الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله: ﴿جزاءا وفَاقا﴾ أَي: جَزَاء يُوَافق أَعْمَالهم.
قَالَ ابْن زيد: عمِلُوا شرا، فجوزوا شرا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم كَانُوا لَا يرجون حسابا﴾ أَي: لَا يخَافُونَ، وَقد بَينا الرَّجَاء بِمَعْنى الْخَوْف فِيمَا سبق.
وَقَوله: ﴿وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا﴾ أَي: تَكْذِيبًا، قَالَ الْفراء: هِيَ لُغَة فصيحة يَمَانِية.
وَقَوله: ﴿وكل شَيْء أحصيناه كتابا﴾ هُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وكل شَيْء أحصيناه فِي إِمَام مُبين﴾ أَي: بَيناهُ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
وَقَوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدكُمْ إِلَّا عذَابا﴾ أَي: يُقَال لَهُم: فَذُوقُوا الْعَذَاب فَهُوَ غير مُنْقَطع عَنْكُم، وَلَا تزادون إِلَّا الْعَذَاب.
قَالَ الشَّاعِر:
﴿إِن لِلْمُتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أَتْرَابًا (33) وكأسا دهاقا (34) لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا كذابا (35) جَزَاء من رَبك عَطاء حسابا﴾ . (فصدقتها وكذبتها ... والمرء يَنْفَعهُ كذابه)
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن لِلْمُتقين مفازا﴾ أَي: فوزا، والمفاز: مَوضِع الْفَوْز.
وَقَوله: ﴿حدائق وأعنابا﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقد بَينا.
وَقَوله: ﴿وكواعب أَتْرَابًا﴾ الكواعب: هِيَ النواهد، يُقَال: جَارِيَة كاعب أَي خرج ثديها مثل الكعب وَهِي ناهد.
وَقَوله: ﴿أَتْرَابًا﴾ أَي لدات، وَقيل: بَنَات ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة.
وَقَوله: ﴿وكأسا دهاقا﴾ أَي ممتلئة، قَالَه مُجَاهِد، وَقَالَ عِكْرِمَة: صَافِيَة، وَعَن بَعضهم: متتابعة، وَالْقَوْل الأول أظهر، وَهُوَ محكي عَن ابْن عَبَّاس، وَعنهُ أَنه قَالَ: كثيرا سَمِعت الْعَبَّاس يَقُول: اسقيني يَا جَارِيَة الكأس وادهقي، وَعنهُ أَيْضا: أَنه دَعَا بكأس فَجَاءَت بِهِ الْجَارِيَة ملآن فَقَالَ: هَذَا هُوَ الدهاق.
وَقَوله: ﴿لَا يسمعُونَ فِيهَا لَغوا وَلَا كذابا﴾ اللَّغْو: هُوَ الْكَلَام المطرح.
وَقَوله: ﴿كذابا﴾ أَي: لَا يكذب بَعضهم بَعْضًا، وَقُرِئَ " كذابا " بِالتَّخْفِيفِ وَمَعْنَاهُ: الْكَذِب لَا غير، قَالَ الشَّاعِر:
(فصدقتها وكذبتها ... والمرء يَنْفَعهُ كذابه)
أَي: كذبه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿جَزَاء من رَبك عَطاء حسابا﴾ أَي: عَطاء كَافِيا يُقَال: أَعْطَانِي فلَان حَتَّى أحسبني، يَعْنِي: حَتَّى قلت حسبي، وَقَالَ قَتَادَة: عَطاء حسابا أَي: كثيرا، وَقَالَ الشَّاعِر فِي الْمَعْنى الأول.
(ونقفي وليد الْحَيّ إِن كَانَ جائعا ... ونحسبه إِن كَانَ لَيْسَ بجائع)
وَقَوله: ﴿جَزَاء من رَبك عَطاء﴾ أَي: جوزوا جَزَاء، وأعطوا عَطاء.
( ﴿36) رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا الرَّحْمَن لَا يملكُونَ مِنْهُ خطابا (37) يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صَوَابا (38) ذَلِك الْيَوْم الْحق﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا الرَّحْمَن﴾ كِلَاهُمَا بِالرَّفْع، وَقُرِئَ: " رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا الرَّحْمَن " الأول بِالْجَرِّ، وَالْآخر بِالرَّفْع.
وَقُرِئَ كِلَاهُمَا بِالْكَسْرِ: " رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا الرَّحْمَن " فَوجه الْقِرَاءَة الأولى أَن قَوْله: ﴿رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ رفع بِالِابْتِدَاءِ والرحمن خَبره، وَوجه الْقِرَاءَة الثَّانِيَة أَن قَوْله: ﴿رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ مخفوض اتبَاعا لقَوْله: ﴿من رَبك﴾ وَقَوله: ﴿الرَّحْمَن﴾ ابْتِدَاء، وَوجه الْقِرَاءَة الثَّالِثَة، أَن كليهمَا مخفوض اتبَاعا لقَوْله: ﴿من رَبك﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَا يملكُونَ مِنْهُ خطابا﴾ أَي: لَا يَتَكَلَّمُونَ مَعَ الله، وَيمْنَعُونَ من الْكَلَام مَعَه، وَقيل: لَا يملكُونَ مِنْهُ خطابا أَي: لَا يشفعون لأحد إِلَّا بِإِذْنِهِ، على مَا قَالَ من بعد
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يقوم الرّوح﴾ قَالَ مُجَاهِد: الرّوح خلق يشبهون بني آدم، وَلَيْسوا بني آدم، وَقيل: هُوَ جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - وَقيل: هُوَ خلق من خلق الله لم يخلق بعد الْعَرْش أعظم مِنْهُ يقوم يَوْم الْقِيَامَة صفا وَجَمِيع الْمَلَائِكَة صفا، وَقيل: صفا، أَي: صُفُوفا وَمَوْضِع صَلَاة العَبْد يُسمى صفا، لِأَنَّهُ مَوضِع الصُّفُوف.
وَقَوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ أَي: لَا يشفعون، أَي: الْمَلَائِكَة وَقيل: لَا يَتَكَلَّمُونَ مُطلقًا.
قَوْله: ﴿إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن﴾ أَي: بالشفاعة وَالْكَلَام.
وَقَوله: ﴿وَقَالَ صَوَابا﴾ أَي: حَقًا، وَقيل: هُوَ لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالْمعْنَى: أَنهم لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِالْإِذْنِ أَو كلَاما صَوَابا، وَهُوَ لَا إِلَه إِلَّا الله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك الْيَوْم الْحق﴾ أَي: الْقِيَامَة هُوَ الْيَوْم الْحق، وَمعنى الْحق هَاهُنَا: أَنه
﴿فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه مآبا (39) إِنَّا أنذرناكم عذَابا قَرِيبا يَوْم ينظر الْمَرْء مَا قدمت يَدَاهُ وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا (40) ﴾ . كَائِن لَا محَالة.
وَقَوله: ﴿فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه مآبا﴾ أَي منقلبا حسنا بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَة.
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّا أنذرناكم عذَابا قَرِيبا﴾ أَي النَّار وكل آتٍ فَهُوَ قريب.
وَقَوله ﴿يَوْم ينظر الْمَرْء مَا قدمت يَدَاهُ﴾ أَي مَا قدمت يَدَاهُ من الْخَيْر وَالشَّر.
وَقَوله ﴿وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا﴾ روى [جَعْفَر بن برْقَان] عَن ابْن الأحم عَن ابْن عَبَّاس أَن الله تَعَالَى يجمع الْخلق يَوْم الْقِيَامَة من الدَّوَابّ والطيور وَالنَّاس وَالْجِنّ فرذا نزل الثقلَيْن مَنَازِلهمْ، قَالَ للطيور والبهائم وَالدَّوَاب: كوني تُرَابا، فَتكون تُرَابا فَحِينَئِذٍ يَقُول الْكَافِر: يَا لَيْتَني كنت تُرَابا.
قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد أخبرنَا أَبُو سهل عبد الصَّمد بن عبد الرَّحْمَن البرَاز أخبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الغدافري أخبرنَا الدبرِي هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أخبرنَا عبد الرازق عَن معمر عَن جَعْفَر بن برْقَان.
. الحَدِيث.
وَقيل: إِن الْكَافِر هَاهُنَا هُوَ أَبُو جهل.
وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره عَن الْحسن بن وَاقد قَالَ: إِن الْكَافِر يَقُول: يَا لَيْتَني كنت خنزيرا فأصير تُرَابا، فَيَقُول التُّرَاب لَهُ: لَا وَلَا كَرَامَة لَك - يَعْنِي لَا يكون مثلي.
وَحكى مثل هَذَا عَن السّديّ أَيْضا.
وَعَن بَعضهم أَن معنى قَوْله ﴿يَا لَيْتَني كنت تُرَابا﴾ أَي يَا لَيْتَني لم أبْعث.
وَقد ورد فِي الحقب الَّذِي ذكرنَا أثران عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: ليعْمَل أحدكُم بِالطَّاعَةِ وَلَا يتكلمن على أَنه يدْخل النَّار ثمَّ يخرج مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يدْخل النَّار أحد فَيخرج مِنْهَا إِلَّا بعد أَن يمْكث أحقابا وَذكر الحقب كَمَا بَينا من ذكر الثَّمَانِينَ.
والأثر الثَّانِي مَا روى عَن ابْن مَسْعُود فِي بَقَاء النَّعيم لأهل الْجنَّة وَالْعَذَاب لأهل النَّار وَهُوَ مَا روى السّديّ عَن مرّة عَن عبد الله أَنه قَالَ: لَو علم أهل النَّار أَنهم يمكثون فِي النَّار عدد الْحَصَى سِنِين ثمَّ يخرجُون مِنْهَا لفرحوا وَلَو علم أهل الْجنَّة أَنهم يمكثون عدد الْحَصَى سِنِين ثمَّ يخرجُون مِنْهَا لحزنوا.
والأثران غَرِيبَانِ.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) ﴾ . تَفْسِير سُورَة والنازعات
وَهِي مَكِّيَّة، وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿و
غرقا﴾ فِيهِ أَقْوَال: أظهرها: أَنَّهَا الْمَلَائِكَة تنْزع أَرْوَاح الْكفَّار بِشدَّة، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة وَرُوِيَ مثله عَن ابْن مَسْعُود فِي رِوَايَة مَسْرُوق.
قَوْله: ﴿غرقا﴾ أَي: إغراقا يُقَال: أغرق فِي النزع إِذا بلغ الْغَايَة.
وَعَن الْحسن: أَنَّهَا النُّجُوم تنْزع من أفق إِلَى أفق، أَي: تطلع وتغرب، وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح: أَنَّهَا القسي وَهُوَ من نزع الْقوس والإغراق فِيهِ.
وَقَوله: ﴿والناشطات نشطا﴾ على القَوْل الأول هِيَ الْمَلَائِكَة أَيْضا تنشط أَرْوَاح الْكفَّار أَي: تجذبها بِسُرْعَة، قَالَ الشَّاعِر:
(أمست همومي تنشط المناشطا ... الشَّام بِي طورا وطورا واسطا)
والنشط فِي اللُّغَة: هُوَ الجذب، وَيُقَال: تجذب روح الْكفَّار كَمَا يجذب السفود من الصُّوف الرطب، وَقيل: إِن معنى الناشطات أَخذ الْمَلَائِكَة أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ بسهولة كَمَا ينشط الْبَعِير من العقال.
وَفِي الْأَخْبَار: أَن الْمَلَائِكَة تَأْخُذ روح الْكفَّار بغاية الشدَّة، فَإِذا بلغت ترقوته ردوا الرّوح فِي جسده، ثمَّ نَزَعته هَكَذَا مَرَّات عُقُوبَة لَهُ، وَتَأْخُذ روح الْمُؤمن سرعَة وسهولة، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الناشطات هِيَ النُّجُوم على مَا ذكرنَا عَن الْحسن، وَالْمرَاد سرعَة
﴿والسابحات سبحا (3) فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) ﴾ . سَيرهَا، وَيُقَال: رُجُوعهَا من الْمغرب إِلَى مطالعها، وَذَلِكَ فِي السَّبع السيارة، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا أقسم بالخنس الْجوَار الكنس﴾ على مَا سنبين، ذكره النقاش.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا الأوهاق.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿والسابحات سبحا﴾ على القَوْل الأول هِيَ الْمَلَائِكَة، وسبحها سَيرهَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وعَلى القَوْل الثَّانِي أَنَّهَا النُّجُوم، وسبحها فِي الْفلك، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهَا الْخَيل، وسبحها سرعَة جريها، يُقَال للْفرس الْجواد: سابح.
وَقَوله: ﴿فالسابقات سبقا﴾ على القَوْل الأول هِيَ الْمَلَائِكَة، وسبقها مبادرتها إِلَى الْأَعْمَال الصَّالِحَة والخيرات.
وَيُقَال: سبقها: هُوَ الْمُسَابقَة إِلَى تَبْلِيغ الْوَحْي قبل استراق الشَّيَاطِين السّمع، وعَلى القَوْل الثَّانِي هِيَ النُّجُوم تسبق بَعْضهَا بَعْضًا فِي السّير، وعَلى القَوْل الثَّالِث هِيَ الْخَيل أَيْضا يسْبق بَعْضهَا بَعْضًا عِنْد الْمُسَابقَة، وَيُقَال: إِنَّهَا النُّفُوس تسبق إِلَى الْخُرُوج عِنْد الْمَوْت.
وَقد ذكر السّديّ أَيْضا أَن معنى النازعات: هِيَ النُّفُوس والأرواح تنْزع عِنْد الْمَوْت.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فالمدبرات أمرا﴾ هِيَ الْمَلَائِكَة فِي قَول الْجَمِيع، إِلَّا مَا روى فِي رِوَايَة غَرِيبَة بِرِوَايَة خَالِد بن معدان، عَن معَاذ بن جبل: أَنَّهَا النُّجُوم.
فَمَعْنَى التَّدْبِير من الْمَلَائِكَة هُوَ مَا جعل الله إِلَيْهَا من الْأُمُور.
قَالَ عبد الرَّحْمَن بن سابط: فَإلَى جِبْرِيل الْجنُود، وَإِلَى مِيكَائِيل الْقطر والنبات، وَإِلَى عزرائيل قبض الْأَرْوَاح، وَإِلَى إسْرَافيل إِنْزَال
﴿يَوْم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قُلُوب يَوْمئِذٍ واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) يَقُولُونَ﴾ . لأمور إِلَيْهِم فِي هَذِه الْأَشْيَاء [إِلَى] : الْمَلَائِكَة، وَأما إِذا حملناه على النُّجُوم، فَيجوز أَن يعلق الله تَعَالَى على مطالعها وَمَغَارِبهَا وسيرها أَشْيَاء، وأضاف التَّدْبِير إِلَيْهَا على طَرِيق الْمجَاز.
وَاخْتلف القَوْل فِي الْمقسم بِهِ والمقسم عَلَيْهِ: فأحذ الْقَوْلَيْنِ: أَنه أقسم بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، وَللَّه أَن يقسم من خلقه بِمَا شَاءَ، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: وَرب النازعات، فَذكر الرب مُضْمر فِي هَذِه الْكَلِمَات، وَإِنَّمَا أقسم بِنَفسِهِ لَا بِهَذِهِ الْأَشْيَاء.
وَأما الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْقسم فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه مَحْذُوف، وَالْمعْنَى: لتبعثن ولتحاسبن، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الْقسم هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لعبرة لمن يغشى﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم ترجف الراجفة﴾ الرجف والراجفة هِيَ الِاضْطِرَاب والزلزال الشَّديد، وَهُوَ فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا﴾ وَقيل: الراجفة هِيَ الصَّيْحَة الأولى الَّتِي يُمِيت بهَا الْخَلَائق.
وَقَوله: ﴿تتبعها الرادفة﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا الْقِيَامَة، وَالْآخر: أَنَّهَا الصَّيْحَة الثَّانِيَة.
وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن بَينهمَا أَرْبَعِينَ سنة، وتمطر السَّمَاء فِي هَذِه الْأَرْبَعين فتهتز الأَرْض، وتنبت النَّاس فِي الْقُبُور، ثمَّ ترد إِلَيْهِم أَرْوَاحهم فِي الصَّيْحَة الثَّانِيَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قُلُوب يَوْمئِذٍ واجفة﴾ أَي: مضطربة، يُقَال: وجف يجِف، وَوَجَب يجب بِمَعْنى وَاحِد وَقيل: واجفة أَي: وَجلة.
وَقَوله: ﴿أبصارها خاشعة﴾ أَي: ذليلة.
وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ هَذَا إِخْبَار عَن قَوْلهم فِي الدُّنْيَا أَي: يَقُولُونَ فِي الدُّنْيَا: {أئنا
﴿أئنا لمردودون فِي الحافرة (10) أءذا كُنَّا عظاما نخرة (11) قَالُوا تِلْكَ إِذا كرة خاسرة (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَة وَاحِدَة (13) فَإِذا هم بالساهرة (14) ﴾ . لمردودون فِي الحافرة) أَي: إِلَى أول أمرنَا، وَالْمعْنَى: أنرد أَحيَاء بعد أَن متْنا على طَرِيق الْإِنْكَار، يُقَال: رَجَعَ فلَان على حافرته إِذا رَجَعَ من حَيْثُ جَاءَ.
الْعَرَب تَقول: النَّقْد عِنْد الحافرة أَي: عِنْد أول كلمة، أَي: فِي السّوم.
وَقَالَ الشَّاعِر:
(أحافرة على صلع وشيب ... معَاذ الله من سفه وعار)
وَقَالَ السّديّ: ﴿أئنا لمردودون فِي الحافرة﴾ أَي: إِلَى الْحَيَاة، وَهُوَ على مَا قُلْنَا وَقيل: إِلَى النَّار.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أئذا كُنَّا عظاما نخرة﴾ وَقُرِئَ: " ناخرة "، قَالَ الْفراء: هما وَاحِدَة، وَهِي البالية الفانية.
وَعَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء: أَن النخرة هِيَ الَّتِي قد بليت، والناخرة هِيَ الَّتِي لم تبل بعد، وَعَن وَكِيع قَالَ: هِيَ الَّتِي تدخل الرّيح فِي جوفها فتنخر، وَهُوَ مَنْقُول أَيْضا عَن أهل اللُّغَة.
وَقَوله: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذا كرة خاسرة﴾ أَي: رَجْعَة ذَات خسران، وَالْمعْنَى: أَنا نَكُون فِي خسار إِن رَجعْنَا، وَيجوز أَن يكون المُرَاد أَنهم يخسرون إِذا رجعُوا.
وَعَن الْحسن قَالَ: خاسرة أَي: كَاذِبَة يَعْنِي: لَيست بكائنة.
وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَة وَاحِدَة﴾ هُوَ إِخْبَار عَن سهولة الْأَمر على الله فِي الْفَهم، والزجرة: الصحية.
وَقَوله: ﴿فَإِذا هم بالساهرة﴾ القَوْل الْمَعْرُوف أَنَّهَا وَجه الأَرْض يَعْنِي: أَنهم يخرجُون من بَطنهَا إِلَى ظهرهَا، وَسميت الأَرْض ساهرة، لِأَن عَلَيْهَا سهر الْخلق ونومهم، وَقَالَ النَّخعِيّ " فَإِذا هم بالساهرة " أَي: فَوق الأَرْض.
وَعَن وهب بن مُنَبّه أَنه قَالَ: الساهرة جبل بِجنب بَيت الْمُقَدّس، قَالَ الشَّاعِر فِي الساهرة:
(فَإِنَّمَا قصرك ترب الساهرة ... ثمَّ تعود بعْدهَا فِي الحافرة)
﴿هَل أَتَاك حَدِيث مُوسَى (15) إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْن إِنَّه طَغى (17) فَقل هَل لَك إِلَى أَن تزكّى (18) وأهديك إِلَى رَبك فتخشى (19) فَأرَاهُ الْآيَة الْكُبْرَى (20) ﴾ . (من بعد مَا كُنَّا عظاما ناخرة ... )
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل أَتَاك حَدِيث مُوسَى﴾ أَي: قد أَتَاك.
وَقَوله: ﴿إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس﴾ أَي: المطهر.
وَقَوله: ﴿طوى﴾ أَي: طوى بِالْبركَةِ وَالتَّقْدِيس مرَّتَيْنِ، وَقيل: سَمَّاهُ طوى لِأَن مُوسَى وَطئه بقدمه، وَقيل: إِنَّه اسْم الْوَادي وَقيل: هُوَ الأَرْض الَّتِي بَين الْمَدِينَة ومصر.
وَقَرَأَ الْحسن: " طوى " بِكَسْر الطَّاء، وَالْمَعْرُوف طوى، وَهُوَ غير مَصْرُوف لِأَنَّهُ اسْم الْبقْعَة من الْوَادي وَهُوَ مَعْرُوف وَعَن الزّجاج قَالَ: يجوز أَن يكون معدولا من طاو، فَلهَذَا لم يصرف مثل: عَمْرو معدول عَامر، وَقُرِئَ: مصروفا وأنشدوا:
﴿أعاذل إِن اللوم فِي غير كنهه ... على طوى من غيك المتردد﴾ .