مريم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿من قومه الَّذين كفرُوا وكذبوا بلقاء الْآخِرَة وأترفناهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ يَأْكُل مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيشْرب مِمَّا تشربون (33) وَلَئِن أطعتم بشرا مثلكُمْ إِنَّكُم إِذا لخاسرون (34) أيعدكم أَنكُمْ إِذا متم وكنتم تُرَابا وعظاما أَنكُمْ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَلأ من قومه الَّذين كفرُوا وكذبوا بلقاء الْآخِرَة﴾ . أَي: بالمصير إِلَى الْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿وأترفناهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: وأغنياهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَيُقَال: وسعنا عَلَيْهِم الْمَعيشَة فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا حَتَّى أترفوا، والإتراف هُوَ التنعم بملاذ الْعَيْش.
قَالَ القتيبي: والترفة كالتحفة.
وَقَوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بشر مثلكُمْ يَأْكُل مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيشْرب مِمَّا تشربون﴾ يَعْنِي: مِنْهُ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن أطعتم بشرا مثلكُمْ﴾ أَي: من لحم وَدم مثلكُمْ.
وَقَوله: ﴿إِنَّكُم إِذا لخاسرون﴾ أَي: المغبونون، وَيُقَال: تاركون طَريقَة الْعُقَلَاء، فتكونون بِمَنْزِلَة من خسر عقله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أيعدكم أَنكُمْ إِذا متم وكنتم تُرَابا وعظاما أَنكُمْ مخروجون﴾ تَحْصِيل الْمَعْنى: أيعدكم أَنكُمْ إِذا متم وقبرتم ثمَّ خَرجْتُمْ من قبوركم، وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " أيعدكم إِذا متم وكنتم تُرَابا وعظاما أَنكُمْ مخروجون " وَأما على الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة فنصب الأول بِتَقْدِير الْبَاء أَي: بأنكم، وَأما إِنَّكُم الثَّانِيَة للتَّأْكِيد، قَالَ الزّجاج: وَنَظِير هَذَا فِي الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يعلمُوا أَنه من يحادد الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَيْهَات هَيْهَات لما توعدون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس مَعْنَاهُ: بعيد بعيد مَا توعدون أَي: لَا يكون ذَلِك أبدا، هَيْهَات وأيهات بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الشَّاعِر: (أيهات أيهات العقيق وَأَهله ... أيهات خل بالعقيق نواصله)
﴿مخرجون (35) هَيْهَات هَيْهَات لما توعدون (36) إِن هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا نموت ونحيا وَمَا نَحن بمبعوثين (37) إِن هُوَ إِلَّا رجل افترى على الله كذبا وَمَا نَحن لَهُ بمؤمنين (38) قَالَ رب انصرني بِمَا كذبون (39) قَالَ عَمَّا قَلِيل ليصبحن نادمين (40) فَأَخَذتهم الصَّيْحَة بِالْحَقِّ فجعلناهم غثاء فبعدا للْقَوْم الظَّالِمين (41) ثمَّ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا نموت ونحيا﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿ونحيا﴾ وَلم يَكُونُوا مقرين بِالْبَعْثِ؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: أَحدهَا: أَنه على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير يَعْنِي: نحيا وَنَمُوت، وَالْآخر: يَمُوت الْآبَاء، ويحيا الْأَبْنَاء، وَالثَّالِث: يَمُوت قوم، ويحيا قوم.
قَوْله: ﴿وَمَا نَحن بمبعوثين﴾ أَي: بمنشرين.
وَقَوله: ﴿إِن هُوَ إِلَّا رجل افترى على الله كذبا وَمَا نَحن لَهُ بمؤمنين﴾ أَي: بمصدقين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب انصرني بِمَا كذبون﴾ قد بَينا.
قَوْله: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيل ليصبحن نادمين﴾ أَي: ليصبحون نادمين، وَمعنى يُصْبِحُونَ: يصيرون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخَذتهم الصَّيْحَة بِالْحَقِّ﴾ فِي الْقِصَّة: أَن جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - صَاح بهم صَيْحَة فتصدعت قُلُوبهم.
وَيُقَال: إِن المُرَاد من الصَّيْحَة الْهَلَاك.
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(فدع عَنْك نهيا صِيحَ فِي حجراته ... وَلَكِن حَدِيث مَا حَدِيث الرَّوَاحِل)
وتمثل بِهَذَا الْبَيْت عَليّ رَضِي الله عَنهُ فِي بعض حروبه.
وَقَوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ، وَيُقَال: بِمَا استحقوا.
وَقَوله: ﴿فجعلناهم غثاء﴾ . الغثاء: مَا يبس من الشّجر والحشيش، وَعلا فَوق السَّيْل، وَيُقَال: الغثاء هُوَ الزّبد، فالزبد لَا ينْتَفع بِهِ، وَيذْهب بَاطِلا، فشبههم بعد الْهَلَاك بِهِ.
وَقَوله: ﴿فبعدا للْقَوْم الظَّالِمين﴾ أَي: هَلَاكًا للْقَوْم الظَّالِمين.
﴿أنشأنا من بعدهمْ قرونا آخَرين (42) مَا تسبق من أمة أجلهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثمَّ أرسلنَا رسلنَا تترا كل مَا جَاءَ أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بَعضهم بَعْضًا وجعلناهم أَحَادِيث فبعدا لقوم لَا يُؤمنُونَ (44) ثمَّ أرسلنَا مُوسَى وأخاه هَارُون بِآيَاتِنَا وسلطان﴾
قَوْله: ﴿ثمَّ أنشأنا من بعدهمْ قرونا آخَرين﴾ أَي: قوما آخَرين.
قَوْله: ﴿مَا تسبق من أمة أجلهَا﴾ أَي: وَقت هلاكهم.
وَقَوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أَي: يتأخرون عَن وَقت هلاكها.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أرسلنَا رسلنَا تترى﴾ وَقُرِئَ: " تترى " بِالتَّنْوِينِ، وَالْمعْنَى: متواترين بَعضهم على إِثْر بعض، وَيُقَال: بَين كل نبيين قِطْعَة من الزَّمَان، وَالْأَصْل فِي ﴿تترى﴾ وَترى إِلَّا أَن الْوَاو قلبت تَاء، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بعثنَا الرُّسُل وترا وترا.
وَقَوله: ﴿كلما جَاءَ أمة رسولها كذبوه﴾ أَي: جحدوه وأنكروه.
وَقَوله: ﴿فأتبعنا بَعضهم بَعْضًا﴾ أَي: فِي الْهَلَاك.
وَقَوله: ﴿وجعلناهم أَحَادِيث﴾ أَي: سمرا وقصصا، قَالَ بَعضهم شعرًا.
(فَكُن حَدِيثا حسنا ذكره ... فَإِنَّمَا النَّاس أَحَادِيث)
وَقَوله: ﴿فبعدا لقوم لَا يُؤمنُونَ﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أرسلنَا مُوسَى وأخاه هَارُون بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين﴾ أَي: بِحجَّة بَيِّنَة، وَهِي الْآيَات التسع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى فِرْعَوْن وملئه فاستكبروا وَكَانُوا قوما عالين﴾ أَي: طَالِبين للعلو بِغَيْر الْحق، والاستكبار طلب التكبر، وَيُقَال: ﴿عالين﴾ قاهرين (لمن) تَحْتهم بالظلم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا أنؤمن لبشرين مثلنَا﴾ أَي: لمُوسَى وَهَارُون.
وَقَوله: ﴿وقومهما لنا عَابِدُونَ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: تَقول الْعَرَب لكل من أطَاع إنْسَانا قد عَبده.
﴿مُبين (45) إِلَى فِرْعَوْن وملئه فاستكبروا وَكَانُوا قوما عالين (46) فَقَالُوا أنؤمن لبشرين مثلنَا وقومهما لنا عَابِدُونَ (47) فكذبوهما فَكَانُوا من المهلكين (48) وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة وآويناهما إِلَى ربوة ذَات قَرَار ومعين (50) ﴾ وَفِي بعض التفاسير: أَن القبط كَانُوا يعْبدُونَ فِرْعَوْن، وَفرْعَوْن كَانَ يعبد الصَّنَم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فكذبوهما فَكَانُوا من المهلكين﴾ أَي: بِالْغَرَقِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ﴾ أَي: التَّوْرَاة.
قَوْله: ﴿وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وآويناهما إِلَى ربوة﴾ وقرىء: " ربوة "، وَقَرَأَ أَبُو الْأَشْهب الْعقيلِيّ: " رباوة ". وَأما الربوة فِيهَا أَقْوَال: عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: هِيَ رَملَة فلسطين، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي.
وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: هِيَ غوطة دمشق، (وَيُقَال: أنزه الْمَوَاضِع فِي الدُّنْيَا [أَرْبَعَة] مَوَاضِع: غوطة دمشق) فِي الشَّام، والإيلة بالعراق، وَشعب بران بِفَارِس، وَسعد سَمَرْقَنْد، وَعَن كَعْب قَالَ: ﴿ربوة﴾ هِيَ بَيت الْمُقَدّس، وَعَن وهب بن مُنَبّه قَالَ: هِيَ مصر، وَفِي اللُّغَة: الربوة هُوَ الْمَكَان الْمُرْتَفع.
وَقَوله: ﴿ذَات قَرَار﴾ أَي: أَرض مستوية يستقرون فِيهَا، وَقيل: مستوية مُرْتَفعَة منبسطة.
وَقَوله: ﴿ومعين﴾ أَي: ذَات مَاء جَار، وَيُقَال: ذَات عُيُون تجْرِي فِيهَا، يُقَال: (عانت) الْبركَة إِذا جرى فِيهَا المَاء، وأنشدوا فِي الْمعِين شعرًا:
(إِن الَّذين غدوا بلبك غادروا ... وسلا بِعَيْنِك لَا يزَال معينا)
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ قَالَ مُجَاهِد
﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم (51) ﴾ وَقَتَادَة والسدى وَجَمَاعَة: إِن المُرَاد من قَوْله: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل﴾ هُوَ مُحَمَّد، وَالْعرب تذكر الْجمع، وتريد بِهِ الْوَاحِد، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ للرجل: أَيهَا الْقَوْم، كف عَنَّا أذاك وَمِنْهُم من قَالَ: إِن المُرَاد مِنْهُ جَمِيع الرُّسُل.
وَقَالَ بَعضهم المُرَاد: عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - كَأَنَّهُ قَالَ: وَقُلْنَا لعيسى: يَا أَيهَا الرُّسُل، وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " يَا أَيهَا النَّاس، إِن الله لَا يقبل إِلَّا الطّيب، وَإِن الله تَعَالَى أَمر الْمُسلمين بِمَا أَمر بِهِ الْمُرْسلين فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ وَقَالَ للْمُؤْمِنين: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كلوا من طَيّبَات من رزقناكم واشكروا لله﴾ ثمَّ ذكر الرجل أَشْعَث أغبر يمد يَده إِلَى السَّمَاء، فَيَقُول: يَا رب، مطعمه حرَام، وملبسه حرَام، وغذى بالحرام، فَأنى يُسْتَجَاب لَهُ "؟ !
وَفِي الْقِصَّة: أَن عِيسَى كَانَ يَأْكُل من غزل أمه، وَالْأكل هُوَ أَخذ الشَّيْء بالفم؛ ليوصله إِلَى الْبَطن بالمضغ، وَأما قَوْله: ﴿من الطَّيِّبَات﴾ أَي: من الْحَلَال.
وَقَوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ الصّلاح هُوَ الاسْتقَامَة على مَا توجبه الشَّرِيعَة.
وَقَوله: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عليم﴾ هَذَا حث على فعل الطَّاعَة، يَعْنِي: اعْمَلُوا الصَّالِحَات، فَإِنِّي مجازيكم على عَمَلكُمْ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة﴾ أَي: دينكُمْ دين وَاحِد، وَقيل: شريعتكم شَرِيعَة وَاحِدَة، وَيُقَال: أَمرتكُم بِمَا أمرت بِهِ من قبلكُمْ من الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ، فأمركم وَاحِد.
وَقَوله: ﴿وَأَنا ربكُم فاتقون﴾ فاحذروني.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتقطعوا أَمرهم بَينهم﴾ أَي: تفَرقُوا هودا ونصارى وصابئين ومجوسا.
﴿زبرا﴾ أَي: قطعا.
قَالَ مُجَاهِد: ﴿زبرا﴾ كتبا أَي: جعلُوا كتبهمْ قطعا وَمَعْنَاهُ: آمنُوا بِالْبَعْضِ، وَكَفرُوا بِالْبَعْضِ، وحرفوا الْبَعْض، وَلم يحرفوا الْبَعْض.
وَقَوله: ﴿كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ أَي: مسرورون.
﴿وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون (52) فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ (53) فذرهم فِي غمرتهم حَتَّى حِين (54) أيحسبون أَنما نمدهم بِهِ من مَال وبنين (55) نسارع لَهُم فِي الْخيرَات بل لَا يَشْعُرُونَ (56) ﴾ وَيَعْنِي أَن كل فريق مسرورون بِمَا عِنْدهم: فَأهل الْإِيمَان مسرورون بِالْإِيمَان وبمتابعة النَّبِي، وَالْكفَّار مسرورون بكفرهم وبمخالفة النَّبِي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فذرهم فِي غمرتهم﴾ أَي: فِي ضلالتهم، وَقيل: فِي عمايتهم.
وَقَوله: ﴿حَتَّى حِين﴾ مَعْنَاهُ: إِلَى أَن يموتوا، وَالْآيَة للتهديد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أيحسبون أَنما نمدهم بِهِ من مَال﴾ الْآيَة.
مَعْنَاهُ: أيحسبون أَن الَّذِي نجعله مدَدا لَهُم من المَال والبنين
﴿نسارع لَهُم فِي الْخيرَات﴾ أَي: نعجل لَهُم فِي الْخيرَات، ونقدمها ثَوابًا لَهُم رضَا بأعمالهم، وَحَقِيقَة الْمَعْنى أَن: لَيْسَ الْأَمر على مَا يظنون أَن المَال والبنين خير لَهُم، بل هُوَ اسْتِدْرَاج لَهُم، ومكر بهم، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿بل لَا يَشْعُرُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين هم من خشيَة رَبهم مشفقون﴾ . الخشية: انزعاج النَّفس لما يتَوَقَّع من الْمضرَّة، والإشفاق هَاهُنَا هُوَ الْخَوْف من الْعَذَاب، فَمَعْنَى الْآيَة: أَن الْمُؤمنِينَ من خشيَة رَبهم لَا يأمنون عَذَابه.
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الْمُؤمن جمع إحسانا وخشية، وَالْمُنَافِق إساءة وَأمنا.
قَوْله: ﴿وَالَّذين هم بآيَات رَبهم يُؤمنُونَ﴾ أَي: يصدقون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين هم برَبهمْ لَا يشركُونَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا﴾ رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَرَأَ: " وَالَّذين يأْتونَ مَا أَتَوا بِهِ "، وَهُوَ قِرَاءَة عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا.
(وَقَوله: ﴿يُؤْتونَ مَا آتوا﴾ أَي: يُعْطون مَا أعْطوا.
وَقَوله: " يأْتونَ مَا آتوا " أَي: ﴿إِن الَّذين هم من خشيَة رَبهم مشفقون (57) وَالَّذين هم بآيَات رَبهم يُؤمنُونَ (58) وَالَّذين هم برَبهمْ لَا يشركُونَ (59) وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ وَجلة﴾ يَفْعَلُونَ مَا فعلوا) .
وَقَوله: ﴿وَقُلُوبهمْ وَجلة﴾ أَي: خائفة.
وَقَوله: ﴿أَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون﴾ . أَي: لأَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون، وَمَعْنَاهُ: خَافُوا لأَنهم علمُوا أَن رجوعهم إِلَى رَبهم، وروى عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن وهب عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَت للنَّبِي: يَا رَسُول الله، قَول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤْتونَ مَا آتوا وَقُلُوبهمْ وَجلة﴾ أهم الَّذين يسرقون، وَيَشْرَبُونَ الْخمر، وَقُلُوبهمْ وَجلة؟ قَالَ: لَا يَا ابْنة الصّديق، بل هم الَّذين (يصلونَ، وَيَصُومُونَ) ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَقُلُوبهمْ وَجلة أَنَّهَا لَا تقبل مِنْهُم " وَفِي رِوَايَة: " ويخشون أَن لَا تقبل مِنْهُم ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو عَليّ الشَّافِعِي قَالَ: أَبُو الْحسن ابْن [فراس] : أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله المقرىء، أخبرنَا جدي مُحَمَّد، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، أخبرنَا مَالك بن مغول، عَن عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن وهب ... الْخَبَر.
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: عمِلُوا وَالله بالطاعات، واجتهدوا فِيهَا، وخافوا أَن ترد عَلَيْهِم.
هَذَا هُوَ القَوْل الْمَعْرُوف فِي الْآيَة،
﴿أَنهم إِلَى رَبهم رَاجِعُون (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات وهم لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا ولدينا كتاب ينْطق بِالْحَقِّ وهم لَا يظْلمُونَ (62) بل قُلُوبهم فِي غمرة من هَذَا وَلَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد من الْآيَة أَنهم عمِلُوا بِالْمَعَاصِي، وخافوا من الله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات وهم لَهَا سَابِقُونَ﴾ أَي: إِلَيْهَا سَابِقُونَ.
قَالَ الشَّاعِر:
(تجانف عَن جو الْيَمَامَة نَاقَتي ... وَمَا قصدت من أَهلهَا لسوائكا)
أَي: إِلَى سوائكا.
وَيُقَال: " لَهَا سَابِقُونَ " أَي: من أجلهَا سَابِقُونَ، يَقُول الْإِنْسَان لغيره: قصدت هَذِه الْبَلدة لَك أَي: لِأَجلِك، وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: ﴿وهم لَهَا سَابِقُونَ﴾ أَي: سبقت لَهُم السَّعَادَة من الله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ قد بَينا الْمَعْنى، وَيُقَال: لم نكلف الْمَرِيض الصَّلَاة قَائِما، وَلَا الْفَقِير الزَّكَاة وَالْحج، وَلَا الْمُسَافِر الصَّوْم، وَأَشْبَاه هَذَا.
وَقَوله: ﴿ولدينا كتاب ينْطق بِالْحَقِّ﴾ أَي: عندنَا كتاب ينْطق بِالْحَقِّ، وَهُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَاسْتدلَّ بَعضهم بِهَذِهِ الْآيَة أَن من كتب إِلَى إِنْسَان كتابا فقد كَلمه.
وَقَوله: ﴿ينْطق بِالْحَقِّ﴾ أَي: يخبر بِالصّدقِ.
وَقَوله: ﴿وهم لَا يظْلمُونَ﴾ أَي: لَا ينقص حَقهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿بل قُلُوبهم فِي غمرة من هَذَا﴾ أَي: فِي غطاء، يُقَال: فلَان غمره المَاء، أَي: غطاه.
وَقَوله: ﴿وَلَهُم أَعمال من دون ذَلِك هم لَهَا عاملون﴾ (فِيهِ قَولَانِ: أَن للْكفَّار أعمالا خبيثة محكومة عَلَيْهِم سوى مَا عمِلُوا ﴿هم لَهَا عاملون﴾ ) هَذَا قَول مُجَاهِد وَجَمَاعَة، وَقَالَ قَتَادَة: الْآيَة تَنْصَرِف إِلَى أَصْحَاب الطَّاعَات، وَمَعْنَاهُ: أَن الْمُؤمنِينَ لَهُم أَعمال سوى مَا عمِلُوا من الْخَيْر ﴿هم لَهَا عاملون﴾ ، وَالْقَوْل الأول أظهر.
( ﴿63) حَتَّى إِذا أَخذنَا مترفيهم بِالْعَذَابِ إِذا هم يجأرون (64) لَا تجأروا الْيَوْم إِنَّكُم منا لَا تنْصرُونَ (65) قد كَانَت آياتي تتلى عَلَيْكُم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) مستكبرين بِهِ سامرا تهجرون (67) ﴾