المؤمنون
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿كذب أَصْحَاب الأيكة الْمُرْسلين﴾ وَقُرِئَ: " ليكة الْمُرْسلين " بِفَتْح الْهَاء؛ فَمن قَرَأَ: " ليكة " جعلهَا اسْم بلد، وَهُوَ لَا ينْصَرف، وَمن قَرَأَ: " الأيكة " فَصَرفهُ؛ لِأَن مَا لَا ينْصَرف إِذا أَدخل عَلَيْهِ الْألف وَاللَّام انْصَرف.
والأيكة: الغيظة، وَيُقَال: الشّجر الملتف، وَفِي الْقِصَّة: أَن شجرهم كَانَ هُوَ الدوم، وَيُقَال: شجر الْمقل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُم شُعَيْب أَلا تَتَّقُون﴾ وَلم يذكر أخوهم هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لم يكن أَخا لَهُم، وَلَا فِي النّسَب وَلَا فِي الدّين.
وَقَوله: (إِنِّي لكم رَسُول أَمِين) قد بَينا إِلَى قَوْله: ﴿إِن أجري إِلَّا على رب الْعَالمين﴾
قَوْله تَعَالَى: (أَوْفوا الْكَيْل وَلَا تَكُونُوا من المخسرين) أَي: الناقصين لحقوق النَّاس، وَقَالَ يزِيد بن ميسرَة: كل ذَنْب يَرْجُو لَهُ الْمَغْفِرَة إِلَّا لحقوق النَّاس، فالرجاء فِيهِ أقل.
وَقد بَينا فِي سُورَة هود أَن قوم شُعَيْب كَانُوا يخسرون فِي المكاييل، وَالْمرَاد من
( {180) أَوْفوا الْكَيْل وَلَا تَكُونُوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس الْمُسْتَقيم (182) وَلَا تبخسوا النَّاس أشياءهم وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين (183) وَاتَّقوا الَّذِي خَلقكُم والجبلة الْأَوَّلين (148) قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين (158) وَمَا أَنْت إِلَّا بشر مثلنَا وَإِن نظنك لمن الْكَاذِبين (186) فأسقط علينا كسفا من السَّمَاء إِن كنت من الصَّادِقين (187) قَالَ رَبِّي أعلم بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذبُوهُ فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة إِنَّه
قَوْله تَعَالَى: ﴿وزنوا بالقسطاس الْمُسْتَقيم﴾ قَالَ الْحسن: القسطاس القبان.
وَقيل: كل ميزَان يكون، وَيُقَال: هُوَ الْعدْل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تبخسوا النَّاس أشياءهم﴾ يَعْنِي: لَا تنقصوا النَّاس حُقُوقهم.
وَقَوله: ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ أى: لَا تبالغوا فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا الَّذِي خَلقكُم والجبلة الْأَوَّلين﴾ أَي: خَلقكُم وَخلق الجبلة الْأَوَّلين، والجبلة: الْخَلِيفَة، قَالَ الشَّاعِر: (وَالْمَوْت أعظم حَادث ... فِيمَا يمر على الجبله) وَيُقَال: الجبلة بِضَم الْجِيم وَالْبَاء، وَفِي لُغَة بِغَيْر الْهَاء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿وَمَا أَنْت إِلَّا بشر مثلنَا وَإِن نظنك لمن الْكَاذِبين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأسقط علينا كسفا من السَّمَاء، إِن كنت من الصَّادِقين﴾ وَقُرِئَ: " كسفا " بِفَتْح السِّين، فَأَما قَوْله: " كسفا " بِسُكُون السِّين أَي: جانبا من السَّمَاء، وَأما قَوْله: كسفا أَي: قطعا، وَمَعْنَاهُ: قِطْعَة.
قَالَ السّديّ: عذَابا من السَّمَاء.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي أعلم بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: هُوَ عَالم بأعمالكم، فَإِن أَرَادَ أَن يبقيكم، وَإِن أَرَادَ أَن يهلككم أهلككم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَذبُوهُ فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلة﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه أَخذهم حر عَظِيم، فَدَخَلُوا الأسراب تَحت الأَرْض، فَدخل الْحر فِي الأسراب وَأخذ بِأَنْفَاسِهِمْ.
{كَانَ عَذَاب يَوْم عَظِيم (189) إِن فِي ذَلِك لآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين (190) وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم (191) وَإنَّهُ لتنزيل رب الْعَالمين (192) نزل بِهِ الرّوح الْأمين (193) على قَلْبك لتَكون من الْمُنْذرين (194) بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين (195) وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين (196) أَو لم يكن لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل (197) فَخَرجُوا إِلَى الصَّحرَاء، فَجَاءَت سَحَابَة حَمْرَاء، فَاجْتمعُوا تحتهَا مستغيثين ليستظلوا بهَا، فأمطرت السحابة عَلَيْهِم نَارا، فاضطرم الْوَادي عَلَيْهِم، فَكَانَ أَشد عَذَاب يُوجد فِي الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة﴾ قد بَينا إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لتنزيل رب الْعَالمين﴾ أَي: الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين﴾ وَقُرِئَ: " نزل بِهِ الرّوح الْأمين " بِدُونِ التَّشْدِيد، وَالروح الْأمين هُوَ جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - وَسمي [جِبْرِيل] أَمينا؛ لِأَنَّهُ أَمِين الله على وحيه، وَفِي بعض الْآثَار: أَنه يرفع سبعين ألف حجاب، وَيدخل بِغَيْر اسْتِئْذَان، فَهُوَ معنى الْأمين.
وَقَوله: ﴿على قَلْبك﴾ ذكر الْقلب هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذا قرئَ عَلَيْهِ وعاه قلبه.
وَقَوله: ﴿لتَكون من الْمُنْذرين﴾ أَي: المخوفين.
وَقَوله: ﴿بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: بِلِسَان قُرَيْش، وَعَن بَعضهم: بِلِسَان جرهم، وَمِنْهُم أَخذ إِسْمَاعِيل - عَلَيْهِ السَّلَام - الْعَرَبيَّة.
وَقَوله: ﴿وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن ذكر مُحَمَّد فِي زبر الْأَوَّلين أَي: فِي كتب الْأَوَّلين.
وَالْقَوْل الآخر: ذكر إِنْزَال الْقُرْآن فِي (زبر) الْأَوَّلين، وَقد قَالُوا: إِن كليهمَا مارد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يكن لَهُم آيَة﴾ قرئَ: آيَة بِالنّصب وَالرَّفْع، فَمن قَرَأَ بِالنّصب جعل آيَة خبر يكن، وَمَعْنَاهُ: أَو لم يكن لَهُم علم عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل آيَة أَي: عَلامَة، وَمن قَرَأَ بِالرَّفْع فَجعل آيَة اسْم يكن، وَأما خَبره فَقَوله: ﴿أَن يُعلمهُ﴾ وَأما
{وَلَو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مُؤمنين (199) كَذَلِك سلكناه فِي قُلُوب الْمُجْرمين (200) لَا يُؤمنُونَ بِهِ حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم (201) فيأتيهم بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ (202) فيقولوا هَل نَحن منظرون (203) أفبعذابنا يستعجلون (204) عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل فِي هَذَا الْموضع فهم خَمْسَة نفر: عبد الله بن سَلام، وَابْن يَامِين، وثعلبة، وَأسد، وَأسيد.
وَفِي مصحف ابْن مَسْعُود: " أَو لَيْسَ لَهُم آيَة أَن يُعلمهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل ".
وَقَوله: ﴿وَلَو نزلناه على بعض الأعجمين﴾ الْفرق بَين العجمي والأعجمي، أَن العجمي هُوَ الَّذِي ينْسب إِلَى الْعَجم وَإِن كَانَ فصيحا، والأعجمي هُوَ الَّذِي لَا يفصح بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِن كَانَ عَرَبيا، وَقَالَ عبد الله بن مُطِيع فِي قَوْله: ﴿على بعض الأعجمين﴾ قَالَ: على دَابَّتي، وَمَعْنَاهُ أَن الدَّابَّة لَو تَكَلَّمت لما آمنُوا، وَأكْثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد مِنْهُ بعض الْعَجم أَي: نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن بِغَيْر الْعَرَبيَّة.
وَقَوله: ﴿فقرأه عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مُؤمنين﴾ أَي: لم يُؤمنُوا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك سلكناه﴾ قَالَ الْحسن وَمُجاهد: أدخلنا الشّرك فِي قُلُوبهم.
وَيُقَال: أدخلنا التَّكْذِيب فِي قُلُوبهم.
وَقَوله: ﴿لَا يُؤمنُونَ بِهِ﴾ أَي: بِالْقُرْآنِ.
وَقَوله: ﴿حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ أَي: عِنْد نزُول الْبَأْس.
وَقَوله: ﴿فيأتيهم بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة.
وَقَوله: ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ.
وَقَوله: ﴿فيقولوا هَل نَحن منظرون﴾ أَي: مؤخرون.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أفبعذابنا يستعجلون﴾ روى أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَات قَالُوا: مَتى هَذَا الْعَذَاب؟ أَو آتنا بِهَذَا الْعَذَاب، فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿أفبعذابنا يستعجلون﴾
{أَفَرَأَيْت إِن متعناهم سِنِين (205) ثمَّ جَاءَهُم مَا كَانُوا يوعدون (206) مَا أُغني عَنْهُم مَا كَانُوا يمتعون (207) وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا لَهَا منذرون (208) ذكرى وَمَا كُنَّا ظالمين (209) وَمَا تنزلت بِهِ الشَّيَاطِين (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُم وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) أَنهم عَن السّمع لمعزولون (212)
وَقَوله تَعَالَى: (أَفَرَأَيْت إِن متعانهم سِنِين) قَالَ عِكْرِمَة: عمر الدُّنْيَا: وَعَن شريك ابْن عبد الله النَّخعِيّ قَالَ: هُوَ أَرْبَعُونَ سنة.
وَأكْثر الْمُفَسّرين على أَنه لَيْسَ فِيهِ تَقْدِير، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ سِنِين كَثِيرَة، والامتاع هُوَ الْعَيْش بِمَا يلذ ويشتهي.
وَقَوله: ﴿ثمَّ جَاءَهُم مَا كَانُوا يوعدون﴾ أَي: من الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿مَا أُغني عَنْهُم مَا كَانُوا يمتعون﴾ أَي: دفع عيشهم وتمتعهم بالدنيا من الْعَذَاب عَنْهُم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا وَلها منذرون﴾ هَذَا فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ .
وَقَوله: ﴿ذكرى﴾ أَي: بعثنَا (الْمُنْذرين) تذكرة لَهُم.
وَقَوله: ﴿وَمَا كُنَّا ظالمين﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: (وَمَا تنزلت بِهِ الشَّيَاطِين) كَانَ الْمُشْركُونَ يَقُولُونَ: إِن شَيْطَانا ينزل على مُحَمَّد فيلقنه الْقُرْآن، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُم﴾ أَي: وَلَا يصلح لَهُم أَن ينزلُوا بِالْقُرْآنِ؛ لأَنهم لَيْسُوا بِأَهْل ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أَي: لَا يَسْتَطِيعُونَ إِنْزَال الْوَحْي.