تفسير السمعانيصفحات 489-493
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مريم

صفحات 489-493
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين﴾ وساوسهم، والهمز فِي اللُّغَة مَأْخُوذ من الدّفع، وَدفع الشَّيَاطِين غَيره إِلَى الْمعْصِيَة يكون بوسوسته، فَعرف أَن الهمزات هِيَ الوساوس، وَقيل: همز الشَّيْطَان إغراؤه على الْمعْصِيَة.

وَقَوله: ﴿وَأَعُوذ بك رب أَن يحْضرُون﴾ أَي: يحضروا أَمْرِي، وَإِنَّمَا ذكر الْحُضُور؛ لِأَنَّهُ يغريه على الْمعْصِيَة، ويوسوسه إِذا حضر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا جَاءَ أحدهم الْمَوْت﴾ أَي: حضر أحدهم الْمَوْت.
وَقَوله: ﴿قَالَ رب ارْجِعُونِ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه خطاب للْمَلَائكَة، وهم الْمَلَائِكَة الَّذين يحْضرُون بِقَبض الرّوح، وَهَذَا قَول ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ قد قَالَ: ﴿رب﴾ . وَأما القَوْل الثَّانِي - وَهَذَا الْمَعْرُوف - أَن الْخطاب مَعَ الله، وَكَأن الْكَافِر يسْأَل ربه عِنْد الْمَوْت أَن يردهُ إِلَى الدُّنْيَا، فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا، وَقد قَالَ: ﴿ارْجِعُونِ﴾ ، وَالْوَاحد لَا يخطاب بخطاب الْجمع، وَلَا يَسْتَقِيم أَن يَقُول الْقَائِل: اللَّهُمَّ اغفروا لي؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه إِنَّمَا ذكر بِلَفْظ الْجمع على طَرِيق التفخيم والتعظيم، فَإِن الله تَعَالَى أخبر عَن نَفسه بِلَفْظ الْجمع فَقَالَ: ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وَمثل هَذَا كثير فِي الْقُرْآن، فَذكر قَوْله: ﴿ارْجِعُونِ﴾ على مُوَافقَة هَذَا كَمَا يُخَاطب الْجمع،

﴿لعَلي أعمل صَالحا فِيمَا تركت كلا إِنَّهَا كلمة هُوَ قَائِلهَا وَمن ورائهم برزخ إِلَى يَوْم يبعثون (100) فَإِذا نفخ فِي الصُّور﴾ وَعَن الْخَلِيل أَنه سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة - وَكَانَ شَدِيد التوقي فِي كَلَام الْقُرْآن - وَقَالَ: ﴿رب ارْجِعُونِ﴾ مَعْنَاهُ: اجْعَلنِي مرجوعا.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿لعَلي أعمل صَالحا فِيمَا تركت﴾ أَي: أَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله، وَقيل: هُوَ الْعَمَل بِالطَّاعَةِ، قَالَ قَتَادَة: طلب الرُّجُوع ليعْمَل صَالحا، لَا ليجمع الدُّنْيَا، وَيَقْضِي الشَّهَوَات، فرحم الله امْرَءًا عمل فِيمَا يتمناه الْكَافِر إِذا رأى الْعَذَاب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا إِنَّهَا كلمة هُوَ قَائِلهَا﴾ يَعْنِي: سُؤال الرّجْعَة، وَقد قَالَ أهل الْعلم من السّلف: لَا يسْأَل الرّجْعَة عبد لَهُ عِنْد الله ذرة من خير؛ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ لَهُ خير عِنْد الله فَهُوَ يحب الْقدوم عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا أَن سُؤال الرّجْعَة يكون للْكَافِرِ لَا لِلْمُؤمنِ.
وَقَوله: ﴿وَمن وَرَاءَهُمْ برزخ﴾ أَي: حاجز، وَهُوَ الْقَبْر.
وَقَوله: ﴿إِلَى يَوْم يبعثون﴾ فالبرزخ هُوَ مَا بَين الْمَوْت إِلَى الْبَعْث، وَيُقَال: مَا بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا نفخ فِي الصُّور﴾ حُكيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: أَي: فِي الصُّور.
وَهَذَا قَول ضَعِيف، وَالصَّحِيح أَن الصُّور قرن ينْفخ فِيهِ إسْرَافيل، وَمن الْمَشْهُور أَن النَّبِي قَالَ: " كَيفَ أنعم، وَقد الْتَقم صَاحب الْقرن الْقرن، وحنى جَبهته، وأصغى بأذنه مَتى يُؤمر فينفخ ". فَمن الْعلمَاء من يَقُول: ينْفخ ثَلَاث نفخات: نفخة للصعق، ونفخة للْمَوْت،

﴿فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ وَلَا يتساءلون (101) ﴾ ونفخة للبعث.
وَالْأَكْثَرُونَ أَنه ينْفخ نفختين: نفخة للْمَوْت، ونفخة للبعث، والصعق هُوَ الْمَوْت، وَيكون بَين النفختين أَرْبَعُونَ سنة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا أَنْسَاب بَينهم يَوْمئِذٍ﴾ أَي: لَا أَنْسَاب يتفاخرون ويتواصلون بهَا، وَأما أصل الْأَنْسَاب فباقية.
وَأما قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " كل سَبَب وَنسب يَنْقَطِع إِلَّا سببي ونسبي " أَي: لَا ينفع سَبَب وَلَا نسب يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا سببي ونسبي، وَيُقَال: سَببه الْقُرْآن، وَنسبه الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿وَلَا يتساءلون﴾ أَي: لَا يسْأَل بَعضهم بَعْضًا سُؤال تواصل، فَإِن قيل: أَلَيْسَ أَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿فَأقبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ ؟ الْجَواب: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: يَوْم الْقِيَامَة مَوَاطِن وتارات، فَفِي موطن يشْتَد عَلَيْهِم الْخَوْف (فتذهل) عُقُولهمْ، فَلَا يتساءلون، وَفِي مَوضِع يفيقون إفاقة فيتساءلون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن ثقلت مَوَازِينه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ أَي: الفائزون والناجون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن خفت مَوَازِينه فَأُولَئِك الَّذين خسروا أنفسهم﴾ أَي: غبنوا

﴿فَمن ثقلت مَوَازِينه فَأُولَئِك هم المفلحون (102) وَمن خفت مَوَازِينه فَأُولَئِك الَّذين خسروا أنفسهم فِي جَهَنَّم خَالدُونَ (103) تلفح وُجُوههم النَّار وهم فِيهَا كَالِحُونَ (104) ألم تكن آياتي تتلى عَلَيْكُم فكنتم بهَا تكذبون (105) ﴾ أنفسهم بِهَلَاك (الْآيَة) . وَقَوله: ﴿فِي جَهَنَّم خَالدُونَ﴾ أَي: مقيمون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿تلفح وُجُوههم النَّار﴾ . اللفح أكبر من النفح، وَمَعْنَاهُ: يُصِيب وُجُوههم حر النَّار، وَقيل: تحرق وُجُوههم النَّار وتنضجها.
وَقَوله: ﴿وهم فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكالح فِي اللُّغَة: هُوَ العابس، وَأما الْمَرْوِيّ فِي التَّفْسِير: هُوَ الَّذِي تقلصت شفتاه، وَظَهَرت أَسْنَانه.
وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: كالرأس النضيج قد بَدَت أَسْنَانه، وتقلصت شفتاه.
وَذكر أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بِرِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي قَالَ فِي هَذِه الْآيَة: " هُوَ أَن تتقلص شفته الْعليا حَتَّى تبلغ وسط رَأسه وَتَسْتَرْخِي شفته السُّفْلى حَتَّى تضرب سرته ". وَفِي بعض التفاسير: وَتخرج أَسْنَانه عَن شَفَتَيْه [أَرْبَعِينَ] ذِرَاعا.
وَعَن بعض التَّابِعين من الْخَائِفِينَ: أَنه مر على شواء، فَرَأى رُءُوس الْغنم وَقد أبرزت، فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا غشي عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ يذكر هَذِه الْآيَة.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿ألم تكن آياتي تتلى عَلَيْكُم فكنتم بهَا تكذبون﴾ أَي: تجحدون وتنكرون.

وَقَوله: ﴿قَالُوا رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا﴾ وقرىء: " شقاوتنا " وهما بِمَعْنى وَاحِد، وَالْمرَاد مِنْهُ: إِنَّمَا أدخلنا النَّار بِمَا غلب علينا من حكمك وقضائك بشقاوتنا.
وَقَوله:

﴿قَالُوا رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ (106) رَبنَا أخرجنَا مِنْهَا فَإِن عدنا فَإنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون (108) إِنَّه كَانَ فريق من عبَادي يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فَاغْفِر لنا وارحمنا وَأَنت خير الرَّاحِمِينَ (109) فاتخذتموهم سخريا﴾ ﴿وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ﴾ أَي: عَن الْحق.

قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا أخرجنَا مِنْهَا فَإِن عدنا فَإنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيتركهم مِقْدَار عمر الدُّنْيَا، وَفِي رِوَايَة: مثلي عمر الدُّنْيَا.

ثمَّ يَقُول: ﴿ [قَالَ] اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون﴾ قَالَ: فَيَنْقَطِع رجاؤهم حِينَئِذٍ، وَلَا يسمع بعد ذَلِك مِنْهُم إِلَّا الزَّفِير والشهيق، وَأما قَوْله: ﴿اخْسَئُوا﴾ أَي: ابعدوا، وَهُوَ مثل قَوْلهم: خسأت الْكَلْب أَي: أبعدته.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه كَانَ فريق من عبَادي يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فَاغْفِر لنا وارحمنا وَأَنت خير الرَّاحِمِينَ﴾ . قَالَ أهل التَّفْسِير: هَذَا فِي بِلَال وسلمان وعمار وصهيب والفقراء من أَصْحَاب الرَّسُول.

وَقَوله: ﴿فاتخذتموهم سخريا﴾ وقرىء: " سخريا " فَقَوله: ﴿سخريا﴾ من الِاسْتِهْزَاء، وَقَوله: " سخريا " من التسخير.
وَقَوله: ﴿حَتَّى أنسوكم ذكري﴾ أَي: اشتغلتم بالاستهزاء والسخرية عَلَيْهِم، وتركتم ذكري، وَكَانَ الْوَاجِب عَلَيْكُم أَن تذكروني بدل استهزائكم بهم.
وَقَوله: ﴿وكنتم مِنْهُم تضحكون﴾ وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن الِاسْتِهْزَاء بِالنَّاسِ كَبِيرَة، وَهُوَ مَوْعُود عَلَيْهِ، وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: من ضحك ضحكة مج مجة من الْعلم لَا يعود إِلَيْهِ أبدا.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل