تفسير السمعانيصفحات 26-40
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المائدة

صفحات 26-40
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿لنراها فِي ضلال مُبين (30) فَلَمَّا سَمِعت بمكرهن أرْسلت إلَيْهِنَّ وأعتدت لَهُنَّ متكأ وآتت كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ سكينا وَقَالَت اخْرُج عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رأينه أكبرنه وقطعن أَيْدِيهنَّ﴾

قَوْله: ﴿فَلَمَّا سَمِعت بمكرهن﴾ أَي: بتدبيرهن.
وَقد رُوِيَ أَنَّهَا أفشت إلَيْهِنَّ سرها واستكتمتهن فأفشين ذَلِك؛ فَلهَذَا سَمَّاهُ مكرا.
وَقَوله: ﴿وَأرْسلت إلَيْهِنَّ﴾ أَي: دعتهن.
وَقَوله: ﴿وأعتدت لَهُنَّ مُتكئا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَمُجاهد: المتكأ يتكئون على الوسائد.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أما أَنا فَلَا آكل مُتكئا " وَهَذَا مِمَّا اخْتَارَهُ الله تَعَالَى لَهُ من التَّوَاضُع، وَأما الجبارون والعظماء فقد اعتادوا الْأكل متكئين.
وَقيل: " وأعتدت لَهُنَّ مُتكئا " أَي: طَعَاما وَشَرَابًا واتكاء.
وقرىء فِي الشاذ: " وأعتدت لَهُنَّ متكا " والمتك: هُوَ الأترج.
ذكره ابْن عَبَّاس وَمُجاهد.
وَقيل: إِنَّه البزماورد.
أوردهُ الضَّحَّاك.
وَقيل: هُوَ كل مَا يحز بالسكين.
وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا دعت أَرْبَعِينَ امْرَأَة من أَشْرَاف [نسَاء] مصر وزينت بَيْتا بألوان الْفَوَاكِه والوسائد وفرشت الْبسط.
وَقَوله: ﴿وآتت كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ سكينا﴾ أَي: وأعطت كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ سكينا؛ وَقد كَانُوا يَأْكُلُون اللَّحْم جزا بالسكين؛ وَالسّنة هُوَ النهش.
وَقَوله: ﴿وَقَالَت اخْرُج عَلَيْهِنَّ﴾ أمرت يُوسُف بِأَن يخرج عَلَيْهِنَّ فَخرج وَقد أخذن السكاكين ليقطعن الْمَأْكُول.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا رأينه أكبرنه﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أعظمنه.
وَالْآخر: حضن.
قَالَ الشَّاعِر: (نأتي النِّسَاء لَدَى أطهارهن وَلَا ... نأتي النِّسَاء إِذا أكبرن إكبارا) يَعْنِي: إِذا حضن.
وَالْأولَى هُوَ الأول.
وَأنكر أَبُو عُبَيْدَة أَن يكون " أكبرن " بِمَعْنى:

﴿وقلن حاش لله مَا هَذَا بشرا إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم (31) قَالَت فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ﴾ حضن.
وَقَوله ﴿وقطعن أَيْدِيهنَّ﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن هَذَا خدش وجرح بِلَا إبانة.
وَقَالَ بَعضهم: إنَّهُنَّ قطعن أَيْدِيهنَّ على (تَحْقِيق) قطع الْيَد جملَة.
وَالْأول أصح.
يُقَال: قطع فلَان يَده إِذا خدشها وجرحها.
وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهُنَّ بهتن وَذَهَبت عقولهن [و] قطعن أَيْدِيهنَّ وَلم يعلمن بذلك حَتَّى سَالَتْ الدِّمَاء مِنْهُنَّ وَقَوله: ﴿وقلن حاش الله﴾ وقرىء: " حاشا لله " وَمَعْنَاهُ: [معَاذ] الله أَن يكون ﴿مَا هَذَا بشرا﴾ وَمَعْنَاهُ: بشرا مثل سَائِر الْبشر.
وقرىء: " مَا هَذَا مُشْتَريا " أَي: بِعَبْد مشترى.
وَقَوله: ﴿إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم﴾ يَعْنِي: ملك كريم على ربه.
وَقد روى أنس، عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أعطي يُوسُف شطر الْحسن ". وَعَن ابْن إِسْحَاق - صَاحب الْمعَانِي - قَالَ: ذهب يُوسُف وَأمه بِثُلثي الْحسن.
وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، عَن النَّبِي فِي قصَّة الْمِعْرَاج " أَنه رأى يُوسُف فِي السَّمَاء الثَّالِثَة، قَالَ: فَرَأَيْت وَجهه كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر ". وَرُوِيَ أَنه كَانَ إِذا مَشى فِي سِكَك مصر رئي لوجهه ضوء على الجدران.
وَرُوِيَ أَنه لما ملك، وَكَانَ إِذا دخلت عَلَيْهِ امْرَأَة غطى وَجهه لِئَلَّا تفتتن بِهِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَت فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ﴾ الْمَلَامَة هُوَ الْوَصْف بالقبيح على وَجه التحقير، وَمعنى قَوْلهَا " فذلكن الَّذِي لمتنني فِيهِ " أَن هَذَا هُوَ الَّذِي لمتنني فِيهِ،

﴿وَلَقَد راودته عَن نَفسه فاستعصم وَلَئِن لم يفعل مَا آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) قَالَ رب السجْن أحب إِلَيّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ وَإِلَّا تصرف عني كيدهن أصب﴾ ثمَّ صرحت بِمَا فعلت (وَقَالَت) : ﴿وَلَقَد راودته عَن نَفسه﴾ وَإِنَّمَا صرحت بذلك لِأَنَّهَا علمت أَنه لَا ملامة عَلَيْهَا مِنْهُنَّ بعد ذَلِك وَقد أصابهن مَا أصابهن من رُؤْيَته.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاستعصم﴾ أَي: امْتنع.
وَقَوله: ﴿وَلَئِن لم يفعل مَا آمره ليسجنن﴾ يَعْنِي: ليعاقبن بِالْحَبْسِ.
وَقَوله: ﴿وليكونا من الصاغرين﴾ أَي: (لَيَكُونن) من المستحقرين والمستذلين.
وَعَن وهب بن مُنَبّه: أَن أُولَئِكَ النسْوَة عشقنه وَمَاتَتْ جمَاعَة مِنْهُنَّ من عشقه.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب السجْن أحب إِلَيّ﴾ وقرىء فِي الشاذ: " رب السجْن " وَهُوَ الْحَبْس، والسجن مَوضِع الْحَبْس ﴿مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ﴾ يُقَال: لَو لم يقل هَذَا لم يبتل بالسجن.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " الْبلَاء مُوكل بالْمَنْطق "، وَالْأولَى بِالْمَرْءِ أَن يسْأَل الله الْعَافِيَة.
وَقَوله: ﴿مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الدُّعَاء كَانَ مِنْهَا خَاصَّة؛ لكنه أضَاف إِلَى جَمِيع النسْوَة خُرُوجًا من التَّصْرِيح إِلَى التَّعْرِيض.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُنَّ جَمِيعًا دعينه إِلَى أَنْفسهنَّ.
وَقَوله: ﴿وَإِلَّا تصرف عني كيدهن﴾ مَعْنَاهُ: وَإِلَّا تصرف عَنى شرهن ﴿أصب إلَيْهِنَّ﴾ أَي: أمل إلَيْهِنَّ.
قَالَ الشَّاعِر: (حَتَّى مَتى تصبو ورأسك أشمط ... أظننت أَن الْمَوْت بِاسْمِك يغلط) وَقَوله: ﴿وأكن من الْجَاهِلين﴾ هَذَا دَلِيل على أَن الْمُؤمن إِذا ارْتكب ذَنبا يرتكب عَن جَهَالَة، وَقيل مَعْنَاهُ: وأكن من المذمومين كَمَا يذم الْإِنْسَان بِفعل مَا يقدم عَلَيْهِ جَاهِلا.

﴿إلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين (33) فَاسْتَجَاب لَهُ ربه فصرف عَنهُ كيدهن إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (34) ثمَّ بدا لَهُنَّ من بعد مَا رَأَوْا الْآيَات ليسجننه حَتَّى حِين (35) وَدخل مَعَه السجْن فتيَان قَالَ أَحدهمَا إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا وَقَالَ الآخر إِنِّي أَرَانِي أحمل فَوق﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَاب لَهُ ربه﴾ أَي: أجَاب لَهُ ربه.
وَقَوله: ﴿فصرف عَنهُ كيدهن﴾ أَي: شرهن ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله: ﴿ثمَّ بدا لَهُم﴾ أَي: ظهر لَهُم.
وَقَوله: ﴿من بعد مَا رَأَوْا الْآيَات﴾ هَاهُنَا شقّ الْقَمِيص، وَكَلَام الطِّفْل، وجز النِّسَاء أَيْدِيهنَّ بالسكاكين، وَذَهَاب عقولهن بِمَا رأين من جماله.
وَقَوله: ﴿ليسجننه حَتَّى حِين﴾ أَي: ليحبسنه إِلَى مُدَّة.
قَالَ عَطاء: إِلَى حِين: إِلَى أَن تَنْقَطِع مقَالَة النَّاس.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدخل مَعَه السجْن فتيَان﴾ فِي الْقِصَّة: أَن الْمَرْأَة قَالَت لزَوجهَا: قد فضحني هَذَا الْغُلَام العبراني (فِي النَّاس) ، فإمَّا أَن تَأذن [لي] أخرج وأعتذر من النَّاس، وَإِمَّا أَن تحبسه، فحبسه، وَلما حبس حبس الْملك بعد ذَلِك رجلَيْنِ من خاصته؛ أَحدهمَا: صَاحب طَعَامه، وَالْآخر: صَاحب شرابه، وَيُقَال: كَانَ يُسمى أَحدهمَا: سرهم، وَالْآخر: شرهم.
وَكَانَ سَبَب حبسهما: أَن الْملك اتهمَ صَاحب الطَّعَام [أَنه] : قصد سمه، وَظن أَيْضا أَن صَاحب الشَّرَاب مالأه على ذَلِك؛ وَكَانَ الْملك هُوَ الْوَلِيد بن مَرْوَان العمليقي، وَقيل غير هَذَا الِاسْم.
وَقَوله: ﴿قَالَ أَحدهمَا إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا﴾ وَرُوِيَ أَن يُوسُف - عَلَيْهِ السَّلَام - لما دخل السجْن جعل يَدْعُو إِلَى الله وينشر علمه، فَرَأى هذَيْن الرجلَيْن وهما مهمومان فَسَأَلَهُمَا عَن شَأْنهمَا فذكرا أَنَّهُمَا صاحبا الْملك، وَأَن الْملك حبسهما، وَقد رَأيا رُؤْيا وَقد غمهما ذَلِك، فَقَالَ لَهما: قصا عَليّ مَا رَأَيْتُمَا، فقصا عَلَيْهِ رؤياهما؛ وَهَذَا معنى قَوْله: ﴿قَالَ أَحدهمَا إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا﴾ . وَفِي الْقِصَّة: أَنه قَالَ: رَأَيْت حبلة عَلَيْهَا ثَلَاثَة عناقيد فجنيتهن وعصرتهن خمرًا وسقيت مِنْهُ الْملك.

﴿رَأْسِي خبْزًا تَأْكُل الطير مِنْهُ نبئنا بتأويله إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يأتيكما طَعَام ترزقانه إِلَّا نبأتكما بتأويله قبل أَن يأتيكما ذلكما مِمَّا عَلمنِي رَبِّي إِنِّي تركت مِلَّة﴾ وَقَوله: ﴿أعصر خمرًا﴾ الْعَصْر: هُوَ الِاعْتِمَاد بِالْيَدِ على مَا فِيهِ مائية ليحلب عَنهُ المَاء.
وَقَوله ﴿خمرًا﴾ : قيل: عنبا، قيل: هَذَا بلغَة عمان، قَالَ الْمُعْتَمِر: لقِيت أَعْرَابِيًا مَعَه سلة فِيهَا [عِنَب] فَقلت: مَا مَعَك؟ قَالَ: الْخمر.
وَقَالَ الشَّاعِر: (يُنَازعنِي بِهِ ندمان صدق (شواء) الطير وَالْعِنَب الحقينا) وَأَرَادَ بالعنب: الْخمر.
وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿أعصر خمرًا﴾ أَي: عِنَب خمر.
وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿أعصر خمرًا﴾ أَي: عنبا؛ سَمَّاهُ خمرًا باسم مَا يؤول إِلَيْهِ؛ تَقول الْعَرَب: فلَان يعصر الدبس ويطبخ الْآجر يَعْنِي: يعصر الْعِنَب للدبس، ويطبخ اللَّبن للآجر، قَالَ الشَّاعِر: (الْحَمد لله الْجَلِيل المنان ... صَار الثَّرِيد فِي رُءُوس العيدان) وَقَوله: ﴿وَقَالَ الآخر إِنِّي أَرَانِي أحمل فَوق رَأْسِي خبْزًا تَأْكُل الطير مِنْهُ﴾ رُوِيَ أَن الآخر قَالَ: إِنِّي أَرَانِي كَأَنِّي أحمل ثَلَاث سلال من الْخبز على رَأْسِي وسباع الطير ينهش مِنْهُ.
وَقَوله: ﴿نبئنا بتأويله إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ: كَانَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام إِذا مرض فِي السجْن مَرِيض عَاده وَقَامَ عَلَيْهِ، وَإِذا افْتقر إِنْسَان جمع لَهُ شَيْئا، وَإِذا رأى مَظْلُوما نَصره، وَإِذا رأى حَزينًا سلاه، وَكَانَ مَعَ هَذَا يقوم اللَّيْل كُله بِالصَّلَاةِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي: من الْمُحْسِنِينَ لعبارة الرُّؤْيَا، وَالْإِحْسَان بِمَعْنى الْعلم؛ يُقَال: فلَان يحسن كَذَا، أَي: يُعلمهُ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَا يأتيكما طَعَام﴾ الْآيَة، بَدَأَ يُوسُف - صلوَات الله عَلَيْهِ - قبل تَعْبِير الرُّؤْيَا بِإِظْهَار المعجزة وَالدُّعَاء إِلَى تَوْحِيد الله؛ فَقَوله: {لَا يأتيكما طَعَام ترزقانه

﴿قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون (37) وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مَا كَانَ لنا أَن نشْرك بِاللَّه من شَيْء ذَلِك من فضل الله علينا وعَلى﴾ إِلَّا نبأتكما بتأويله قبل أَن يأتيكما) فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: لَا تدعوان بِطَعَام من منازلكما إِلَّا نبأتكما بِقَدرِهِ ولونه وطعمه وَالْوَقْت الَّذِي يصل إلَيْكُمَا فِيهِ قبل أَن يصل إلَيْكُمَا؛ وَهَذِه المعجزة مثل معْجزَة عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - وَقَوله: ﴿وأنبئكم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تدخرون فِي بُيُوتكُمْ﴾ . وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه كَانَ من رسم الْملك إِذا أَرَادَ أَن يقتل إنْسَانا يبْعَث إِلَيْهِ بِطَعَام مَعْرُوف عِنْدهم، وَإِذا أَرَادَ أَن يكرم إنْسَانا بعث إِلَيْهِ بِطَعَام مَعْرُوف عِنْدهم؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿لَا يأتيكما طَعَام ترزقانه﴾ . وَالْقَوْل الثَّالِث: لَا يأتيكما طَعَام ترزقانه فِي الْمَنَام إِلَّا نبأتكما بتأويله فِي الْيَقَظَة، فَقَالُوا: من أَيْن لَك ذَلِك، أتتكهن أم تتنجم؟ فَقَالَ: لَا؛ وَلَكِن مِمَّا عَلمنِي رَبِّي.
فَهَذَا معنى قَوْله ﴿ذلكما مِمَّا عَلمنِي رَبِّي﴾ . وَقَوله: ﴿إِنِّي تركت مِلَّة قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون﴾ ظَاهر.

ثمَّ قَالَ: ﴿وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب﴾ أظهر أَنه نَبِي وَأَنه من ولد الْأَنْبِيَاء.
وَقَوله: ﴿مَا كَانَ لنا أَن نشْرك بِاللَّه من شَيْء﴾ مَعْنَاهُ: أَن الله قد عصمنا من الْإِشْرَاك بِهِ.
وَقَوله: ﴿ذَلِك من فضل الله علينا وعَلى النَّاس﴾ يَعْنِي بِهِ: مَا أَقَامَ من الدَّلِيل وَبَين من الْهدى.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
ثمَّ زَاد فِي الدّلَالَة على التَّوْحِيد فَقَالَ:

﴿يَا صَاحِبي السجْن أأرباب متفرقون﴾ وسماهما: صَاحِبي السجْن؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي السجْن، وَقَوله ﴿أأرباب متفرقون﴾ أَي: أَمْلَاك متباينون هَذَا [من] ذهب، وَهَذَا من فضَّة، وَهَذَا من نُحَاس، وَهَذَا من خشب، وَقيل: هَذَا أَعلَى، وَهَذَا أَوسط، وَهَذَا أدنى، وَقَوله: ﴿خير أم الله الْوَاحِد القهار﴾ الْوَاحِد الْغَالِب على كل شَيْء، وَالْمرَاد، نفي الْخَيْرِيَّة مِنْهُم أصلا، وَقد ذكرنَا

﴿النَّاس وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون (38) يَا صَاحِبي السجْن أأرباب متفرقون خير أم الله الْوَاحِد القهار (39) مَا تَعْبدُونَ من دونه إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان إِن الحكم إِلَّا لله أَمر أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه ذَلِك الدّين الْقيم وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ (40) يَا صَاحِبي السجْن أما أَحَدكُمَا فيسقي ربه خمرًا وَأما الآخر﴾ من قبل ثمَّ زَاد وَقَالَ:

﴿مَا تَعْبدُونَ من دونه﴾ أَي: من دون الله ﴿إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم﴾ يَعْنِي: هَذِه الْأَصْنَام أَسمَاء مُجَرّدَة خَالِيَة عَن الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان﴾ أَي: حجَّة ﴿إِن الحكم إِلَّا لله﴾ مَا الحكم إِلَّا الله ﴿أَمر أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله: ﴿ذَلِك الدّين الْقيم﴾ أَي: الطَّرِيق الْمُسْتَقيم ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَفِي الْقِصَّة: أَن صَاحب السجْن لما سمع مِنْهُ مَا سمع، وَرَأى مِنْهُ مَا رأى أحبه حبا شَدِيدا وَجعله على أهل السجْن، وَكَذَلِكَ أهل السجْن أحبوه حَتَّى كَانَ الرجل يخلى من السجْن فَيَعُود إِلَيْهِ، فَروِيَ أَن صَاحب السجْن قَالَ لَهُ: أَنا أحبك فَقَالَ: أنْشدك الله أَن تحبني - يَعْنِي: أَن لَا تحبني - فَإِن من أَحبَّنِي يوقعني فِي الْبلَاء، أحبتني عَمَّتي فَوَقَعت فِي بلَاء، وأحبني وَالِدي فألقيت فِي الْجب، وأحبتني امْرَأَة الْعَزِيز فحبست.
وَرُوِيَ أَن صَاحِبي الْملك قَالَا لَهُ هَذِه الْمقَالة فأجابهما بِهَذَا.

قَوْله: ﴿يَا صَاحِبي السجْن أما أَحَدكُمَا فيسقي ربه خمرًا﴾ رُوِيَ أَنه قَالَ لصَاحب الشَّرَاب: أما تَأْوِيل رُؤْيَاك: فَإنَّك تدعى بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَترد إِلَى منزلتك من الْملك.
وَقَوله: ﴿وَأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رَأسه﴾ قَالَ: وَأما أَنْت يَا صَاحب الطَّعَام فَتُدْعَى بعد ثَلَاثَة أَيَّام وتصلب وتأكل الطير من رَأسك؛ فَروِيَ أَنَّهُمَا جَمِيعًا قَالَا: كذبنَا مَا رَأينَا شَيْئا، فَقَالَ: ﴿قضي الْأَمر الَّذِي فِيهِ تستفتيان﴾ يَعْنِي: فرغ من الْأَمر وَمَا قلت كَائِن؛ رَأَيْتُمَا أَو لم ترياه.
وَقَالَ أَبُو مجلز: الَّذِي قَالَ لَهُ: أَنا لم أر شَيْئا هُوَ صَاحب الطَّعَام خَاصَّة.
وَقد رُوِيَ أَنَّهُمَا قد رَأيا مَا قَالَا حَقِيقَة.
قَوْله: ﴿قضي الْأَمر﴾ تتميم الْكَلَام.

﴿فيصلب فتأكل الطير من رَأسه قضي الْأَمر الَّذِي فِيهِ تستفتيان (41) وَقَالَ للَّذي ظن أَنه نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْد رَبك فأنساه الشَّيْطَان ذكر ربه فَلبث فِي السجْن بضع سِنِين﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ للَّذي ظن أَنه نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ مَعْنَاهُ: أَنه (أَيقَن) أَنه نَاجٍ مِنْهُمَا ﴿اذْكُرْنِي عِنْد رَبك﴾ أَي: عِنْد سيدك، فَروِيَ أَنه قَالَ لَهُ: قل للْملك: إِن فِي السجْن رجلا مَظْلُوما قد طَال حَبسه.
وَقَوله: ﴿فأنساه الشَّيْطَان ذكر ربه﴾ الْأَكْثَرُونَ: مَعْنَاهُ: فأنسى يُوسُف الشَّيْطَان ذكر ربه حَتَّى اسْتَغَاثَ بمخلوق مثله، وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَغَيره.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الشَّيْطَان أنسى الرجل الَّذِي خلي من السجْن ذكر يُوسُف لسَيِّده.
وَقَوله: ﴿فَلبث فِي السجْن بضع سِنِين﴾ الْأَكْثَرُونَ: على أَن بضع سِنِين هَاهُنَا: سبع سِنِين وَقد كَانَ لبث من قبل خمس سِنِين؛ فَمَكثَ فِيهِ [اثْنَتَيْ عشرَة] سنة.
وَقَالَ الْأَخْفَش: الْبضْع: من الْوَاحِد إِلَى الْعشْرَة، وَقيل: من ثَلَاث إِلَى التسع؛ فَروِيَ: أَن الله تَعَالَى بعث جِبْرِيل إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: قل يَا يُوسُف من حببك إِلَى أَبِيك؟ فَقَالَ: أَنْت يَا رب، فَقَالَ: من خلصك من الْجب؟ قَالَ: أَنْت يَا رب، قَالَ: من صرف عَنْك السوء والفحشاء؟ قَالَ: أَنْت يَا رب، قَالَ: فَمَا استحييت مني أَن استعنت بمخلوق؟ ﴿وَعِزَّتِي لأطيلن مكثك فِي السجْن.
وَرُوِيَ أَنه قَالَ: يَا رب بِحَق آبَائِي اغْفِر لي ذَنبي، فجَاء جِبْرِيل وَقَالَ لَهُ: وَأي حق لآبائك عَليّ؟﴾ أما جدك إِبْرَاهِيم: فقد جعلت النَّار عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا، وَأما إِسْمَاعِيل: ففديته بكبش عَظِيم، وَأما أَبوك يَعْقُوب: (فأعطيته) اثْنَي عشر ابْنا وَأخذت مِنْهُم وَاحِدًا، فَمَا زَالَ يبكي حَتَّى ابْيَضَّتْ عَيناهُ وَجعل يشكوني، فَقَالَ يُوسُف: إلهي بمنك الْقَدِيم وفضلك الْعَظِيم وأياديك الْكَثِيرَة اغْفِر لي ذَنبي، فغفر لَهُ.
وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: دخل جِبْرِيل على

( ﴿42) وَقَالَ الْملك إِنِّي أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وَسبع سنبلات خضر وَأخر يابسات يَا أَيهَا الْمَلأ أفتوني فِي رءياي إِن كُنْتُم للرءيا تعبرون (43) قَالُوا﴾ يُوسُف عَلَيْهِمَا السَّلَام فِي السجْن، فَقَالَ لَهُ: يُوسُف، يَا أَخ الْمُنْذرين مَا تعْمل بَين المذنبين؟ فَقَالَ [لَهُ] جِبْرِيل: يَا طيب ابْن الطيبين يَقُول لَك رَبك: أما (استحييت) مني أَن استعنت بمخلوق مثلك؟ ! وَعِزَّتِي لأطيلن حَبسك، فَقَالَ لَهُ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام: أهوَ رَاض عني؟ فَقَالَ: نعم.
فَقَالَ: إِذا لَا أُبَالِي.
وَرُوِيَ أَنه قَالَ لجبريل: مَا بلغ حزن أبي يَعْقُوب؟ فَقَالَ: حزن سبعين ثَكْلَى، فَقَالَ: وَكَيف أجره؟ فَقَالَ: أجر مائَة شَهِيد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْملك إِنِّي أرى سبع بقرات سمان [يأكلهن سبع عجاف] ﴾ الْملك هَاهُنَا: ملك مصر، وَالْملك هُوَ الْقَادِر الْوَاسِع الْمَقْدُور فِيمَا يرجع إِلَى السياسة وَالتَّدْبِير.
وَقَوله: ﴿إِنِّي أرى﴾ مَعْنَاهُ: إِنِّي أرى فِي الْمَنَام.
وَقَوله: ﴿بقرات﴾ : الْبَقر: حَيَوَان مَعْرُوف يصلح للكراب، وَمِنْه (الْمثل) : الكراب على الْبَقر؛ لِأَنَّهُ أقوم بِهِ.
وَقَوله: ﴿سمان﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
وَرُوِيَ أَن الْملك رأى سبع بقرات سمان خرجن من الْبَحْر كأسمن مَا يكون من الْبَقر، ثمَّ خرج عَقِيبه سبع بقرات عجاف فِي غَايَة الهزال والعجف، ثمَّ إِن الْعِجَاف ابتلعت السمان وأكلتها حَتَّى لم يتَبَيَّن على الْعِجَاف مِنْهَا شَيْء، ثمَّ رأى [ ﴿وَسبع سنبلات خضر وَأخر يابسات﴾ أَي:] سبع سنبلات يابسة التوت على الْخضر حَتَّى غلبت عَلَيْهَا فَلم يبْق من خضرتها شَيْء.
وَقَوله: ﴿يَا أَيهَا الْمَلأ أفتوني فِي رُؤْيَايَ إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون﴾ الرُّؤْيَا (هُوَ) مَا يتخيله الْإِنْسَان فِي الْمَنَام، وَقد بَينا أَن النَّبِي قَالَ فِي الرُّؤْيَا الصادقة: " تِلْكَ عَاجل بشرى الْمُؤمن " وَرُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ:

﴿أضغاث أَحْلَام وَمَا نَحن بِتَأْوِيل الأحلام بعالمين (44) وَقَالَ الَّذِي نجا مِنْهُمَا وادكر﴾ " إِذا تقَارب الزَّمَان لم تكد رُؤْيا الْمُؤمن تكذب " وَله مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَن تقَارب الزَّمَان هُوَ اسْتِوَاء اللَّيْل وَالنَّهَار؛ والطباع عِنْد اسْتِوَاء اللَّيْل وَالنَّهَار أصح؛ فالرؤيا أصدق.
وَالْمعْنَى الثَّانِي: أَن تقَارب الزَّمَان هُوَ تقَارب السَّاعَة.
وَقد رُوِيَ فِي بَدْء وَحي النَّبِي: " أَنه كَانَ إِذا رأى الرُّؤْيَا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح ". وَقَوله: ﴿إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون﴾ يُقَال: عبرت الرُّؤْيَا: إِذا فسرتها، وَالتَّعْبِير هُوَ التَّفْسِير هَاهُنَا.

قَوْله تَعَالَى ﴿قَالُوا أضغاث أَحْلَام﴾ الضغث: كل مَا قبض عَلَيْهِ من الأخلاط من الْحَشِيش وَغَيره.
وَمعنى الْآيَة: رُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: أضغاث أَحْلَام أَي: أخلاط أَحْلَام.
وَعَن مُجَاهِد قَالَ: أهاويل أَحْلَام، وَقيل: أباطيل أَحْلَام.
وَقَوله: ﴿وَمَا نَحن بِتَأْوِيل الأحلام بعالمين﴾ (وَمَعْنَاهُ) : وَمَا نَحن بِتَأْوِيل الأحلام (الَّتِي) وصفتها هَذِه بعالمين.

قَوْله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نجا مِنْهُمَا وادكر بعد أمة﴾ أَي: مُدَّة، [و] فِي الْقِصَّة: أَن الْملك جمع السَّحَرَة والكهنة والمعبرين وقص عَلَيْهِم رُؤْيَاهُ، فَلَمَّا عجزوا عَن تعبيرها اهتم هما شَدِيدا، فَتذكر الْغُلَام الساقي حَال يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام، وَقد كَانَ فجىء بقوله، فجثى بَين يَدي الْملك وَقَالَ: إِن فِي السجْن رجلا مَحْبُوسًا وَهُوَ يعبر الرُّؤْيَا، وَذكر قصَّته؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نجا مِنْهُمَا وَاذْكُر بعد أمة﴾ وَالْأمة هَاهُنَا بِمَعْنى الْحِين؛ وَقد بَينا أَنه حبس سبع سِنِين بعد مَا عبر رُؤْيا صَاحب الْملك.
وَعَن وهب

﴿بعد أمة أَنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يُوسُف أَيهَا الصّديق أَفْتِنَا فِي سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وَسبع سنبلات خضر وَأخر يابسات لعَلي أرجع إِلَى النَّاس لَعَلَّهُم يعلمُونَ (46) قَالَ تزرعون سبع سِنِين دأبا فَمَا حصدتم فذروه فِي سنبله إِلَّا قَلِيلا﴾ بن مُنَبّه قَالَ: مكث يُوسُف فِي السجْن سبع سِنِين، وَمكث أَيُّوب فِي الْبلَاء سبع سِنِين.
وقرىء فِي الشاذ: " وادكر بعد أمة " بِالْهَاءِ؛ وَمَعْنَاهُ: بعد نِسْيَان.
وَقَوله: ﴿أَنا أنبئكم بتأويله﴾ مَعْنَاهُ: أَنا آتيكم بتأويله ﴿فأرسلون﴾ يَعْنِي: أَرْسلنِي أَيهَا الْملك إِلَيْهِ.

وَقَوله: ﴿يُوسُف أَيهَا الصّديق﴾ فِي الْآيَة اخْتِصَار، وَمَعْنَاهُ: أَن الْملك أرْسلهُ إِلَى يُوسُف، وَهُوَ قَالَ: يُوسُف أَيهَا الصّديق، وَالصديق: (الْكثير للصدق) . وَقَوله: ﴿أَفْتِنَا﴾ مَعْنَاهُ: أجبنا ﴿فِي سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وَسبع سنبلات خضر وَأخر يابسات﴾ هَذَا ذكر تقصيص الرجل رُؤْيا الْملك على يُوسُف.
وَقَوله: ﴿لعَلي أرجع إِلَى النَّاس لَعَلَّهُم يعلمُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: لعَلي أرجع إِلَى النَّاس لَعَلَّهُم يعلمُونَ تَأْوِيل الرُّؤْيَا.
وَالثَّانِي [مَعْنَاهُ] : لعَلي أرجع إِلَى النَّاس لَعَلَّهُم يعلمُونَ منزلتك ودرجتك فِي الْعلم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ تزرعون سبع سِنِين دأبا﴾ هَذَا خبر بِمَعْنى الْأَمر؛ وَمَعْنَاهُ: ازرعوا سبع سِنِين، يَعْنِي: على عادتكم؛ والدأب: الْعَادة.
وَقَوله ﴿فَمَا حصدتم﴾ الْحَصاد مَعْلُوم.
وَقَوله: ﴿فذروه فِي سنبله﴾ أَمرهم أَن يتْركُوا الْحِنْطَة فِي السنابل ليَكُون أبقى على الزَّمَان.
وَقَوله: ﴿إِلَّا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي: مِمَّا تدرسون وتأكلون؛ فَكَأَنَّهُ أَمرهم أَن يحفظوا الْأَكْثَر ويأكلوا بِقدر الْحَاجة.

وَقَوله: ﴿ثمَّ يَأْتِي من بعد ذَلِك سبع شَدَّاد يأكلن﴾ سمى السنين المجدبة شدادا لشدتها على النَّاس.
وَقَوله: ﴿يأكلن مَا قدمتم لَهُنَّ﴾ مَعْنَاهُ: (يفنين) ويهلكن

﴿مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثمَّ يَأْتِي من بعد ذَلِك سبع شَدَّاد يأكلن مَا قدمتم لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلا مِمَّا تحصنون (48) ثمَّ يَأْتِي من بعد ذَلِك عَام فِيهِ يغاث النَّاس وَفِيه يعصرون (49) وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي﴾ مَا قدمتم لَهُنَّ، وَهَذَا على طَرِيق التَّوَسُّع وَالْمجَاز؛ فَإِن السنين لَا تَأْكُل شَيْئا، وَإِن الْقَوْم فِي السنين يَأْكُلُون.
وَقَوله: ﴿إِلَّا قَلِيلا مِمَّا تحصنون﴾ يَعْنِي: تحرزون؛ وَمَعْنَاهُ: تحرزون للبذر.

وَقَوله: ﴿ثمَّ يَأْتِي من بعد ذَلِك عَام فِيهِ يغاث النَّاس﴾ الغياث هَاهُنَا: هُوَ الخصب وَالسعَة.
وَقَوله ﴿وَفِيه يعصرون﴾ قرىء بقراءتين: " يعصرون " و " تعصرون " وَمَعْنَاهُ: يعصرون الزَّيْت من الزَّيْتُون، وَمن الْعِنَب الْعصير، وَمن السمسم الدّهن.
هَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَمُجاهد.
وَقيل: يعصرون: ينجون.
قَالَ الشَّاعِر: (وصاديا يستغيث غير مغاث ... وَلَقَد كَانَ عصرة المنجود) وَلَقَد كَانَ عصرة المنجود يَعْنِي: المنجاة.
وَقيل: يعصرون: ينزل عَلَيْهِم الْمَطَر من السَّحَاب، قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأنزلنا من المعصرات مَاء ثجاجا﴾ .

قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ﴾ فِي الْآيَة اخْتِصَار أَيْضا فَإِن الرجل رَجَعَ إِلَى الْملك وقص عَلَيْهِ تَأْوِيل الرُّؤْيَا ثمَّ قَالَ الْملك: ائْتُونِي بِهِ.
وَقَوله: ( ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُول قَالَ﴾ ارْجع إِلَى رَبك) إِلَى سيدك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي﴾ أَي: مَا حَال النسْوَة اللَّاتِي ﴿قطعن أَيْدِيهنَّ﴾ على مَا بَينا من قبل، وَلم يُصَرح بِذكر امْرَأَة الْعَزِيز أدبا واحتراما.
وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي بكيدهن عليم﴾ أَي: بحيلهن ومكرهن عليم.
وَاعْلَم أَنه قد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَو لَبِثت فِي السجْن مثل مَا لبث يُوسُف ثمَّ جَاءَنِي الدَّاعِي لَأَجَبْت " وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن النَّبِي قَالَ: " رحم الله أخي يُوسُف؛ لقد كَانَ ذَا حلم وأناة، وَلَو كنت مَكَانَهُ ثمَّ دعيت لَبَادَرت ".

﴿قطعن أَيْدِيهنَّ إِن رَبِّي بكيدهن عليم (50) قَالَ مَا خطبكن إِذْ راودتن يُوسُف عَن نَفسه قُلْنَ حاش لله مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء قَالَت امرأت الْعَزِيز الْآن حصحص الْحق أَنا راودته عَن نَفسه وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين (51) ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ وَأَن الله لَا يهدي﴾ فَإِن قيل: أيش قصد يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام من رد الرَّسُول وَذكر النسْوَة، وَقد مضى على ذَلِك الزَّمَان الطَّوِيل؟ الْجَواب: المُرَاد أَنه أَن لَا ينظر إِلَيْهِ الْملك بِعَين التُّهْمَة وَيصير إِلَيْهِ وَقد زَالَ الشكوك عَن أمره فَقَالَ مَا قَالَ هَذَا.

قَوْله (تَعَالَى) ﴿قَالَ مَا خطبكن إِذْ راودتن يُوسُف﴾ رُوِيَ أَن الْملك بعث إِلَى النسْوَة وفيهن امْرَأَة الْعَزِيز فَدَعَا بِهن وَقَالَ لَهُنَّ هَذِه الْمقَالة، وَقَوله: ﴿مَا خطبكن﴾ أَي: مَا (حالكن) ؟ وَقيل: مَا أمركن؟ وَقَوله: ﴿إِذْ راودتن يُوسُف عَن نَفسه﴾ خاطبهن بِهَذِهِ الْمقَالة، وَالْمرَاد: امْرَأَة الْعَزِيز خَاصَّة، وَقيل: إِن امْرَأَة الْعَزِيز راودته عَن نَفسه وَسَائِر النسْوَة أمرنه بِالطَّاعَةِ لَهَا؛ فَلهَذَا قَالَ: إِذْ راودتن يُوسُف عَن نَفسه.
وَقَوله: ﴿قُلْنَ حاش لله﴾ معَاذ الله ﴿مَا علمنَا عَلَيْهِ من سوء﴾ يَعْنِي: مَا علمنَا عَلَيْهِ من تُهْمَة وَلَا خِيَانَة.
وَقَوله: ﴿قَالَت امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حصحص الْحق أَنا راودته عَن نَفسه﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن النسْوَة لما أخبرن بِبَرَاءَة يُوسُف عَمَّا قرن بِهِ أقبلن على امْرَأَة الْعَزِيز يقرونها.
وَرُوِيَ أَنَّهَا خَافت أَن يقبلن عَلَيْهَا ويشهدن عَلَيْهَا فأقرت وَقَالَت: الْآن حصحص الْحق.
مَعْنَاهُ: تبين الْحق.
وَقيل: مَعْنَاهُ: الْآن ظهر الْأَمر بعد الانكتام.
قَالَ الشَّاعِر: (أَلا مبلغ عني خداشا بِأَنَّهُ ... كذوب إِذا مَا حصحص الْحق ظَالِم) ﴿أَنا راودته عَن نَفسه﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله: ﴿وَإنَّهُ لمن الصَّادِقين﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك ليعلم﴾ اخْتلفُوا على أَن هَذَا قَول من؟ الْأَكْثَرُونَ أَنه قَول يُوسُف؛ وَمَعْنَاهُ: ذَلِك ليعلم الْعَزِيز {أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ

﴿كيد الخائنين (52) وَمَا أبرىء نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي إِن رَبِّي غَفُور رَحِيم (53) وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ أستخلصه لنَفْسي فَلَمَّا كَلمه قَالَ إِنَّك الْيَوْم﴾ وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين) وَمَعْنَاهُ: إِنَّه لَا يُوضح وَلَا يرشد كيد الخائنين.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ دخل قَول يُوسُف فِي وسط هَذَا الْكَلَام، وَإِنَّمَا الْمَذْكُور كَلَام جرى بَين الْملك والنسوة؟ ! قُلْنَا: اعْتِرَاض كَلَام آخر بَين كَلَام.
جَائِز على لُغَة الْعَرَب؛ قَالَ الله تَعَالَى فِي قصَّة سُلَيْمَان حِكَايَة عَن بلقيس: ﴿قَالَت إِن الْمُلُوك إِذا دخلُوا قَرْيَة أفسدوها وَجعلُوا أعزة أَهلهَا أَذِلَّة وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ كَلَام الله تَعَالَى اعْتِرَاض فِي الْوسط وَمِنْهُم من قَالَ: وَفِي [الْآيَة] تَقْدِير من التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، مَعْنَاهُ: ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة اللَّاتِي قطعن أَيْدِيهنَّ إِن رَبِّي بكيدهن عليم؛ ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ وَأَن الله لَا يهدي كيد الخائنين، ثمَّ يرتب على هَذَا فِي الْمَعْنى قَوْله: ﴿مَا خطبكن إِذْ راودتن يُوسُف عَن نَفسه﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أبرىء نَفسِي﴾ الْآيَة.
رُوِيَ: " أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ ليوسف حِين قَالَ: ذَلِك ليعلم أَنِّي لم أخنه بِالْغَيْبِ.
[فَقَالَ لَهُ] : وَلَا حِين هَمَمْت ". وَرُوِيَ أَنه قَالَ: حِين حللت التكة.
فَقَالَ يُوسُف: (وَمَا أبرىء نَفسِي) ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾ يَعْنِي: إِن النَّفس كَثِيرَة الْأَمر بالسوء: السوء هَاهُنَا هُوَ الْمعْصِيَة.
وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا رحم رَبِّي﴾ قيل: إِلَّا من رحم رَبِّي، وَفِيه مَعْنيانِ؛ أَحدهمَا: أَنه أَشَارَ إِلَى حَالَة الْعِصْمَة عِنْد رُؤْيَة الْبُرْهَان.
وَالْقَوْل الثَّانِي: إِلَّا من رحم رَبِّي: هم الْمَلَائِكَة؛ فَإِن الله تَعَالَى لم يركب فيهم الشَّهْوَة وخلقهم على الْعِصْمَة من الْهم وَغَيره.

﴿لدينا مكين أَمِين (54) قَالَ اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض إِنِّي حفيظ عليم (55) وَكَذَلِكَ﴾ وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي غَفُور رَحِيم﴾ ظَاهر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ أستخلصه لنَفْسي﴾ مَعْنَاهُ: أجعله خَاصّا لنَفْسي لَا يشركني فِيهِ أحد ﴿فَلَمَّا كَلمه﴾ فِي الْآيَة اخْتِصَار أَيْضا فَروِيَ أَنه ذهب الرَّسُول وَدعَاهُ فَقَامَ واغتسل وَلبس ثيابًا (نضافا) وَجَاء إِلَى الْملك.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا كَلمه﴾ فِي الْقِصَّة أَن الْملك طلب مِنْهُ أَن يُعِيد تَعْبِير الرُّؤْيَا ليسمع مِنْهُ شفاها، فَقص عَلَيْهِ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فَلَمَّا كَلمه﴾ وَقيل: إِن الْملك كَانَ يعلم سبعين لُغَة من لُغَات النَّاس فَكلم يُوسُف بِتِلْكَ اللُّغَات فَأَجَابَهُ يُوسُف بهَا كلهَا وَزَاد (لِسَان) العبرية والعربية وَلم يكن الْملك يعلم ذَلِك، فَقَالَ: ﴿إِنَّك الْيَوْم لدينا مكين أَمِين﴾ والمكانة: هِيَ الجاه والحشمة والدرجة الرفيعة، وَقَوله: ﴿أَمِين﴾ أَي: صَادِق.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض﴾ اخْتلفُوا أَن يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام لم طلب هَذَا؟ قَالَ (بَعضهم) : إِنَّمَا طلب ذَلِك لِأَنَّهُ عرف أَن ذَلِك؛ وَصله إِلَى وُصُول أَهله إِلَيْهِ من أَبِيه وَإِخْوَته وَغَيرهم، وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا طلب ذَلِك لِأَنَّهُ عرف أَنه أقوم النَّاس بِالْقيامِ بمصالح النَّاس فِي السنين الشداد، فَطلب لهَذَا الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض﴾ الأَرْض هَاهُنَا: أَرض مصر، والخزائن: هِيَ خَزَائِن الطَّعَام وَالْأَمْوَال.
وَقَالَ ربيع بن أنس: " اجْعَلنِي على خَزَائِن الأَرْض " أَي: على خراج مصر ودخلها.
﴿إِنِّي حفيظ عليم﴾ أَي: حفيظ للخزائن، عليم بِوُجُوه مصالحها.
وَفِي بعض التفاسير: " إِنِّي حفيظ عليم " أَي: كَاتب حاسب.
فَإِن قيل: هَل يجوز أَن يتَوَلَّى الْمُسلم من يَد كَافِر عملا؟ قُلْنَا قد قَالُوا: إِنَّه إِذا علم أَن الْكَافِر يخليه وَالْعَمَل بِالْحَقِّ يجوز أَن يتَوَلَّى.
وَقد

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل