الممتحنة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿والسقف الْمَرْفُوع﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه السَّمَاء، وَالْآخر: أَنه الْعَرْش.
وَقَوله: ﴿وَالْبَحْر الْمَسْجُور﴾ أشهر الْأَقَاوِيل فِيهِ أَنه الممتلئ.
وَعَن ربيع بن أنس فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ قَالَ: إِن الله تَعَالَى جعل ذَلِك المَاء نِصْفَيْنِ حِين خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَجعل نصفا مِنْهُ تَحت الأَرْض السَّابِعَة وَنصفا مِنْهُ تَحت الْعَرْش، فَإِذا كَانَ بَين النفختين ينزل الله مِنْهُ قطرا على الأَرْض، فينبت بِهِ الأجساد فِي الْقُبُور.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن الْبَحْر الْمَسْجُور هُوَ المفجور على مَا قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿وَإِذا الْبحار فجرت﴾ وتفجيرها هُوَ بسطها وإرسالها على الأَرْض.
وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: الْبَحْر الْمَسْجُور هُوَ الْمُرْسل، وَذَلِكَ لِمَعْنى مَا بَينا.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْبَحْر الْمَسْجُور هُوَ الموقد نَارا، من قَوْلهم: سجرت التَّنور.
وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لكعب الْأَحْبَار: أَيْن جَهَنَّم؟ قَالَ: هُوَ الْبَحْر، فَقَالَ: مَا أَرَاك إِلَّا صَادِقا، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا الْبحار سجرت﴾
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن الْبَحْر الْمَسْجُور هُوَ الْبَحْر الَّذِي يبس مَاؤُهُ وَذهب، كَأَن بحار الأَرْض تفرغ عَن المَاء يَوْم الْقِيَامَة.
وَعبر بَعضهم عَن هَذَا الْبَحْر الْمَسْجُور بالفارغ.
{إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع (7) مَا لَهُ من دَافع (8) يَوْم تمور السَّمَاء مورا (9) وتسير الْجبَال سيرا (10) فويل يَوْمئِذٍ للمكذبين (11) الَّذين هم فِي خوض يَلْعَبُونَ (12)
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع﴾ على هَذَا وَقع الْقسم، وَإِلَى هَذَا الْموضع كَانَ قسما على التَّقْدِير الَّذِي قُلْنَاهُ فِي السُّورَة الْمُتَقَدّمَة.
وَقَوله: ﴿وَاقع﴾ أَي: كَائِن.
وَقَوله: ﴿مَا لَهُ من دَافع﴾ أَي: مَاله دَافع من الْكفَّار.
وَعَن جُبَير بن مطعم: " أَنه أَتَى الْمَدِينَة ليفدي بعض أُسَارَى بدر، فَسمع النَّبِي يقْرَأ فِي الصَّلَاة سُورَة الطّور، فَلَمَّا سمع قَوْله: ﴿إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع مَا لَهُ من دَافع﴾ غشية وَجل وَخَوف، وَكَانَ ذَلِك سَبَب إِسْلَامه ".
قَوْله: ﴿يَوْم تمور السَّمَاء مورا﴾ أَي: تَدور، وَيُقَال: تَجِيء وَتذهب وَالْمرَاد سَيرهَا وَيُقَال تكفأ بِأَهْلِهَا.
وَقَوله ﴿وتسير الْجبَال سيراً﴾ أى تجىء وَتذهب على وَجه الأَرْض، وَيُقَال: سَيرهَا سير السَّحَاب بَين السَّمَاء وَالْأَرْض على مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهِي تمر مر السَّحَاب﴾ .
وَقَوله: ﴿فويل يَوْمئِذٍ للمكذبين الَّذين هم فِي خوض يَلْعَبُونَ﴾ أَي: فِي بَاطِل لاهون، وَيُقَال: يَخُوضُونَ فِي أَمر النَّبِي بالتكذيب، ويلعبون بِمَا هُوَ [الْجد] . وَعَن بَعضهم: أَنه رُؤِيَ فِي الْمَنَام، فَقيل لَهُ: كَيفَ الْأَمر؟ فَقَالَ: الْأَمر جد فأياك أَن تخلطه بِالْهَزْلِ.
وَقيل: إِن الله تَعَالَى جعل كل مَا فِيهِ الْكفَّار لعبا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يدعونَ إِلَى نَار جَهَنَّم دَعَا﴾ أَي: يدْفَعُونَ فِي نَار جَهَنَّم.
وَقَوله: ﴿دَعَا﴾ أَي: دفعا.
والدع فِي اللُّغَة: هُوَ الدّفع بِشدَّة وعنف.
﴿يَوْم يدعونَ إِلَى نَار جَهَنَّم دَعَا (13) هَذِه النَّار الَّتِي كُنْتُم بهَا تكذبون (14) أفسحر هَذَا أم أَنْتُم لَا تبصرون (15) اصلوها فَاصْبِرُوا أَو لَا تصبروا سَوَاء عَلَيْكُم إِنَّمَا تُجْزونَ﴾
وَقَوله: ﴿هَذِه النَّار الَّتِي كُنْتُم بهَا تكذبون﴾ يُقَال لَهُم هَذَا على طَرِيق التوبيخ والتقريع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفسحر هَذَا﴾ فِي التَّفْسِير: أَنهم لما كَانُوا يرَوْنَ الْآيَات فِي الدُّنْيَا وَدَلَائِل نبوة الرَّسُول فَيَقُولُونَ: إِنَّهَا سحر وَنحن لَا نبصر مَا يَقُول أَي: لَا نعلم فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وعاينوا الْعَذَاب يُقَال لَهُم: أفسحر هَذَا كَمَا تَزْعُمُونَ فِي الدُّنْيَا لما رَأَيْتُمْ من الْآيَات أم أَنْتُم لَا تبصرون، أَي: هَل أَنْتُم لَا تبصرون كَمَا لم تبصروا فِي الدُّنْيَا على زعمكم؟ . وَالْقَوْل الثَّانِي فِي قَوْله: ﴿أم أَنْتُم لَا تبصرون﴾ أَي: مَعْنَاهُ بل كُنْتُم لَا تبصرون، أَي: لَا تعلمُونَ، وَهَذَا قَول مَعْرُوف.
وَقَوله: ﴿اصلوها﴾ أَي: ادخلوها.
وَيُقَال: قاسوا حرهَا.
وَقَوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَو لَا تصبروا﴾ هُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿سَوَاء علينا أجزعنا أم صَبرنَا﴾ وَالْمعْنَى: أَنكُمْ سَوَاء صَبَرْتُمْ أَو جزعتم، فالعذاب وَاقع بكم وَلَا يُخَفف عَنْكُم.
وَفِي بعض الْآثَار: أَن أهل النَّار يجزعون مُدَّة مديدة، وينادون على أنفسهم بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور ثمَّ يَقُولُونَ: تَعَالَوْا نصبر، فيصبرون أَيْضا مُدَّة مديدة فَلَا يَنْفَعهُمْ وَاحِد من الْأَمريْنِ، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿سَوَاء عَلَيْكُم﴾ أَي: مستو [كلتا] الْحَالَتَيْنِ، وَالْعَذَاب مُسْتَمر بكم فيهمَا.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزونَ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: أَن هَذَا عَمَلكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ.