تفسير السمعانيصفحات 182-192
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 182-192
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وَقَوله: ﴿على الأرائك ينظرُونَ﴾ الأرائك جمع أريكة، وَهِي السرر فِي الحجال كَمَا بَينا.

وَقَوله: ﴿تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم﴾ أَي: بهجة النَّعيم وحسنها.
وَهُوَ

( ﴿24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بهَا المقربون (28) إِن﴾ . مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ .

وَقَوله: (يسقون من رحيق مختوم) روى مَسْرُوق عَن ابْن مَسْعُود، وَسَعِيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا: الرَّحِيق هُوَ الْخمر وَقيل: هُوَ الشَّرَاب الَّذِي لَا غش فِيهِ.
وَقَوله: ﴿مختوم﴾ أَي: لم تمسسه الْأَيْدِي.

وَقَوله: ﴿ختامه مسك﴾ قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير: آخِره رَائِحَة الْمسك، وطعمه طعم ألذ الْأَشْرِبَة.
وَعَن جمَاعَة من الْمُفَسّرين أَنهم قَالُوا: إِذا بلغ آخر الشّرْب وجد رَائِحَة الْمسك وَالْمعْنَى: أَن الشَّرَاب الَّذِي يكون فِي الدُّنْيَا يكون فِي آخِره الكدر، وَمَا تكرههُ النَّفس، فَذكر الله تَعَالَى أَن شراب الْآخِرَة على خِلَافه.
وَقَرَأَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - " خَاتِمَة مسك " وَقَرَأَ عِيسَى بن عمر " خاتِمة مسك " بِكَسْر التَّاء، وَقيل فِي معنى قَوْله تَعَالَى: " خاتَمَهُ مسك " بِفَتْح التَّاء أَي: (طينته) مسك وَفِي قَوْله: " خاتِمَهُ مسك " بِكَسْر التَّاء أَي: آخِره وعاقبته.
وَقَوله: ﴿وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ﴾ أَي: فليتبادر المتبادرون، والمنافسة إِظْهَار شدَّة الطّلب، وَقيل: هِيَ الْمُسَابقَة إِلَى التَّحْصِيل.

وَقَوله: ﴿ومزاجه من تسنيم﴾ قَالَ سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وعلقمة عَن ابْن مَسْعُود: هُوَ أشرف شراب لأهل الْجنَّة يشربه المقربون صرفا، ويمزج للأبرار، وَمثله رَوَاهُ مَنْصُور عَن مَالك بن الْحَارِث.
وَقيل فِي التسنيم: هُوَ عين تتسنم على أهل الْجنَّة من الغرف، وَقيل: هُوَ عين من مَاء.

وَقَوله: ﴿عينا يشرب بهَا المقربون﴾ قد بَينا، وَنصب عينا بِمَعْنى: أَعنِي عينا، أَو أُرِيد عينا.

﴿الَّذين أجرموا كَانُوا من الَّذين آمنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذا مروا بهم يتغامزون (30) وَإِذا انقلبوا إِلَى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وَإِذا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِن هَؤُلَاءِ لضالون (32) وَمَا أرْسلُوا عَلَيْهِم حافظين (33) فاليوم الَّذين آمنُوا من الْكفَّار يَضْحَكُونَ (34) ﴾ . وَقَوله: ﴿بهَا﴾ أَي: مِنْهَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين أجرموا﴾ هم الْكفَّار.
وَقيل: هَذَا فِي قوم مخصوصين من قُرَيْش، مِنْهُم أَبُو جهل والوليد بن الْمُغيرَة، وَالْأسود بن عبد يَغُوث، وَالنضْر بن الْحَارِث وَغَيرهم.
وَقَوله: ﴿كَانُوا من الَّذين آمنُوا يَضْحَكُونَ﴾ قيل: إِنَّه فِي قوم مخصوصين من الْمُؤمنِينَ مِنْهُم خباب وبلال وَأَبُو ذَر وعمار وَغَيرهم من فُقَرَاء الصَّحَابَة.

وَقَوله: ﴿وَإِذا مروا بهم يتغامزون﴾ أَي: يشيرون بالأعين والحواجب.

وَقَوله: ﴿وَإِذا انقلبوا إِلَى أهلهم انقلبوا فاكهين﴾ أَي معجبين بأفعالهم.
وَقيل: طيبين الْأَنْفس مستبشرين.
وَالْعرب تَقول: رجل فكه وفاكه إِذا كَانَ ضحوكا طيب النَّفس.

وَقَوله: ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِن هَؤُلَاءِ لضالون﴾ أَي: أخطأوا الْحق وَطَرِيق الرشد وَاتبعُوا الْبَاطِل.

وَقَوله: ﴿وَمَا أرْسلُوا عَلَيْهِم حافظين﴾ أَي مَا أرْسلُوا عَلَيْهِم ليحفظوا أَعْمَالهم.
أَي مَا أرسل الْكفَّار على الْمُؤمنِينَ، وَالْمعْنَى: أَنهم مَا وكلوا بِالْمُؤْمِنِينَ ليحفظوا عَلَيْهِم مَا يَفْعَلُونَ.
وَقيل: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْمُنَافِقين.
وَقيل: إِنَّهَا نزلت فِي أبي جهل وَأَصْحَابه.
وَقَوله: ﴿من الَّذين آمنُوا﴾ على رضى الله عَنهُ وَأَصْحَابه.
وَهُوَ قَول بعيد.

وَقَوله: ﴿فاليوم الَّذين آمنُوا﴾ هم الْمُؤْمِنُونَ من أَصْحَاب الرَّسُول.

﴿على الأرائك ينظرُونَ (35) هَل ثوب الْكفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) ﴾ . وَقَوله: ﴿من الْكفَّار يَضْحَكُونَ على الأرائك ينظرُونَ﴾ فِي بعض التفاسير إِن للجنة كوى إِلَى أهل النَّار مَتى شَاءَ أهل الْجنَّة فتحُوا الكوى ونظروا إِلَى النَّار وَضَحِكُوا مِنْهُم.
وَقد بَينا معنى الأرائك من قبل.

وَقَوله: ﴿هَل ثوب الْكفَّار مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أَي هَل جوزي الْكفَّار مَا كَانُوا - أَي بِمَا كَانُوا - يَفْعَلُونَ.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿إِذا السَّمَاء انشقت (1) وأذنت لِرَبِّهَا وحقت (2) وَإِذا الأَرْض مدت (3) ﴾ . تَفْسِير سُورَة الكدح

وَهِي مَكِّيَّة، وَالله أعلم

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ هُوَ فِي معنى قَوْله: ﴿إِذا السَّمَاء انفطرت﴾ وَيُقَال: انشقت بالغمام، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم تشقق السَّمَاء بالغمام﴾ وَقد ذكرنَا، وَقيل: انشقت لنزول الْمَلَائِكَة.
وَفِي تَفْسِير النقاش: انشقت لنزول الرب عز اسْمه، وَهُوَ بِلَا كَيفَ، وَقيل: (مزقت) . وَعَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: تَنْشَق السَّمَاء من المجرة، وَيُقَال: هِيَ بَاب السَّمَاء.

وَقَوله: ﴿وأذنت لِرَبِّهَا وحقت﴾ أَي: واستمعت لأمر رَبهَا، وَحقّ لَهَا أَن تستمع.
قَالَ الشَّاعِر: (الْقلب تعلل بددن ... إِن همي فِي سَماع وَأذن) وَقَالَ بَعضهم: صم إِذا سمعُوا خيرا ذكرت بِهِ، وَإِن ذكرت بِسوء عِنْدهم أذنوا، أَي: اسْتَمعُوا.
وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي: " مَا أذن الله بِشَيْء كَإِذْنِهِ لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ". وَأما اسْتِمَاع السَّمَاء فَيجوز أَن يكون على الْحَقِيقَة، وَيجوز أَن يكون استماعها انقيادها لما تُؤمر بِهِ، وَالله أعلم.

وَقَوله: ﴿وَإِذا الأَرْض مدت﴾ أَي: مدت مد الْأَدِيم لَا يبْقى عَلَيْهَا جبل وَلَا شَيْء إِلَّا

﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتخلت (4) وأذنت لِرَبِّهَا وحقت (5) يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبك كدحا فملاقيه (6) ﴾ . دخل فِي جوفها، وَقيل: زيد فِي سعتها لتسعهم.
وَعَن بَعضهم: غيرت عَن هيئتها بالتبديل، وَغير ذَلِك، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿مدت﴾ .

وَقَوله: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتخلت﴾ أَي: وَأَلْقَتْ مَا فِي جوفها، من الْكُنُوز والموتى فخلى جوفها، وَيُقَال: أَلْقَت بِمَا اسْتوْدعت، وتخلت عَمَّا استحفظت، وَكَأَنَّهَا أَلْقَت مَا على ظهرهَا، وتخلت عَمَّا فِي جوفها.

وَقَوله: ﴿وأذنت لِرَبِّهَا وحقت﴾ قد بَينا.
فَإِن قيل: أَيْن جَوَاب قَوْله: ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ وَهُوَ يَقْتَضِي جَوَابا؟ وَالْجَوَاب من وُجُوه: قَالَ الْفراء: جَوَابه مَحْذُوف، وَالْمعْنَى: إِذا السَّمَاء انشقت وَكَانَ كَذَا، رأى كل إِنْسَان مَا وجد من الثَّوَاب وَالْعِقَاب، وَيُقَال: علم كل مُنكر للبعث أَنه كَانَ فِي ضَلَالَة وَخطأ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْجَواب قَوْله: ﴿وأذنت﴾ وَالْوَاو زَائِدَة، فَالْجَوَاب: أَذِنت.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن الْجَواب قَوْله: ﴿فملاقيه﴾ أَي: يلقى عمله من خير وَشر.
وَالْوَجْه الرَّابِع: أَن فِي الْآيَة تَقْدِيمًا وتأخيرا، وَالْمعْنَى: يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبك كدحا فملاقيه إِذا السَّمَاء انشقت.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبك كدحا فملاقيه﴾ قَالَ قَتَادَة: عَامل لِرَبِّك عملا.
والكدح هُوَ السَّعْي بتعب وَنصب.
قَالَ الشَّاعِر: (وَمَضَت بشاشة كل عَيْش صَالح ... وَبقيت أكدح للحياة وأنصب) وَيجوز أَن يكون ذكر الْوَاحِد هَاهُنَا بِمَعْنى الْجمع، فَيكون بِمَعْنى يَا أَيهَا النَّاس.
وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول: يَا أَيهَا الرجل، وكلكم ذَلِك الرجل.

﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ (7) فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا (8) ﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿فملاقيه﴾ قَالَ قَتَادَة: أَي: فملاق عَمَلك من خير وَشر.
وَيُقَال: ملاق رَبك.

وَقَوله: ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا﴾ . أَي هينا، وَقيل فِي الْيَسِير: هُوَ أَن يقبل الْحَسَنَات، ويتجاوز عَن السَّيِّئَات.
وَقد ثَبت بِرِوَايَة أبي مليكَة عَن عَائِشَة أَن النَّبِي قَالَ: " من نُوقِشَ فِي الْحساب هلك، قلت: يَا رَسُول الله، فَإِن الله عز وَجل يَقُول: ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا﴾ قَالَ: ذَلِك الْعرض " قَالَ رَضِي الله عَنهُ أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحُسَيْن ابْن النقور، أخبرنَا أَبُو طَاهِر (بن) المخلص، أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد يحيى بن صاعد، أخبرنَا الْحسن بن الْحُسَيْن الْمروزِي، عَن عبد الله بن الْمُبَارك، عَن عُثْمَان بن الْأسود، عَن ابْن أبي مليكَة الْخَبَر.
وَأورد أَبُو عِيسَى بِرِوَايَة (ابْن عمر) أَن النَّبِي قَالَ: " من حُوسِبَ عذب "، وَهُوَ بِإِسْنَاد غَرِيب.
وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة عَن عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - أَن النَّبِي رَآهَا، وَقد رفعت يَديهَا وَهِي تَقول: اللَّهُمَّ حاسبني حسابا يَسِيرا.
فَقَالَ: " يَا عَائِشَة، أَتَدْرِينَ

﴿وينقلب إِلَى أَهله مَسْرُورا (9) وَأما من أُوتِيَ كِتَابه وَرَاء ظَهره (10) ﴾ . مَا ذَلِك الْحساب؟ قَالَت عَائِشَة: فَقلت ذكر الله فِي كِتَابه: ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يسير﴾ فَقَالَ رَسُول الله: من حُوسِبَ خصم، وَذَلِكَ الْمَمَر بَين يَدي الله تَعَالَى ". وَذكر الْحَاكِم أَبُو عبد الله الْحَافِظ فِي الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " ثَلَاث من كن فِيهِ حَاسبه الله حسابا يَسِيرا، وَأدْخلهُ الْجنَّة برحمته.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قلت يَا رَسُول الله، لمن ذَلِك؟ قَالَ: " أَن تصل من قَطعك، وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك، وَتُعْطِي من حَرمك ".

وَقَوله: ﴿وينقلب إِلَى أَهله مَسْرُورا﴾ أَي: فَرحا مُسْتَبْشِرًا، وَيجوز أَن يَنْقَلِب إِلَى أَهله من الْحور الْعين، وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى يَنْقَلِب إِلَى أَهله الَّذين كَانُوا لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَقيل: نزلت فِي أبي سَلمَة بن عبد الْأسد، وَكَانَ زوج أم سَلمَة، وَهُوَ أول من هَاجر إِلَى الْمَدِينَة.
وَقَوله: ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه وَرَاء ظَهره﴾ نزلت فِي الْأسود بن عبد الْأسد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما من أُوتِيَ كِتَابه وَرَاء ظَهره﴾ قَالَ مُجَاهِد: يخلع يَده الْيُمْنَى، وَيجْعَل يَده الْيُسْرَى وَرَاء ظَهره، فَيُوضَع كِتَابه فِيهَا.
وَقَالَ الْكَلْبِيّ: تغل يَده الْيُمْنَى، وَيُوضَع كِتَابه فِي شِمَاله من وَرَاء ظَهره.
وروى أَبُو

﴿فَسَوف يَدْعُو ثبورا (11) وَيصلى سعيرا (12) إِنَّه كَانَ فِي أَهله مَسْرُورا (13) إِنَّه ظن أَن لن يحور (14) ﴾ . مُوسَى الْأَشْعَرِيّ - وَهُوَ عبد الله بن قيس - أَن النَّبِي قَالَ: " يكون فِي الْقِيَامَة ثَلَاث عرضات: فعرضتان جِدَال ومعاذير، والعرضة الثَّالِثَة عِنْد تطاير الصُّحُف، فآخذ بِيَمِينِهِ وآخذ بِشمَالِهِ ". وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره بِإِسْنَادِهِ أَن النَّبِي قَالَ: " من حاسب نَفسه فِي الدُّنْيَا هون الله عَلَيْهِ الْحساب فِي الْآخِرَة ".

﴿فَسَوف يَدْعُو ثبورا﴾ مَعْنَاهُ: يَقُول واثبوراه، وَمعنى قَوْله: واثبوراه: واهلاكاه.
يُقَال: رجل مثبور أَي: هَالك.

وَقَوله: ﴿وَيصلى سعيرا﴾ أَي: يقاسي النَّار، وَيُقَال: يدْخل، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿اصلوها﴾ أَي: ادخلوها، وَقُرِئَ: " وَيصلى سعيرا " أَي: يكثر عَذَابه بِنَار جَهَنَّم، ذكره الْأَزْهَرِي.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّه كَانَ فِي أَهله مَسْرُورا﴾ أَي: لم يحزن للتقصير فِي أوَامِر الله تَعَالَى، وَلم يتعب، وَلم ينصب فِي الْعَمَل بِطَاعَة الله، ذكره الْقفال.
وَيُقَال: كَانَ فِي أَهله مَسْرُورا، أَي: رَاكِبًا هَوَاهُ، مُتبعا شَهْوَته.

وَقَوله: ﴿إِنَّه ظن أَن لن يحور﴾ أَي: أَن لن يرجع إِلَى الله تَعَالَى، وَهُوَ إِخْبَار عَن إِنْكَاره بِالْبَعْثِ.
وَقَوله: ﴿يحور﴾ يرجع، وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " أعوذ بِاللَّه من الْحور بعد الكور " أَي: النُّقْصَان بعد الزِّيَادَة.
وَفِي رِوَايَة: " من الْحور بعد الكور " أَي: من انتشار أمره بعد أَن كَانَ مجتمعا، أَو من فَسَاد أمره بعد أَن كَانَ صَالحا.

﴿بلَى إِن ربه كَانَ بِهِ بَصيرًا (15) فَلَا أقسم بالشفق (16) وَاللَّيْل وَمَا وسق (17) وَالْقَمَر إِذا اتسق (18) ﴾ . وَقَالَ الشَّاعِر: (وَمَا الْمَرْء إِلَّا كالشهاب وضوئِهِ ... يحور رَمَادا بعد إِذْ هُوَ سَاطِع)

وَقَوله: ﴿بلَى إِن ربه كَانَ بِهِ بَصيرًا﴾ أَي: عَالما.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَا أقسم بالشفق﴾ أَي: أقسم بالشفق، قَالَ مُجَاهِد: هُوَ النَّهَار كُله.
وَالْمَعْرُوف أَن الشَّفق هُوَ الْحمرَة من عِنْد غرُوب الشَّمْس إِلَى الْعشَاء الْآخِرَة.
قَالَ الْفراء: سَمِعت الْعَرَب تَقول على فلَان ثوب كَأَنَّهُ الشَّفق، وَكَانَ عَلَيْهِ ثوب مصبوغ بالحمرة.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الشَّفق هُوَ الْحمرَة ". وَهُوَ قَول جمَاعَة من الصَّحَابَة وَجَمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم: ابْن عمر، وَسَعِيد بن الْمسيب، وَغَيرهمَا.
وَعَن أبي هُرَيْرَة: أَن الشَّفق هُوَ الْبيَاض، وَهُوَ قَول عمر بن عبد الْعَزِيز.

قَوْله: ﴿وَاللَّيْل وَمَا وسق﴾ أَي: وَمَا جمع ولف، وَضم الْأَشْيَاء بعد انتشارها، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك؛ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ اللَّيْل آوى كل شَيْء إِلَى مَأْوَاه، وَرجع كل إِنْسَان إِلَى منزله، وَإِذا كَانَ النَّهَار انتشروا فِي التَّصَرُّف.

وَقَوله: ﴿وَالْقَمَر إِذا اتسق﴾ أَي: إِذا اجْتمع ضوءه، وَيُقَال: امْتَلَأَ نورا، وَهُوَ لَيْلَة الثَّالِث عشر من الشَّهْر وَالرَّابِع عشر وَالْخَامِس [عشر] .

﴿لتركبن طبقًا عَن طبق (19) فَمَا لَهُم لَا يُؤمنُونَ (20) وَإِذا قرئَ عَلَيْهِم الْقُرْآن لَا يَسْجُدُونَ (21) ﴾ . قَالَ الشَّاعِر: (إِن لنا قلائصا حقائقا ... مستوسقات (لَو) يجدن سائقا)

وَقَوله: ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ وَقُرِئَ: " لتركبن " على الوحدان، فَمن قَرَأَ على الْجمع فَمَعْنَاه: لتركبن أَيهَا النَّاس حَالا بعد حَال، وَالْحَال هُوَ بِمَعْنى الطَّبَق.
قَالَ الشَّاعِر: (فَبينا الْمَرْء فِي عَيْش لذيذ ناعم ... خفض أَتَاهُ طبق يَوْمًا على مُنْقَلب دحض) وَمعنى حَال بعد حَال: هُوَ أَنه يكون نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح، وَبعد ذَلِك تتبدل أَحْوَاله، وَيخْتَلف على الْمَعْهُود الْمَعْلُوم من طفولية، وشباب، وهرم، وَغير ذَلِك.
وَيُقَال: لتركبن طبقًا عَن طبق أَي: شدَّة على شدَّة، وَالْمعْنَى: أَنه حَيَاة ثمَّ موت ثمَّ بعث ثمَّ جَزَاء.
فَأَما الْقِرَاءَة على الوحدان فَفِيهِ قَولَانِ.
أَحدهمَا: أَن المُرَاد مِنْهُ السَّمَاء، وَالْمعْنَى: أَنه ينشق وَيكون مرّة كالدهان، وَمرَّة كَالْمهْلِ، وَمرَّة مشقوقة، وَمرَّة صَحِيحَة، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَغَيره.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه خطاب للنَّبِي، وَالْمعْنَى لتركبن أطباق السَّمَاء طبقًا على طبق، وَذَلِكَ لَيْلَة الْإِسْرَاء، وَيُقَال: لتركبن طبقًا عَن طبق يَعْنِي: أصلاب الْآبَاء، وَذَلِكَ للرسول.
قَالَ الْعَبَّاس فِي مدح النَّبِي: (من قبلهَا طبت فِي الصلاب ... وَفِي مستودع حِين يخصف الْوَرق) (تنقل من صالب إِلَى رحم ... إِذا مضى عَالم بدا طبق)

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل