الهمزة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنا لما سمعنَا الْهدى آمنا بِهِ﴾ أَي: بِالْهدى، وَالْهدى هُوَ الْقُرْآن لِأَنَّهُ يهدي النَّاس.
وَقَوله: ﴿فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخسا وَلَا رهقا﴾ أَي: نُقْصَانا من حَسَنَاته وَلَا زِيَادَة فِي سيئاته.
وَقيل: أَي: ظلما.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنا منا الْمُسلمُونَ وَمنا القاسطون﴾ أَي: الجائرون هم الْكفَّار.
يُقَال: أقسط إِذا عدل، وقسط إِذا جَار.
فَمن أقسط مقسط، وَمن قسط قاسط.
قَالَ الفرزدق:
(قومِي هم قتلوا ابْن هِنْد عنْوَة ... عمرا وهم قسطوا على النُّعْمَان)
﴿وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا (15) وَأَن لَو استقاموا على الطَّرِيقَة لأسقيناهم مَاء غدقا (16) لنفتنهم فِيهِ وَمن يعرض عَن ذكر ربه يسلكه عذَابا﴾ .
أَي: جاروا.
وَقَوله: ﴿فَمن أسلم فَأُولَئِك تحروا رشدا﴾ أَي: طلبُوا الرشد (وتوخوا) لَهُ.
والمتحري والمتوخي بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَوله: ﴿وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا﴾ أَي: الْكَافِرُونَ، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن لَو استقاموا على الطَّرِيقَة﴾ فِي الطَّرِيقَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا الْإِيمَان، وَهَذَا قَول مُجَاهِد وَقَتَادَة وَعِكْرِمَة وَجَمَاعَة، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحتنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض وَلَكِن كذبُوا﴾ .
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الطَّرِيقَة هَاهُنَا طَريقَة الْكفْر والضلالة، وَهَذَا قَول أبي مجلز لَاحق بن حميد من التَّابِعين، وَهُوَ قَول الْفراء وَجَمَاعَة، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضَّة﴾ الْآيَة.
فَجعل تماديهم فِي الْكفْر سَببا لتوسيع النعم عَلَيْهِم، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء﴾ الْآيَة، وَمَعْنَاهُ: أَبْوَاب كل شَيْء من الْخيرَات وَالنعَم.
قَالُوا: وَالْقَوْل الأول أولى؛ لِأَنَّهُ عرف الطَّرِيقَة بِالْألف وَاللَّام، فَيَنْصَرِف إِلَى الطَّرِيقَة الْمَعْرُوفَة الْمَعْهُودَة شرعا وَهِي الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿لأسقيناهم مَاء غدقا﴾ أَي: كثيرا.
تَقول الْعَرَب: فرس غيداق إِذا كَانَ كثير الجري وَاسِعَة.
وَمَعْنَاهُ: أكثرنا لَهُم المَال وَالنعْمَة؛ لِأَن كَثْرَة المَاء سَبَب لِكَثْرَة المَال.
وَقَوله: ﴿لنفتنهم فِيهِ﴾ أَي: لنبتليهم فِيهِ، ونختبرهم فِيهِ.
﴿صعدا (17) وَأَن الْمَسَاجِد لله فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا (18) ﴾ .
وَاسْتدلَّ بِهَذَا من قَالَ: إِن معنى الطَّرِيقَة هُوَ الْكفْر والضلالة؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿ولنفتنهم فِيهِ﴾ وَهَذَا لَا يلْزم من قَالَ بالْقَوْل الأول؛ لِأَن كَثْرَة النعم فتْنَة للْمُؤْمِنين والكفرة جَمِيعًا.
وَقَوله: ﴿وَمن يعرض عَن ذكر ربه﴾ أَي: عَن الْإِيمَان بربه ﴿يسلكه عذَابا صعدا﴾ أَي: شاقا.
وَالْعَذَاب الشاق هُوَ النَّار، وَمَعْنَاهُ: يدْخلهُ النَّار.
وَمِنْه قَول عمر رَضِي الله عَنهُ: مَا تَصعَّدَنِي شَيْء مَا تَصَعَّدَتْنِي خطْبَة النِّكَاح.
أَي شقَّتْ.
وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن قَوْله: ﴿صعدا﴾ هُوَ جبل فِي جَهَنَّم.
وَقيل: هُوَ صَخْرَة من نَار يُكَلف الصعُود عَلَيْهَا، فَإِذا صعد عَلَيْهَا وَقع فِي الدَّرك الْأَسْفَل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن الْمَسَاجِد لله فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا﴾ اتّفق الْقُرَّاء على فتح الْألف فِي هَذِه الْآيَة، وَعلة النصب أَن مَعْنَاهُ: وَلِأَن الْمَسَاجِد لله، ثمَّ حذفت اللَّام فانتصب الْألف.
وَقيل: انتصبت لِأَن مَعْنَاهُ: أوحى إِلَيّ أَن الْمَسَاجِد لله.
وَسبب نزُول هَذِه الْآيَة أَن الْجِنّ قَالُوا للنَّبِي: نَحن نود أَن نصلي مَعَك، فَكيف نَفْعل وَنحن ناءون عَنْك؟ فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿وَأَن الْمَسَاجِد لله﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنكُمْ إِن صليتم فمقصودكم حَاصِل من عبَادَة الله تَعَالَى، فَلَا تُشْرِكُوا بِهِ أحدا، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا﴾ وَيُقَال: هُوَ ابْتِدَاء كَلَام.
وَالْمعْنَى: أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى يشركُونَ فِي البيع والصوامع، وَكَذَلِكَ الْمُشْركُونَ فِي عبَادَة الْأَصْنَام، فَأنْتم أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ اعلموا أَن الصَّلَوَات وَالسُّجُود والمساجد كلهَا لله، فَلَا تُشْرِكُوا مَعَه أحدا.
وَفِي الْمَسَاجِد أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا بِمَعْنى السُّجُود، وَهِي جمع مَسْجِد.
يُقَال: سجدت سجودا ومسجدا وَالْمعْنَى: أَن السُّجُود لله يَعْنِي: هُوَ الْمُسْتَحق للسُّجُود.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْمَسَاجِد هِيَ الْمَوَاضِع المبنية للصَّلَاة المهيأة لَهَا، وَهِي جمع مَسْجِد، وَمعنى قَوْله: ﴿لله﴾ نفي الْملك عَنْهَا، أَو مَعْنَاهُ: الْأَمر بإخلاص الْعِبَادَة فِيهَا لله.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْمَسَاجِد هِيَ الْأَعْضَاء الَّتِي يسْجد عَلَيْهَا الْإِنْسَان من جَبهته وَيَديه وركبتيه وقدميه، وَالْمعْنَى: أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يسْجد على هَذِه الْأَعْضَاء إِلَّا لله.