المعارج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاء رَفعهَا﴾ أَي: أَعْلَاهَا بِحَيْثُ لَا تنالها الْأَيْدِي.
وَقَوله: ﴿وَوضع الْمِيزَان﴾ فِيهِ قَولَانِ، أَحدهمَا: أَنه الْمِيزَان الْمَعْرُوف، وَالْآخر: أَن المُرَاد مِنْهُ الْعدْل.
وَقَوله: ﴿أَن لَا تطغوا فِي الْمِيزَان﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " لَا تطغوا فِي الْمِيزَان " أَي: لَا تَجُورُوا فِيهِ، وَلَا تجوزوا الْحَد.
والطغيان: مُجَاوزَة الْحَد.
وَقَوله: ﴿وَأقِيمُوا الْوَزْن بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ.
وَإِقَامَة الْوَزْن: إِقَامَة لِسَان الْمِيزَان من غير ميل وجور.
وَقَوله: ﴿وَلَا تخسروا الْمِيزَان﴾ أَي: لَا تنقصوا وَلَا تبخسوا.
وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه قَالَ: يَا معشر الموَالِي يَعْنِي: الْعَجم إِنَّكُم وليتم أَمر من فيهمَا هلك كثير من الْأُمَم قبلكُمْ الْمِكْيَال وَالْمِيزَان.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْض وَضعهَا للأنام﴾ أَي: بسطها.
وَفِي الْأَنَام ثَلَاثَة أَقْوَال، أَحدهَا: ذكره الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه الْجِنّ وَالْإِنْس.
وَالْآخر: أَنه الْإِنْس خَاصَّة.
وَالثَّالِث:
﴿فِيهَا فَاكِهَة وَالنَّخْل ذَات الأكمام (11) وَالْحب ذُو العصف وَالريحَان (12) فَبِأَي﴾ كل مَا دب ودرج.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهَا فَاكِهَة﴾ الْفَاكِهَة كل مَا يتفكه بِهِ.
وَقَوله: ﴿ذَات الأكمام﴾ جمع الْكمّ، والكم: كل مَا يُغطي شَيْئا، وَمِنْه الْكمّ الْمَعْرُوف، فَلِأَنَّهَا تغطي الْيَد.
والقلنسوة تسمى الكمة؛ لِأَنَّهَا تغطي الرَّأْس.
ومعتى الْكمّ هَاهُنَا: هُوَ الغلاف الَّذِي يكون لثمرة النّخل، وَيُقَال: الْكمّ هُوَ الطّلع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْحب ذُو العصف وَالريحَان﴾ العصف: ورق الزَّرْع، فَإِذا يبس صَار تبنا، وَيُقَال: العصف هُوَ البقل الَّذِي ينْبت من الأَرْض.
وَقَوله: ﴿وَالريحَان﴾ أَي: الثَّمَرَة.
قَالَ ابْن كيسَان: إِذا نبت الزَّرْع فأوله يكون عصفا، ثمَّ يظْهر فِيهِ الريحان، وَهُوَ ثَمَرَته.
وَقيل: إِن الريحان هُوَ الرزق، قَالَ الشَّاعِر:
(سَلام الْإِلَه وريحانه ... وَرَحمته وسماء دُرَر)
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هُوَ الريحان الَّذِي يشم.
وَأولى الْأَقَاوِيل أَن العصف هُوَ التِّبْن، وَالريحَان هُوَ الْحبّ الَّذِي خلق فِيهِ للْأَكْل، سَمَّاهُ ريحانا؛ لِأَن مِنْهُ رزق الْعباد.
وَفِي الْمَصَاحِف: " وَالْحب والعصف " وَمَعْنَاهُ: وَخلق الْحبّ ذَا العصف.
وَقَوله: ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مَعْنَاهُ: بِأَيّ نعم رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ أَيهَا الْإِنْس وَالْجِنّ؟ وَالْمرَاد من الآلاء النعم الَّتِي عدهَا من قبل.
وَقد ثَبت بِرِوَايَة مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر أَن النَّبِي قَرَأَ سُورَة الرَّحْمَن على أَصْحَابه، فَلم يجيبوا بِشَيْء، فَقَالَ: " مَا لي أَرَاكُم سكُوتًا! للجن كَانُوا أحسن مِنْكُم ردا، مَا قَرَأت عَلَيْهِم هَذِه الْآيَة من مرّة ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إِلَّا قَالُوا: وَلَا بِشَيْء من نعمك رَبنَا نكذب، فلك الْحَمد ". ﴿آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) خلق الْإِنْسَان من صلصال كالفخار (14) وَخلق الجان من مارج من نَار (15) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿خلق الْإِنْسَان من صلصال كالفخار﴾ الصلصال: الطين الْيَابِس الَّذِي يصوت إِذا نقر وحرك.
وَقَوله: ﴿كالفخار﴾ أَي: الخزف.
فَإِن قيل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿من طين لازب﴾ ، وَقَالَ فِي مَوضِع: ﴿من حمأ مسنون﴾ ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿من صلصال﴾ فَكيف وَجه التَّوْفِيق؟
الْجَواب عَنهُ: أَن الْجَمِيع صَحِيح على الْقطع، فَالله تَعَالَى خلق آدم من تُرَاب جعله طينا لازبا، ثمَّ جعله حمأ مسنونا، ثمَّ جعله صلصالا كالفخار، ثمَّ صوره.
قَالَ قَتَادَة: هُوَ المَاء يُصِيب الأَرْض، ثمَّ يذهب المَاء فيجف مَوضِع المَاء وييبس وينشق، فَهُوَ الصلصال كالفخار.
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس فِي تَفْسِيره: أَنه ورد فِي بعض الحَدِيث أَن الله تَعَالَى حِين أَرَادَ أَن يخلق آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام جعل التُّرَاب طينا لازبا، وَتَركه أَرْبَعِينَ سنة، ثمَّ جعله صلصالا كالفخار، وَتَركه أَرْبَعِينَ سنة، ثمَّ صوره وَتَركه جسدا لَا روح فِيهِ أَرْبَعِينَ سنة، وَكَانَت الْمَلَائِكَة يَمرونَ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: سُبْحَانَ الَّذِي خلقك لامر مَا خلقك.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي " أَن إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة لما رأى الصُّورَة فَوَجَدَهُ أجوف، فَعلم أَنه خلق لَا يَتَمَالَك ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخلق الجان من مارج من نَار﴾ أَي: من لَهب النَّار.
وَيُقَال: خَالص النَّار.
وَإِن الجان هُوَ أَبُو الْجِنّ.
وَقَوله: ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ.
وَقَالَ الْحسن: الجان هُوَ
﴿رب المشرقين وَرب المغربين (17) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ (19) بَينهمَا برزخ لَا يبغيان (20) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) إِبْلِيس.
وَقَوله: {من مارج من نَار﴾ قد ذكرنَا.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: المارج: الخضرة الَّتِي تكون بَين النَّار وَبَين الدُّخان.
وَيُقَال: المارج نَار مختلطة بسواد.
وَقَالَ الْفراء فِي قَوْله: ﴿من نَار﴾ : هِيَ نَار دون الْحجاب، وَمِنْهَا الصَّوَاعِق الَّتِي يَرَاهَا النَّاس.
قَوْله تَعَالَى: ﴿رب المشرقين وَرب المغربين﴾ مَعْنَاهُ: مشرق الصَّيف، ومشرق الشتَاء.
وَالَّذِي قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب﴾ هُوَ مشرق كل يَوْم فِي الصَّيف والشتاء.
وَيُقَال: المشرقان: الشَّمْس وَالْفَجْر، والمغربان: الشَّمْس والشفق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ﴾ أَي: خلاهما وأرسلهما، قَالَه الْفراء والزجاج وَغَيرهمَا، وَعَن بَعضهم: مرج الْبَحْرين أَي: لَاقَى بَينهمَا.
وَقَوله: ﴿الْبَحْرين﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ مُجَاهِد: بَحر السَّمَاء وَالْأَرْض.
وَقَالَ الْحسن: بَحر فَارس وَالروم.
وَيُقَال: بَحر الْمشرق وَالْمغْرب.
وَيُقَال: بَحر الْملح والعذب.
وَقَوله: ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ أَي: يلقِي أَحدهمَا صَاحبه.
وَقَوله: ﴿بَينهمَا برزخ لَا يبغيان﴾ أى حاجزه وَقَوله: لَا يبغيان أَي: لَا يخلتط أَحدهمَا بِالْآخرِ، لَا يخْتَلط الْملح بالعذب [فيفسده] ، وَلَا العذب بالملح فيختلج.
وَيُقَال: الحاجز حاجز من الْقُدْرَة.
وَالْآيَة وَردت فِي مَوضِع مَخْصُوص من بَحر فَارس وَالروم.
وَقيل: فِي مَوضِع مَخْصُوص من العذب وَالْملح.
والعذب هُوَ النّيل، وَالْملح هُوَ بَحر الرّوم، يَلْتَقِيَانِ وَلَا يختلطان.
﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان (22) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَله الْجوَار الْمُنْشَآت فِي الْبَحْر كالأعلام (24) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) ﴾
وَقَالَ بَعضهم: الحاجز هُوَ الأَرْض من بَحر السَّمَاء وبحر الأَرْض.
وَعَن بَعضهم: أَن الحاجز هُوَ جَزِيرَة الْعَرَب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ وَقُرِئَ: " يخرج " و " يخرج " أَي: يخرج الله.
وَأما اللُّؤْلُؤ، فَهُوَ الْحبّ الْمَعْرُوف مِنْهُ الصغار والكبار، وَأما المرجان، قَالَ ابْن مَسْعُود: هُوَ خرز أَحْمَر.
وَيُقَال: إِنَّه [البسد] جَوْهَر مَعْرُوف.
وَقَالَ قَتَادَة وَغَيره: المرجان كبار اللُّؤْلُؤ، واللؤلؤ صغاره، وَقيل على الْعَكْس: المرجان صغَار اللُّؤْلُؤ، واللؤلؤ كباره.
فَإِن قيل: قد قَالَ: ﴿يخرج مِنْهُمَا﴾ وَأجْمع أهل الْعلم بِهَذَا الشَّأْن أَنه يخرج من الْملح دون العذب.
وَالْجَوَاب: أَنه ذكرهمَا وَالْمرَاد أَحدهمَا، كَمَا تَقول الْعَرَب: أكلت خبْزًا ولبنا، وَإِنَّمَا الْأكل فِي أَحدهمَا دون الآخر.
قَالَ الزّجاج: لما ذكر الْبَحْرين ثمَّ ذكر اللُّؤْلُؤ والمرجان، وَهُوَ يخرج من أَحدهمَا، صحب الْإِضَافَة إِلَيْهِمَا على لِسَان الْعَرَب.
وَذكر الْقفال الشَّاشِي فِي تَفْسِيره: أَن اللُّؤْلُؤ والمرجان لَا يكون إِلَّا فِي ملتقى الْبَحْرين فِي أول مَا يخلق، ثمَّ حِينَئِذٍ مَوضِع الأصداف هُوَ الْبَحْر الْملح دون العذب، فصح قَوْله: ﴿يخرج مِنْهُمَا﴾ لِأَنَّهُمَا فِي ابْتِدَاء عِنْد ملتقى الْبَحْرين، وَهَذَا قَول حسن إِن كَانَ كَذَلِك.
وروى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس: أَن السَّمَاء إِذا أمْطرت ارْتَفَعت الأصداف إِلَى وَجه الْبَحْر وَفتحت أفواهها، فَمَا وَقع من قطر السَّمَاء فِي أفواها يكون الدّرّ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَله الْجوَار الْمُنْشَآت﴾ وَقُرِئَ بِكَسْر الشين، وَالْأول أشهر؛ فَمَعْنَى الْكَلِمَة على الْفَتْح أَي: المرفوعات الشَّرْع، وَيُقَال: الْمَخْلُوقَات.
وَمعنى الْكَلِمَة بِالْكَسْرِ أَي: المقيلات، وَيُقَال: المبتدئات فِي السّير، فعلى هَذَا الْمَعْنى إِذا قرئَ بِالْفَتْح فَمَعْنَاه: أبتدئ بِهن فِي السّير، ذكره الْأَزْهَرِي.
والجواري: هِيَ السفن.
وَقَوله: ﴿فِي الْبَحْر كالأعلام﴾ أَي: الْجبَال، قَالَ الشَّاعِر:
﴿كل من عَلَيْهَا فان (26) وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام (27) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يسْأَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن (29) فَبِأَي آلَاء﴾
(إِذا قطعن علما بدا علم ...
وَقَالَت الخنساء:
(وَإِن صخرا ليأتم الهداة بِهِ ... كَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نَار)
أَي: جبل.
وَيُقَال: كالأعلام أَي: كالقصور.
وَعَن بعضم: أَن السفن فِي الْبَحْر كالجبال فِي الْبر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كل من عَلَيْهَا فان﴾ أَي: كل من على الأَرْض هَالك.
وَقَوله: ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ أَي: يبْقى رَبك، وروى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: أَنه يبْقى مَا أُرِيد بِهِ وَجه رَبك.
وَقَوله: ﴿ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ أَي: الْكِبْرِيَاء وَالْعَظَمَة.
وَأما الْإِكْرَام: هُوَ مَا أكْرم أولياءه، وأصفياءه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يسْأَله من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فِي الْآيَة أَقْوَال: أَحدهَا: يسْأَله من فِي السَّمَاء الرَّحْمَة، وَمن فِي الأَرْض الرزق وَالْمَغْفِرَة.
قَالَ الْكَلْبِيّ: لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ أحد من أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض.
وَقَالَ قَتَادَة: يسْأَله أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض الْمَغْفِرَة.
وَعَن بَعضهم: يسْأَله من فِي السَّمَاء أَي: الْمَلَائِكَة لأهل الأَرْض الْمَغْفِرَة والرزق، ويسأله من فِي الأَرْض لأَنْفُسِهِمْ الْمَغْفِرَة والرزق، وَهَذَا قَول الْحسن الْبَصْرِيّ.
فالمسئول لَهُ فِي السؤالين أهل الأَرْض.
وَالْجُمْلَة أَن معنى الْآيَة: أَن كل أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض يسألونه حوائجهم، وَلَا غنى لأحد عَنهُ.
وَقَوله: ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ روى أَبُو الدَّرْدَاء عَن النَّبِي قَالَ: " يغْفر ذَنبا،
﴿رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) سنفرغ لكم أَيهَا الثَّقَلَان (31) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا﴾ ويفرج كربا، وَيرْفَع قوما، وَيَضَع آخَرين ".
وَعَن بَعضهم: يُعْطي سَائِلًا، ويجيب دَاعيا، ويفك عانيا.
وَعَن بَعضهم: يحيي وَيُمِيت، ويعز ويذل، ويخلق ويرزق.
وَعَن بَعضهم: يعْتق رقابا، وَيُعْطِي رغابا، ويفحم خطابا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿سنفرغ لكم أَيهَا الثَّقَلَان﴾ أَي: الْجِنّ وَالْإِنْس.
والثقل فِي كَلَام الْعَرَب: كل مَا يتنافس فِيهِ، ويسمون بيض النعامة ثقلا؛ لِأَنَّهُ يتنافس فِيهَا.
وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " تركت فِيكُم الثقلَيْن، كتاب الله وعترتي ". وَهُوَ إِخْبَار عَن عظم قدرهما.
فَإِن قيل: قد قَالَ: ﴿سنفرغ﴾ والفراغ لَا يكون إِلَّا عَن شغل، وَلَا يجوز الشّغل على الله تَعَالَى، فَكيف مَعْنَاهُ؟
وَالْجَوَاب: أَن هَذَا على طَرِيق التهديد والوعيد، كالإنسان يَقُول لغيره: سأفرغ لَك، وَإنَّهُ لم يكن فِي الْحَال فِي شغل.
وَقَالَ الزّجاج: والفراغ يكون على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: الْفَرَاغ من الشّغل.
وَالْآخر: بِمَعْنى الْقَصْد، كَالرّجلِ يَقُول لغيره: قد تفرغت لأذاى ومكروهي أى أخذت فِي كروهى وأذاى وَيَقُول الرجل لغيره اصبر حَتَّى أتفرغ
﴿معشر الْجِنّ وَالْإِنْس إِن اسْتَطَعْتُم أَن تنفذوا من أقطار السَّمَوَات وَالْأَرْض فانفذوا لَا تنفذون إِلَّا بسُلْطَان (33) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسل عَلَيْكُمَا شواظ من نَار﴾ لَك أَي: أقصدك وأعمدك، فَمَعْنَى قَوْله: ﴿سنفرغ لكم﴾ أَي: سنقصد ونعمد بلمؤاخذة والمجازاة.
وَأنْشد الْمبرد فِي هَذَا الْمَعْنى قَول جرير:
(لما اتَّقى الْقَيْن الْعِرَاقِيّ [باسته] ... فرغت إِلَى العَبْد الْمُقَيد فِي الحجل)
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس إِن اسْتَطَعْتُم أَن تنفذوا من أقطار السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: جَوَانِب السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿أَن تنفذوا﴾ أَي: تخْرجُوا.
وَقَوله: ﴿فانفذوا﴾ أَي: اخْرُجُوا، وَهَذَا على طَرِيق التهديد.
وَقَوله: ﴿لَا تنفذون إِلَّا بسُلْطَان﴾ أَي: حجَّة.
وَيُقَال: لَا تنفذون إِلَّا فِي سُلْطَان، وَالْبَاء بِمَعْنى فِي، حَيْثُمَا كُنْتُم فَأنْتم فِي سلطاني وملكي.
وَاخْتلفُوا أَن هَذَا القَوْل مَتى يكون؟ فالأكثرون على أَنه يَوْم الْقِيَامَة يكون، وَينزل الله تَعَالَى لملائكة حَتَّى ينفذوا على أقطار السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَإِذا رأى الْجِنّ وَالْإِنْس أهوال الْقِيَامَة هربوا، فتردم الْمَلَائِكَة.
وروى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: بَيْنَمَا يكون النَّاس فِي أسواقهم إِذا رَأَوْا السَّمَاء قد تشققت، وَنزلت الْمَلَائِكَة، فيهرب النَّاس، فتتبعهم الْمَلَائِكَة ويردونم إِلَى أَمر الله تَعَالَى وَهُوَ الْهَلَاك.
وَهَذَا قَول غَرِيب.
وَيُقَال: إِن المُرَاد هُوَ الْهَرَب من الْمَوْت، يَعْنِي: إِن اسْتَطَعْتُم أَن تنفذوا من أقطار السَّمَوَات وَالْأَرْض هربا من الْمَوْت فانفذوا.
وَقَوله: ﴿لَا تنفذون إِلَّا بسُلْطَان﴾ يَعْنِي: حَيْثُ مَا كُنْتُم أدرككم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرْسل عَلَيْكُمَا شواظ من نَار﴾ أَي: لَهب من نَار، قَالَه ابْن عَبَّاس.
﴿ونحاس فَلَا تنتصران (35) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذا انشقت السَّمَاء فَكَانَت وردة كالدهان (37) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمئِذٍ لَا يسْأَل عَن ذَنبه﴾
وَقَالَ مُجَاهِد: قِطْعَة من النَّار فِيهَا خضرَة.
وَالْمرَاد بِالْإِرْسَال هُوَ إرْسَال الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿عَلَيْكُمَا﴾ منصرف إِلَى الْجِنّ وَالْإِنْس.
وَقَوله: ﴿ونحاس﴾ يقْرَأ بِكَسْر السِّين وَضمّهَا، والنحاس من الدُّخان، وَفِي قَول الْأَكْثَرين، قَالَ الشَّاعِر:
(يضيء كضوء سراج السليطة ... لم يَجْعَل الله فِيهِ نُحَاسا)
وَقَالَ مُجَاهِد: النّحاس: الصفر الْمُذَاب على رُءُوس الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿فَلَا تنتصران﴾ أَي: لَا تمتنعان، يُقَال: لَا يكون لَكمَا قُوَّة دفع الْعَذَاب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا انشقت السَّمَاء فَكَانَت وردة﴾ أَي: حَمْرَاء.
وَقَوله: ﴿كالدهان﴾ وَقَالَ ابْن عَبَّاس: كالأديم الْأَحْمَر، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ: أَن الوردة وردة النَّبَات، وَهِي تكون حَمْرَاء فِي الْأَغْلَب، قَالَ عبد بني الحساس:
(فَلَو كنت وردا لَونه [لعشقنني] ... وَلَكِن [رَبِّي شانني] بسواديا)
وَذكر الْفراء والزجاج وَغَيرهمَا أَن الوردة هَاهُنَا: لون الْفرس الْورْد، وَهُوَ الْكُمَيْت.
وَذَلِكَ يَتلون فِي فُصُول السّنة، فَيكون أصفر فِي فصل، وأحمر فِي فصل، وأغر فِي فصل.
والدهان جمع الدّهن، وَهِي مُخْتَلفَة الألوان.
فَمَعْنَى الْآيَة: أَن السَّمَاء يخْتَلف لَوْنهَا يَوْم الْقِيَامَة كاختلاف لون الْورْد، وَاخْتِلَاف لون الدّهن.
وَقَالَ تَعَالَى فِي مَوضِع آخر ﴿يَوْم تكون السَّمَاء كَالْمهْلِ﴾ قَالُوا: هُوَ دردي الزَّيْت، أَي: فِي اللَّوْن.
وَقَالَ بَعضهم: يصير مثل الدّهن الْأَصْفَر، وَهَذَا كُله من فزع الْقِيَامَة وهولها.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيَوْمئِذٍ لَا يسْأَل عَن ذَنبه إنس وَلَا جَان﴾ أَي: لَا يسْأَل سُؤال
﴿إنس وَلَا جَان (39) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذ بالنواصي والأقدام (41) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِه جَهَنَّم الَّتِي يكذب بهَا المجرمون (43) يطوفون بَينهَا وَبَين حميم آن (44) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (45) ﴾ استعلام، وَإِنَّمَا يسْأَل سُؤال تقريع وتوبيخ، وَلَا يُقَال لَهُم: هَل فَعلْتُمْ؟ بل يُقَال لَهُم: لم فَعلْتُمْ؟
وَعَن بَعضهم: أَن مَعْنَاهُ: لَا يسْأَل بَعضهم بَعْضًا.
وَعَن بَعضهم: أَن الْمَلَائِكَة لَا يسْأَلُون عَن ذنُوب بني آدم؛ لأَنهم قد رفعوا الصُّحُف، وأدوا الْأَمَانَة فِيهَا.
وَالْقَوْل الأول هُوَ الصَّحِيح.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره: بسواد الْوُجُوه وزرقة الْعُيُون.
وَقَوله: ﴿فَيُؤْخَذ بالنواصي والأقدام﴾ أَي: يجرونَ بنواصيهم وأقدامهم إِلَى النَّار، وَيُقَال: يجمع بَين نواصيهم وأقدامهم ويشد، ثمَّ يلقى (فِي) النَّار.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذِه جَهَنَّم الَّتِي يكذب بهَا المجرمون﴾ يُقَال لَهُم هَذَا حِين يرَوْنَ جَهَنَّم، وَهَذَا على طَرِيق التقريع والتوبيخ، يَعْنِي: مَا أنكرتموه وجحدتموه فأبصروه عيَانًا.
وَقَوله: ﴿يطوفون بَينهَا وَبَين حميم آن﴾ أَي: يُطَاف بهم مرّة إِلَى الْحَمِيم، وَمرَّة إِلَى الْجَحِيم.
وَقَوله: ﴿آن﴾ هُوَ الْحَمِيم الَّذِي انْتهى حره.
وَقيل: آن أَي: آن وَحضر وَقت عَذَابهمْ بِهِ وشربهم إِيَّاه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ لما ذكر عَذَاب الْكفَّار أتبع ذكر نعيم الْمُؤمنِينَ.
﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان (46) فَبِأَي ألاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ﴾
وَقَوله: ﴿خَافَ مقَام ربه﴾ أَي: قِيَامه بَين يَدي ربه للسؤال والحساب، وَيُقَال: هُوَ من قدر على الذَّنب فَذكر ربه فخاف مِنْهُ وَتَركه.
وَعَن عَطِيَّة بن قيس: " أَن الْآيَة وَردت فِي الرجل الَّذِي أوصى بنيه، وَقَالَ: إِذا مت فأحرقوني واسحقوني وذروني فِي الرّيح، لعَلي أضلّ الله، فَفَعَلُوا، فأحياه الله تَعَالَى وَقَالَ: لم فعلت ذَلِك؟ قَالَ: مخافتك، فغفر الله لَهُ ". وَهَذَا خبر صَحِيح.
وَعَن الزبير أَن الْآيَة نزلت فِي أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَهَذَا محكي عَن عَطاء بن أبي رَبَاح.
قَالَ الضَّحَّاك: شرب أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ لَبَنًا، ثمَّ سَأَلَ عَنهُ، وَكَانَ من غير وَجهه، فاستقاه، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿جنتان﴾ أَي: بُسْتَان.
وَيُقَال: بُسْتَان لمسكنه، وبستان لخدمه وحشمه.
وَيُقَال: مسكن لَهُ، وبستان لَهُ.
وَعَن بَعضهم مَعْنَاهُ: جنَّة عدن، وجنة النَّعيم، وَهَذَا قَول حسن.
وَقَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله: ﴿خَافَ مقَام ربه﴾ أَي: هم بالمعصية فَتَركهَا خوفًا من الله تَعَالَى.
وَقَالَ الْفراء: الجنتان هَاهُنَا بِمَعْنى الْجنَّة الْوَاحِدَة، وَقد ورد هَذَا فِي الشّعْر.
قَالَ الشَّاعِر:
(ومهمهمين فرقدين مرَّتَيْنِ ...
وَأَرَادَ بِهِ الْوَاحِدَة.
وَقد أنكر عَلَيْهِ ذَلِك.
وَقيل: هَذَا ترك الظَّاهِر، وَإِنَّمَا الجنتان بستانان.
وَفِي الْخَبَر الْمَشْهُور أَن النَّبِي قَالَ: " جنتان من ذهب آنيتهما وَمَا فيهمَا، وجنتان من فضَّة آنيتهما وَمَا فيهمَا " رَوَاهُ أَبُو مُوسَى.
﴿ذواتا أفنان (48) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فيهمَا عينان تجريان (50) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فيهمَا من كل فَاكِهَة زوجان (52) فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذواتا أفنان﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَن مَعْنَاهُ: ذواتا ألوان من الْفَاكِهَة، كَأَن الأفنان بِمَعْنى الْفُنُون.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الأفنان بِمَعْنى الأغصان، وَهُوَ الْأَظْهر.
قَالَ عِكْرِمَة: ظلّ الأغصان على الْحِيطَان.
وَأما الأول قَالَه الضَّحَّاك، وَجمع عَطاء بَين الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ: على كل غُصْن ألوانه من الْفَوَاكِه.