تفسير السمعانيصفحات 477-9
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصلت

صفحات 477-9
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿بلَى قد جاءتك آياتي فَكَذبت بهَا واستكبرت﴾ أَي: تكبرت، وَقَوله: ﴿وَكنت من الْكَافرين﴾ أَي: الجاحدين لنعمي.
وَقَوله: ﴿بلَى﴾ فِي الِابْتِدَاء تَقْدِير تحسراتهم وتأسفهم ونداماتهم على مَا سبق.

{الله وُجُوههم مسودة أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين (60) وينجي الله الَّذين اتَّقوا بمفازتهم لَا يمسهم السوء وَلَا هم يَحْزَنُونَ (61) الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل (62) لَهُ مقاليد السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالَّذين كفرُوا بآيَات الله أُولَئِكَ هم الخاسرون (63)

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة ترى الَّذين كذبُوا على وُجُوههم مسودة﴾ وَمعنى كذبُوا على الله أَي: زَعَمُوا أَن الله اتخذ ولدا أَو شَرِيكا، وَيُقَال: هُوَ عَام فِي كل كذب على الله.
وَقَوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين﴾ هُوَ اسْتِفْهَام بِمَعْنى التَّقْرِير،

قَوْله تَعَالَى: ﴿وينجي الله الَّذين اتَّقوا بمفازاتهم﴾ أَي بالطرق الَّتِي تؤديهم إِلَى الْفَوْز والنجاة.
وَقَوله: ﴿لَا يمسهم السوء وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل﴾ أَي: حَافظ، وَيُقَال مُدبر الْأُمُور على مَشِيئَته.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مقاليد السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: عِنْده خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَيُقَال: مَفَاتِيح الخزائن، وَفِي بعض الْأَخْبَار بِرِوَايَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي قَالَ فِي تَفْسِير المقاليد: " سُبْحَانَ الله، وَالله أكبر، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالْحَمْد لله، وَأَسْتَغْفِر الله، وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، هُوَ الأول وَالْآخر، وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم ".

﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أَيهَا الجاهلون (64) وَلَقَد أُوحِي إِلَيْك وَإِلَى الَّذين من قبلك لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله فاعبد وَكن من الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قدرُوا الله حق قدره وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات﴾ فَهَذَا تَفْسِير المقاليد، وأنشدوا فِي الإقليد: (لم يؤده الديك بِصَوْت يعريك ... وَلم تعالج غلقا بإقليد) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كفرُوا بآيَات الله أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ أَي: خسروا الثَّوَاب وَحل بهم الْعقَاب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أَيهَا الجاهلون﴾ روى أَن الْمُشْركين قَالُوا للنَّبِي: اسْتَلم بعض آلِهَتنَا وَنحن نؤمن بك، وروى انهم قَالُوا: نعْبد إلهك سنة، وَتعبد آلِهَتنَا سنة، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَوْله: ﴿أَيهَا الجاهلون﴾ أَي: الجاهلون بِاللَّه وسلطانه وَقدرته وعظمته.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أُوحِي إِلَيْك وَإِلَى الَّذين من قبلك لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ يُقَال: هَذَا خطاب للرسول، وَالْمرَاد مِنْهُ غَيره، وَيجوز أَن يكون تأديبا للرسول، وتخويفا لَهُ ليتمسك بِمَا عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿ولتكونن من الخاسرين﴾ أَي: الَّذين خسروا جَمِيع مَا يأملون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿بل الله فاعبد وَكن من الشَّاكِرِينَ﴾ خطاب للرسول.
وَقَوله: ﴿وَكن من الشَّاكِرِينَ﴾ أَي: الشَّاكِرِينَ لنعمي.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا عظموا الله حق عَظمته، وَيُقَال: مَا وصفوا الله حق صفته.
وَقَوله: ﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَقد ثَبت بِرِوَايَة عبد الله بن مَسْعُود: أَن يَهُودِيّا أَتَى النَّبِي وَقَالَ: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يضع الله السَّمَوَات على

﴿مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ (67) وَنفخ فِي الصُّور فَصعِقَ من فِي﴾ إِصْبَع، وَالْأَرضين على إِصْبَع، وَالْجِبَال على إِصْبَع، وَجَمِيع الْخَلَائق على إِصْبَع؛ فَضَحِك النَّبِي، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ وَفِي رِوَايَة: " فَضَحِك النَّبِي تَعَجبا وَتَصْدِيقًا لَهُ " وَالْخَبَر على الْوَجْه فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي رِوَايَة [ابْن عمر] عَن النَّبِي: " إِن الله يقبض الأَرْض ويطوي السَّمَوَات بِيَمِينِهِ، ثمَّ يَقُول: أَنا الْملك، أَيْن مُلُوك الأَرْض؟ قَالَ ابْن عمر: وَجعل النَّبِي يَتَحَرَّك على منبره؛ حَتَّى قُلْنَا: يكَاد يسْقط ". وَفِي رِوَايَة: " جعل الْمِنْبَر يَتَحَرَّك هَكَذَا وَهَكَذَا ". وَفِي رِوَايَة عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا " أَن النَّبِي قَرَأَ: ﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ قَالَت عَائِشَة: فَأَيْنَ يكون النَّاس؟ قَالَ: على الصِّرَاط ". وروى أَنه قَالَ: " على جسر جَهَنَّم ". وَيُقَال: إِن قَبضته وَيَمِينه لَا بِوَصْف، قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: كل مَا ورد فِي الْقُرْآن من هَذَا فتفسيره قِرَاءَته، حَكَاهُ النقاش وَغَيره.
وَقيل: قَبضته قدرته، وَالْأول أولى بِمَا بَينا من قبل.
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾ نزه نَفسه عَمَّا وَصفه بِهِ الْمُشْركُونَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنفخ فِي الصُّور﴾ روى عَن بعض السّلف أَنه قَالَ: من أَرَادَ أَن يُشَاهد يَوْم الْقِيَامَة يَعْنِي: بِقَلْبِه فليقرأ آخر سُورَة الزمر.

﴿السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله ثمَّ نفخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هم قيام ينظرُونَ (68) وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا وَوضع الْكتاب وَجِيء بالنبيين وَالشُّهَدَاء وَقضي بَينهم﴾ وَأما الصُّور وَقد بَينا انه قرن ينْفخ فِيهِ، رَوَاهُ عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي.
وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كَيفَ أنعم، والتقم صَاحب [الْقرن] ، وحنى جَبهته وأصغى سَمعه ينظر حَتَّى يُؤمر فينفخ ". وَقَوله: ﴿فَصعِقَ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله﴾ فِي قَوْله: ﴿إِلَّا من شَاءَ الله﴾ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم الشُّهَدَاء، وَالْآخر: أَنهم جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَملك الْمَوْت.
وَفِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ وَغَيره: لَا يبْقى إِلَّا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة بعد مَا ينْفخ فِي الصُّور، ثمَّ إِن الله تَعَالَى يقبض روح مِيكَائِيل، ويقبضه ملك الْمَوْت، ثمَّ روح إسْرَافيل، ثمَّ روح ملك الْمَوْت، ثمَّ يكون آخِرهم موتا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فيسقطون، وَيكون فضل جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَلَيْهِم كفضل الْجَبَل على الظراب.
وَقَوله: ﴿ثمَّ ينْفخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذا هم قيام ينظرُونَ﴾ أَي: ينظرُونَ مَاذَا يُؤمر فِي حَقهم، وَقد ثَبت عَن النَّبِي، بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن يَهُودِيّا قَالَ فِي سوق الْمَدِينَة: لَا وَالَّذِي اصْطفى مُوسَى على الْبشر؛ فَرفع رجل من الْأَنْصَار يَده وصك وَجهه، وَقَالَ: كذبت، فَذكرُوا ذَلِك للنَّبِي، فَقَالَ النَّبِي: " إِن الله تَعَالَى يبْعَث الْخلق فَأَكُون أول من يرفع رَأسه، فَإِذا مُوسَى آخذ بقائمة من قَوَائِم الْعَرْش؛ فَلَا أَدْرِي أبْعث قبلي أَو هُوَ مِمَّن اسْتثْنى الله تَعَالَى؟ ثمَّ قَالَ: من قَالَ أَنا خير من مُوسَى فقد كذب ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا﴾ أَي: بِنور خَالِقهَا ومالكها، وَعَن الْحسن: بِعدْل رَبهَا، وَيُقَال: يخلق الله نورا؛ فتشرق بِهِ أَرض الْقِيَامَة.

﴿بِالْحَقِّ وهم لَا يظْلمُونَ (69) ووفيت كل نفس مَا عملت وَهُوَ أعلم بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وسيق الَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم زمرا حَتَّى إِذا جاءوها فتحت أَبْوَابهَا وَقَالَ لَهُم خزنتها ألم﴾ وَقَوله: ﴿وَوضع الْكتاب﴾ المُرَاد من الْكتاب: كتاب الْأَعْمَال.
وَعَن عَطاء بن السَّائِب أَنه قَالَ: إِن أول من يُحَاسب جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ كَانَ أَمِين الله على جَمِيع وحيه، وروى أَن أول من يُحَاسب الْأَنْبِيَاء، وَثَبت فِي بعض الرِّوَايَات أَن النَّبِي قَالَ: " أول مَا يقْضِي الله تَعَالَى فِيهِ بَين الْخلق هُوَ الدِّمَاء ". وَقَوله: ﴿وَجِيء بالنبيين وَالشُّهَدَاء﴾ أَي: الَّذين يشْهدُونَ للأنبياء التَّبْلِيغ، وعَلى الْأُمَم بالتكذيب، وَقد بَينا هَذَا من قبل.
وَقَوله: ﴿وَقضى بَينهم بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ، وَقَوله: ﴿وهم لَا يظْلمُونَ﴾ أَي: لَا يُزَاد فِي سيئاتهم، وَلَا ينقص من حسناتهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ووفيت كل نفس مَا عملت وَهُوَ أعلم بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ أَي: يصنعون، وَقد روى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي " أَن الله تَعَالَى يَأْمر من يُنَادي يَوْم الْقِيَامَة: يَا أهل الْجنَّة، إِن لكم أَن تحيوا فَلَا تَمُوتُوا، وَأَن تصحوا فَلَا تسقموا، وَأَن تشبوا فَلَا تهرموا، وَأَن تنعموا فَلَا تبأسوا؛ ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ووفيت كل نفس مَا عملت وَهُوَ أعلم بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وسيق الَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم زمرا﴾ أَي: أَفْوَاجًا زمرة بعد زمرة، وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا جاءوها فتحت أَبْوَابهَا وَقَالَ لَهُم خزنتها ألم يأتكم رسل مِنْكُم يَتلون عَلَيْكُم آيَات ربكُم وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا﴾ أَي: يخوفونكم.
وَقَوله: ﴿قَالُوا بلَى وَلَكِن حقت كلمة الْعَذَاب﴾ هُوَ قَوْله تَعَالَى: {لأملأن جَهَنَّم

﴿يأتكم رسل مِنْكُم يَتلون عَلَيْكُم آيَات ربكُم وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا بلَى وَلَكِن حقت كلمة الْعَذَاب على الْكَافرين (71) قيل ادخُلُوا أَبْوَاب جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الَّذين اتَّقوا رَبهم إِلَى الْجنَّة زمرا حَتَّى إِذا جاءوها وَفتحت أَبْوَابهَا وَقَالَ لَهُم خزنتها سَلام عَلَيْكُم طبتم فادخلوها خَالِدين (73) وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده وأورثنا الأَرْض نتبوأ من الْجنَّة حَيْثُ نشَاء فَنعم أجر﴾ من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) وَقَوله: ﴿على الْكَافرين﴾ وَمعنى حقت: وَجَبت.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قيل ادخُلُوا أَبْوَاب جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا فبئس مثوى المتكبرين﴾ أَي: منزل المتكبرين عَن الْإِيمَان بِاللَّه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وسيق الَّذين اتَّقوا رَبهم إِلَى الْجنَّة زمرا حَتَّى إِذا جاءوها وَفتحت أَبْوَابهَا﴾ . وَاعْلَم أَن عِنْد الْكُوفِيّين هَذِه الْوَاو محذوفة فِي الْمَعْنى، وَعند الْبَصرِيين لَيست بمحذوفة، وَالتَّقْدِير على قَول الْبَصرِيين: حَتَّى إِذا جاءوها وَفتحت أَبْوَابهَا دخلوها.
وَقَوله: ﴿وَقَالَ لَهُم خزنتها سَلام عَلَيْكُم طبتم﴾ أَي: نعمتم، وَيُقَال: صححتم للجنة، وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: يكون [على] بَاب الْجنَّة عينان، يغْتَسل الْمُؤمن من أَحدهمَا؛ فَيظْهر ظَاهره، وَيشْرب من الْأُخْرَى؛ فَيظْهر بَاطِنه، ثمَّ يدْخلهُ الله الْجنَّة، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿طبتم فادخلوها خَالِدين﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده﴾ أَي: وفى لنا بوعده وأتمه، وَقَوله: ﴿وأورثنا الأَرْض﴾ أَي: أَرض الْجنَّة ﴿نتبوأ مِنْهَا﴾ أَي: ننزل مِنْهَا ﴿حَيْثُ نشَاء فَنعم أجر العاملين﴾ بالطاعات.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَترى الْمَلَائِكَة حافين من حول الْعَرْش﴾ أَي: محدقين محيطين

﴿العاملين (74) وَترى الْمَلَائِكَة حافين من حول الْعَرْش يسبحون بِحَمْد رَبهم وَقضي بَينهم بِالْحَقِّ وَقيل الْحَمد لله رب الْعَالمين (75) ﴾ بِهِ، وَقَوله: ﴿يسبحون بِحَمْد رَبهم﴾ أَي: بِأَمْر رَبهم، وَقيل: يسبحون حامدين لرَبهم، وَيُقَال: إِن هَذَا التَّسْبِيح تَسْبِيح تلذذ لَا تعبد.
وَقَوله: ﴿وَقضى بَينهم بِالْحَقِّ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ.
وَقَوله: ﴿وَقيل الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ يَعْنِي: وَقَالَ أهل الْجنَّة: الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَقد ذكر فِي مَوضِع آخر: ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ وَقد بَينا هَذَا من قبل.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿حم (1) تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم (2) غَافِر الذَّنب وقابل التوب شَدِيد﴾ تَفْسِير سُورَة الْمُؤمن

وَيُقَال: سُورَة الطول، وَهِي مَكِّيَّة

وَعَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: إِذا وَقعت فِي آل حميم وَقعت فِي روضات أتأنق فِيهِنَّ، وَتسَمى الحواميم ديابيج الْقُرْآن.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن مثل الحواميم فِي الْقُرْآن مثل الحبرات فِي الثِّيَاب ". وَفِي بعض الْأَخْبَار أَيْضا أَن النَّبِي قَالَ: " من قَامَ بالحواميم فِي لَيْلَة غفر الله لَهُ ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿حم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: قسم أقسم الله بِهِ.
وَقَالَ قَتَادَة: اسْم من أَسمَاء الْقُرْآن.
وَعَن بَعضهم: الْحَاء من (الْحَلِيم) ، وَالْمِيم من الْملك.
وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ: " الر " و " حم " و " نون والقلم " بمجموعها هُوَ اسْم الرَّحْمَن.
وَيُقَال: " حم " مَعْنَاهُ: حم مَا هُوَ كَائِن أَي: قضى مَا هُوَ كَائِن.
وَقَرَأَ عِيسَى بن عمر: " حم " على نصب الْمِيم على معنى اتل حميم.
قَالَ الأشتر النَّخعِيّ شعرًا: (يذكرنِي حميم وَالرمْح شَاجر ... فَهَلا تَلا حميم قبل التَّقَدُّم) وَقَالَ الشَّاعِر فِي حم بِمَعْنى قضى: (فَحم يومي فسر قوم ... كَأَن لَيْسَ للشامتين يَوْم)

وَقَوله: ﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ أَي: المنيع فِي ملكه، الْعَلِيم بخلقه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿غَافِر الذَّنب﴾ أَي: سَاتِر الذَّنب.

﴿الْعقَاب ذِي الطول لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمصير (3) مَا يُجَادِل فِي آيَات الله إِلَّا الَّذين كفرُوا فَلَا يغررك تقلبهم فِي الْبِلَاد (4) كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهمْ﴾ وَقَوله: ﴿وقابل التوب﴾ أَي: التَّوْبَة.
وَقَوله: ﴿شَدِيد الْعقَاب﴾ أَي: شَدِيد الْعقَاب للْكفَّار.
وَقَوله: ﴿ذِي الطول﴾ أَي: الْقُدْرَة.
وَقيل: السعَة والغنى.
وَيُقَال: هُوَ التَّفْضِيل.
وَقَالَ بَعضهم: غَافِر الذَّنب لمن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله.
وروى حَمَّاد عَن ثَابت قَالَ ثَابت: كنت فِي فسطاط مُصعب بن الزبير أَقرَأ هَذِه الْآيَة ﴿غَافِر الذَّنب وقابل التوب شَدِيد الْعقَاب ذِي الطول﴾ فَمر شيخ على بغلة شهباء، فَقَالَ لي: قل يَا غَافِر الذَّنب اغْفِر لي، وَيَا قَابل التوب اقبل تَوْبَتِي، وَيَا شَدِيد الْعقَاب [اعْفُ] عني، وياذا الطول طل عَليّ بِخَير، ثمَّ لم أر الشَّيْخ بعد.
وَقَوله ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمصير﴾ أَي: الْمرجع.

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يُجَادِل فِي آيَات الله﴾ أَي: فِي دفع آيَات الله بالتكذيب.
وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين كفرُوا﴾ أَي: جَحَدُوا.
وَقَوله: ﴿فَلَا يغررك تقلبهم فِي الْبِلَاد﴾ أَي: تقلبهم سَالِمين فِي الْبِلَاد.
قَالَ ابْن جريج: لَا يغررك تِجَارَتهمْ من مَكَّة إِلَى الشَّام، وَمن الشَّام إِلَى الْيمن.
وَفِي بعض التفاسير: أَن أَصْحَاب رَسُول الله قَالُوا متوجعين: نَحن فُقَرَاء، وَالْكفَّار مياسير ذُو أَمْوَال، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
فعلى هَذَا معنى قَوْله: ﴿لَا يغررك تقلبهم فِي الْبِلَاد﴾ أَي لَا يغررك يسارتهم وسعتهم.

قَوْله: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهمْ﴾ وهم الَّذين تحدثُوا على الْأَنْبِيَاء.
وَقَوله: ﴿وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه﴾ أَي: ليقتلوه.
وَيُقَال: ليأسروه.

﴿وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بِالْبَاطِلِ ليدحضوا بِهِ الْحق فَأَخَذتهم فَكيف كَانَ عِقَاب (5) وَكَذَلِكَ حقت كلمة رَبك على الَّذين كفرُوا أَنهم أَصْحَاب النَّار (6) الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله يسبحون بِحَمْد رَبهم ويؤمنون بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك وقهم﴾ وَالْعرب تسمي الْأَسير أخيذا، قَالَ الْأَزْهَرِي: ليأخذوه فيتمكنوا من قَتله.
وَقَوله: ﴿وجادلوا بِالْبَاطِلِ﴾ أَي: بالجدال الْبَاطِل ليدحضوا بِهِ الْحق.
والجدال: هُوَ فتل الْخصم عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ بِحَق أَو بَاطِل، وَأما المناظرة لَا تكون إِلَّا بَين محقين، أَو بَين محق ومبطل، والجدال قد يكون بَين المبطلين.
وَقَوله: ﴿فَأَخَذتهم﴾ أَي: أخذتهم بالعقوبة.
وَقَوله: ﴿فَكيف كَانَ عِقَاب﴾ قَالَ قَتَادَة: شَدِيد وَالله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ حقت كلمة رَبك على الَّذين كفرُوا﴾ أَي: وَجب حكم رَبك على الَّذين كفرُوا أَنهم ﴿أَصْحَاب النَّار﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله﴾ ذكر النقاش: أَن حَملَة الْعَرْش الكروبيون، وهم سادة الْمَلَائِكَة.
وَفِي بعض التفاسير: أَن أَقْدَامهم فِي تخوم الْأَرْضين، والأرضون وَالسَّمَوَات إِلَى حُجَزهمْ، وهم يَقُولُونَ: سُبْحَانَ ذِي الْعِزّ والجبروت، سحان ذِي الْملك والملكوت، سُبْحَانَ الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت، سبوح قدوس رب الْمَلَائِكَة وَالروح.
وَقَوله: ﴿وَمن حوله﴾ أَي: حول الْعَرْش.
وَقَوله: ﴿يسبحون بِحَمْد رَبهم﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما﴾ أَي: وسع [علمك] ووسعت رحمتك كل شَيْء.
وَقَوله: ﴿فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك﴾ أَي: دينك وطاعتك.

﴿عَذَاب الْجَحِيم (7) رَبنَا وأدخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم وَمن صلح من آبَائِهِم وأزواجهم وذرياتهم إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم (8) وقهم السَّيِّئَات وَمن تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ فقد رَحمته وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم (9) إِن الَّذين كفرُوا ينادون لمقت الله﴾ وَقَوله: ﴿وقهم عَذَاب الْجَحِيم﴾ مَعْنَاهُ: وادفع عَنْهُم عَذَاب الْجَحِيم، والجحيم مُعظم النَّار.
وَعَن بعض السّلف: أنصح الْخلق للْمُؤْمِنين هم الْمَلَائِكَة، وأغش الْخلق للْمُؤْمِنين هم الشَّيَاطِين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا وأدخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم﴾ بَينا أَن جنَّة عدن هِيَ بطْنَان الْجنَّة.
وَيُقَال: مصر الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وَمن صلح من آبَائِهِم﴾ أَي: وَمن وحد من آبَائِهِم، وَيُقَال: وَمن عمل صَالحا من آبَائِهِم.
وَقَوله: ﴿وأزواجهم وذرياتهم﴾ أَي: وأهليهم وَأَوْلَادهمْ، قَالَ سعيد بن جُبَير: يدْخل الْمُؤمن الْجنَّة فَيَقُول: أَيْن أبي؟ أَيْن أُمِّي؟ أَيْن زَوْجَتي؟ فَيُقَال: إِنَّهُم لم يعملوا مثل عَمَلك، فَيَقُول: إِنِّي عملت لنَفْسي وَلَهُم، فيدخلهم الله الْجنَّة ويجمعهم إِلَيْهِ.
وَعَن بعض السّلف أَنه قَالَ: إِن الْمُؤمن يحب أَن يجمع شَمله، وَيضم إِلَيْهِ أَهله، فَيجمع الله شَمله، وَيضم إِلَيْهِ أَهله فِي الْآخِرَة.

وَقَوله: ﴿وقهم السَّيِّئَات﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَمن تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ﴾ أَي: وَمن تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ أَي: الْعُقُوبَات، وَيُقَال: جَزَاء السَّيِّئَات.
وَقَوله: ﴿فقد رَحمته﴾ أَي: أَنْعَمت عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ يَعْنِي: النجَاة الْعَظِيمَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين كفرُوا ينادون﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الْكَافِر تعرض إِلَيْهِ أَعماله السَّيئَة فيمقت نَفسه أَشد المقت، فيناديهم الله تَعَالَى: {لمقت الله أكبر من مقتكم

﴿أكبر من مقتكم أَنفسكُم إِذْ تدعون إِلَى الْإِيمَان فتكفرون (10) قَالُوا رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحيينا اثْنَتَيْنِ فاعترفنا بذنوبنا فَهَل إِلَى خُرُوج فِي سَبِيل (11) ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذا دعِي الله﴾ أَنفسكُم) أَي: مقت الله إيَّاكُمْ فِي الدُّنْيَا أعظم من مقتكم الْيَوْم أَنفسكُم بِمَا ظهر لكم من أَعمالكُم السَّيئَة.
وَقد حكى معنى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَالَ بَعضهم: لمقت الله أياكم فِي الدُّنْيَا أكبر من مقت بَعْضكُم بَعْضًا، وَذَلِكَ حِين يتبرأ بَعضهم من بعض.
قَوْله: ﴿إِذْ تدعون إِلَى الْإِيمَان فتكفرون﴾ يَعْنِي: إِن مقت الله إيَّاكُمْ كَانَ لِأَن الله دعَاكُمْ إِلَى الْإِيمَان فكفرتم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ﴾ الإماتة الأولى: هُوَ أَنهم كَانُوا نطفا فِي أصلاب الْآبَاء موتى، ثمَّ أحياهم بالخلق وَإِدْخَال الرّوح، ثمَّ يميتهم الْمَوْت الْمَعْلُوم الَّذِي لَا بُد من ذوقه، ثمَّ يحييهم يَوْم الْقِيَامَة.
هَذَا قَول مُجَاهِد وَقَتَادَة وَجَمَاعَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن الْإِحْيَاء الأول حِين أخرجهم من صلب آدم وَأخذ عَلَيْهِم الْمِيثَاق، ثمَّ أماتهم بِالرَّدِّ إِلَى الأصلاب، ثمَّ أحياهم بِالْإِخْرَاجِ ثَانِيًا، ثمَّ يميتهم الْمَوْت الْمَعْرُوف.
فَإِن قيل: فَأَيْنَ الْحَيَاة فِي الْآخِرَة؟ قُلْنَا: المُرَاد على هَذَا القَوْل حياتان وموتتان فِي الدُّنْيَا سوى الْحَيَاة فِي الْآخِرَة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الإماتة الأولى هُوَ الْمَوْت الْمَعْرُوف، والإحياء الأول هُوَ الْإِحْيَاء فِي الْقَبْر للمسائلة، والإماتة الثَّانِيَة هِيَ الإماتة بعد الْإِحْيَاء فِي الْقَبْر، والإحياء الثَّانِيَة هِيَ الْإِحْيَاء للبعث، هَكَذَا ذكره السدى.
وَقَوله: ﴿فاعترفنا بذنوبنا﴾ أَي خطايانا وَقَوله ﴿فَهَل إِلَى خُرُوج من سَبِيل﴾ أَي: فَهَل إِلَى خُرُوج عَن النَّار من سَبِيل.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل