النور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم عَن السّمع لمعزولون﴾ أَي: [لمحجوبون] ? فَإِنَّهُم حجبوا من
﴿فَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر فَتكون من الْمُعَذَّبين (213) وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين (214) ﴾ السَّمَاء وَمنعُوا بِالشُّهُبِ على مَا ذكرنَا من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر فَتكون من الْمُعَذَّبين﴾ روى أَن الْمُشْركين قَالُوا لَهُ: ارْجع إِلَى دين آبَائِك، فَإِن أردْت المَال جَمعنَا لَك المَال، وَإِن أردْت الرِّئَاسَة قلدناك الرِّئَاسَة علينا، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿فَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر فَتكون من الْمُعَذَّبين﴾ أَي: فِي النَّار.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ روى الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب [وأبى] سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، عَن أبي هُرَيْرَة أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ قَالَ النَّبِي: " يَا معشر قُرَيْش، اشْتَروا انفسكم من الله تَعَالَى، وَلَا أُغني عَنْكُم من الله شَيْئا، يَا بني عبد منَاف لَا أغْنى عَنْكُم من الله شَيْئا، يَا عَبَّاس بن عبد الْمطلب، لَا أغْنى عَنْكُم من الله شَيْئا، يَا صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب، لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا، يَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد، سليني من مَالِي مَا شِئْت، لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا ". قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، أخبرنَا جدى، أخبرنَا الْفربرِي، أخبرنَا البُخَارِيّ، أخبرنَا أَبُو الْيَمَان، أخبرنَا شُعَيْب، عَن الزُّهْرِيّ ... الْخَبَر.
وروى سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس: أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة صعد رَسُول الله الصَّفَا ثمَّ قَالَ: يَا صَبَاحَاه فَاجْتمع عِنْده قُرَيْش، فَقَالُوا لَهُ: مَالك؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتُم لَو قلت: إِن الْعَدو مصبحكم أَو ممسيكم، أَكُنْتُم تصدقونني؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: إِنِّي نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد، قَالَ أَبُو لَهب: تَبًّا لَك، أَلِهَذَا دَعوتنَا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى:
﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ (215) فَإِن عصوك فَقل إِنِّي بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وتوكل على الْعَزِيز الرَّحِيم (217) الَّذِي يراك حِين تقوم (218) {تبت يدا أبي لَهب وَتب﴾ ". وَالْخَبَر فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي قَالَ لعَلي رَضِي الله عَنهُ: " اجْمَعْ لي بني عيد منَاف، فَجَمعهُمْ على فَخذ شَاة وَقَعْب من لبن، فَلَمَّا أكلُوا وَشَرِبُوا، قَالَ لَهُم رَسُول الله مَا قَالَ، ودعاهم إِلَى الله، فَقَامَ أَبُو لَهب وَقَالَ مَا ذكرنَا وَخَرجُوا ".
وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن النَّبِي خص بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب بِالدُّعَاءِ، وَقَالَ: " أَنْتُم خاصتي ".
وَقَوله: ﴿واخفص جناحك لمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: ألن جَانِبك وَحسن خلقك.
وَقَوله: ﴿فَإِن عصوك فَقل إِنِّي بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وتوكل على الْعَزِيز الرَّحِيم﴾ وَفِي مصحف الْمَدَنِيين والشاميين " فتوكل " بِالْفَاءِ، وَالْفَاء فِيهَا بِمَعْنى الْجَزَاء، وَمعنى ذَلِك: أَنهم إِذا عصوا فقابل عصيانهم بالتوكل عَليّ.
قَوْله: ﴿الَّذِي يراك حِين تقوم﴾ أَي: تقوم لدعائهم، وَقِرَاءَة الْقُرْآن عَلَيْهِم، وَيُقَال: تقوم من نومك للصَّلَاة، وَقيل: إِذا صليت وَحدك.
{وتقلبك فِي الساجدين (219) إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (220) هَل أنبئكم على من تنزل الشَّيَاطِين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون السّمع وَأَكْثَرهم كاذبون (223) .
وَقَوله: ﴿وتقلبك فِي الساجدين﴾ [أَي:] إِذا صليت جمَاعَة، وَعَن ابْن عَبَّاس مَعْنَاهُ قَالَ: أخرجه من صلب نَبِي إِلَى صلب نَبِي إِلَى صلب نَبِي هَكَذَا إِلَى أَن جعله نَبيا، فَهَذَا معنى التقلب.
والساجدون هم الْأَنْبِيَاء - صلوَات اللَّهُمَّ عَلَيْهِم - وَعَن مُجَاهِد قَالَ: معنى قَوْله: ﴿وتقلبك فِي الساجدين﴾ هُوَ تقلب الطّرف، وَقد كَانَ يرى من خَلفه مَا كَانَ يرى من قدامه.
وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل أنبئكم على من تنزل الشَّيَاطِين﴾ أَي: هَل أخْبركُم، وَهِي جَوَاب لقَولهم: إِن شَيْطَانا ينزل عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿تنزل على كل أفاك أثيم﴾ أَي: تتنزل، والأفاك هُوَ الشَّديد الْكَذِب، والأثيم هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِمَا يَأْثَم بِهِ ويقبح فعله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يلقون السّمع﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: المُرَاد مِنْهُ الكهنة، وَمعنى ﴿يلقون السّمع﴾ أَي: يَسْتَمِعُون إِلَى الشَّيَاطِين.
وَقَوله: ﴿وَأَكْثَرهم كاذبون﴾ أَي: كلهم، وروى عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَت: قلت يَا رَسُول الله، إِن الْكُهَّان يخبرون بأَشْيَاء وَتَكون حَقًا؟ ! قَالَ: " تِلْكَ الْخَطفَة يَخْطفهَا الجنى، فيلقيها فِي سمع الكاهن، فيكذب مَعهَا مائَة كذب ".
وَقد ذكرنَا انهم يسْتَرقونَ من الْمَلَائِكَة، ويعلوا بَعضهم بَعْضًا ثمَّ يرْمونَ بِالشُّهُبِ.
{وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ (224) ألم تَرَ أَنهم فِي كل وَاد يهيمون (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) . وَفِي الْخَبَر الْمَشْهُور الْمَعْرُوف: أَن النَّبِي قَالَ: " من أَتَى كَاهِنًا أَو عرافا فَصدقهُ بِمَا يَقُولُونَ، فقد كفر بِمَا أنزل على مُحَمَّد ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: المُرَاد من الشُّعَرَاء هم الشُّعَرَاء الَّذين كَانُوا يَهْجُونَ الْمُسلمين من الْكفَّار، ويسبون النَّبِي، وهم مثل: عبد الله بن الزِّبَعْرَى، وَأبي عزة الجُمَحِي، وَأبي سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وهبيرة بن وهب، وَمن أشبههم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يتبعهُم الْغَاوُونَ﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الروَاة.
وروى الضَّحَّاك عَنهُ: أَن المُرَاد من الْآيَة هُوَ الشَّاعِر أَن يتهاجيان فَيتبع هَذَا قوم، وَيتبع ذَاك قوم.
وَعَن مُجَاهِد: الْغَاوُونَ هم الشَّيَاطِين، وَعَن بَعضهم: هم السُّفَهَاء من النَّاس.
وَفِي الْأَخْبَار: أَن النَّبِي قَالَ: " من مَشى سَبْعَة أَقْدَام إِلَى شَاعِر فَهُوَ من الغاوين " وَالْخَبَر غَرِيب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَنهم فِي كل وَاد يهيمون﴾ أى: فِي كل مرّة يفتنون، وَذكر الْوَادي على طَرِيق التَّمْثِيل، يُقَال: أَنا فِي وَاد، وَأَنت فِي وَاد، وَعَن قَتَادَة قَالَ: فِي وَاد يهيمون: أَن يمدحون بِالْبَاطِلِ ويذمون بِالْبَاطِلِ.
قَالَ بَعضهم: إِن الشَّاعِر يمدح بالصلة، ويهجو بالحمية، ويتشبب بِالنسَاء، ويثير خاطره العشيق، وَقَالَ بَعضهم: فِي
﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ كل وَاد يهيمون أَي: على حرف من حُرُوف الهجاء يصوغون القوافي، والهائم هُوَ الَّذِي ترك الْقَصْد فِي الْأَشْيَاء؛ يُقَال: هام فلَان على وَجهه إِذا لم يكن لَهُ مقصد صَحِيح يَقْصِدهُ وَيذْهب إِلَيْهِ.
قَوْله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ أَي: يكذبُون فِي شعرهم، وَيَقُولُونَ: فعلنَا كَذَا وَكَذَا وَلم يَفْعَلُوا، وَفِي بعض الْآثَار: أَن أَبَا محجن الثَّقَفِيّ قَالَ شعرًا وَأقر فِيهِ بِشرب الْخمر، فَأَرَادَ عمر أَن يحده، فَقَالَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - إِن كتاب الله يدْرَأ عَنهُ الْحَد، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولَن مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ فَترك عمر حَده.
وَقَوله: ﴿إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: هَؤُلَاءِ شعراء الْمُسلمين الَّذين كَانُوا يجتنبون شعراء الْجَاهِلِيَّة ويهجونهم، ويذبون عَن النَّبِي وَأَصْحَابه، وينافحون عَنْهُم، وهم مثل: حسان بن ثَابت، وَعبد الله بن رَوَاحَة، وَكَعب ابْن مَالك، وَمن أشبههم.
وروى عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك، عَن أَبِيه أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله، مَا تَقول فِي الشّعْر؟ فَقَالَ: " إِن الْمُسلم ليجاهد بِيَدِهِ وَلسَانه، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لكَأَنَّمَا ترمونهم بالنبال ".
وروى شُعْبَة، عَن عدي بن ثَابت، عَن الْبَراء بن عَازِب أَن النَّبِي قَالَ لحسان بن ثَابت: " أهجم - أَو هاجهم - وروح الْقُدس مَعَك ". ذكره البُخَارِيّ فِي
﴿وَذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد مَا ظلمُوا الصَّحِيح.
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، حَدثنِي جدي، أخبرنَا الْفربرِي، أخبرنَا البُخَارِيّ، أخبرنَا حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة ... الْخَبَر.
وَعَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنهُ - أَنَّهَا قَالَت: الشّعْر كَلَام، فَمِنْهُ الْحسن وَمِنْه الْقَبِيح، فَخذ الْحسن ودع الْقَبِيح.
وروى أبي بن كَعْب عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن من الشّعْر لحكمة ".
وَعَن بَعضهم قَالَ: الشّعْر أدنى دَرَجَات الرفيع، وَأَرْفَع دَرَجَات الدنيء.
وَعَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ " كَانَ أَبُو بكر - رَضِي الله عَنهُ - يَقُول الشّعْر، وَكَانَ عمر - رَضِي الله عَنهُ - يَقُول الشّعْر، وَكَانَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أشعر الثَّلَاثَة.
وَفِي بعض التفاسير: أَن قَوْله: {إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ هم أَبُو بكر وَعمر - رَضِي الله عَنْهُم - وَهُوَ قَول غَرِيب.
وَعَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: إِذا أَرَأَيْت الشَّيْخ ينشد الشّعْر فِي الْمَسْجِد، فاقرع رَأسه بالعصا.
وَأما عبد الله بن عَبَّاس كَانَ ينشد الشّعْر فِي الْمَسْجِد ويستنشد، فروى أَنه دَعَا عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي واستنشده القصيدة الَّتِي أنشدها، فِي أَوله.
(أَمن آل نعمى أَنْت غاد فمبكر ... غَدَاة غَد أَو رائح فمهجر)
فأنشده ابْن أبي ربيعَة القصيدة إِلَى آخرهَا، وَهِي قريب من سبعين بَيْتا، ثمَّ إِن ابْن عَبَّاس أعَاد القصيدة جمعيها، وَكَانَ حفظهَا لمرة وَاحِدَة ثمَّ قَالَ: مَا رَأَيْت أروى من عمر، وَلَا أعلم من عَليّ.
هَذِه الْحِكَايَة أوردهَا الْمبرد فِي مُشكل الْقُرْآن.
قَوْله: ﴿وَذكروا الله كثيرا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون (227)
وَقَوله: {وانتصروا من بعد مَا ظلمُوا﴾ يَعْنِي: بِجَوَاب الْكفَّار عَن أشعارهم الَّتِي هجوا بهَا الْمُسلمين، قَالَ حسان بن ثَابت:
(هجوت مُحَمَّدًا فأجبت عَنهُ ... وَعند الله فِي ذَاك الْجَزَاء)
فَإِن أَبى ووالدتي وعرضي ... لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاء)
وَقَوله: ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا﴾ أَي: الْكفَّار الَّذين هجوا الْمُسلمين.
وَقَوله: ﴿أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ أَي: أَي مرجع يرجعُونَ، وَقُرِئَ فِي الشاذ: " أَي منفلت ينفلتون بِالْفَاءِ من الإنفلات والوقوع فِي الشَّيْء وَقد ذكر أَبُو بكر الصّديق - رَضِي الله عَنهُ - هَذِه الْآيَة فِي وَصِيَّة لعمر - رَضِي الله عَنهُ - حِين اسْتَخْلَفَهُ، فروى أَنه قَالَ لعُثْمَان - رَضِي الله عَنهُ - أكتب: هَذَا مَا عهد أَبُو بكر عِنْد آخر عَهده بالدنيا وَأول عَهده بِالآخِرَة، حِين يُؤمن الْفَاجِر وَيصدق الْكَاذِب، إِنِّي اسْتخْلف عَلَيْكُم عمر بن الْخطاب، فَإِن بر وَصدق فَذَلِك ظَنِّي بِهِ، وَإِن غير وَبدل فالخير أردْت، وَلَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله، وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
{طس تِلْكَ آيَات الْقُرْآن وَكتاب مُبين (1) هدى وبشرى للْمُؤْمِنين (2) الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَهُوَ بِالآخِرَة هُوَ يوقنون (3) إِن الَّذين لَا تَفْسِير سُورَة النَّمْل
وَهِي مَكِّيَّة
قَوْله تَعَالَى: ﴿طس﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ فِي السُّورَة الْمُتَقَدّمَة.
وَقَوله: ﴿تِلْكَ آيَات الْقُرْآن﴾ أَي: هَذِه آيَات الْقُرْآن.
﴿وَكتاب﴾ أَي: وآيات كتاب مُبين، وَأما اشتقاق الْقُرْآن وَالْكتاب قد بَينا، قَالَ أهل الْمعَانِي: أظهر الْآيَات بِالْقِرَاءَةِ تَارَة، وبالكتبة تَارَة أُخْرَى، فالآيات مظهرة بِكَوْنِهَا كتابا، وبكونها قُرْآنًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هدى وبشرى للْمُؤْمِنين﴾ أَي: هدى من الضَّلَالَة، وبشرى بالثواب وَهُوَ الْجنَّة، وَيُقَال: الْآيَات هادية مبشرة.
وَقَوله: ﴿للْمُؤْمِنين﴾ أَي: للمصدقين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة﴾ إِقَامَة الصَّلَاة أَدَاؤُهَا بفرائضها وسننها، وَقيل: إِقَامَة الصَّلَاة حفظ مواقيتها.
وَقَوله: (وَيُؤْتونَ الزَّكَاة) أَي: يُعْطون الزَّكَاة، وَالزَّكَاة هِيَ زَكَاة المَال، وَقيل: زَكَاة الْفطر.
وَقَوله: (وَهُوَ بِالآخِرَة هُوَ يوقنون) أَي: يصدقون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة زينا لَهُم أَعْمَالهم﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَنَّهَا أَعمال الْمعْصِيَة، وَقيل: أَعمال الطَّاعَات وَذَلِكَ بِإِقَامَة الدَّلِيل على حسنها.
وَقَوله: ﴿فهم يعمهون﴾ أَي: يتحيرون ويترددون، وَيُقَال: يعمون.
{يُؤمنُونَ بِالآخِرَة زينا لَهُم أَعْمَالهم فهم يعمهون (4) أُولَئِكَ الَّذين لَهُم سوء الْعَذَاب وَهُوَ فِي الْآخِرَة هم الأخسرون (5) وَإنَّك لتلقي الْقُرْآن من لدن حَكِيم عليم (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهله إِنِّي آنست نَارا سآتيكم مِنْهَا بِخَبَر أَو آتيكم
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذين لَهُم سوء الْعَذَاب﴾ أَي: أشده.
وَقَوله: ﴿وهم فِي الْآخِرَة هم الأخسرون﴾ أَي: حظا ونصيبا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّك لتلقي الْقُرْآن من لدن حَكِيم عليم﴾ أَي: تؤتي الْقُرْآن، وَقيل: تَأْخُذ الْقُرْآن، وَقيل: تلقن.
وَقَوله: ﴿من لدن حَكِيم عليم﴾ أَي: من عِنْده.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا قَالَ مُوسَى لأَهله إِنِّي آنست نَارا﴾ أَي: أَبْصرت نَارا، وَمِنْه الْإِنْس سموا إنسا؛ لأَنهم مرئيون مبصرون، وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى كَانَ أَخطَأ الطَّرِيق، وَذكر بَعضهم أَن مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - كَانَ يرْعَى أغنامه على شَفير الْوَادي، فرأت الأغنام النَّار فَفَزِعت، وَتَفَرَّقَتْ وَلم يكن مُوسَى راءها، فصاح بهَا مُوسَى بالأغنام حَتَّى اجْتمعت ثمَّ تَفَرَّقت ثَانِيًا، فصاح بهَا حَتَّى اجْتمعت ثمَّ تَفَرَّقت ثَالِثا، فَنظر مُوسَى فَرَأى النَّار فَذهب مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - فِي طلبَهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سآتيكم مِنْهَا بِخَبَر﴾ أَي: بِخَبَر عَن الطَّرِيق.
وَقَوله: ﴿أَو آتيكم بشهاب قبس﴾ قرئَ بِالتَّنْوِينِ، وَقُرِئَ على الْإِضَافَة: " بشهاب قبس " والشهاب والقبس مَعْنَاهُمَا متقاربان، فالعود إِذا كَانَ فِي أحد طَرفَيْهِ نَار، وَلَيْسَ فِي الطّرف الآخر نَار سمي: شهابا، وَيُسمى: قبسا، وَقَالَ بَعضهم: الشهَاب هُوَ شَيْء ذُو نور مثل العمود، وَالْعرب تسمي كل أَبيض ذِي نور: شهابا، والقبس هُوَ الْقطعَة من النَّار، قَالَ الشَّاعِر: (فِي كَفه صعدة مثقفة
(لَهَا) سِنَان كشعلة القبس) وَأما قِرَاءَة التَّنْوِين فقد جعل القبس نعتا لِلشِّهَابِ، وَأما قِرَاءَة الْإِضَافَة هُوَ إِضَافَة
﴿بشهاب قبس لَعَلَّكُمْ تصطلون (7) فَلَمَّا جاءها نُودي أَن بورك من فِي النَّار وَمن لشَيْء إِلَى نَفسه، مثل قَوْله تَعَالَى: {ولدار الْآخِرَة﴾ وَمثل قَوْلهم: يَوْم الْجُمُعَة، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تصطلون﴾ فِيهِ دَلِيل على أَنهم كَانُوا شَاتين، وَإنَّهُ أَصَابَهُ الْبرد وَالْعرب تَقول: هَلُمَّ إِلَى الصلى والقرى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جاءها نُودي أَن بورك من فِي النَّار﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لم يكن مَا رَآهُ نَارا، بل كَانَ نورا، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ نَارا؛ لِأَن النَّار لَا تَخْلُو من النُّور؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي ظن مُوسَى أَنه نَار.
وَقَوله: ﴿من فِي النَّار﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَكثر الْمُفَسّرين على أَنه نور الرب، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَغَيرهم، وَذكر أَبُو بكر الْهُذلِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه الله تَعَالَى، وَذكر الْفراء أَن من فِي النَّار هُوَ الْمَلَائِكَة، وَمن حولهَا الْمَلَائِكَة أَيْضا (على القَوْل الأول، وَمن حولهَا الْمَلَائِكَة أَيْضا) .
وَفِي الْآيَة قَوْله رَابِع: وَهُوَ أَن من فِي النَّار مُوسَى، فَإِن قيل: لم يكن مُوسَى فِي النَّار.
قُلْنَا: قد كَانَ قَرِيبا من النَّار، وَالْعرب تسمي من قرب من الشَّيْء فِي الشَّيْء يَقُولُونَ: إِذا بلغت ذَات عرق فَأَنت فِي مَكَّة، قَالُوا هَذَا لأجل الْقرب من مَكَّة، ومُوسَى قد كَانَ قرب من النَّار فَجعله كَأَنَّهُ فِي النَّار.
وَفِي الْآيَة قَول خَامِس: وَهُوَ أَن " من " بِمَعْنى " مَا " وَمعنى الْآيَة: أَن بوركت النَّار وَمَا حولهَا، وَذكر بَعضهم، أَن فِي قِرَاءَة أبي: " بوركت النَّار وَمن حولهَا " وَالْعرب تَقول: بَارك الله، وَبَارك الله عَلَيْك، وبورك فِيك بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَوله: ﴿وَسُبْحَان الله رب الْعَالمين﴾ نزه الله نَفسه، وَهُوَ المنزه عَن كل سوء
{حولهَا وَسُبْحَان الله رب الْعَالمين (8) يَا مُوسَى إِنَّه أَنا الله الْعَزِيز الْحَكِيم (9) وألق عصاك فَلَمَّا رَآهَا تهتز كَأَنَّهَا جَان ولى مُدبرا وَلم يعقب يَا مُوسَى لَا تخف إِنِّي وعيب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّه أَنا الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: إِنِّي أَنا الله الْعَزِيز الْحَكِيم.
قَالَ الْفراء: الْهَاء عماد فِي هَذَا الْموضع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وألق عصاك فَلَمَّا رَآهَا تهتز﴾ أَي: تتحرك.
وَقَوله: ﴿كَأَنَّهَا جآن﴾ الجآن هِيَ الْحَيَّة الصَّغِيرَة الَّتِي يكثر اضطرا بهَا، وَقد بَينا التَّوْفِيق بَين هَذِه الْآيَة وَبَين قَوْله: ﴿فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ .
وَقَوله: ﴿ولى مُدبرا﴾ : أَي: هرب، وَيُقَال: رَجَعَ إِلَى الطَّرِيق الَّتِي جَاءَ مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿وَلم يعقب﴾ أَي: لم يلْتَفت.
وَقَوله: ﴿يَا مُوسَى لَا تخف﴾ (فِي بعض التفاسير: أَن مُوسَى لما فزع وهرب قَالَ الله تَعَالَى لَهُ: ﴿أقبل﴾ فَلم يرجع، فَقَالَ: ﴿لَا تخف﴾ إِنَّك من الْآمنينَ) فَلم يرجع، فَقَالَ: ﴿سنعيدها سيرتها الأولى﴾ فَلم يرجع حَتَّى جعلهَا عَصا كَمَا كَانَت، ثمَّ رَجَعَ وَأَخذهَا، وَالله أعلم.
قَوْله: ﴿إِنِّي لَا يخَاف لَدَى المُرْسَلُونَ﴾ يَعْنِي: إِذا أمنتهم، وَقيل: لَا يخَافُونَ من عقوبتي، فَإِنِّي لَا أعاقبهم.
فَإِن قيل: أَلَيْسَ أَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء خَافُوا الله، وَقد كَانَ النَّبِي يخْشَى الله، وَقد قَالَ: " أَنا أخشاكم "؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْخَوْف الَّذِي هُوَ شَرط الْإِيمَان لَا يجوز
{لَا يخَاف لدي المُرْسَلُونَ (10) إِلَّا من ظلم ثمَّ بدل حسنا بعد سوء فَإِنِّي غَفُور رَحِيم (11) وَأدْخل يدك فِي جيبك تخرج بَيْضَاء من غير سوء فِي تسع آيَات إِلَى أَن يَخْلُو أحد مِنْهُ، فَأَما هَذَا الْخَوْف من الْعقُوبَة على الْكفْر والكبائر، وَالله تَعَالَى قد عصم الْأَنْبِيَاء من الْكفْر والكبائر.
وَقَوله: ﴿إِلَّا من ظلم﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: وَلَا من ظلم ﴿ثمَّ بدل حسنا بعد سوء﴾ أَي: تَابَ وَنَدم، وَهَذَا القَوْل ضَعِيف عِنْد أهل النَّحْو، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى الْآيَة: إِنِّي لَا يخَاف لَدَى المُرْسَلُونَ وَإِنَّمَا يخَاف غير الْمُرْسلين، إِلَّا من ظلم ثمَّ بدل حسنا بعد سوء فَإِنَّهُ لَا يخَاف، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الِاسْتِثْنَاء هَا هُنَا مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن من ظلم فخاف فَإِن بدل حسنا بعد سوء فَإِنَّهُ لَا يخَاف.
وَفِي بعض التفاسير: أَن المُرَاد بقوله: ﴿إِلَّا من ظلم﴾ هُوَ مُوسَى بقتْله القبطي، وَأما تبديله الْحسن بعد السوء تَوْبَته وندامته، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأدْخل يَديك فِي جيبك تخرج بَيْضَاء من غير سوء﴾ قد بَينا، وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا كَانَت تلألأ مثل الْبَرْق.
وَقَوله: ﴿فِي تسع آيَات﴾ أَي: مَعَ تسع آيَات، وَقيل: من تسع آيَات، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
[وَهل] ينعمن من كَانَ آخر عَهده ... [ثَلَاثِينَ] شهرا فِي ثَلَاثَة أَحْوَال
أَي: من ثَلَاثَة أَحْوَال.
وَقَوله: ﴿إِلَى فِرْعَوْن وَقَومه إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين﴾ أَي: خَارِجين من الطَّاعَة.