طه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار نور على نور يهدي الله لنوره من يَشَاء وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس وَالله بِكُل شَيْء عليم (35) ﴾ من أَشجَار الدُّنْيَا لكَانَتْ شرقية أَو عَرَبِيَّة، وَقَالَ غَيره: بل هُوَ وصف الزَّيْتُون - وَهُوَ الْأَصَح - وَفِيه أَقْوَال: أَحدهَا أَن مَعْنَاهُ: لَا شرقية أَي: لَيست مِمَّا تشرق عَلَيْهَا الشَّمْس، وَلَا تغرب عَلَيْهَا الشَّمْس، فَتكون لَا شرقية وَلَا غربية.
وَقَوله: ﴿وَلَا غربية﴾ أَي: لَيست مِمَّا تغرب عَلَيْهَا الشَّمْس وَلَا تشرق عَلَيْهَا الشَّمْس، فَتكون لَا غربية وَلَا شرقية فَمَعْنَى الْآيَة.
أَنَّهَا لَيست بخالصة للشرق، وَلَا خَالِصَة للغرب، بل هِيَ شرقية غربية، يَعْنِي: بَين الشرق والغرب، لَا خَالِصا للشرق، وَلَا خَالِصا للغرب، وَالشَّمْس مشرقة عَلَيْهَا فِي جَمِيع أَوْقَاتهَا، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَيكون زيتها أَضْوَأ قَالُوا: وَهَذَا كَمَا يُقَال: فلَان لَيْسَ بأسود وَلَا أَبيض أَي لَيْسَ بأسود خَالص وَلَا أَبيض خَالص أَي: قد اجْتمع فِيهِ الْبيَاض والسواد، وَيُقَال: هَذَا الرُّمَّان لَيْسَ بحلو وَلَا حامض أَي: اجْتمع فِيهِ الْحَلَاوَة والحموضة وَلم يخلص لوَاحِد مِنْهُمَا، وَهَذَا قَول الْفراء والزجاج وَأكْثر أهل الْمعَانِي، وَزعم ابْن قُتَيْبَة أَن معنى قَوْله: ﴿لَا شرقية وَلَا غربية﴾ أَي: لَيست فِي مضحاة، وَلَا فِي مقتاة، وَمَعْنَاهُ: لَيست فِي مضحاة فَتكون الشَّمْس عَلَيْهَا أبدا، وَلَا فِي الظل فَتكون فِي الظل أبدا، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا شَجَرَة بَين الْأَشْجَار لَا هِيَ بارزة للشمس عِنْد شروقها، وَلَا هِيَ بارزة عِنْد غُرُوبهَا.
وَقَوله: ﴿يكَاد زيتها يضيء﴾ أَي: من صفائه ولونه.
وَقَوله: ﴿وَلَو لم تمسسه نَار﴾ أَي: وَإِن لم تمسسه نَار.
وَقَوله: ﴿نور على نور﴾ أَي: نور الْمِصْبَاح على نور الزجاجة.
وَقَوله: ﴿يهدي الله لنوره من يَشَاء﴾ أَي: نور البصيرة والعقيدة.
وَقَوله: ﴿وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس﴾ أَي: يبين الله الْأَمْثَال للنَّاس.
وَقَوله: ﴿وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ مَعْلُوم.
وَاعْلَم أَنه اخْتلف القَوْل فِي معنى التَّمْثِيل: مِنْهُم من قَالَ: التَّمْثِيل وَقع للنور الَّذِي فِي قلب الْمُؤمن، وَمِنْهُم من قَالَ: التَّمْثِيل وَقع لنُور مُحَمَّد، وَمِنْهُم من قَالَ: التَّمْثِيل وَقع لنُور الْقُرْآن، وَأما إِذا قُلْنَا: إِن التَّمْثِيل وَقع للنور الَّذِي فِي قلب الْمُؤمن فَهُوَ ظَاهر الْمَعْنى كَمَا بَينا.
وَقَوله: ﴿يكَاد زيتها يضيء﴾ أَي: يكَاد قلب الْمُؤمن يعرف الْحق قبل أَن يبين لَهُ لموافقته إِيَّاه.
وَقَوله: ﴿نور على نور﴾ أَي: نور الْعَمَل على نور الِاعْتِقَاد، وَعَن أبي بن كَعْب أَنه قَالَ: الْمُؤمن بَين خَمْسَة أنوار، وَقَوله نور، وَعَمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إِلَى النُّور.
وَعَن غَيره أَنه قَالَ: الْمُؤمن بَين أَرْبَعَة أَحْوَال: إِن أعطي شكر، وَإِن ابْتُلِيَ صَبر، وَإِن قَالَ صدق، وَإِن حكم عدل.
وَإِذا قُلْنَا: التَّمْثِيل وَقع لنُور مُحَمَّد، فالمشكاة صَدره، والزجاجة قلبه، والمصباح هُوَ نورة النُّبُوَّة.
وَقَوله: ﴿توقد من شَجَرَة مباركة﴾ الشَّجَرَة الْمُبَارَكَة هُوَ إِبْرَاهِيم - صلوَات الله عَلَيْهِ - وَذكر زيتونة، لِأَنَّهَا أبرك الْأَشْجَار على مَا بَينا؛ وَلِأَن إِبْرَاهِيم نزل الشَّام، وَفِي زيتون الشَّام من الْبركَة مَا لَيْسَ لغيره من الْبِلَاد.
وَقَوله: ﴿لَا شرقية وَلَا غربية﴾ مَعْنَاهُ: أَن إِبْرَاهِيم لم يكن يُصَلِّي إِلَى الْمشرق وَلَا إِلَى الْمغرب، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا﴾ وَالْيَهُود يصلونَ إِلَى الْمغرب، وَالنَّصَارَى إِلَى الْمشرق.
وَقَوله: ﴿يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار﴾ مَعْنَاهُ: لَو لم يكن إِبْرَاهِيم نَبيا لألحقه الله بِالْعَمَلِ الصَّالح بالأنبياء فِي درجاتهم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: أَن مُحَمَّدًا لَو لم تأته معْجزَة لدلت أَحْوَاله على صدقه وعَلى نبوته.
وَقَوله: ﴿نور على نور﴾ أَي: نور مُحَمَّد على نور إِبْرَاهِيم، وَقَوله: {يهدي
﴿فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه يسبح لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال (36) رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة﴾ الله لنوره من يَشَاء) يَعْنِي: يهدي الله للْإيمَان بِمُحَمد من يَشَاء، وَهَذَا كُله معنى مَا رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي الْآيَة كَلَام كثير ذكره أَصْحَاب الخواطر لَا يشْتَغل بِهِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ هما المعروفان.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع﴾ مَعْنَاهُ: توقد فِي بيُوت، وَيُقَال: المصابيح فِي بيُوت، والبيوت هَاهُنَا هِيَ الْمَسَاجِد.
وَقَوله: ﴿أذن الله أَن ترفع﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ مُجَاهِد: تبنى، وَقَالَ الْحسن: تعظم.
يَعْنِي: أَنه لَا يذكر فِيهَا الْخَنَا من القَوْل، وَعَن بَعضهم: تطهر.
وَقَوله: ﴿وَيذكر فِيهَا اسْمه﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿يسبح﴾ وقرىء: " يسبح " بِكَسْر الْبَاء، فَقَوله بِكَسْر الْبَاء أَي: يسبح رجال، وَقَوله: " يسبح " على مَال لم يسم فَاعله، وَمعنى يسبح: يُصَلِّي.
وَقَوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ أَي: بالبكر والعشايا.
قَالَ الشَّاعِر:
(وقفت فِيهَا أصيلا لَا أسائلها ... أعيت جَوَابا وَمَا بِالربعِ من أحد)
وَإِنَّمَا خص البكرة وَالْعصر؛ لِأَن صَلَاة الْغَدَاة وَصَلَاة الْعَصْر أول مَا فرض على الْمُسلمين، وَعَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنه قَالَ: صَلَاة الضُّحَى فِي الْقُرْآن وَلَا يغوص عَلَيْهَا الأغواص، ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة وَهُوَ قَوْله: ( ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ وَزعم أَن المُرَاد بالتسبيح بِالْغُدُوِّ وَهُوَ صَلَاة الضُّحَى، وَالْمَعْرُوف مَا بَينا، وَهُوَ أَن المُرَاد مِنْهُ صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر) .
قَوْله تَعَالَى: ﴿رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله﴾ وَعَن عبيد بن عُمَيْر أَنه
﴿يخَافُونَ يَوْمًا تتقلب فِيهِ الْقُلُوب والأبصار (37) لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا عمِلُوا ويزيدهم من فَضله وَالله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب (38) وَالَّذين كفرُوا أَعْمَالهم كسراب﴾ قَالَ: يضع الله يَوْم الْقِيَامَة مَنَابِر من نور، وَيَقُول: أَيْن الَّذين لم تلههم تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله؟ فَيقومُونَ فيجلسهم عَلَيْهَا.
وَقَالَ الْفراء: التِّجَارَة مَا بيع من الجلب، وَالْبيع مَا بِعْت على يدك.
وَقَوله: ﴿وإقام الصَّلَاة﴾ فَإِن قيل: إِذا حملتم ذكر الله على الصَّلَوَات الْخمس فَمَا معنى قَوْله: ﴿وإقام الصَّلَاة﴾ ؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ حفظ الْمَوَاقِيت، وَمن لم يحفظ الْمَوَاقِيت فَلم يقم الصَّلَاة.
وَقَوله: ﴿وإقام الصَّلَاة﴾ أَي: وَإِقَامَة الصَّلَاة، فحذفت الْهَاء بِحكم الْإِضَافَة.
قَالَ الشَّاعِر:
(إِن الخليط أجدوا الْبَين فانجردوا ... وأخلفوك عدي الْأَمر الَّذِي وعدوا)
أَي: عدَّة الْأُمُور.
وَقَوله: ﴿وإيتاء الزَّكَاة﴾ مِنْهُم من قَالَ: هِيَ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وَمِنْهُم من قَالَ: الْأَعْمَال الصَّالِحَة.
وَقَوله: ﴿يخَافُونَ يَوْمًا تتقلب فِيهِ الْقُلُوب والأبصار﴾ أَي: تتقلب الْقُلُوب عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا من الشَّك وَالْكفْر، وتنفتح فِيهِ الْأَبْصَار من الأغطية، وَيُقَال: يتقلب الْقلب [بَين الْخَوْف] والرجاء، فَإِنَّهُ يخَاف الْهَلَاك، ويطمع النجَاة، وَأما تقلب الْبَصَر حَتَّى من أَيْن يُؤْتى كِتَابه؛ من شِمَاله أَو من يَمِينه، وَقَالَ: تتقلب الْقُلُوب فِي الْجوف، وترتفع إِلَى الحنجرة فَلَا تَزُول وَلَا تخرج، وَأما تقلب الْبَصَر شخوصه من هول الْأَمر وشدته.
وَقَوله: ﴿لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا عمِلُوا﴾ يَعْنِي: لِيَجْزِيَهُم بِمَا عمِلُوا من الْأَعْمَال الْحَسَنَة.
﴿بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عِنْده فوفاه حسابه وَالله سريع الْحساب (39) أَو كظلمات فِي بَحر لجي يَغْشَاهُ موج من﴾
وَقَوله: ﴿ويزيدهم من فَضله﴾ أَي: زِيَادَة على مَا يسْتَحقُّونَ.
وَقَوله: ﴿وَالله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كفرُوا أَعْمَالهم﴾ اعْلَم أَن الله تَعَالَى لما ذكر الْمثل فِي حق الْمُؤمنِينَ أعقبه بِالْمثلِ فِي حق الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿كسراب﴾ السراب: مَا يرى نصف النَّهَار شبه المَاء الْجَارِي على الأَرْض، وَأكْثر مَا يرَاهُ العطشان.
قَالَ الْفراء: السراب مَا لزم الأَرْض، والآل مَا ارْتَفع من الأَرْض، وَهُوَ شُعَاع بَين السَّمَاء وَالْأَرْض شبه الملاة، يرى فِيهِ الصَّغِير كَبِيرا، والقصير طَويلا.
وَقَالَ غَيره: السراب نصف النَّهَار، والآل بالغدوات، والرقراق بالعشايا، قَالَ الشَّاعِر:
(فَلَمَّا كففنا الْحَرْب كَانَت عهودهم ... كَلمعِ سراب بالفلا متألق)
وَقَوله: ﴿بقيعة﴾ القاع: هُوَ الأَرْض المنبسطة.
وَقَوله: ﴿إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا﴾ أَي: لم يجده شَيْئا مِمَّا أمل وَحسب.
وَقَوله: ﴿وَوجد الله عِنْده﴾ أَي: عِنْد علمه، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَقِي الله فِي الْآخِرَة.
﴿فوفاه حسابه﴾ أَي: جَزَاء عمله، قَالَ الشَّاعِر:
(فولى مُدبرا هوى حثيثا ... وأيقن أَنه لَاقَى الحسابا)
وَقَوله: ﴿وَالله سريع الْحساب﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَاعْلَم أَن فِي نزُول الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا نزلت فِي شيبَة بن ربيعَة - وَكَانَ يطْلب الدّين قبل أَن يبْعَث النَّبِي - فَكَانَ يلبس الصُّوف، وَيَأْكُل الشّعير، ثمَّ لما بعث النَّبِي كفر بِهِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْآيَة نزلت فِي جَمِيع الْكفَّار، وَالْمرَاد من الْآيَة: تَشْبِيه أَعْمَالهم بِالسَّرَابِ، وأعمالهم هِيَ مَا اعتقدوها خيرا، من الْحَج وصلَة الْأَرْحَام، وَحسن الْجوَار،
﴿فَوْقه موج من فَوْقه سَحَاب ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور (40) ألم تَرَ أَن الله يسبح لَهُ من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالطير صافات كل قد علم صلَاته وتسبيحه﴾ وقرى الضَّيْف، وَالْوَفَاء بالعهد، وَمَا أشبه ذَلِك، فَذكر الله تَعَالَى أَن هَذِه الْأَعْمَال كسراب حِين لم يصدر عَن مُؤمن، فَهُوَ يَرْجُو مِنْهَا الْخَيْر وَالثَّوَاب، وَإِذا وصل إِلَيْهَا أخلفه ظَنّه، وَلم يحصل على شَيْء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو كظلمات فِي بَحر لجي﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: المُرَاد من الْآيَة أَنَّك إِن شبهت أَعْمَالهم لما يُوجد، فَهُوَ كَمَا بَينا من السراب بالقيعة، وَإِن شبهت أَعْمَالهم لما يرى، فَهُوَ كالظلمات فِي الْبَحْر اللجي، وَالْبَحْر اللجي هُوَ العميق الَّذِي بعد عمقه، وَفِي الْخَبَر: أَن النَّبِي قَالَ: " من ركب الْبَحْر حِين يلج، فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة ".
مَعْنَاهُ: حِين يتوسط الْبَحْر فَيصير إِلَى أعمق مَوضِع، وَأما الظُّلُمَات: فَهِيَ ظلمَة الْبَحْر، وظلمة اللَّيْل، وظلمة السَّحَاب، وظلمة الموج أَيْضا.
وَقَوله: ﴿يَغْشَاهُ موج من فَوْقه موج من فَوْقه سَحَاب﴾ هَذَا هُوَ الظُّلُمَات الَّتِي ذَكرنَاهَا.
وَقَوله: ﴿ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض﴾ مَعْنَاهُ: ظلمَة الموج على ظلمَة الْبَحْر، وظلمة السَّحَاب على ظلمَة الموج.
وَقَوله: ﴿إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا﴾ أَي: لم يرهَا، وَقيل: لم يُقَارب رؤيتها، وَيُقَال: يكد هَاهُنَا صلَة.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَمَا كَادَت إِذا رفعت سناها ... ليبصر ضوءها إِلَّا الْبَصِير)
وَقَوله: ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾ . قَالَ ابْن عَبَّاس مَعْنَاهُ: من لم
﴿وَالله عليم بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِلَى الله الْمصير (42) ألم تَرَ أَن الله يزجي سحابا ثمَّ يؤلف بَينه ثمَّ يَجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وَينزل من السَّمَاء من جبال فِيهَا من برد فَيُصِيب بِهِ من يَشَاء﴾ يَجْعَل الله لَهُ دينا فَمَا لَهُ من دين " وَيُقَال مَعْنَاهُ: من لم يهده الله فَلَا يهده أحد.
وَقَوله: ﴿ألم تَرَ أَن الله يسبح لَهُ من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَالطير صافات﴾ أَي: صِفَات أجنحتهن.
وَقَوله: ﴿كل قد علم صلَاته وتسبيحه﴾ قَالَ مُجَاهِد: الصَّلَاة للآدميين، وَالتَّسْبِيح لسَائِر الْخلق، وَيُقَال: إِن ضرب الأجنحة صَلَاة الطير، وصوته تسبيحه.
وَقَوله: ﴿وَالله عليم بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَإِلَى الله الْمصير﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الله يزجي سحابا﴾ أَي: يَسُوق سحابا.
قَالَ الشَّاعِر:
(إِنِّي أَتَيْتُك من أرضي وَمن وطني ... أزجي حشاشة نفس مَا بهَا رَمق)
وَقَوله: ﴿ثمَّ يؤلف بَينه﴾ أَي: يجمع بَينه.
وَقَوله: ﴿ثمَّ يَجعله ركاما﴾ أَي: متراكما بعضه على بعض.
وَقَوله: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ أَي: الْمَطَر يخرج من خلاله، والخلال جمع الْخلَل كالجبال جمع الْجَبَل، قَالَ الشَّاعِر فِي الودق:
(فَلَا مزنة ودقت ودقها ... وَلَا أَرض أبقل إبقالها)
وَقَوله: ﴿وَينزل من السَّمَاء من جبال فِيهَا من برد﴾ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: فِي السَّمَاء جبال من برد فَينزل مِنْهَا الْبرد.
قَالَ ابْن عَبَّاس: وَإِنَّمَا خَاطب الْقَوْم بِمَا يعْرفُونَ، وَإِلَّا مَا الثَّلج أَكثر من الْبرد، وَالْعرب مَا رَأَوْا الثَّلج قطّ.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الثَّلج شَيْء أَبيض ينزل من السَّمَاء مَا رَأَيْته قطّ.
وَقَالَ غَيره: قَوْله: ﴿وَينزل من السَّمَاء من جبال﴾ أَي: مِقْدَار الْجبَال فِي الْكَثْرَة، وَيُقَال: فلَان لَهُ جبال مَال، شبه بالجبال للكثرة.
﴿ويصرفه عَن من يَشَاء يكَاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله اللَّيْل وَالنَّهَار إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي الْأَبْصَار﴾
وَقَوله: ﴿من﴾ صلَة مَعْنَاهُ: ينزل من السَّمَاء جبالا ﴿من برد﴾ .
وَقَوله: ﴿فَيُصِيب بِهِ من يَشَاء﴾ يَعْنِي: بالبرد من يَشَاء.
﴿ويصرفه عَن من يَشَاء﴾ .
وَقَوله: ﴿يكَاد سنا برقه﴾ أَي: ضوء برقه، وَقد ذكرنَا شعرًا فِي هَذَا.
وَقَوله: ﴿يذهب بالأبصار﴾ يَعْنِي: من شدَّة الضَّوْء.
وَقَوله: ﴿يقلب الله اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ أَي: يصرف اللَّيْل وَالنَّهَار، وتقليب اللَّيْل وَالنَّهَار اخْتِلَافهمَا، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿يكور اللَّيْل على النَّهَار ويكور النَّهَار على اللَّيْل﴾ وَقد صَحَّ عَن النَّبِي بِرِوَايَة سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى يُؤْذِينِي ابْن آدم يسب الدَّهْر، وَإِنَّمَا أَنا الدَّهْر، بيَدي اللَّيْل وَالنَّهَار (و) أقلبهما ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بذلك الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخبرنَا جدي أَبُو الْهَيْثَم الْفربرِي، أخبرنَا البُخَارِيّ، أخبرنَا الْحميدِي، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب الْخَبَر.
وَيُقَال: يقلب الله اللَّيْل وَالنَّهَار أَي: يدبر أَمر اللَّيْل وَالنَّهَار.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي الْأَبْصَار﴾ أَي: آيَة وعظة لأولي الْأَبْصَار فِي الْقُلُوب، وَزعم أهل النَّحْو أَن الله تَعَالَى ذكر " من " ثَلَاث مَرَّات فِي الْآيَة الأولى، وَلكُل وَاحِد مِنْهَا معنى، فَقَوله: ﴿من السَّمَاء﴾ لابتداء الْغَايَة، وَقَوله: ﴿من جبال﴾ للتَّبْعِيض، وَقَوله: ﴿من برد﴾ للتجنيس، وَقد قَالَ بَعضهم فِي الْآيَة الثَّانِيَة: إِن معنى التقليب هُوَ أَنه يذهب بِاللَّيْلِ وَيَأْتِي بِالنَّهَارِ، وَيذْهب بِالنَّهَارِ وَيَأْتِي بِاللَّيْلِ.
﴿وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه وَمِنْهُم من يمشي على رجلَيْنِ وَمِنْهُم من يمشي على أَربع﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿خلق كل دَابَّة من مَاء﴾ وَقد خلق كثيرا من الْحَيَوَانَات من غير المَاء كالجن وَالْمَلَائِكَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الله تَعَالَى خلق جَمِيع الْحَيَوَانَات من المَاء، وَزعم أهل التَّفْسِير أَن الله تَعَالَى خلق مَاء ثمَّ جعله نَارا، فخلق مِنْهَا الْجِنّ، ثمَّ جعله ريحًا، فخلق مِنْهَا الْمَلَائِكَة، ثمَّ جعله طينا، فخلق مِنْهُ بني آدم.
وَقَوله: ﴿فَمنهمْ من يمشي على بَطْنه﴾ يَعْنِي: مثل الْحَيَّات وَالْحِيتَان وَمَا أشبههما، فَإِن قيل: كَيفَ يتَصَوَّر المشيء على الْبَطن؟ وَالْجَوَاب: أَن المُرَاد مِنْهُ السّير، وَالسير عَام فِي القوائم وعَلى الْبَطن، وَقَالَ بَعضهم: الْمَشْي صَحِيح فِي الْمَشْي على الْبَطن، يُقَال: مَشى أَمر كَذَا.
وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من يمشي على رجلَيْنِ﴾ يَعْنِي: مثل بني آدم وَالطير، فَإِن قيل: أيسمى الطير دَابَّة؟ قُلْنَا: بلَى؛ لِأَن كل مَا يدب على الأَرْض فَهُوَ دَابَّة.
وَقَوله: ﴿وَمِنْهُم من يمشي على أَربع﴾ يَعْنِي: الْبَهَائِم، فَإِن قيل: قد نرى مَا يمشي على أَكثر من الْأَرْبَع، قُلْنَا: قد ذكر السّديّ أَن فِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب: " وَمِنْهُم من يمشي على أَكثر من الْأَرْبَع " فَيكون تَفْسِير للْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، وَيصير كَأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمِنْهُم من يمشي على أَربع﴾ وعَلى أَكثر من الْأَرْبَع، وَأما على الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة فَإِنَّمَا لم يزدْ على الْأَرْبَع؛ لِأَن القوائم وَإِن زَادَت فاعتماد الْحَيَوَان على جهاته الْأَرْبَعَة، فَكَأَنَّهَا تمشي على أَرْبَعَة، وَيُقَال: إِنَّهَا وَإِن مشيت على أَكثر من الْأَرْبَع فَهِيَ فِي الصُّورَة كَأَنَّهَا تمشي على أَربع، فَإِن قيل: قَالَ: ﴿وَمِنْهُم من يمشي﴾ وَكلمَة " من " لمن يعقل لَيْسَ لما لَا يعقل، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه إِنَّمَا ذكر بِكَلِمَة " من " لِأَن الْكَلَام إِذا جمع من يعقل، وَمن لَا يعقل غلب من يعقل على مَا لَا يعقل.
﴿يخلق الله مَا يَشَاء إِن الله على كل شَيْء قدير (45) لقد أنزلنَا آيَات مبينات وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (46) وَيَقُولُونَ آمنا بِاللَّه وبالرسول وأطعنا ثمَّ يتَوَلَّى فريق مِنْهُم من بعد ذَلِك وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذا﴾
وَقَوله: ﴿يخلق الله مَا يَشَاء﴾ يَعْنِي: يخلق الله مَا يَشَاء سوى مَا ذكر.
وَقَوله: ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد أنزلنَا آيَات مبينات﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: دين الْحق، وَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ آمنا بِاللَّه وبالرسول وأطعنا﴾ ذكر النقاش أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي رجل من الْمُنَافِقين يُسمى بشرا وَرجل من الْيَهُود، كَانَت بَينهمَا خصوصة، فَقَالَ الْيَهُودِيّ: نَتَحَاكَم إِلَى مُحَمَّد، وَقَالَ الْمُنَافِق: نَتَحَاكَم إِلَى كَعْب بن الْأَشْرَف، فَأنْزل الله تَعَالَى فِي هَذَا الْمُنَافِق وأشباهه هَذِه الْآيَة، وَأورد أَبُو بكر الْفَارِسِي فِي " أَحْكَام الْقُرْآن " أَن النَّبِي لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، ترك الْأَنْصَار لَهُ وللمهاجرين كل أَرض لَا يصل إِلَيْهَا المَاء، فَأعْطى رَسُول الله عُثْمَان وعليا من ذَلِك، فَبَاعَ عَليّ نصِيبه من عُثْمَان، فَوجدَ عُثْمَان الأَرْض كلهَا أَحْجَار لَا يُمكن أَن تزرع، فَطلب من عَليّ الثّمن الَّذِي أعطَاهُ، فَقَالَ عَليّ: وَمَا علمي بالأحجار، وَلَو وجدت كنزا هَل كَانَ لي مِنْهُ شَيْء؟ فَأَرَادَ أَن يتحاكما إِلَى النَّبِي، فَقَالَ الحكم بن أبي الْعَاصِ لعُثْمَان: لَا تحاكمه إِلَى مُحَمَّد، فَإِنَّهُ يقْضِي لِابْنِ عَمه، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة فِي الحكم بن أبي الْعَاصِ.
وَقَوله: ﴿ثمَّ يتَوَلَّى فريق مِنْهُم من بعد ذَلِك﴾ أَي: من بعد مَا قَالُوا آمنا بِاللَّه وبالرسول.
وَقَوله: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَي: بالمصدقين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم﴾ الحكم فصل الْخُصُومَة بِمَا توجبه الشَّرِيعَة.
﴿دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم إِذا فريق مِنْهُم معرضون (48) وَإِن يكن لَهُم الْحق يَأْتُوا إِلَيْهِ مذعنين (49) أَفِي قُلُوبهم مرض أم ارْتَابُوا أم يخَافُونَ أَن يَحِيف الله عَلَيْهِم وَرَسُوله بل أُولَئِكَ هم الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا﴾ قَوْله: ﴿إِذا فريق مِنْهُم معرضون﴾ أَي: عَن الْحق، وَقيل: عَن الْإِجَابَة، وَالْآيَة تدل على أَن القَاضِي إِذا دَعَا إِنْسَان ليحكم بَينه وَبَين خَصمه، وَجَبت عَلَيْهِ الْإِجَابَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يكن لَهُم الْحق يَأْتُوا إِلَيْهِ مذعنين﴾ أَي: مسارعين منقادين خاضعين.
وَقَوله: ﴿أَفِي قُلُوبهم مرض﴾ اسْتِفْهَام بِمَعْنى التوبيخ والذم، وَمَعْنَاهُ: عِلّة تمنع من قبُول الْحق.
وَقَوله: ﴿أم ارْتَابُوا﴾ أَي: شكوا.
وَقَوله: ﴿أم يخَافُونَ أَن يَحِيف الله عَلَيْهِم وَرَسُوله﴾ الحيف هُوَ الْميل بِغَيْر حق، وَيجوز أَن يعبر بِهِ عَن الظُّلم.
وَقَوله: ﴿بل أُولَئِكَ هم الظَّالِمُونَ﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم﴾ .
هَذَا لَيْسَ على طَرِيق الْخَبَر، وَلكنه تَعْلِيم أدب من الشَّرْع، على معنى أَن الْمُؤمنِينَ كَذَا يَنْبَغِي أَن يَكُونُوا.
وَقَوله: ﴿أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا﴾ أَي: سمعنَا الدُّعَاء، وأطعنا بالإجابة.
وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ أَي: الفائزون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله﴾ أَي: من يطع الله فِيمَا أَمر، ويطع رَسُوله فِيمَا سنّ.
وَقَوله: ﴿ويخش الله﴾ أَي: فِيمَا مضى.
وَقَوله: ﴿ويتقه﴾ أَي: يحذرهُ فِيمَا يسْتَقْبل.
﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون (51) وَمن يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون (52) وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم لَئِن أَمرتهم ليخرجن قل لَا تقسموا طَاعَة مَعْرُوفَة إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ (53) قل أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حمل وَعَلَيْكُم مَا حملتم وَإِن تطيعوه تهتدوا وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين (54) ﴾ وَقَوله: ﴿فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ أَي: الناجون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ جهد الْيَمين هُوَ أَن يحلف بِاللَّه، قَالَ أهل الْعلم: وَلَا حلف فَوق الْحلف بِاللَّه.
وَقَوله: ﴿لَئِن أَمرتهم ليخرجن﴾ أَي: لَئِن أَمرتهم بِالْخرُوجِ إِلَى الْجِهَاد ليخرجن.
وَقَوله: ﴿قل لَا تقسموا﴾ أَي: لَا تحلفُوا.
وَقَوله: ﴿طَاعَة مَعْرُوفَة﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: ليكن مِنْكُم طَاعَة مَعْرُوفَة، وَالْآخر: طَاعَة مَعْرُوفَة أمثل من يَمِين بالْقَوْل لَا يُوَافِقهَا الِاعْتِقَاد، وَالثَّالِث: هَذِه طَاعَة مَعْرُوفَة مِنْكُم أَن تحلفُوا كاذبين، وَأَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، وَمَعْنَاهُ: هَذَا أَمر مَعْرُوف مِنْكُم.
وَقَوله: ﴿إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن توَلّوا﴾ أَي: فَإِن تَتَوَلَّوْا، وَقيل: فَإِن يتولوا، بِصَرْف خطابه المواجهة إِلَى المغايبة.
وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حمل﴾ أَي: على الرَّسُول مَا حمل من التَّبْلِيغ.
﴿وَعَلَيْكُم مَا حملتم﴾ من الْإِجَابَة أَي: إِن أجبتم فلكم الثَّوَاب، وَإِن أَبَيْتُم فَعَلَيْكُم الْعقَاب.
وَقَوله: ﴿وَإِن تطيعوه﴾ يَعْنِي الرَّسُول ﴿تهتدوا﴾ .
وَقَوله: ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ أَي: التَّبْلِيغ الْبَين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي: بعث الله مُحَمَّدًا، فَمَكثَ هُوَ وَأَصْحَابه بِمَكَّة عشر سِنِين، وَأمرُوا
﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا لصالحات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم﴾ بِالصبرِ على أَذَى الْكفَّار، فَكَانُوا يُصْبِحُونَ خَائِفين وَيُمْسُونَ خَائِفين، ثمَّ إِنَّه هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، وَأمرُوا بِالْقِتَالِ وهم على خوفهم، فَكَانَ لَا يُفَارق أحد مِنْهُم سلاحه، فَقَالَ رجل من الْمُسلمين: أما نَأْمَن يَوْمًا من الدَّهْر؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَذكر بعض أهل التَّفْسِير: أَن أَصْحَاب رَسُول الله تمنوا أَن يظهروا على مَكَّة، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم﴾ قَالَ قَتَادَة: كَمَا اسْتخْلف دَاوُد وَسليمَان وَغَيرهمَا من الْأَنْبِيَاء الَّذين ملكوا.
وَاسْتدلَّ أهل الْعلم بِهَذِهِ الْآيَة على صِحَة خلَافَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وهم: أَبُو بكر، وَعمر، وَعُثْمَان، وَعلي - رَضِي الله عَنْهُم - وَمن الْمَشْهُور الْمَعْرُوف بِرِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة، عَن سعيد بن جمْهَان، عَن سفينة أَن النَّبِي قَالَ: " الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحُسَيْن بن النقور بِبَغْدَاد، أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن حبابة، أخبرنَا ابْن بنت منيع عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ، عَن هدبة [بن] خَالِد، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ... الْخَبَر.
خرجه مُسلم فِي الصَّحِيح.
وَقَوله: ﴿وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم﴾ أَي: لَيظْهرَن دينهم على جَمِيع الْأَدْيَان، قَالَ أهل الْعلم: يعين: فَارس وَالروم وَمن أشبههم، وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار: أَن النَّبِي قَالَ: " مَا من بَيت مدر وَلَا وبر فِي الأَرْض إِلَّا ويدخله الله
﴿وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ الْإِسْلَام كرها ".
وَقَوله: ﴿ارتضى لَهُم﴾ اخْتَار لَهُم.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ لعدي بن حَاتِم: " لَيظْهرَن الله هَذَا الدّين، حَتَّى تخرج الظعينة من الْحيرَة تؤم بَيت الله، لَا تخَاف إِلَّا الله وَالذِّئْب على غنمها ". قَالَ عدي بن حَاتِم: فَقلت فِي نَفسِي: فَأَيْنَ اللُّصُوص؟ قَالَ عدي: وَلَقَد رَأَيْت مَا قَالَه رَسُول الله.
وَقَوله: ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ . هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ، وَقد رُوِيَ أَن أَصْحَاب رَسُول الله حِين كَانُوا بِمَكَّة لم يَكُونُوا يصلونَ إِلَّا مختفين، وَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يحفظ صَاحبه حَتَّى يُصَلِّي، وَصَاحبه يحفظه حَتَّى يُصَلِّي، ثمَّ إِنَّهُم لما هَاجرُوا أمنُوا وعبدوا الله جَهرا، ومازال يزْدَاد الْأَمْن إِلَى زَمَاننَا هَذَا ... الحَدِيث.
وَقَوله: ﴿يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا﴾ يَعْنِي: يعبدونني آمِنين وَلَا يشركُونَ.
وَقَوله: ﴿وَمن كفر بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ أَكثر أهل التَّفْسِير على أَنه لَيْسَ الْكفْر هَاهُنَا هُوَ الْكفْر بِاللَّه، وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ كفران النِّعْمَة بترك الطَّاعَة، فَلهَذَا قَالَ: ﴿فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَمِنْهُم من قَالَ: هُوَ الْكفْر بِاللَّه، وَالأَصَح هُوَ الأول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأَطيعُوا الرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾
﴿يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا وَمن كفر بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ (55) وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأَطيعُوا الرَّسُول لَعَلَّكُمْ ترحمون (56) لَا تحسبن الَّذين كفرُوا معجزين فِي الأَرْض ومأواهم النَّار ولبئس الْمصير (57) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم﴾ أَي: افعلوا مَا تَفعلُوا على رَجَاء الرَّحْمَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تحسبن الَّذين كفرُوا معجزين فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: لَا تَظنن الَّذين كفرُوا يفوتون عَنَّا فَوَات من نعجز عَنهُ، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنا لَا نعجز عَن أحدهم، (وَلَيْسَ مَعَهم مَا يَقُولُونَ بِهِ غنى، فَيَكُونُوا بِمَنْزِلَة من عجزوا غَيرهم عَنْهُم) . وَقَوله تَعَالَى: ﴿ومأواهم النَّار ولبئس الْمصير﴾ أَي: ولبئس الْمرجع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ مُجَاهِد: الَّذين ملكت أَيْمَانكُم هم العبيد، وَعَن بَعضهم: أَنهم الْإِمَاء، رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عمر، وَالأَصَح أَنه فِي العبيد وَالْإِمَاء.
قَوْله: ﴿وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم﴾ لَيْسَ هَؤُلَاءِ هم الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء، فَإِن الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء لَا حشمة لأحد مِنْهُم؛ لأَنا بَينا أَنهم الَّذين لَا يميزون، وَلَكِن هَؤُلَاءِ هم الَّذين ميزوا، وَعرفُوا أَمر النِّسَاء، وَلَكِن لم يبلغُوا.
قَوْله: ﴿ثَلَاث مَرَّات﴾ أَي: اسْتَأْذنُوا ثَلَاث مَرَّات.
وَقَوله: ﴿من قبل صَلَاة الْفجْر وَحين تضعون ثيابكم من الظهيرة وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء﴾ خص هَذِه الْأَوْقَات الثَّلَاثَة بِالْأَمر بالاستئذان؛ لِأَنَّهَا أَوْقَات ينْكَشف فِيهَا النَّاس ويبدوا مِنْهُم مَا لَا يحبونَ أَن يرَاهُ أحد، فَإِن قبل الْفجْر ينتبهون من النّوم فينكشفون، وَعند الظهيرة يلقون ثِيَابهمْ ليقيلوا، وَبعد الْعشَاء (الْأَخير) ينكشفون للنوم، فَأمر الله تَعَالَى بالاستئذان فِي هَذِه الْأَوْقَات الثَّلَاثَة لهَذَا الْمَعْنى، وَالْمرَاد من الْآيَة: اسْتِئْذَان الخدم وَالصبيان، فَأَما غَيرهم يستأذنون فِي جَمِيع الْأَحْوَال،
﴿مِنْكُم ثَلَاث مَرَّات من قبل صَلَاة الْفجْر وَحين تضعون ثيابكم من الظهيرة وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء ثَلَاث عورات لكم لَيْسَ عَلَيْكُم وَلَا عَلَيْهِم جنَاح بعدهن﴾ وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لم يكن للْقَوْم ستور وَلَا [حجاب] ، وَكَانَ الخدم والولائد يدْخلُونَ عَلَيْهِم، فيرون مِنْهُم مَا لَا يحبونَ أَن يرى مِنْهُم، فَأمر الله تَعَالَى بالاستئذان، ثمَّ إِن الله تَعَالَى بسط رزفه، وَاتخذ النَّاس ستورا و [حِجَابا] ، فَرَأَوْا أَن ذَلِك قد أغْنى من الاسْتِئْذَان، قَالَ الشّعبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير: هَذِه الْآيَة غير مَنْسُوخَة لَكِن تهاون النَّاس.
وَحكى عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: ثَلَاث آيَات من الْقُرْآن لَا يعْمل النَّاس بهَا، وَذكر هَذِه الْآيَة وَذكر قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ فَلَا يزَال النَّاس يَقُولُونَ: أَنا ابْن فلَان، وَأكْرم من فلَان، وَأحسن من فلَان، قَالَ عَطاء: ونسيت الثَّالِثَة.
وَقَوله: ﴿ثَلَاث عورات لكم﴾ قرئَ بِرَفْع الثَّاء ونصبه، فَقَوله: ﴿ثَلَاث﴾ بِالرَّفْع، أَي: هِيَ ثَلَاث عورات لكم، وَقَوله: ﴿ثَلَاث عورات لكم﴾ بِالنّصب بدل من قَوْله: " ثَلَاث مَرَّات " فَيكون نصبا على الْبَدَل.
وَقَوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم وَلَا عَلَيْهِم جنَاح﴾ أَي: إِثْم فِي ترك الاسْتِئْذَان فِيمَا سوى هَذِه الْأَوْقَات الثَّلَاثَة.
وَقَوله: ﴿بعدهن﴾ إِشَارَة إِلَى هَذَا الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضكُم على بعض﴾ ابْتِدَاء أَي: هَؤُلَاءِ الخدم والولائد طَوَّافُونَ عَلَيْكُم، يطوفون عَلَيْكُم ليخدموكم، وَمن هَذَا قَوْله فِي الْهِرَّة: " إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات ".
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضكُم على بعض كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات وَالله عليم حَكِيم (58) وَإِذا بلغ الْأَطْفَال مِنْكُم الْحلم فليستأذنوا كَمَا اسْتَأْذن الَّذين من قبلهم كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته وَالله عليم حَكِيم (59) وَالْقَوَاعِد من النِّسَاء﴾
وَقَوله: ﴿بَعْضكُم على بعض﴾ أَي: يطوف بَعْضكُم على بعض.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك يبين الله لكم الْآيَات﴾ أَي: الدلالات، وَقيل: الْأَحْكَام.
وَقَوله: ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ أَي: عليم بِأُمُور خلقه، حَكِيم فِيمَا دبر لَهُم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِذا بلغ الْأَطْفَال مِنْكُم الْحلم فليستأذنوا﴾ قَوْله: ﴿الْحلم﴾ أَي: الِاحْتِلَام، وَقَوله: ﴿فليستأذنوا﴾ (كَمَا اسْتَأْذن الرِّجَال البالغون، وَيُقَال) : ﴿كَمَا اسْتَأْذن الَّذين من قبلهم﴾ يَعْنِي: كَمَا اسْتَأْذن الَّذين من قبلهم، (مَعَ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى) .
وَقَوله: ﴿كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته﴾ أَي: أَحْكَامه.
وَقَوله: ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ قد بَينا.