصت من اسْمِي حرفا؟ فَقَالَ: هُوَ لولد لَك يَأْتِي من بعْدك، وَكَانَ اسْم يحيى: " حَيّ " فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ على معنى أَنه حَيّ من كبيرين أيسا من الْوَلَد، ثمَّ زيد فِيهِ الْيَاء فَصَارَ " يحيى ". وَفِي الْآيَة حذف، وَمَعْنَاهُ: وهبنا لَهُ الْوَلَد ثمَّ قُلْنَا: يَا يحيى.

﴿خُذ الْكتاب بِقُوَّة وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا (12) وَحَنَانًا من لدنا وَزَكَاة وَكَانَ تقيا (13) وَبرا بِوَالِديهِ وَلم يكن جبارا عصيا (14) وَسَلام عَلَيْهِ يَوْم ولد وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يبْعَث﴾ وَقَوله: ﴿خُذ الْكتاب بِقُوَّة﴾ أَي: بجد واجتهاد.
وَقَوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا﴾ أَي النُّبُوَّة.
هَذَا قَول أَكثر الْمُفَسّرين، وَقَالَ قَتَادَة: أعْطى النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن ثَلَاث سِنِين.
وَقيل: المُرَاد من الحكم هُوَ الْعلم، فَقَرَأَ التَّوْرَاة، وَهُوَ صَغِير.
وَعَن بعض السّلف قَالَ: من قَرَأَ الْقُرْآن قبل أَن يبلغ، فَهُوَ مِمَّن أُوتِيَ الحكم صَبيا.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث رَوَاهُ أَبُو وَائِل: وَهُوَ أَن يحيى قيل لَهُ وَهُوَ صَغِير: تعال نلعب، فَقَالَ: مَا للعب خلقت ". فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَنَانًا من لدنا﴾ أَي: رَحْمَة من عندنَا، قَالَ الشَّاعِر: (أَبَا مُنْذر (أفنيت فَاسْتَبق بَعْضنَا) حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض) هُوَ مَأْخُوذ من التحنن وَهُوَ التعطف.
وَقَوله: " وَزَكَاة " أَي " طَهَارَة وتوفيقا، وَقيل: إخلاصا.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ تقيا﴾ . وَصفه بالتقوى؛ لِأَنَّهُ لم يُذنب، وَلم يهم بذنب.

وَقَوله: ﴿وَبرا بِوَالِديهِ﴾ أَي: عطوفا.
وَقَوله: ﴿وَلم يكن جبارا عصيا﴾ الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يقتل على

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَسَلام عَلَيْهِ يَوْم ولد وَيَوْم يَمُوت وَيَوْم يبْعَث حَيا﴾ خص هَذِه الْأَحْوَال بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، لِأَن هَذِه الْأَحْوَال أوحش شَيْء فَإِنَّهُ عِنْد الْولادَة يخرج من بطن

﴿حَيا (15) وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت من أَهلهَا مَكَانا شرقيا (16) فاتخذت من دونهم حِجَابا فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا (17) قَالَت إِنِّي أعوذ﴾ الْأُم على وَحْشَة شَدِيدَة، وَيَمُوت على وَحْشَة شَدِيدَة، وَيبْعَث على وَحْشَة شَدِيدَة.
وَمعنى السَّلَام هُوَ: الْأمان فِي هَذِه الْمَوَاضِع.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذا انتبذت من أَهلهَا﴾ أَي: تنحت واعتزلت.
وَقَوله: ﴿من أَهلهَا﴾ أَي: من قَومهَا.
وَقَوله: ﴿مَكَانا شرقيا﴾ أَي: من جَانب الْمشرق، وَيُقَال: كَانَ يَوْمًا شاتيا شَدِيد الْبرد، فَذَهَبت إِلَى مشرقه تفلي رَأسهَا.
وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَت طهرت من الْحيض فَذَهَبت لتغتسل.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فاتخذت من دونهم حِجَابا﴾ اخْتلف القَوْل فِي هَذَا الْحجاب: أحد الْأَقْوَال: أَنه وَرَاء جِدَار، وَقيل: وَرَاء جبل، وَالْقَوْل الثَّالِث: وَرَاء ستر.
وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَت تجردت لتغتسل.
وَقَوله: ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَنه جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، وَفِيه قَول آخر: أَن المُرَاد من الرّوح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، جَاءَ فِي صُورَة بشر، وحملت بِهِ، وَالصَّحِيح هُوَ القَوْل الأول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتمثل لَهَا بشرا سويا﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه جِبْرِيل جَاءَ فِي صُورَة غُلَام أَمْرَد وضىء الْوَجْه، (لَهُ) جعد قطط.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا﴾ يَعْنِي: أستجير بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا.
فَإِن قيل: إِنَّمَا يستعاذ بالرحمن من الشَّخْص إِذا كَانَ فَاجِرًا، فَأَما إِذا كَانَ متقيا لَا يكون مَحل الِاسْتِعَاذَة مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ متقي لَا يقدم على الْفُجُور، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن هَذَا كَقَوْل الْقَائِل: إِن كنت مُؤمنا فَلَا تظلمني، يَعْنِي أَنه يَنْبَغِي أَن

﴿بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا (19) قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر وَلم أك بغيا (20) قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين ولنجعله آيَة للنَّاس وَرَحْمَة منا وَكَانَ أمرا مقضيا (21) فَحَملته فانتبذت بِهِ﴾ يكون إيمانك مَانِعا من الظُّلم.
كَذَلِك هَاهُنَا مَعْنَاهُ: يَنْبَغِي أَن يكون تقواك مَانِعا من الْفُجُور وَقيل: إِنَّهَا شكت فِي حَاله، فَقَالَت مَا قَالَت على الشَّك، وَالْقَوْل الثَّالِث: إِن كنت متقيا يَعْنِي: مَا كنت متقيا جِئْت دخلت عَليّ فِي هَذِه الْحَالة، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن كَانَ للرحمن ولد﴾ أَي: مَا كَانَ للرحمن ولد.
وَعَن بعض السّلف أَنه قَالَ: إِن كنت متقيا علمت أَن التقى ذُو نهية أَي: ذُو عقل؟ فَلهَذَا قَالَت: إِن كنت تقيا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك﴾ . وقرىء: " ليهب لَك " فَقَوله: ﴿لأهب﴾ أضَاف إِلَى نَفسه، لِأَنَّهُ أرسل بالموهوب على يَده، وَقَوله: " ليهب " أَي: ليهب الله لَك.
وَقَوله: ﴿غُلَاما زكيا﴾ أَي: طَاهِرا صَالحا.

قَوْله: ﴿قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر﴾ أَي: زوج.
﴿وَلم أك بغيا﴾ أَي: زَانِيَة وَمَعْنَاهُ: إِن الْوَلَد يكون من نِكَاح أَو سفاح، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِد مِنْهُمَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين﴾ أَي: يسير.
وَقَوله: ﴿ولنجعله آيَة للنَّاس﴾ أَي: عَلامَة للنَّاس وَدلَالَة.
قَوْله: ﴿وَرَحْمَة منا﴾ أَي: ونعمة منا.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ أمرا مقضيا﴾ أَي: مَحْكُومًا [محتما] لَا يرد وَلَا يُبدل.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَحَملته﴾ فِي الْقِصَّة: أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام نفخ فِي جيب درعها، وَفِي رِوَايَة: فِي كم قميصها، وَفِي رِوَايَة: فِي فِيهَا، فَحملت بِعِيسَى فِي الْحَال، وَأخذ يَتَحَرَّك فِي الْبَطن.

﴿مَكَانا قصيا (22) فأجاءها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت﴾ وَقَوله: ﴿فانتبذت﴾ أَي: فتنحت وَتَبَاعَدَتْ ﴿بِهِ مَكَانا قصيا﴾ أَي: شاسعا بَعيدا.
قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ الْحمل والولادة فِي سَاعَة وَاحِدَة.
وَقَالَ غَيره: حملت بِهِ ثَمَانِيَة أشهر، وَولدت لَهَا، وَلَا يعِيش ولد فِي الْعَالم يود لثمانية أشهر، وَكَانَ هَذَا معْجزَة لعيسى.
وَفِي الْقِصَّة عَن مَرْيَم أَنَّهَا قَالَت: كنت إِذا خلوت جعل عِيسَى يحدثني، وَأَنا أحدثه وَهُوَ فِي بَطْني، وَإِذا كنت مَعَ النَّاس، وتكلمت مَعَهم أَخذ يسبح وأسمع تسبيحه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فأجاءها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة﴾ وَقَالَ أهل اللُّغَة: جاءها وأجاءها بِمَعْنى وَاحِد، كَمَا يُقَال: أذهبته وَذَهَبت بِهِ.
قَالَ مُجَاهِد: فأجاءها أَي: فألجأها.
وَفِي حرف ابْن مَسْعُود: " فأداها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة ". وَفِي بعض الْقِرَاءَة: " فاجأها " من المفاجئة، قَالَ الشَّاعِر: (وجار سَار مُعْتَمدًا عَلَيْكُم ... فاجاءته المخافة والرجاء) والمخاض: وجع الْولادَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم التجأت إِلَى جذع النَّخْلَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: لتستظل بهَا، وَالأَصَح أَنَّهَا التجأت إِلَى النَّخْلَة، لتستند إِلَيْهَا، أَو لتتمسك بهَا، فتستعين بذلك على وجع الْولادَة.
وَالدَّلِيل على أَن هَذَا القَوْل أصح، أَو أَنه من الْمَشْهُور أَن النَّخْلَة كَانَت يابسة لَا رَأس لَهَا، وَقيل: كَانَت نخرة مجوفة، وَمثل هَذَا لَا يستظل بهَا وَالصَّحِيح هُوَ القَوْل الثَّانِي.
وَعَن السّديّ أَنه قَالَ: كَانَت النَّخْلَة يابسة، فَلَمَّا هزت النَّخْلَة حييت، وأورقت وأطلعت ثمَّ صَار الطّلع بلحا، ثمَّ زهوا ثمَّ أرطبت، وتساقطت عَلَيْهَا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسيا منسيا﴾

﴿نسيا منسيا (23) فناداها من تحتهَا أَلا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا (24) وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا (25) فكلي واشربي وقري عنيا فإمَّا تَرين﴾ النسي فِي اللُّغَة: كمل مَا (إِذا) ألقِي لم يذكر وَنسي؛ لحقارته وخساسته.
وَقَوله: ﴿نسيا﴾ أَي: متروكا.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَعْنَاهُ: يَا لَيْتَني لم أخلق، وَلم أك شَيْئا.
وَعَن قَتَادَة: لم أعرف وَلم أذكر.
وَعَن مُجَاهِد قَالَ: دم حَيْضَة ملقاة.
فَإِن قيل: لم تمنت الْمَوْت؟ . وَالْجَوَاب: أَنَّهَا تمنت الْمَوْت استحياء من قَومهَا.
وَيُقَال: إِنَّهَا تمنت الْمَوْت، لِأَنَّهَا علمت أَن النَّاس يكفرون بِسَبَب ابْنهَا وبسببها، فتمنت الْمَوْت حَتَّى لَا يعْصى الله بِسَبَبِهَا وبسبب ابْنهَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فناداها من تحتهَا﴾ قرىء: " من " بِالْفَتْح وَالْكَسْر، فَأَما من قَرَأَ بِالْفَتْح فَحمل الْآيَة على أَن الْمُنَادِي كَانَ جِبْرِيل.
وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَجَمَاعَة، وَأما من قَرَأَ بِالْكَسْرِ فَحمل على أَن الْمُنَادِي هُوَ عِيسَى.
وَهَذَا قَول الْحسن وَمُجاهد، وَأظْهر الْقَوْلَيْنِ أَن الْمُنَادِي هُوَ جِبْرِيل، وَيجوز أَن تحمل القراءتان على ذَلِك.
وَفِي الْقِصَّة: أَن مَرْيَم كَانَت على أكمة، فَكَانَ جِبْرِيل وَرَاء الأكمة تحتهَا.
وَقَوله: ﴿أَلا تحزني﴾ . أَلا تغتمي بِالْولادَةِ من غير زوج وبالوحدة.
وَقَوله: ﴿قد جعل رَبك تَحْتك سريا﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن السّري هَاهُنَا هُوَ: النَّهر، وَيُسمى سريا؛ لِأَنَّهُ يسري فِيهِ المَاء، وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هُوَ نهر صَغِير.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ هُنَاكَ نهر يَابِس فَأجرى الله تَعَالَى فِيهِ المَاء، وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا القَوْل أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى: ﴿فكلي واشربي﴾ أَي: كلي من الرطب، واشربي من النَّهر، وَقَالَ الشَّاعِر فِي السّري بِمَعْنى النَّهر: (سهل الْخَلِيفَة ماجد ذِي نائل ... مثل السّري عدَّة الْأَنْهَار) وَفِي السّري قَول آخر، وَهُوَ أَنه بِمَعْنى: الشريف، وَالْمرَاد بِهِ.
عِيسَى.
قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين:

﴿من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا (26) فَأَتَت بِهِ﴾ (إِن السّري إِذا سرى بِنَفسِهِ ... وَابْن السّري إِذا سرى أسراهما)

قَوْله تَعَالَى: ﴿وهزي إِلَيْك بجذع الْخلَّة﴾ قد بَينا هَذَا من قبل، وَذكرنَا أَنَّهَا هزت وأورقت وأثمرت.
وَقَوله: ﴿تساقط عَلَيْك رطبا﴾ أَي: تتساقط، فأدغمت إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى.
والجني: هُوَ الَّذِي بلغ الْغَايَة، وَجَاء أَوَان اجتنائه.
قَالَ الْكَلْبِيّ: رطبا بغباره.
وَعَن ابْن الْمسيب بن دارم قَالَ: كَانَ برنيا، وَهِي أشْبع التَّمْر.
وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ: كَانَ عَجْوَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فكلي واشربي﴾ أَي: كل من الرطب، واشربي من النَّهر.
وَقَوله: ﴿وقري عينا﴾ أَي: طيبي نفسا.
وَمِنْه قَوْلهم: أقرّ الله عَيْنك، وَقيل: [أَن] الْعين إِذا بَكت من السرُور بالدمع يكون بَارِدًا، وَإِذا بَكت من الْحزن يكون حارا، فَمن هَذَا: أقرّ الله عَيْنك، وأسخن الله عينه.
وَقَوله: ﴿فإمَّا تَرين﴾ مَعْنَاهُ: فإمَّا تَرين، وَذكر النُّون للتَّأْكِيد.
وَقَوله: ﴿من الْبشر أحدا﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما﴾ قرىء فِي الشاذ: " صمتا ". وَالْمَعْرُوف: " صوما " وَمَعْنَاهُ هُوَ: صمت، وَيُقَال: إِنَّهَا صَامت عَن الْكَلَام وَالطَّعَام جَمِيعًا، وَقيل: كَانَ الرجل من بني إِسْرَائِيل إِذا اجْتهد فِي الْعِبَادَة صَامَ عَن الْكَلَام وَالطَّعَام جَمِيعًا.
وَالنّذر عقد على الْبر لَو تمّ أَمر.
وَقَوله: ﴿فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا﴾ أَي: أحدا.
فَإِن قيل: هِيَ تَكَلَّمت بِهَذَا، فَكيف تكون صَائِمَة عَن الْكَلَام؟ قُلْنَا: أذن لَهَا فِي هَذَا الْقدر من الْكَلَام.

﴿قَومهَا تحمله قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فريا (27) يَا أُخْت هَارُون مَا كَانَ أَبوك امْرأ﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَتَت بِهِ قَومهَا تحمله﴾ فِي الْقِصَّة أَنَّهَا ولدت ثمَّ (حَملته) فِي الْحِين إِلَى قَومهَا، وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَنَّهَا حَملته إِلَى قَومهَا بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا من وِلَادَتهَا.
وَقَوله: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فريا﴾ قَالَ مُجَاهِد: عَظِيما مُنْكرا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عجبا.
وَقيل: مختلقا مفتعلا.
وَقد رُوِيَ أَنَّهَا لما أَتَت بِعِيسَى إِلَى قَومهَا وَأهل بَيتهَا حزنوا حزنا شَدِيدا - وَكَانُوا أهل بَيت صالحين - وظنوا بهَا الظنون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أُخْت هَارُون﴾ يَا شَبيهَة هَارُون.
قَالَ قَتَادَة: وَكَانَ هَارُون رجلا عابدا فِي بني إِسْرَائِيل، وَلَيْسَ هُوَ هَارُون أَخُو مُوسَى، فشبهوها بِهِ على معنى أَنا ظننا وحسبنا (أَنَّك فِي) الصّلاح مثل هَارُون، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن المبذرين كَانُوا إخْوَان الشَّيَاطِين﴾ أَي: أشباه الشَّيَاطِين.
وَعَن كَعْب: أَن هَارُون كَانَ من أعبد بني إِسْرَائِيل وأمثلهم، قَالَ: وَلما توفّي صلى على جنَازَته أَرْبَعُونَ ألفا، كلهم يسمون هَارُون سوى سَائِر النَّاس، وَكَانُوا يسمون أَوْلَادهم باسمه لحبهم إِيَّاه.
وروى الْمُغيرَة بن شُعْبَة " أَن النَّبِي لما (بَعثه) إِلَى نَجْرَان قَالَ لَهُ نَصَارَى نَجْرَان: إِنَّكُم تقرءون: يَا أُخْت هَارُون! بَين مَرْيَم وَهَارُون كَذَا وَكَذَا من السنين، فَلم يدر الْمُغيرَة كَيفَ يُجيب، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى النَّبِي ذكر ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: أَلا قلت لَهُم: كَانُوا يسمون باسم أَنْبِيَائهمْ وصالحيهم ". رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن المُرَاد بهَارُون: أَخُو مُوسَى، وَهَذَا كَمَا يَقُول الْقَائِل:

﴿سوء وَمَا كَانَت أمك بغيا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ أَخا تَمِيم، أَو يَا أَخا ثَعْلَب، إِذا كَانَ من أَوْلَاده، وَقد كَانَت مَرْيَم من أَوْلَاد هَارُون.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن هَارُون كَانَ رجلا فَاسِقًا فِي بني إِسْرَائِيل عَظِيم الْفسق، فشبهوها بِهِ.
وَفِي الْآيَة قَول رَابِع: أَن هَارُون كَانَ أَخا مَرْيَم لأَبِيهَا، فعلى هَذَا المُرَاد من الْأُخوة فِي النّسَب.
وَقَوله: ﴿مَا كَانَ أَبوك امْرأ سوء وَمَا كَانَت أمك بغيا﴾ أَي: زَانِيَة.
وَمَعْنَاهُ: كَيفَ جِئْت مفْسدَة زَانِيَة من أبوين صالحين؟

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ مَعْنَاهُ: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ أَي: كَلمُوهُ.
قَالَ ابْن مَسْعُود: لما لم يكن لَهَا حجَّة أشارت إِلَيْهِ؛ لتبرىء ساحتها، وَيكون كَلَامه حجَّة (لَهَا) . وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا لما أشارت إِلَيْهِ غضب الْقَوْم، وَقَالُوا: مَعَ مَا فعلت تهزئين وتسخرين بِنَا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ فَإِن قيل: أيش معنى قَوْله: ﴿كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ ، وَمَا من رجل من الْعَالم إِلَّا كَانَ فِي المهد صَبيا؟ ! وَالْجَوَاب عَنهُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ صلَة، وَمعنى الْآيَة: كَيفَ نُكَلِّم صَبيا فِي المهد؟ . وَقَالَ الزّجاج: هَذَا على طَرِيق الشَّرْط، أَي: من هُوَ صبي فِي المهد كَيفَ نكلمه؟ . وَمعنى " كَانَ ": هُوَ، أَو معنى " كَانَ ": صَار، وَهَذَا اخْتِيَار [ابْن] الْأَنْبَارِي.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي عبد الله﴾ فِي التَّفْسِير: أَن مَرْيَم لما أشارت إِلَيْهِ فَكَانَ يرتضع من ثديها فَترك الثدي، وَأَقْبل على (الْقَوْم، واتكأ على) يسَاره، وَجعل يُشِير بِيَمِينِهِ، وَقَالَ هَذَا القَوْل.
وَقَوله: ﴿إِنِّي عبد الله﴾ أقرّ بالعبودية أَولا؛ لِئَلَّا يتَّخذ إِلَهًا.

( ﴿29) قَالَ إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا (31) وَبرا بوالدتي وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا﴾ وَقَوله: ﴿آتَانِي الْكتاب﴾ . أَي: الْإِنْجِيل.
وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه أُوتِيَ الْإِنْجِيل وَهُوَ صَغِير طِفْل؛ إِلَّا أَنهم قَالُوا: كَانَ يعقل عقل الرِّجَال.
هَذَا قَول الْحسن وَغَيره من السّلف، وَعَن الْحسن أَنه قَالَ: جعل نَبيا، وأوتي الْإِنْجِيل، وَهُوَ فِي بطن أمه.
وَقَالَ بَعضهم: ﴿آتَانِي الْكتاب﴾ أَي: سيؤتيني الْكتاب، ويجعلني نَبيا إِذا صرت رجلا.
وَالصَّحِيح هُوَ الأول.
وَقَالَ بَعضهم: كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت على وصف آدم فِي الْعقل وَالْعلم دون الْقَامَة والجثة.
وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: أسلمته أمه إِلَى الْمعلم، فَقَالَ الْمعلم: قل بِسم.
فَقَالَ: الله.
فَقَالَ: قل: الرَّحْمَن.
قَالَ: الرَّحِيم.
فَجعل كلما ذكر اسْما ذكر هُوَ الَّذِي يَلِيهِ، فَقَالَ الْمعلم: هَذَا أعلم مني، ثمَّ جعل يخبر الصّبيان بِمَا خبأت أمهاتهم فِي الْبيُوت، فَجعل الصّبيان يرجعُونَ إِلَى بُيُوتهم ويأخذونها، فضجت الْأُمَّهَات من ذَلِك.

فَقَوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ أَي: نَفَّاعًا معلما للخير، وَقَالَ الضَّحَّاك: قَضَاء للحوائج.
وَقَالَ الثَّوْريّ: آمرا بِالْمَعْرُوفِ وناهيا عَن الْمُنكر.
وَقَوله: ﴿أَيْنَمَا كنت﴾ أَي: حَيْثُ كنت.
وَقَوله: ﴿وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة﴾ أَي: أَمرنِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة.
فَإِن قيل: لم يكن لعيسى مَال، فَكيف يُؤمر بِالزَّكَاةِ؟ وَالْجَوَاب: أَن مَعْنَاهُ أَمرنِي بِالزَّكَاةِ لَو كَانَ لي مَال، وَقيل: أَمرنِي بِالزَّكَاةِ أَي: بِالطَّهَارَةِ من الذُّنُوب، وَيُقَال: بالاستكثار من الْخَيْر.
وَقَوله: ﴿مادمت حَيا﴾ أَي: مَا حييت.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبرا بوالدتي﴾ أَي: رءوفا وعطوفا بوالدتي.

( ﴿32) وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا (33) ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون (34) مَا كَانَ لله أَن يتَّخذ من ولد سُبْحَانَهُ إِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون (35) ﴾ وَقَوله: ﴿وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا﴾ الْجَبَّار: المتكبر، والشقي هُوَ الَّذِي يَعْصِي الله، وَيُقَال: الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يقتل، وَيضْرب على الْغَضَب، وَهَذَا قَول مَعْرُوف، وَيُقَال: الْجَبَّار هُوَ الَّذِي يظلم النَّاس، والشقي هُوَ الَّذِي يُذنب، وَلَا يَتُوب من الذَّنب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت﴾ مَعْنَاهُ: التَّحِيَّة وَالْحِفْظ من الله لي يَوْم ولدت ﴿وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا﴾ وَقَالَ بَعضهم: السَّلَام بِمَعْنى السَّلامَة عِنْد الْولادَة، هُوَ السَّلامَة من طعن الشَّيْطَان وهمزه، والسلامة عِنْد الْمَوْت هُوَ من الشّرك، فَإِن أَكثر الشّرك يكون عِنْد الْمَوْت، والسلامة يَوْم الْقِيَامَة من الْأَهْوَال.
وَقيل: السَّلامَة عِنْد الْمَوْت من ضغطة الْقَبْر، وَقيل: سَلامَة عِنْد الْمَوْت بالوصول إِلَى السَّعَادَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ يَعْنِي: هَذَا عِيسَى ابْن مَرْيَم ﴿قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون﴾ . يَعْنِي: هَذَا القَوْل هُوَ القَوْل الْحق، وَقَوله ﴿الَّذِي فِيهِ يمترون﴾ أَي: يَخْتَلِفُونَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لله أَن يتَّخذ من ولد﴾ مَعْنَاهُ: مَا يصلح لله، وَمَا يَنْبَغِي أَن يتَّخذ من ولد.
فَإِن قيل: هلا قَالَ ولدا؟ قُلْنَا: قَالَ من ولد للْمُبَالَغَة؛ فَإِن الرجل قد يَقُول: مَا اتخذ فلَان فرسا يُرِيد الْعدَد، وَإِن كَانَ قد اتخذ وَاحِدًا.
فَإِذا قَالَ: مَا اتخذ فلَان من فرس، يكون ذَلِك نفيا للْوَاحِد وَالْعدَد.
وَقد بَينا أَن الْوَلَد يكون من جنس الْوَالِد، وَالله لَا جنس لَهُ.
وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِذا قضى أمرا﴾ قد بَينا معنى الْقَضَاء.
وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ قد ذكرنَا أَيْضا.

﴿وَإِن الله رَبِّي وربكم فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم (36) فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم فويل للَّذين كفرُوا من مشْهد يَوْم عَظِيم (37) أسمع بهم وَأبْصر يَوْم يأتوننا لَكِن﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن الله رَبِّي وربكم﴾ . أَكثر الْمُفَسّرين أَن هَذَا بِنَاء على قَول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَمَعْنَاهُ: قَالَ إِنِّي عبد الله ... إِلَى آخِره، وَقَالَ: إِن الله رَبِّي وربكم، وَأما أَن بِالْفَتْح مَعْنَاهُ: وَأخْبر بِأَن الله رَبِّي وربكم، وَقيل تَقْدِيره: وَلِأَن الله رَبِّي وربكم، فاعبده، وَالْعَامِل قَوْله: ﴿فاعبدوه﴾ . وَقَوله: ﴿فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم﴾ قَالَ قَتَادَة وَابْن جريج وَغَيرهمَا: لما رفع عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى السَّمَاء، اخْتَار بَنو إِسْرَائِيل أَرْبَعَة من رُءُوسهم، وسألوهم عَن عِيسَى، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ أحدهم: كَانَ هُوَ الله نزل من السَّمَاء، وَصَارَ فِي بطن مَرْيَم، وَأَحْيَا وأمات، ثمَّ صعد إِلَى السَّمَاء.
فَقَالَ الْآخرُونَ: كذبت، وَهَذَا قَول اليعقوبية من النَّصَارَى.
وَقَالَ الثَّانِي: كَانَ هُوَ ابْن الله، فَقَالَ الْآخرَانِ: كذبت.
وَهَذَا قَول النسطورية من النَّصَارَى.
وَقَالَ الثَّالِث: كَانَ ثَالِث ثَلَاثَة: الله وَمَرْيَم وَعِيسَى، فعيسى أحد الأقانيم الثَّلَاثَة، وَهَذَا قَول الملكانية من النَّصَارَى، قَالَ الرَّابِع: كذبت.
ثمَّ إِن الرَّابِع قَالَ: هُوَ عبد الله وَرَسُوله، وَتبع كل وَاحِد جمَاعَة فَاقْتَتلُوا، وَظهر على الْمُسلمين، وَبَقِي الْأَقْوَال الثَّلَاثَة من النَّصَارَى.
فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم﴾ . وَقَوله: ﴿فويل للَّذين كفرُوا﴾ . قد بَينا معنى الويل.
وَقَوله: ﴿من مشْهد يَوْم عَظِيم﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أسمع بهم وَأبْصر﴾ يَعْنِي: مَا أسمعهم وأبصرهم يَوْم الْقِيَامَة.
وَإِنَّمَا

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل