طه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِد من النِّسَاء﴾ . الْقَوَاعِد جمع قَاعد، يُقَال: امْرَأَة قَاعد إِذا قعدت عَن الْأزْوَاج، إِذا قعدت عَن الْحيض بِالْكبرِ، وَأما الْقَاعِدَة فَهِيَ الْجَالِسَةُ.
وَقَوله: ﴿اللَّاتِي لَا يرجون نِكَاحا﴾ يَعْنِي: لَا يردن نِكَاحا، وَقيل: لَا يردن الرِّجَال لكبرهن، وَقيل: قعدن عَن التَّصَرُّف بِالْكبرِ، وَإِنَّمَا قيل: امْرَأَة قَاعِدَة إِذا كَبرت؛ لِأَنَّهَا تكْثر الْقعُود، قَالَه ابْن قُتَيْبَة.
وَعَن ربيعَة الرَّأْي قَالَ: هن الْعَجَائِز اللواتي إِذا رآهن الرِّجَال استقذروهن، فَأَما من كَانَ فِيهِ بَقِيَّة من جمال، وَهِي مَحل الشَّهْوَة، فَلَا تدخل فِي هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جنَاح﴾ أَي: إِثْم.
وَقَوله: ﴿أَن يَضعن ثيابهن﴾ فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " أَن يَضعن من ثيابهن "، قَالَ
﴿اللَّاتِي لَا يرجون نِكَاحا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جنَاح أَن يَضعن ثيابهن غير متبرجات﴾ ابْن مَسْعُود: وثيابهن هَا هُنَا الرِّدَاء والجلباب.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: الجلباب، وَأما الْخمار لَا يجوز لَهَا أَن تضعه، وَأما الثَّوْب الَّذِي يكون فَوق الْخمار يجوز أَن تضعه.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن للزَّوْج مَا تَحت الدرْع، وَلِذِي الْمحرم مَا فَوق الدرْع، ولغير الْمحرم مَا فَوق الدرْع والرداء والجلباب والخمار.
وَقَوله: ﴿غير متبرجات بزينة﴾ أَي: لَا يردن بإلقاء الرِّدَاء والجلباب إِظْهَار زينتهن ومحاسنهن، وأصل التبرج من الظُّهُور، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى﴾ أَي: لَا تنكشفن تكشف الْجَاهِلِيَّة الأولى، وَفِي التَّفْسِير: أَن الْمَرْأَة إِذا مشت بَين يَدي الرِّجَال، فقد تبرجت تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا تركت بعدِي فتْنَة أضرّ على الرِّجَال من النِّسَاء " رَوَاهُ أُسَامَة.
وَقيل لبَعض الْحُكَمَاء: مَا أحن السبَاع؟ قَالَ: الْمَرْأَة.
وَعَن بَعضهم أَنه قَالَ لآخر: لم يدْخل بَاب دَاري شَرّ قطّ، قَالَ: من أَيْن تدخل امْرَأَتك؟ . [وَعَن] بَعضهم أَنه رأى امْرَأَة مصلوبة، فَقَالَ: لَو أَن كل شَجَرَة تثمر مثل هَذِه، لنجى النَّاس من شَرّ كَبِير.
وَقَوله: ﴿وَأَن يستعففن﴾ يَعْنِي: أَلا يلقين الرِّدَاء والجلباب خير لَهُنَّ، وَعَن عَاصِم الْأَحول قَالَ: كُنَّا ندخل على حَفْصَة، وَهِي متجلببة متردية مُتَقَنعَة، فَقُلْنَا لَهَا: يَا أم الْمُؤمنِينَ، أَلَسْت من الْقَوَاعِد؟ فَقَرَأت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن يستعففن خير لَهُنَّ﴾ .
وَقَوله: ﴿وَالله سميع عليم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض
﴿بزينة وَأَن يستعففن خير لَهُنَّ وَالله سميع عليم (60) لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض حرج وَلَا على أَنفسكُم أَن تَأْكُلُوا من﴾ حرج) اخْتلف القَوْل فِي هَذِه الْآيَة، قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الْآيَة نزلت فِي رخصَة هَؤُلَاءِ للتخلف عَن الْجِهَاد، وَالَّذِي ذكره بعده من الْأكل عطف رخصَة على رخصَة.
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: نزلت الْآيَة فِي رخصَة الْأكل من أَولهَا إِلَى آخرهَا، وَسبب ذَلِك أَن النَّاس كَانُوا يتحرجون من الْأكل مَعَ العميان وَالْعَرج والمرضى، وَيَقُولُونَ: إِن الْأَعْمَى لَا يَسْتَوْفِي الْأكل، والأعرج من الْجُلُوس، وَالْمَرِيض يضعف عَن التَّنَاوُل، وَكَانَ هَؤُلَاءِ أَيْضا يتحرجون من الْأكل مَعَ الأصحاء، فَيَقُول الْأَعْمَى: لَا آكل مَعَ بَصِير، فَرُبمَا آكل أَكثر مِمَّا يَأْكُل، والأعرج يَقُول: رُبمَا آخذ مَكَان نفسين، وَالْمَرِيض يَقُول: يتقذرني النَّاس، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَرفع الْحَرج.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن النَّاس كَانُوا يخرجُون إِلَى الْغَزْو، ويخلفون هَؤُلَاءِ فِي بُيُوتهم، فَكَانُوا يتحرجون من الْأكل، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَرفع الْحَرج، وَهَذَا قَول عَائِشَة، وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن هَؤُلَاءِ كَانُوا يدْخلُونَ على الرجل لطلب الطَّعَام فَلَا يَجدونَ شَيْئا، فَيذْهب ذَلِك الرجل إِلَى بَيت آخر، ويحملهم مَعَ نَفسه ليصيبوا من طَعَام ذَلِك الرجل، وَهَذَا قَول مُجَاهِد، وَعَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي قَالَ: المُرَاد من الْآيَة هُوَ الْأَعْمَى الَّذِي مَعَه قَائِد، فَيحمل مَعَه قائده ليَأْكُل مَعَه، وَكَذَلِكَ الْأَعْرَج وَالْمَرِيض يحْملَانِ إنْسَانا مَعَ أَنفسهمَا.
وَقَوله: ﴿وَلَا على أَنفسكُم أَن تَأْكُلُوا من بُيُوتكُمْ﴾ أَي: وَلَا حرج على أَنفسكُم أَن تَأْكُلُوا من بُيُوتكُمْ، وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه بيُوت الْأَوْلَاد، رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَنْت وَمَالك لأَبِيك ".
﴿بُيُوتكُمْ أَو بيُوت آبائكم أَو بيُوت أُمَّهَاتكُم أَو بيُوت إخْوَانكُمْ أَو بيُوت أخواتكم أَو بيُوت أعمامكم أَو بيُوت عماتكم أَو بيُوت أخوالكم أَو بيُوت﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد بيُوت الْأزْوَاج، وَيُقَال: بَيت كل إِنْسَان فِي نَفسه، وَالْأَوْلَاد أظهر.
وَقَوله: ﴿أَو بيُوت آبائكم﴾ الْآيَة إِلَى آخرهَا ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿أَو مَا ملكتم مفاتحه﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا وَكيل الرجل وقيمه فِي ضيعته وغنمه، يَأْكُل من الثَّمر، وَيشْرب من اللَّبن، وَلَا يحمل وَلَا يدّخر، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد من الْآيَة بيُوت العبيد، والمفاتح: الخزائن، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَعِنْده مفاتح الْغَيْب﴾ أَي: خَزَائِن الْغَيْب.
وَقَوله: ﴿أَو صديقكم﴾ الصّديق هُوَ الَّذِي صدقك فِي الْمَوَدَّة، وَيُقَال: الصّديق هُوَ الَّذِي ظَاهره مثل ظاهرك، وباطنه مثل باطنك، وَالصديق هَا هُنَا وَاحِد بِمَعْنى الْجمع.
قَالَ الشَّاعِر:
( [دعون] الْهوى [ثمَّ ارتمين] قُلُوبنَا ... بأسهم أَعدَاء وَهن صديق)
وَعَن بَعضهم: أَن الله تَعَالَى رفع أَمر الصّديق على أَمر الْأَبَوَيْنِ، قَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن أَمر جَهَنَّم: ﴿فمالنا من شافعين وَلَا صديق حميم﴾ ، وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق أَنه قَالَ: مثل صديقك مثل نَفسك.
وَعَن الْحسن وَقَتَادَة قَالَا: كَانُوا يستحبون أَن يدخلُوا دور إخْوَانهمْ فيتناولون من غير اسْتِئْذَان، وَكَانَ يَقع ذَلِك بِطيب من نُفُوسهم، ومودة فِي قُلُوبهم.
وَعَن ابْن عمر قَالَ: وَمَا كَانَ أَحَدنَا بِأَحَق بدرهمه وديناره عَن صَاحبه.
وَعَن بَعضهم: أَنه ذكر صديقا لَهُ فَقَالَ: أيأخذ من كيسك
﴿خالاتكم أَو مَا ملكتم مفاتحه أَو صديقكم لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ ودراهمك مَا تحب فَلَا تكرههُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: لَيْسَ لَك هُوَ بصديق.
وَقَوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَو أشتاتا﴾ رُوِيَ أَن الله تَعَالَى لما أنزل قَوْله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض﴾ توقى النَّاس غَايَة التوقي، وَقَالُوا: لَا نَأْكُل مَعَ أحد حَتَّى لَا نَأْكُل بَاطِلا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَرُوِيَ أَن الْآيَة نزلت فِي مَالك بن زيد مَعَ الْحَارِث بن عَمْرو، وَكَانَ الْحَارِث خلف مَالك بن زيد فِي دَاره، وَخرج غازيا، وأباح لَهُ الْأكل، فَلم يَأْكُل شَيْئا.
وَمن الْمَعْرُوف فِي التَّفْسِير: أَن الْآيَة نزلت فِي بني بكر من كنَانَة، وَكَانَ لَا يَأْكُل أحد مِنْهُم وَحده حَتَّى يجد ضيفا يَأْكُل مَعَه، وَإِذا لم يجد وأجهده الْجُوع نصب خَشَبَة ولف عَلَيْهَا ثوبا وَأكل عِنْدهَا؛ ليظن النَّاس أَنه إِنْسَان يَأْكُل مَعَه، وَرُوِيَ أَن وَاحِدًا مِنْهُم نزل بلقاحه وَاديا، فجاع فَحلبَ لقحة مِنْهَا، ونادى فِي الْوَادي: من كَانَ هَا هُنَا فليحضر ليَأْكُل، وَكَانَ فِي الْوَادي رجل فاختفى وَلم يجب، وأجهده الْجُوع، فَجَلَسَ يَأْكُل وَحده، فَخرج الرجل، وَقَالَ لَهُ: يَا رَضِيع، أتأكل وَحدك، فَأخذ الرجل سَيْفه وعدى عَلَيْهِ وَقَتله مَخَافَة أَن ينشر فِي النَّاس ذَلِك الْفِعْل مِنْهُ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وأباح للْقَوْم أَن يَأْكُلُوا منفردين وَجَمَاعَة، فَإِن قيل: مَا قَوْلكُم فِي هَذِه الْآيَة، وَإِذا دخل بَيت وَاحِد مِمَّن سبق ذكره، هَل يجوز لَهُ أَن يَأْكُل بِغَيْر إِذْنه؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: قَالَ أَبُو بكر الْفَارِسِي: إِن كَانَ سبق مِنْهُ إِذن على الْإِجْمَال - وَإِن لم يكن على التَّعْيِين - فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يَأْكُل، وَفِي غير هَؤُلَاءِ لَا يجوز إِلَّا أَن يعين.
وَقَالَ بَعضهم: إِذا كَانَ الطَّعَام مبذولا غير مُحرز، جَازَ لَهُ أَن يَأْكُل وَإِن كَانَ محرزا فِي حرز لَا يجوز لَهُ أَن يَأْكُل، وَأما حمل الزَّاد ومباذلة الْغَيْر فَهُوَ حرَام مَا لم يُؤذن على التَّعْيِين، وَقد قيل: إِذا كَانَ يَسِيرا فَلَا بَأْس بِهِ للعبيد والخدم.
وَقَوله: ﴿فَإِذا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلمُوا على أَنفسكُم﴾ أَي: ليسلم بَعْضكُم على بعض، وَهَذَا كَقَوْلِه: ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ أَي: وَلَا يقتل بَعْضكُم بَعْضًا،
﴿أَو أشتاتا فَإِذا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلمُوا على أَنفسكُم تَحِيَّة من عِنْد الله مباركة طيبَة كَذَلِك يبن الله لكم الْآيَات لَعَلَّكُمْ تعقلون (61) ﴾ وَيُقَال معنى الْآيَة: إِذا دخل بَيته يسلم على أَهله، وَهِي سنة قد هجرت، قَالَ قَتَادَة " أهلك أَحَق أَن تسلم عَلَيْهِم.
وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ إِذا دخل بَيته وَنسي السَّلَام خرج ثمَّ رَجَعَ وَسلم.
وَأما إِذا دخل بَيْتا خَالِيا، فَيَقُول: السَّلَام علينا من رَبنَا، وَإِذا دخل مَسْجِدا لَيْسَ فِيهِ أحد يَقُول: السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين، وَقد بَينا أَن السّنة إفشاء السَّلَام على من تعرف وَمن لَا تعرف، وَكَانَ ابْن عمر يسلم على النسوان كَمَا يسلم على الرِّجَال، وَقَالُوا: إِن كَانَت عجوزا فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن كَانَت شَابة فَلَا يسلم.
وَقَوله: ﴿تَحِيَّة من عِنْد الله مباركة طيبَة﴾ أَي: حَسَنَة جميلَة، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَيُقَال: ذكر الْبركَة وَالطّيب هَا هُنَا لما فِيهِ من الثَّوَاب، وَمن أهْدى سَلاما إِلَى إِنْسَان، فَهِيَ هَدِيَّة خَفِيفَة الْمحمل، طيبَة الرّيح، مباركة الْعَاقِبَة.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله وَإِذا كَانُوا مَعَه على أَمر جَامع لم يذهبوا حَتَّى يستأذنوه﴾ . هَذَا تَعْلِيم أدب من آدَاب الْإِسْلَام، وَالْأَمر الْجَامِع كل مَا يجمعوا الْمُسلمين، وَقد قيل: إِنَّه الْجِهَاد، وَيُقَال: هُوَ الْجُمُعَة العيدان، وَيُقَال: كل طَاعَة يجْتَمع عَلَيْهَا المسملون مَعَ الإِمَام.
وَفِي الْأَخْبَار: " أَن الرجل من الْمُسلمين كَانَ إِذا كَانَ مَعَ النَّبِي فِي أَمر، وَأَرَادَ الاسْتِئْذَان لحَاجَة لَهُ، قَامَ وَأَشَارَ إِلَى النَّبِي كَأَنَّهُ يسْتَأْذن، فيشير إِلَيْهِ النَّبِي أَذِنت لَك ". وَقد قَالُوا: إِنَّمَا يحْتَاج إِلَى الاسْتِئْذَان إِذا لم يكن هُنَاكَ سَبَب يمنعهُ من الْمقَام، فَأَما إِذا عرض سَبَب يمنعهُ من الْمقَام مثل امْرَأَة تكون فِي الْمَسْجِد فتحيض، أَو رجل يجنب، أَو عرض لَهُ مرض وَمَا أشبه، فَلَا يحْتَاج إِلَى الاسْتِئْذَان.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله وَإِذا كَانُوا مَعَه على أَمر جَامع لم يذهبوا حَتَّى يستأذنوه إِن الَّذين يَسْتَأْذِنُونَك أُولَئِكَ الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَرَسُوله فَإِذا استأذنوك لبَعض شَأْنهمْ فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم واستغفر لَهُم الله إِن الله غَفُور رَحِيم (62) لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم﴾
وَقَوله: ﴿إِن الَّذين يستأذنوك أُولَئِكَ الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَرَسُوله﴾ رُوِيَ أَن عمر اسْتَأْذن رَسُول الله فِي غَزْوَة تَبُوك أَن يرجع إِلَى أَهله فَقَالَ: " ارْجع فلست بمنافق وَلَا مرتاب " يعرضه بالمنافقين، وَقيل: إِن هَذِه الْآيَة ناسخة لقَوْله تَعَالَى فِي سُورَة التوية: ﴿عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم﴾ .
وَقَوله: ﴿فَإِذا استأذنوك لبَعض شَأْنهمْ﴾ أَي: أَمرهم.
وَقَوله: ﴿فَأذن لمن شِئْت مِنْهُم﴾ مَعْنَاهُ: إِن شِئْت فَأذن، وَإِن شِئْت فَلَا تَأذن.
﴿واستغفر لَهُم الله إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ أَي: ادْع لَهُم إِذا طلبُوا الدُّعَاء مِنْك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا﴾ أَي: لَا تَقولُوا: يَا مُحَمَّد، يَا أَبَا الْقَاسِم، يَا ابْن عبد الله، وَلَكِن قُولُوا: يَا أَيهَا الرَّسُول، يَا أَيهَا النَّبِي، يَا رَسُول الله، وادعوه على التفخيم والتعظيم.
وَقَوله: ﴿قد يعلم الله الَّذين يَتَسَلَّلُونَ﴾ التسلل هُوَ الْخُرُوج على خُفْيَة، وَكَانَ المُنَافِقُونَ يَفْعَلُونَ هَكَذَا، وَكَانَ يشق عَلَيْهِم حُضُور الْمَسْجِد والمكث فِيهِ، وَسَمَاع خطْبَة النَّبِي، فَكَانَ [يسير] بَعضهم بِبَعْض وَيخرج من الْمَسْجِد.
وَقَوله: ﴿لِوَاذًا﴾ أَي: يلوذ بَعضهم بِبَعْض، وَقيل: (رحلا) .
وَقَوله: ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ أَي: أمره.
وَقَوله: ﴿أَن تصيبهم فتْنَة﴾ مَعْنَاهُ: لِئَلَّا تصيبهم فتْنَة أَي: بلية.
وَقَوله: ﴿أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ يُقَال: الْعَذَاب الْأَلِيم فِي الدُّنْيَا، وَيُقَال: فِي الْآخِرَة.
﴿بَعْضًا قد يعلم الله الَّذين يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُم لِوَاذًا فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم (63) أَلا إِن لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض قد يعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ وَيَوْم يرجعُونَ إِلَيْهِ فينبئهم بِمَا عمِلُوا وَالله بِكُل شَيْء عليم (64) ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا إِن لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض قد يعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ﴾ أَي: يعلم، و " قد " صلَة.
وَقَوله: ﴿وَيَوْم يرجعُونَ إِلَيْهِ﴾ يَعْنِي: فِي الْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿فينبئهم بِمَا عمِلُوا﴾ أَي: يُخْبِرهُمْ الله بِمَا عمِلُوا.
وَقَوله: ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ أَي: عَالم.
تمّ بِحَمْد الله تَعَالَى المجلد الثَّالِث من تَفْسِير أبي المظفر السَّمْعَانِيّ ويتلوه المجلد الرَّابِع إِن شَاءَ الله تَعَالَى وأوله تَفْسِير سُورَة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿تبَارك الَّذِي نزل الْفرْقَان على عَبده ليَكُون للْعَالمين نذيرا الَّذِي لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلم يتَّخذ ولدا وَلم يكن لَهُ شريك فِي الْملك وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا﴾ . تَفْسِير سُورَة الْفرْقَان
وَهِي مَكِّيَّة، قَالَ الضَّحَّاك: هى مَدَنِيَّة.
قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿تبَارك الَّذِي نزل
على عَبده﴾ وَقَرَأَ عبد الله بن الزبير: " على عباده " على الْجمع.
قَوْله: ﴿تبَارك﴾ تفَاعل من الْبركَة , وَقيل: تبَارك أَي: جلّ بِمَا لم يزل وَلَا يزَال، وَقَالَ الْحسن: تبَارك صفة من صِفَات الله تَعَالَى؛ لِأَن كل بركَة تجئ مِنْهُ، وَقَالَ غَيره: لِأَنَّهُ يتبرك باسمه، وَأما الْبركَة فهى الْخَيْر وَالزِّيَادَة، وَقيل: فعل كل طَاعَة من الْعباد بركَة، والبروك هُوَ الثُّبُوت، وَيُقَال: فلَان مبارك أَي: ينزل الْخَيْر حَيْثُ ينزل.
وَقَوله: ﴿الذى نزل الْفرْقَان﴾ أَي: الْقُرْآن , وسمى الْقُرْآن فرقانا لمعنيين: احدهما: لِأَنَّهُ يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل، والأخر: أَن فِيهِ بَيَان الْحَلَال وَالْحرَام.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿على عَبده﴾ أَي: مُحَمَّد.
وَقَوله: ﴿ليَكُون للْعَالمين نذيرا﴾ أَي: الْجِنّ والأنس، قَالَ أهل الْعلم: وَلم يبْعَث نَبِي إِلَى جَمِيع الْعَالمين غير نوح وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام.