الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله: ﴿علمت نفس مَا قدمت وأخرت﴾ أَي: ﴿مَا قدمت﴾ فَعمِلت من عمل ﴿وأخرت﴾ أَي: ترك من الْعَمَل، وَقيل: مَا قدمت وأخرت أَي: مَا عملت من قديم
الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم (6)) . وَحَدِيث، وَقيل فِي قَوْله: ﴿وأخرت﴾ أَي: من سنة سَيِّئَة عمل بهَا بعده.
قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم﴾ قيل: نزلت الْآيَة فِي الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَقيل: فِي أبي جهل، وَقيل: فِي غَيرهمَا.
وَقَوله: ﴿مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم﴾ أَي: أَي شَيْء غَرَّك وجرأك وسول لَك حَتَّى ارتكبت مَا ارتكبت؟
وَقَوله: ﴿بِرَبِّك الْكَرِيم﴾ يتَجَاوَز عَنْك، وَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا.
وَفِي بعض التفاسير: أَن الْآيَة نزلت فِي أبي الْأسد، وَكَانَ قد ضرب النَّبِي، فَلم يُعَاقِبهُ الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿بِرَبِّك الْكَرِيم﴾ الَّذِي تجَاوز عَنْك، وَلم يعاقبك فِي الدُّنْيَا.
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الجنوجردي: أخبرنَا أَبُو إِسْحَاق الثعالبي: أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن فَنْجَوَيْهِ: أخبرنَا أَبُو عَليّ بن حبش الْمُقْرِئ: أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن الْفضل الْمُقْرِئ: أخبرنَا أَبُو عَليّ بن الْحُسَيْن: أخبرنَا الْمقدمِي، أخبرنَا كثير بن هِشَام: أخبرنَا جَعْفَر بن برْقَان قَالَ: حَدثنِي صَالح بن مِسْمَار، قَالَ: " بَلغنِي أَن النَّبِي تَلا هَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم﴾ قَالَ: جَهله ".
وَعَن ابْن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا سيخلو الله بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول: يَا ابْن آدم، مَا غَرَّك بِي؟ يَا ابْن آدم، مَاذَا عملت فِيمَا عملت؟ يَا ابْن آدم، مَاذَا أجبْت الْمُرْسلين؟ وَعَن السّديّ (بن الْمُفلس) قَالَ: غره رفقه بِهِ.
وَعَن إِبْرَاهِيم بن الْأَشْعَث أَن الفضيل بن عِيَاض قيل لَهُ: لَو قَالَ الله تَعَالَى لَك: مَا غَرَّك بِي فَمَاذَا تَقول لَهُ؟ قَالَ: أَقُول ستورك المرخاة.
ونظم ذَلِك بَعضهم:
﴿الَّذِي خلقك فسواك فعدلك (7) فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك (8) ﴾ .
(يَا كاتم الذَّنب أما تَسْتَحي ... وَالله فِي الْخلْوَة ثأنيكا)
(غَرَّك من رَبك إمهاله ... وستره طول مساويكا)
وَعَن يحيى بن معَاذ قَالَ: لَو يَقُول الله تَعَالَى: مَا غَرَّك بِرَبِّك؟ فَأَقُول: تَركك لي سالفا وآنفا.
وَعَن أبي بكر الْوراق قَالَ: أَقُول غرني كرم الْكَرِيم.
وَعَن مَنْصُور بن عمار قَالَ: أَقُول غرني مَا علمت من سَابق أفضالك.
وَقَالَ بَعضهم:
(يَا من خلا فِي الغي والتيه ... وغره طول تماديه)
أمل لَك الله فبارزته ... وَلم تخف غب مَعَاصيه)
وَقَوله: ﴿الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة﴾ قَالَ عَطاء: جعلك قَائِما معتدلا حسن الصُّورَة، وَقيل: سواك أَي: سوى بَين يَديك ورجليك وعينيك وأذنيك، [و] وَوضع كل شَيْء مَوْضِعه، وَهُوَ أَيْضا معنى قَوْله: ﴿فعدلك﴾ ذكره الْكَلْبِيّ وَغَيره.
وَقيل: عدلك أَي عدل خلقك، وَهُوَ على مَا بَينا.
وَقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ أَي: صرفك فِي أَي صُورَة شَاءَ من حسن وقبيح، وطويل وقصير.
وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار: " أَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ خلق عبد أحضر خلقه كل عرق كَانَ بَينه وَبَين آدم، فيخلقه على مَا يُرِيد من الشّبَه بِمن شَاءَ ".
وَقد قيل: فَعدل فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك أَي: من شبه أَب وَأم وَعم وخال، وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: معنى عدلك
﴿كلا بل تكذبون بِالدّينِ (9) وَإِن عَلَيْكُم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِن الْأَبْرَار لفي نعيم (13) وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ . بِالتَّخْفِيفِ أَي: فِي عدل بعضك بِبَعْض، فَكنت معتدل الْخلق مناسبها فَلَا تفَاوت فِيهَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا بل تكذبون بِالدّينِ﴾ أَي: بِيَوْم الْقِيَامَة، وَقيل: بِالْحِسَابِ.
وَقَوله: ﴿وَإِن عَلَيْكُم لحافظين كراما كاتبين﴾ فِي بعض الْأَحَادِيث " أَن النَّبِي قَالَ: أكْرمُوا الْكِرَام الْكَاتِبين فَإِنَّهُم مَعكُمْ، إِلَّا عِنْد الْجَنَابَة والتبرز للْحَاجة ".
وَقد ورد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كرام بررة﴾ أَنهم الْمَلَائِكَة، يكرموا أَن يَكُونُوا مَعَ ابْن آدم عِنْد خلوته بأَهْله، وَعند حَاجته.
وَقَوله: ﴿كاتبين﴾ هم الْمَلَائِكَة يَقْعُدُونَ عَن يَمِين الْإِنْسَان ويساره، فيكتبون مَا عَلَيْهِ وَله، وَقيل: وَاحِد عَن يَمِينه، وَوَاحِد عَن يسَاره، فَالَّذِي عَن يَمِينه يكْتب الْحَسَنَات، وَالَّذِي عَن يسَاره يكْتب السَّيِّئَات، وَقيل: إِن الَّذِي عَن يَمِينه أَمِين على الَّذِي على يسَاره لَا يكْتب إِلَّا بِإِذْنِهِ.
وَفِي الْخَبَر بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي: " إِن العَبْد إِذا هم بحسنة يكْتب لَهُ الْملك حَسَنَة، فَإِذا عَملهَا كتب لَهُ عشر حَسَنَات، وَإِذا هم بسيئة لم تكْتب عَلَيْهِ شَيْئا، فَإِذا عَملهَا كتب سَيِّئَة ".
وَقَوله: ﴿يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ فِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " هم الَّذين بروا آبَاءَهُم وأبناءهم ". وَظَاهر الْمَعْنى أَنهم المطيعون.
( ﴿14) يصلونها يَوْم الدّين (15) وَمَا هم عَنْهَا بغائبين (16) وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْم الدّين (17) ثمَّ مَا أَدْرَاك مَا يَوْم الدّين (18) يَوْم لَا تملك نفس لنَفس شَيْئا وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله (19) ﴾ .
وَقَوله: ﴿وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ هِيَ النَّار، نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا.
وَفِي الحكايات: أَن سُلَيْمَان بن عبد الْملك حج، فلقي أَبَا حَازِم سَلمَة بن دِينَار فَقَالَ: يَا أَبَا حَازِم، كَيفَ الْقدوم على الله؟ فَقَالَ: أما المحسنون فكالغائب يقدم على أَهله، وَأما الْمُسِيء فكالعبد الْآبِق يرد إِلَى سَيّده، فَبكى سُلَيْمَان، ثمَّ قَالَ: لَيْت شعري نعلم مَا حَالنَا عِنْد الله؟ فَقَالَ أَبُو حَازِم: اعرضها على كتاب الله تَعَالَى، فَقَالَ: وعَلى أَي ذَلِك أعرض؟ فَقَالَ على قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ قَالَ سُلَيْمَان: فَأَيْنَ رَحْمَة الله؟ قَالَ: قريب من الْمُحْسِنِينَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يصلونها يَوْم الدّين﴾ أَي: يدْخلُونَهَا يَوْم الْقِيَامَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا هم عَنْهَا بغائبين﴾ أَي: مبعدين.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا يَوْم الدّين ثمَّ مَا أَدْرَاك مَا يَوْم الدّين﴾ هُوَ على معنى تفخيم الْأَمر وتعظيمه.
وَقَوله: ﴿يَوْم لَا تملك نفس لنَفس شَيْئا﴾ أَي: لَا تغني نفس عَن نفس شَيْئا.
وَيَوْم مَنْصُوب على الظّرْف، وَقُرِئَ " يَوْم " بِالرَّفْع، وَهُوَ ظَاهر.
وَقَوله: ﴿وَالْأَمر يَوْمئِذٍ لله﴾ أَي: الْأَمر يَوْم الْقِيَامَة لله لَيْسَ لأحد مَعَه أَمر، وَالله أعلم.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون (2) وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون (3) ﴾ . سُورَة المطففين
وَهِي مَدَنِيَّة قَالَ ابْن عَبَّاس: هِيَ أول سُورَة نزلت بِالْمَدِينَةِ، قدم رَسُول الله الْمَدِينَة، وهم أَخبث النَّاس كَيْلا ووزنا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه السُّورَة، فاستقاموا، فهم أوفى النَّاس كَيْلا ووزنا إِلَى (الْيَوْم) .
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ الويل: هُوَ الدُّعَاء بالشدة والهلاك.
وَعَن السّديّ هُوَ وَاد فِي جَهَنَّم، يسيل فِيهِ صديد أهل النَّار.
وَقَوله: ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ هم الَّذين لَا يُوفونَ الْكَيْل وَالْوَزْن ويبخسون.
قَالَ الزّجاج: سمى مطففا، لِأَنَّهُ لَا يطف بِهَذَا الْفِعْل بالشَّيْء الطفيف أَي: الْيَسِير وَقد بَينا أَنَّهَا نزلت فِي أهل الْمَدِينَة، وَقيل: نزلت فِي أبي جُهَيْنَة، كَانَ رجلا من أهل الْمَدِينَة لَهُ صَاعَانِ يَكِيل بِأَحَدِهِمَا على النَّاس أَي: عَن النَّاس وَيُقَال: اكتلت على فلَان أَي: استوفيت مَا عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿يستوفون﴾ أَي: يستوفون حُقُوقهم على الْكَمَال، وَقيل: يستوفونه راجحا.
وَقَوله: ﴿وَإِذا كالوهم﴾ كالوا لَهُم.
وَكَذَلِكَ: ﴿أَو وزنوهم﴾ أَي: وزنوا لَهُم.
[قَالَه] أَبُو عُبَيْدَة والأخفش وَالْفراء - والأخفش هُوَ سعيد بن [مسْعدَة] ، وَهُوَ الْأَخْفَش الْكَبِير - وَقَالَ الْفراء: هُوَ لُغَة حجازية سَمِعت بَعضهم بِمَكَّة يَقُول: إِذا
﴿أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون (4) ليَوْم عَظِيم (5) يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين (6) ﴾ . صدر النَّاس أَتَيْنَا التَّاجِر، فكال الْمَدّ والمدين إِلَى الْعَام الْمقبل أَي: كال لنا.
و ﴿يخسرون﴾ أَي: ينقصُونَ.
وَقَوله: ﴿أَلا يظنّ أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون﴾ أَي: أَلا يستيقنوا أُولَئِكَ أَنهم مبعوثون.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: خمس بِخمْس: مَا نقص قوم الْعَهْد إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم عدوهم، وَمَا حكم قوم بِغَيْر مَا أنزل الله إِلَّا فَشَا فيهم الْفقر، وَمَا ظَهرت فيهم الْفَاحِشَة إِلَّا فَشَا فيهم الْمَوْت، وَمَا نَقَصُوا من الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا منعُوا النَّبَات وأجدبوا بِالسِّنِينَ، وَمَا منع قوم الزَّكَاة إِلَّا حبس عَنْهُم الْقطر.
وَعَن مَالك بن دِينَار قَالَ: دخلت على جَار لي أعوده، وَقد نزل بِهِ الْمَوْت، فَجعلت ألقنه كلمة الشَّهَادَة، وَهُوَ يَقُول: جبلان من نَار، جبلان من نَار.
فَمَا زَالَ يَقُول حَتَّى مَاتَ، فسالت عَنهُ؟ قَالُوا: كَانَ لَهُ مكيال وميزان يطفف بهما.
وَقيل فِي قَوْله: ﴿أَلا يظنّ﴾ يَعْنِي: أَنهم لَا يعْملُونَ عمل من يظنّ أَنهم مبعوثون.
وَقَوله: ﴿ليَوْم عَظِيم﴾ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة.
سَمَّاهُ عَظِيما لعظم مَا فِيهِ وشدته.
وَقَوله: ﴿يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين﴾ روى ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يقومُونَ مائَة سنة على رُءُوس قُبُورهم "، وَعَن بعض الصَّحَابَة: ثلثمِائة سنة، وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: يقومُونَ ألف عَام فِي الظلمَة.
وروى حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أَيُّوب، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين﴾ قَالَ: " يقومُونَ حَتَّى يبلغ الرشح
﴿كلا إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين (7) ﴾ . أَطْرَاف آذانهم ".
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحُسَيْن بن النقور، أخبرنَا أَبُو طَاهِر المخلص.
أخبرنَا ابْن بنت منيع - هُوَ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ - أخبرنَا أَبُو نصر التمار، أخبرنَا حَمَّاد بن سَلمَة، الحَدِيث.
خرجه مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي نصر التمار، وَذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ، وَذكر أَنهم يقومُونَ حَتَّى يبلغ الرشح أَنْصَاف آذانهم، وروى سليم بن عَامر، عَن الْمِقْدَاد بن الْأسود أَن النَّبِي قَالَ: " تدنى الشَّمْس من رُءُوس الْخَلَائق، حَتَّى تكون على قدر ميل من رُءُوسهم " قَالَ سليم: فَلَا أَدْرِي أَرَادَ ميل الْمسَافَة أم ميل الَّذِي يكتحل بِهِ - قَالَ: " فتصهرهم الشَّمْس، فيكونون فِي الْعرق على قدر أَعْمَالهم، فَمنهمْ من يَأْخُذهُ الْعرق إِلَى كعبيه، وَمِنْهُم إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُم إِلَى حقوه، وَمِنْهُم من يلجمه إلجاما، وَوضع رَسُول الله يَده على (فَمه) ".
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن الْعرق يذهب فِي الأَرْض سبعين ذِرَاعا " وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين﴾ كلا ردع وزجر وتنبيه، كَأَنَّهُ يَقُول: لَيْسَ الْأَمر كَمَا تَزْعُمُونَ فَارْتَدَعُوا.
وَقَوله: ﴿إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه كتاب الْأَعْمَال، وَالْآخر: أَنه أَرْوَاح الْكفَّار، وَالْأَظْهَر هُوَ الأول.
﴿وَمَا أَدْرَاك مَا سِجِّين (8) كتاب مرقوم (9) ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (10) الَّذين يكذبُون بِيَوْم الدّين (11) وَمَا يكذب بِهِ إِلَّا كل مُعْتَد أثيم (12) إِذا تتلى عَلَيْهِ﴾ .
وَقَوله: ﴿لفي سِجِّين﴾ هُوَ فعيل من السجْن، قَالَ عَطاء الْخُرَاسَانِي: هُوَ الأَرْض السفلي فِيهَا إِبْلِيس وَذريته.
وَعَن مُجَاهِد: صَخْرَة تَحت الأَرْض السَّابِعَة تقلب، وَيجْعَل تحتهَا كتاب الْفجار.
وَعَن الحبر أَنه قَالَ فِي قَوْله: ﴿إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين﴾ : هُوَ روح الْكَافِر تقبض ويصعد بِهِ إِلَى السَّمَاء، فتأبى السَّمَاء أَن تقبله، ثمَّ يهْبط بِهِ إِلَى الأَرْض، فتأبى الأَرْض أَن تقبله، فيهبط بِهِ تَحت الْأَرْضين، فَيجْعَل تَحت خد إِبْلِيس.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي: " أَن الفلق جب فِي جَهَنَّم مغطى، والسجين جب فِي جَهَنَّم مَفْتُوح ".
وَقَوله: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا سِجِّين﴾ قَالَ الزّجاج: لم يُعلمهُ رَسُول الله حَتَّى أعلمهُ الله.
وَقَوله: ﴿كتاب مرقوم﴾ أَي كتاب الْفجار، وَقَالَ بَعضهم: كتاب مرقوم يرجع إِلَى السجين، وَالأَصَح مَا بَينا.
قَوْله: ﴿ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿الَّذين يكذبُون بِيَوْم الدّين وَمَا يكذب بِهِ إِلَّا كل مُعْتَد أثيم إِذا تتلى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أساطير الْأَوَّلين﴾ أَي: أباطيل الْأَوَّلين وأكاذيبهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم﴾ أَي: غلب على قُلُوبهم.
قَالَ الْفراء: استكثروا من الْمعاصِي والذنُوب فأحاطت بقلوبهم.
وروى الْقَعْقَاع بن حَكِيم، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن العَبْد إِذا أَخطَأ خَطِيئَة نكتت فِي قلبه نُكْتَة، فَإِن هُوَ نزع واستغفر وَتَابَ صقلت، وَإِن عَاد زيد فِيهَا حَتَّى يغلق قلبه، فَهُوَ
﴿آيَاتنَا قَالَ أساطير الْأَوَّلين (13) كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون (15) ثمَّ إِنَّهُم لصالوا الْجَحِيم (16) ثمَّ﴾ . لرين الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث الشريف أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ الزَّيْنَبِي، أخبرنَا أَبُو طَاهِر المخلص، أخبرنَا الْبَغَوِيّ، أخبرنَا زغبة، عَن اللَّيْث، عَن ابْن عجلَان، عَن الْقَعْقَاع بن حَكِيم الحَدِيث.
وَيُقَال: ران أَي: غطى وغشى، وَهُوَ قريب من الأول.
قَالَ الْحسن: هُوَ الذَّنب على الذَّنب حَتَّى يسود قلبه، وروى نَحْو هَذَا عَن مُجَاهِد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يؤمئذ لمحجوبون﴾ فِي الْآيَة دَلِيل على أَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ الله تَعَالَى، وَقد نقل هَذَا الدَّلِيل عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ - رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا - قَالَ مَالك: لما حجب الله الْفجار عَن رُؤْيَته دلّ أَنه ليتجلى للْمُؤْمِنين حَتَّى يروه.
وَمثل هَذَا رَوَاهُ الرّبيع بن سُلَيْمَان، عَن الشَّافِعِي، قَالَ الرّبيع: قلت للشَّافِعِيّ: أيرى الله بِهَذَا؟ فَقَالَ: لَو لم أوقن أَن الله يرى فِي الْجنَّة لم أعبده فِي الدُّنْيَا.
وَقد رُوِيَ هَذَا الدَّلِيل عَن (أَحْمد بن يحيى بن ثَعْلَب الشَّيْبَانِيّ ابْن عَبَّاس) .
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: لَو عرف الْمُؤْمِنُونَ أَنهم لَا يرَوْنَ الله فِي الْآخِرَة، لانزهقت أَرْوَاحهم فِي الدُّنْيَا.
وَفِي الْآيَة أبين دَلِيل من حَيْثُ الْمَعْنى على مَا قُلْنَا، لِأَنَّهُ ذكر قَوْله: {كلا إِنَّهُم عَن
﴿يُقَال هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون (17) كلا إِن كتاب الْأَبْرَار لفي عليين (18) وَمَا أَدْرَاك مَا عليون (19) كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) إِن الْأَبْرَار لفي نعيم (22) على الأرائك ينظرُونَ (23) تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم﴾ . رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون) فِي حق الْكفَّار عُقُوبَة لَهُم، فَلَو قُلْنَا: إِن الْمُؤمنِينَ يحجبون، لم يَصح عُقُوبَة الْكفَّار بِهِ.
وَقد ذكر الْكَلْبِيّ فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة: أَن الْمُؤمنِينَ يرونه فِي الْجنَّة، ويحجب الْكفَّار.
وَعَن الْحُسَيْن بن الْفضل قَالَ: كَمَا حجبهم فِي الدُّنْيَا عَن توحيده، كَذَلِك فِي الْآخِرَة عَن رُؤْيَته.
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِنَّهُم لصالوا الْجَحِيم﴾ أَي: لداخلوا الْجَحِيم.
وَقَوله: ﴿ثمَّ يُقَال هَذَا الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ يُقَال لَهُم ذَلِك على طَرِيق التوبيخ وَالتَّعْبِير.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا إِن كتاب الْأَبْرَار لفي عليين﴾ قَالَ الْفراء: ارْتِفَاع بعد ارْتِفَاع.
وَقَالَ كَعْب: يقبض روح الْمُؤمن فيصعد بِهِ إِلَى السَّمَاء، فتتلقاه الْمَلَائِكَة إِلَى أَن تبلغ السَّمَاء السَّابِعَة، فَيُوضَع تَحت الْعَرْش.
يُقَال: إِن الْكتاب هُوَ كتاب الْأَعْمَال، وَقد بَينا أَنه أظهر الْقَوْلَيْنِ، وَالْمعْنَى: أَنه يوضع فِي أَعلَى الْأَمْكِنَة إِظْهَارًا لخسة عمل الْفجار.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا عليون﴾ قَالَ الزّجاج: لم يدر حَتَّى أعلمهُ الله.
وَقَوله: ﴿كتاب مرقوم يشهده المقربون﴾ أَي كتاب مَكْتُوب، أَو كتاب عَلَيْهِ عَلامَة الْقبُول، يشهده الْمَلَائِكَة، وَقيل: يشهده مقربو كل سَمَاء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْأَبْرَار لفي نعيم﴾ أَي: فِي نعيم الْجنَّة.