تفسير السمعانيالنبأ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النبأ

عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿وَالْإِيمَان من قبلهم يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم﴾ وَقَوله: ﴿تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان﴾ أَي: استوطنوا الْمَدِينَة، وقبلوا الْإِيمَان.
وَقيل: تبوءوا الدَّار أَي: أعدُّوا الديار للمهاجرين وواسوهم فِي كل مَالهم.
وَقَوله: ﴿وَالْإِيمَان﴾ أَي: جعلُوا دُورهمْ دور الْإِيمَان، وَذَلِكَ بإظهارهم الْإِيمَان فِيمَا بَينهم، فَإِن قيل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿من قبلهم﴾ وَالْأَنْصَار إِنَّمَا آمنُوا من بعد الْمُهَاجِرين؟ وَالْجَوَاب أَن قَوْله: ﴿من قبلهم﴾ ينْصَرف إِلَى تبوء الدَّار لَا إِلَى الْإِيمَان وَالثَّانِي أَن قَوْله ﴿من قبلهم﴾ وَإِن انْصَرف إِلَى الْإِيمَان فَالْمُرَاد مِنْهُ قبل هجرتهم؛ لِأَن الْأَنْصَار كَانُوا قد آمنُوا قبل هجرتهم.
وَقَوله: ﴿يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم﴾ أَي: من أهل مَكَّة وَغَيرهم.
وَقَوله: ﴿وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا﴾ قَالَ قَتَادَة: وَعند كثير من الْمُفَسّرين مَعْنَاهُ: حسدا مِمَّا أعْطوا، وَقيل: ضيقا فِي قُلُوبهم مِمَّا أعطي الْمُهَاجِرين، وَهُوَ بِمَعْنى الأول.
وَقد ذكرنَا مَا أعْطى رَسُول الله الْمُهَاجِرين من أَمْوَال بني النَّضِير، فَالْمَعْنى ينْصَرف إِلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿ويؤثرون على أنفسهم﴾ أَي: يقدمُونَ الْمُهَاجِرين على أنفسهم.
وَقَوله: ﴿وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ أَي: فقر وحاجة.
وَمن الْمَعْرُوف بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن بعض الْأَنْصَار أضَاف رجلا من الْفُقَرَاء، وَلم يكن عِنْده فضل عَمَّا يَأْكُلهُ وَيَأْكُل أَهله وصبيانه.
وَفِي رِوَايَة: أَن ذَلِك الرجل كَانَ جَاع ثَلَاثَة أَيَّام وَلم يجد شَيْئا، وَطلب رَسُول الله لَهُ شَيْئا فِي بيُوت أَزوَاجه وَلم يجد، فأضافه هَذَا الْأنْصَارِيّ، حمله إِلَى بَيته وَقَالَ لأَهله: نومي الصبية وأطفئي السراج [بعلة] الْإِصْلَاح، فَفعلت ذَلِك، وَجعلا يمدان أَيْدِيهِمَا ويضربان على (الصحفة) ؛ ليظن الضَّيْف أَنَّهُمَا يأكلان، وَلَا يأكلان ففعلا ذَلِك وَأكل الضَّيْف حَتَّى شبع، فَلَمَّا غَدا

﴿المفلحون (9) وَالَّذين جَاءُوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا﴾ على النَّبِي قَالَ: " لقد عجب الله من صنيعتكم البارحة " فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَمن الْمَعْرُوف أَن النَّبِي قَالَ للْأَنْصَار: " إِنَّكُم لتكثرون عِنْد الْفَزع، وتقلون عِنْد الطمع ". وَقَوله: ﴿وَمن يُوقَ شح نَفسه﴾ أَي: بخل نَفسه ﴿فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ أَي: السُّعَدَاء الفائزون.
وَعَن ابْن مَسْعُود أَن رجلا قَالَ لَهُ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن أعطي من مَالِي شَيْئا أفتخش الْبُخْل.
قَالَ: ذَلِك الْبُخْل، وَبئسَ الشَّيْء الْبُخْل، وَإِنَّمَا الشُّح أَن تَأْخُذ المَال من غير حَقه.
وَقيل: الْبُخْل أَن يبخل بِمَالِه نَفسه وَالشح أَن يبخل بِمَال غَيره وَقَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان وَمن يُوقَ شح نَفسه أَي: حرص نَفسه.
وَقيل: هوى نَفسه.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: هُوَ منع الزَّكَاة.
وَعَن ابْن زيد: هُوَ أَن يَأْخُذ مَا لَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذ، وَيمْنَع مَا لَا يجوز لَهُ مَنعه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين جَاءُوا من بعدهمْ﴾ هم التابعون.
وَقيل: الَّذين يُؤمنُونَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا﴾ أَي: خِيَانَة وحقدا، وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن الترحم للسلف

﴿بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رءوف رَحِيم (10) ألم تَرَ إِلَى﴾ وَالدُّعَاء لَهُم بِالْخَيرِ وَترك ذكرهم بالسوء من عَلامَة الْمُؤمنِينَ.
وَرُوِيَ أَن رجلا جَاءَ إِلَى مَالك بن أنس فَجعل يَقع فِي جمَاعَة من الصَّحَابَة مثل: أبي بكر، وَعمر، وَعُثْمَان، وَغَيرهم، فَقَالَ لَهُ: أَنْت من الْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: أَنْت من الَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم؟ قَالَ: لَا.
فَقَالَ: أشهد أَنَّك لست من الَّذين جَاءُوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: لَيْسَ لمن يَقع فِي الصَّحَابَة وَيذكرهُمْ بالسوء فِي الْفَيْء نصيب، وتلا هَذِه الْآيَات الثَّلَاث.
وَرُوِيَ أَن عمر بن عبد الْعَزِيز سُئِلَ عَمَّا جرى بَين الصَّحَابَة من الْقِتَال وَسَفك الدِّمَاء فَقَالَ: تِلْكَ دِمَاء طهر الله يَدي عَنْهَا، فَلَا أحب أَن أغمس لساني فِيهَا.
من الْمَعْرُوف أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا ذكر أَصْحَابِي فأمسكوا، وَإِذا ذكر الْقدر فأمسكوا " وَالْمرَاد بِهِ الْإِمْسَاك عَن ذكر المساوئ لَاعن ذكر المحاسن.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: " إِذا ذكر النُّجُوم فأمسكوا ". وَقَوله: ﴿رَبنَا إِنَّك رءوف رَحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين نافقوا﴾ هم عبد الله بن أبي سلول، وَعبد الله بن نفَيْل، وَزيد بن رِفَاعَة وَغَيرهم.

﴿الَّذين نافقوا يَقُولُونَ لإخوانهم الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب لَئِن أخرجتم لَنخْرجَنَّ مَعكُمْ وَلَا نطيع فِيكُم أحدا أبدا وَإِن قوتلتم لننصرنكم وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ (11) لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون مَعَهم وَلَئِن قوتلوا لَا ينصرونهم وَلَئِن نصروهم ليولن﴾ وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ لإخوانهم الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم بَنو النَّضِير، قَالَ لَهُم المُنَافِقُونَ ذَلِك قبل أَن أجلوا.
وَالْقَوْل الآخر: أَنهم بَنو قُرَيْظَة، قَالَ لَهُم المُنَافِقُونَ ذَلِك بعد أَن أَجلي بَنو النَّضِير.
وَقَوله: ﴿لَئِن أخرجتم لَنخْرجَنَّ مَعكُمْ﴾ أَي: لَئِن أخرجتم من الْمَدِينَة لَنخْرجَنَّ مَعكُمْ فِي الْقِتَال.
وَقَوله: ﴿وَلَا نطيع فِيكُم أحدا أبدا﴾ أَي: لَا نطيع مُحَمَّدًا فِيكُم.
وَقَوله: ﴿وَإِن قوتلتم لننصرنكم﴾ مَعْنَاهُ: وَلَئِن قاتلكم [مُحَمَّدًا] لنكونن مَعكُمْ فِي الْقِتَال.
وَقَوله: ﴿وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ أَي: فِي هَذَا القَوْل.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون مَعَهم﴾ يَعْنِي: لَئِن أخرج الْيَهُود لَا يخرج مَعَهم المُنَافِقُونَ.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن قوتلوا لَا ينصرونهم﴾ أَي: لَئِن قوتل الْيَهُود لَا ينصرهم المُنَافِقُونَ.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن نصروهم ليولن الأدبار ثمَّ لَا ينْصرُونَ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿لَا ينصرونهم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَئِن نصروهم﴾ وَإِذا أخبر الله تَعَالَى أَنهم لَا ينصرونهم كَيفَ يجوز أَن ينصروهم؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: أَحدهَا: أَن قَوْله: ﴿لَا ينصرونهم﴾ فِي قوم من الْمُنَافِقين، وَقَوله: ﴿وَلَئِن نصروهم﴾ أَي: فِي قوم آخَرين مِنْهُم، وهم الَّذين لم يَقُولُوا ذَلِك القَوْل.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿لَا ينصرونهم﴾ أَي: طائعين.

﴿الأدبار ثمَّ لَا ينْصرُونَ (12) لَأَنْتُم أَشد رهبة فِي صُدُورهمْ من الله ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ (13) لَا يقاتلونكم جَمِيعًا إِلَّا فِي قرى مُحصنَة أَو من وَرَاء جدر بأسهم بَينهم شَدِيد تحسبهم جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ (14) كَمثل الَّذين من﴾ وَقَوله: ﴿وَلَئِن نصروهم﴾ أَي: مكرهين.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن قَوْله: ﴿لَا ينصرونهم﴾ أَي: لَا يدومون على نَصرهم.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن نصروهم﴾ أَي: نصروهم فِي الِابْتِدَاء.
وَالْوَجْه الرَّابِع كَمَا قَالَه الزّجاج: هُوَ أَنهم لَا ينصرونهم على مَا قَالَ الله تَعَالَى، وَقَوله: ﴿وَلَئِن نصروهم﴾ أَي: قصدُوا نصرتهم، لولوا الأدبار أَي: انْهَزمُوا، وَذَلِكَ بِمَا يلقِي الله تَعَالَى فِي قُلُوبهم من الرعب.
وَقَوله: ﴿ثمَّ لَا ينْصرُونَ﴾ أَي: لَا ينصر الْيَهُود.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَأَنْتُم أَشد رهبة فِي صُدُورهمْ من الله﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يَعْنِي: أَنْتُم [أَشد] رهبة فِي صُدُورهمْ من الله إِذْ يخَافُونَ مِنْكُم مَا لَا يخَافُونَ مِنْهُ.
وَقَوله: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ عَظمَة الله وَقدرته فيخافون مِنْهُ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يقاتلونكم جَمِيعًا إِلَّا فِي قرى مُحصنَة أَو من وَرَاء جدر﴾ يَعْنِي: أَنهم لَا يُمكنهُم أَن يصافوكم فِي الْقِتَال [ويواجهوكم] بِهِ، وَإِنَّمَا يقاتلونكم فِي الْحُصُون ووراء الْجدر لقتلهم وَدخُول الرعب عَلَيْهِم.
قَوْله: ﴿بأسهم بَينهم شَدِيد﴾ قَالَ مُجَاهِد: يَعْنِي أَنهم يَقُولُونَ فِيمَا بَينهم: لنفعلن كَذَا ولنفعلن كَذَا.
وَقَوله: ﴿تحسبهم جَمِيعًا وَقُلُوبهمْ شَتَّى﴾ يَعْنِي: أَن الْمُنَافِقين قطّ لَا يخلصون للْيَهُود، وَلَا الْيَهُود لِلْمُنَافِقين.
وَقَوله: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ﴾ أَي: لَا يتدبرون بعقولهم، فهم بِمَنْزِلَة من

﴿قبلهم قَرِيبا ذاقوا وبال أَمرهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم (15) كَمثل الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للْإنْسَان اكفر فَلَمَّا كفر قَالَ إِنِّي برِئ مِنْك إِنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين (16) فَكَانَ عاقبتهما﴾ لَا عقل لَهُ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمثل الشَّيْطَان إِذْ قَالَ للْإنْسَان اكفر﴾ أَي: مثل هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقين مَعَ الْيَهُود كَمثل الشَّيْطَان مَعَ الْكَافِر.
وَأكْثر الْمُفَسّرين على أَن هَذَا الْكَافِر هُوَ رجل من بني إِسْرَائِيل يعبد الله تَعَالَى فِي صومعة دهرا طَويلا، وَكَانَ اسْمه برصيصا العابد، وَكَانَ فِي بني إِسْرَائِيل ثَلَاثَة إخْوَة لَهُم أُخْت حسناء بهَا شَيْء من اللمم، وَقيل: كَانَت مَرِيضَة، فَعرض لَهُم سفر فَقَالُوا: نسلم أُخْتنَا إِلَى فلَان العابد فيحفظها إِلَى أَن نرْجِع وَفِي رِوَايَة: يَدْعُو لَهَا وَيقوم عَلَيْهَا فَإِن مَاتَت دَفنهَا، وَإِن برأت فَكَانَت عِنْده إِلَى أَن نرْجِع، فسلموها إِلَيْهِ بِجهْد، فَقَامَ عَلَيْهَا حَتَّى برأت.
ثمَّ أَن الشَّيْطَان جَاءَهُ وزين لَهُ أَن يواقعها فواقعها وحبلت مِنْهُ، ثمَّ جَاءَ الشَّيْطَان وَقَالَ: إِنَّك تفضح إِذا قدم إخوتها فَاقْتُلْهَا وادفنها وَقل أَنَّهَا مَاتَت، فَفعل ذَلِك ودفنها فِي أصل صومعته، فَلَمَّا رَجَعَ الْإِخْوَة وَجَاءُوا [إِلَيْهِ] ذكر لَهُم أَنَّهَا قد مَاتَت فصدقوه، ثمَّ أَن الشَّيْطَان أَرَاهُم فِي الْمَنَام أَن العابد قد قتل أختكم ودفنها فِي مَوضِع كَذَا، فَجَاءُوا إِلَى ذَلِك الْموضع، وحفروا وَاسْتَخْرَجُوا أختهم مقتولة، فَذَهَبُوا وَذكروا ذَلِك للْملك، فجَاء الْملك وَالنَّاس واستنزلوا العابد من صومعته ليقتلوه، فَجَاءَهُ الشَّيْطَان وَقَالَ: أَنا الَّذِي فعلت بك مَا فعلت فأطعني حَتَّى أنجيك، فَقَالَ: أيش أفعل؟ فَقَالَ: تسْجد لي سَجْدَة فَفعل، وَقتل على الْكفْر، وَنزلت هَذِه الْآيَة فِي هَذِه الْقِصَّة وَقد روى عَطِيَّة عَن ابْن عَبَّاس قَرِيبا من هَذَا وَذكر بَعضهم هَذِه الْقِصَّة مُسندَة إِلَى الرَّسُول بِرِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار بِأَلْفَاظ قريبَة من هَذَا فِي الْمَعْنى.
قَالَ الشَّيْخ: أخبرنَا بذلك أَبُو على الشَّافِعِي بِمَكَّة، أخبرنَا ابْن فراس، أخبرنَا أَبُو جَعْفَر الديبلي، أخبرنَا سعيد بن

﴿أَنَّهُمَا فِي النَّار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين (17) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله ولتنظر نفس مَا قدمت لغد وَاتَّقوا الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، عَن سُفْيَان.
وَقَوله: {فَلَمَّا كفر قَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْك إِنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين﴾ هَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تراءت الفئتان نكص على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُم إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ إِنِّي أَخَاف الله وَالله شَدِيد الْعقَاب﴾ وَقيل: إِن خَوفه من الْعقُوبَة فِي الدُّنْيَا لَا من الْعقُوبَة فِي الْآخِرَة.
وَقيل: هُوَ الْخَوْف من الْعقُوبَة فِي الْآخِرَة إِلَّا أَن خَوفه لَا يَنْفَعهُ لعدم الْإِيمَان.
وَقيل: إِن الْآيَة نزلت فِي جَمِيع الْكفَّار لَا فِي كَافِر مَخْصُوص، وَالْمَشْهُور هُوَ القَوْل الأول.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِي النَّار خَالِدين فِيهَا﴾ يَعْنِي: عَاقِبَة الْكَافِر وإبليس (خَالِدين فِيهَا) أَي: دائمين فِيهَا.
وَقَوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين﴾ أَي: الْكَافرين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله ولتنظر نفس مَا قدمت لغد﴾ قَالَ قَتَادَة: مَا زَالَ يقرب السَّاعَة حَتَّى جعل كالغد.
وَقَوله: ﴿وَاتَّقوا الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الْأَمر بالتقوى على طَرِيق التَّأْكِيد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ أَي: تركُوا أَمر الله فتركهم من نظره وَرَحمته.
وَقيل مَعْنَاهُ: تركُوا طلب الْحَظ لأَنْفُسِهِمْ فِي الْآخِرَة بِمَا تركُوا من أَمر الله، وَنسب إِلَى الله تَعَالَى؛ لِأَن تَركهم طلب الْحَظ لأَنْفُسِهِمْ وفواته إيَّاهُم كَانَ لأجل مَا توجه عَلَيْهِم من أَمر الله، وَقيل مَعْنَاهُ: أغفلهم عَن حَظّ أنفسهم عُقُوبَة لَهُم.
قَالَ النّحاس: ويستقيم فِي الْعَرَبيَّة أَن يُقَال: نسيهم فلَان بِمَعْنى تَركهم.
وَلَا يَسْتَقِيم أنساهم بِمَعْنى تَركهم.

﴿كَالَّذِين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ (19) لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب الْجنَّة هم الفائزون (20) لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعا من خشيَة الله وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس لَعَلَّهُم يتفكرون وَقَوله: {أُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ﴾ أَي: الخارجون عَن طَاعَة الله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب الْجنَّة هُوَ الفائزون﴾ أَي: الناجون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعا من خشيَة الله﴾ أَي: إِذا جعلنَا لَهُ مَا يُمَيّز وَيعْقل.
قيل: هُوَ مَذْكُور على طَرِيق التَّمْثِيل لَا على طَرِيق الْحَقِيقَة، وَعند أهل السّنة: أَن لله تَعَالَى فِي الْموَات والجمادات علما (لَا) يقف عَلَيْهِ النَّاس.
وَقد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم﴾ وَهُوَ دَلِيل على مَا ذكرنَا من قبل.
وَقَوله: ﴿خَاشِعًا﴾ أَي: ذليلا، وَقيل: متصدعا أَي: متشققا من خشيَة الله.
وَقَوله: ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس لَعَلَّهُم يتفكرون﴾ أَي: يتدبرون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة﴾ أَي: السِّرّ وَالْعَلَانِيَة، وَقيل: عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة أَي: مَا كَانَ وَمَا يكون.
وَقَوله: ﴿هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قد بَينا.

قَوْله: ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْملك﴾ أَي: المقتدر على الْأَشْيَاء.
وَقَوله: ﴿القدوس﴾ أيك الطَّاهِر، وَقيل: المنزه من كل نقص وعيب، وَقيل القدوس: الْمُقَدّس، يَعْنِي: يقدسه الْمَلَائِكَة ويسبحونه، وَفِي تَسْبِيح الْمَلَائِكَة: سبوح

﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم (22) هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر قدوس رب الْمَلَائِكَة وَالروح.
وَمِنْه بَيت الْمُقَدّس، وَمِنْه حَظِيرَة الْقُدس، وَهِي الْجنَّة.
قَالَ رؤبة:.
(دَعَوْت رب الْعِزَّة القدوسا ... دُعَاء من لَا يقرع الناقوسا﴾ وَقَوله: ﴿السَّلَام﴾ قَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ: مُسلم من الْآفَات والعيوب.
وَقَالَ مُجَاهِد: سلم النَّاس من ظلمه.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي قَالَ: " السَّلَام اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى [وَوَضعه] بَيْنكُم فأفشوه ". وَقَوله: ﴿الْمُؤمن﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه يُؤمن الْمُؤمنِينَ من النَّار وَالْعَذَاب.
وَالْآخر: أَن الْمُؤمنِينَ أمنُوا من ظلمه فَهُوَ مُؤمن.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه شهد لنَفسِهِ بالوحدانية، فَهُوَ مُؤمن بِهَذَا الْمَعْنى، وشهادته لنَفسِهِ بالوحدانية هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ وَقَوله: ﴿الْمُهَيْمِن﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي: الشَّهِيد.
وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الْأمين، وَمعنى كَونه أَمينا: أَنه لَا يضيع أَعمال الْعباد، فَكَأَن أَعمال الْعباد فِي أَمَانَته لَا يضيعها.
وَقيل: هُوَ الرَّقِيب.
وَقيل: إِن الْمُهَيْمِن أَصله المؤيمن إِلَّا أَنه قد قلبت الْهمزَة هَاء مثل قَوْلهم: أرقت المَاء وهرقته.
وَقَوله: ﴿الْعَزِيز﴾ أَي الْغَالِب.
وَقيل: القاهر.
وَقيل: المنيع.
وَقَالَ الشَّاعِر فِي الْمُهَيْمِن.

﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يشركُونَ (23) هُوَ الله الْخَالِق البارئ المصور لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى يسبح لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم (24) .﴾ (مليك على عرش السَّمَاء مهيمن ... [لعزته] تعنو الْوُجُوه وتسجد) وَقَوله: ﴿الْجَبَّار﴾ أَي: جبر الْخلق على مُرَاده ومشيئته.
وَقيل: الْجَبَّار أَي: الْعَظِيم.
وَقيل: هُوَ الَّذِي يفوت عَن الأوهام والإدراك.
يُقَال: نَخْلَة جبارَة إِذا كَانَت طَوِيلَة لَا يُوصل إِلَيْهَا بِالْأَيْدِي.
قَوْله: ﴿المتكبر﴾ أَي: الْكَبِير.
وَقيل: المتكبر هُوَ الَّذِي أَعلَى نَفسه وعظمها، وَهَذَا ممدوح فِي صِفَات الله، مَذْمُوم فِي صِفَات الْخلق؛ لِأَن الْخلق لَا يخلون عَن نقيصة، فَلَا يَلِيق بهم إعظامهم أنفسهم وإعلاؤهم إيَّاهُم، وَالله تَعَالَى لَا يجوز عَلَيْهِ نقص فَيصح مدحه لنَفسِهِ وإعظامه.
وَقيل: مدح نَفسه ليعلم خلقه مدحهم إِيَّاه ليثيبهم عَلَيْهِ، إِذْ لَا يجوز أَن يعود إِلَيْهِ ضرّ وَلَا نفع.
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يشركُونَ﴾ قد بَينا فِي كثير من الْمَوَاضِع.

قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الله الْخَالِق البارئ﴾ أَي: مُقَدّر الْأَشْيَاء ومخترعها.
وَقَوله: ﴿البارئ﴾ قيل: هُوَ فِي معنى الْخَالِق على طَرِيق التَّأْكِيد، وَقيل: إِن مَعْنَاهُ المحيي بعد الإماتة.
قَالَ الشَّاعِر: (وكل نفس على سلامتها ... يميتها الله ثمَّ يبرؤها) ذكره أَبُو الْحسن بن فَارس.
وَقَوله: ﴿المصور﴾ هُوَ التَّصْوِير الْمَعْلُوم يصور كل خلق على مَا يَشَاء.
وَقيل:

التَّصْوِير هُوَ تركيب مَخْصُوص فِي مَحل مَخْصُوص من الْخلق.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ الْحسنى: هُوَ تَأْنِيث الْأَحْسَن، وَهِي هَاهُنَا بِمَعْنى الْعليا.
وَقَوله: ﴿يسبح لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقد ورد فِي بعض المسانيد بِرِوَايَة ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن اسْم الله الْأَعْظَم فِي ثَلَاث آيَات من آخر سُورَة الْحَشْر ". وَالله أعلم.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة وَقد كفرُوا﴾ تَفْسِير سُورَة الممتحنة

وَهِي مَدَنِيَّة، وَالله أعلم

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ نزلت الْآيَة فِي حَاطِب بن أبي بلتعة حِين كتب كتابا إِلَى الْمُشْركين يُخْبِرهُمْ بِبَعْض أَمر النَّبِي، وَالْخَبَر فِي ذَلِك مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو عَليّ الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن الْحسن الشَّافِعِي، أخبرنَا أَبُو الْحسن بن فراس، أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْمُقْرِئ، أخبرنَا جدي مُحَمَّد بن عبد الله ابْن يزِيد الْمُقْرِئ، أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة، عَن عبيد الله بن أبي رَافع قَالَ: سَمِعت غليا رَضِي الله عَنهُ يَقُول: " بَعَثَنِي رَسُول الله وَالزُّبَيْر والمقداد بن الْأسود فَقَالَ: انْطَلقُوا إِلَى رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا ظَعِينَة مَعهَا كتاب، فخرجنا [تَتَعَادَى] بِنَا خَيْلنَا حَتَّى بلغنَا رَوْضَة خَاخ، فَوَجَدنَا بهَا ظَعِينَة وَقُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الْكتاب.
فَقَالَت: مَا معي كتاب.
فَقُلْنَا: لتخْرجن الْكتاب أَو لنقلبن ثِيَابك.
فأخرجت كتابا من غقاص شعرهَا، فأخذناه وأتينا بِهِ النَّبِي، فَإِذا هُوَ كتاب من حَاطِب بن أبي بلتعة إِلَى الْمُشْركين بِمَكَّة يُخْبِرهُمْ بِبَعْض أَمر النَّبِي، فَدَعَا حَاطِبًا وَقَالَ لَهُ: " مَا هَذَا؟ " فَقَالَ: يَا رَسُول الله، لَا تعجل عَليّ، إِنِّي كنت أمرأ مُلْصقًا فِي قُرَيْش يَعْنِي حليفا وَلم اكن من أنفسهم، وَكَانَ من مَعَك من الْمُهَاجِرين لَهُم قراباتهم، قَرَابَات يحْمُونَ بهَا قراباتهم وَلم يكن لي بِمَكَّة قرَابَة، فَأَحْبَبْت إِذْ فَاتَنِي ذَلِك أَن أَتَّخِذ عِنْدهم يدا يحْمُونَ بهَا قَرَابَتي، وَالله مَا فعلته شكا فِي الْإِسْلَام، وَلَا رضَا بالْكفْر، فَقَالَ النَّبِي: " لقد صدقكُم " فَقَالَ عمر: يَا رَسُول الله، دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق، فَقَالَ النَّبِي: " إِنَّه قد شهد بَدْرًا، وَلَعَلَّ الله

﴿بِمَا جَاءَكُم من الْحق يخرجُون الرَّسُول وَإِيَّاكُم أَن تؤمنوا بِاللَّه ربكُم إِن كُنْتُم خَرجْتُمْ﴾ اطلع على أهل بدر فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم ". قَالَ أهل التَّفْسِير: " وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِذا أَرَادَ غزوا ورى بِغَيْرِهِ ". وَكَانَ يَقُول: " الْحَرْب خدعة " فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَغْزُو مَكَّة كتم أمره أَشد الكتمان، وَكتب حَاطِب بن أبي بلتعة على يَدي امْرَأَة تسمى سارة كتابا إِلَى أهل مَكَّة يُخْبِرهُمْ بمسير النَّبِي، فَأطلع الله نبيه على ذَلِك، وَكَانَ الْأَمر على مَا بَينا، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ فِي الْآيَة دَلِيل على أَن حَاطِب لم يخرج من الْإِيمَان بِفِعْلِهِ ذَلِك.
وَقَوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ أَي: أعدائي وأعداءكم، وهم مشركو قُرَيْش.
وَقَوله: ﴿تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة﴾ أَي: تلقونَ إِلَيْهِم أَخْبَار النَّبِي وسره بالمودة الَّتِي بَيْنكُم وَبينهمْ.
وَيُقَال: تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة أَي: بِالنَّصِيحَةِ، قَالَه مقَاتل.
وَقيل: تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة أَي: بِالْكتاب.
وَسمي ذَلِك مَوَدَّة وَكَذَلِكَ النَّصِيحَة؛ لِأَن ذَلِك دَلِيل الْمَوَدَّة.
وَقَوله: ﴿وَقد كفرُوا بِمَا جَاءَكُم من الْحق﴾ الْوَاو وَاو الْحَال قَالَه الزّجاج.
وَمَعْنَاهُ: وحالهم أَنهم كفرُوا بِمَا جَاءَكُم من الْحق.
وَقَوله: ﴿يخرجُون الرَّسُول وَإِيَّاكُم﴾ أَي: أخرجُوا الرَّسُول وأخرجوكم، وَمعنى الْإِخْرَاج هَاهُنَا هُوَ الإلجاء إِلَى الْخُرُوج.

﴿جهادا فِي سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إِلَيْهِم بالمودة وَأَنا أعلم بِمَا أخفيتم وَمَا أعلنتم وَمن يَفْعَله مِنْكُم فقد ضل سَوَاء السَّبِيل (1) إِن يثقفوكم يَكُونُوا لكم أَعدَاء ويبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لَو تكفرون (2) قد كَانَت لكم﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَن تؤمنوا بِاللَّه ربكُم﴾ أَي: لأنكم آمنتم بِاللَّه ربكُم.
وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم خَرجْتُمْ جهادا فِي سبيلي﴾ قَالُوا: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَالْمعْنَى: إِن كُنْتُم خَرجْتُمْ جهادا فِي سبيلي وابتغاء مرضاتي فَلَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء.
وَقيل مَعْنَاهُ: لَا تسروا إِلَيْهِم بالمودة إِن كُنْتُم خَرجْتُمْ جهادا فِي سبيلي وابتغاء مرضاتي، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿تسرون إِلَيْهِم بالمودة﴾ خبر بِمَعْنى النَّهْي.
وَقَوله: ﴿وَأَنا أعلم بِمَا أخفيتم وَمَا أعلنتم﴾ أَي: بِمَا أسررتم وَمَا ظهرتم.
وَقَوله: ﴿وَمن يَفْعَله مِنْكُم فقد ضل سَوَاء السَّبِيل﴾ أَي: أَخطَأ طَرِيق الْحق.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن يثقفوكم يَكُونُوا لكم أَعدَاء﴾ مَعْنَاهُ: إِن يظفروا بكم، وَالْعرب تَقول: فلَان ثقف لقف، إِذا كَانَ سريع الْأَخْذ.
وَقَوله: ﴿يَكُونُوا لكم أَعدَاء﴾ أيك يعاملونكم مُعَاملَة الْأَعْدَاء.
وَقَوله: ﴿ويبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم وألسنتهم بالسوء﴾ أَي: أَيْديهم بِالسَّيْفِ، وألسنتهم بالشتم.
وَقَوله: ﴿وودوا لَو تكفرون﴾ أَي: وأحبوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لن تنفعكم أَرْحَامكُم وَلَا أَوْلَادكُم﴾ يَعْنِي: أَنكُمْ فَعلْتُمْ مَا فَعلْتُمْ لأجل قراباتكم وأرحامكم، وَلنْ ينفعكم ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿يَوْم الْقِيَامَة يفصل بَيْنكُم﴾ أَي: يفصل بَيْنكُم يَوْم الْقِيَامَة؛ فيبعث أهل الطَّاعَة إِلَى الْجنَّة، وَأهل الْمعْصِيَة إِلَى النَّار.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

﴿أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا بُرَآء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده إِلَّا قَول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَن لَك وَمَا املك لَك من الله من شَيْء رَبنَا عَلَيْك توكلنا وَإِلَيْك أنبنا وَإِلَيْك الْمصير (4) رَبنَا لَا تجعلنا فتْنَة للَّذين كفرُوا واغفر لنا رَبنَا إِنَّك﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿قد كَانَت لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ أَي: قدوة حَسَنَة.
وَقَوله: ﴿فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا بُرَآء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا﴾ الْمَعْنى فِي الْكل: أَنه أَمرهم بِأَن تأسوا بإبراهيم فِي التبرؤ من الْمُشْركين وَترك الْمُوَالَاة مَعَهم.
وَقَوله: ﴿إِلَّا قَول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَن لَك﴾ قَالَ قَتَادَة مَعْنَاهُ: اقتدوا بإبراهيم إِلَّا فِي هَذَا [الْموضع] ، وَهُوَ استغفاره لِأَبِيهِ الْمُشرك، وَقد بَينا سَبَب اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ من قبل.
وَقَوله: ﴿وَمَا أملك لَك من الله من شَيْء﴾ أَي: لَا أدفَع عَنْك من الله من شَيْء، وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ.
وَقَوله: ﴿رَبنَا عَلَيْك توكلنا وَإِلَيْك أنبنا وَإِلَيْك الْمصير﴾ إِخْبَار عَن إِبْرَاهِيم وَقَومه من الْمُؤمنِينَ يَعْنِي: إِنَّهُم ذَلِك.

قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا لَا تجعلنا فتْنَة للَّذين كفرُوا﴾ قَالَ مُجَاهِد وَغَيره: أَي: لَا تعذبنا بأيدي الْكفَّار وَلَا بِعَذَاب من عنْدك، فيظن الْكفَّار أَنا على غير الْحق حَيْثُ عذبنا، فَيصير فتْنَة لَهُم فِي دينهم، ويظنون أَنا كُنَّا على الْبَاطِل؛ لأَنهم يَقُولُونَ لَو كَانَ هَؤُلَاءِ على الْحق لم يعذبوا وَلم يظفر بهم.
وَقَوله: ﴿واغفر لنا رَبنَا إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد كَانَ لكم فيهم أُسْوَة حَسَنَة﴾ كرر الْمَعْنى الأول على طَرِيق التَّأْكِيد.

﴿أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم (5) لقد كَانَ لكم فيهم أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر وَمن يتول فَإِن الله هُوَ الْغَنِيّ الحميد (6) عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة وَالله قدير وَالله غَفُور رَحِيم (7) لَا يَنْهَاكُم الله عَن الَّذين لم يقاتلونكم فِي الدّين وَلم يخرجوكم من دِيَاركُمْ أَن تبروهم وتقسطوا إِلَيْهِم إِن الله يحب﴾ وَقَوله: ﴿لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ أَي: يخَاف الله، وَيخَاف يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿وَمن يتول فَإِن الله هُوَ الْغَنِيّ الحميد﴾ أَي: المستغني عَنْهُم، الحميد فِي فعاله.
وَالْمعْنَى: أَنهم إِذا خالفوا أمره، وتولوا الْكفَّار لم يعد إِلَى الله من ذَلِك شَيْء.

قَوْله تَعَالَى: ﴿عَسى الله﴾ قد بَينا أَن عَسى من الله وَاجِب.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتهم مِنْهُم مَوَدَّة﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد مِنْهُ تَزْوِيج أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان من رَسُول الله.
وَقيل: هُوَ إِسْلَام أبي سُفْيَان بن حَرْب، وَأبي سُفْيَان بن الْحَارِث، وَسُهيْل بن عَمْرو، وَحَكِيم بن حزَام، وَصَفوَان بن أُميَّة وَغَيرهم.
وَفِي بعض التفاسير: أَن النَّبِي توفّي وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب أَمِير على بعض الْيمن، فَلَمَّا ارْتَدَّت الْعَرَب قَاتل هودا الْحمار وَقَومه على ردتهم، فَكَانَ [هُوَ] أول من يُجَاهد مَعَ الْمُرْتَدين.
وَقَوله: ﴿وَالله قدير﴾ أَي: قَادر على أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبينهمْ مَوَدَّة.
وَقَوله: ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ أَي: لما كَانَ مِنْهُم قبل إسْلَامهمْ، وَقبل حُدُوث الْمَوَدَّة بَيْنكُم وَبينهمْ.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل