المؤمنون
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿بعد البَاقِينَ (120) إِن فِي ذَلِك لِلْآيَةِ وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين (121) وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم (122) كذبت عَاد الْمُرْسلين (123) إِذْ قَالَ لَهُم أخوهم هود أَلا تَتَّقُون (124) إِنِّي لكم رَسُول أَمِين (125) فَاتَّقُوا الله وأطيعون (126) وَمَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر إِن أجري إِلَّا على رب الْعَالمين (127) أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون (128) وتتخذون مصانع وَقَوله: {ونجني وَمن معي من الْمُؤمنِينَ﴾ قد بَينا عدد من كَانَ مَعَه من الْمُؤمنِينَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأنجيناه وَمن مَعَه فِي الْفلك المشحون﴾ أَي: الموفر المملوء، وَقد بَينا صفة الْفلك وَمن كَانَ فِيهِ.
وَقَوله: ﴿ثمَّ أغرقنا بعد البَاقِينَ﴾ أَي: بعد إنجائه أغرقنا البَاقِينَ أَي: من بَقِي من قومه.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين﴾ ظَاهر الْمَعْنى إِلَى قَوْله: ﴿كذبت عَاد الْمُرْسلين﴾ .
وَقَوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُم أخوهم هود﴾ أَي: أخوهم فِي النّسَب.
وَقَوله: ﴿أَلا تَتَّقُون﴾ قد بَينا إِلَى قَوْله: ﴿إِن أجري إِلَّا على رب الْعَالمين﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿أتبنون بِكُل ريع﴾ فِي الرّيع قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الْمَكَان الْمُرْتَفع، وَالْآخر: أَنه الطَّرِيق الْوَاسِع بَين الجبلين.
وَقَوله: ﴿آيَة﴾ أَي: عَلامَة، وَقيل: بنيانا.
وَفِي الْقِصَّة: أَنهم كَانُوا يبنون على الْمَوَاضِع المرتفعة ليظهروا قوتهم ويتفاخروا بِهِ عَن النَّاس، وَعَن مُجَاهِد: أَن معنى الْآيَة: برج الْحمام، وَفِي الْقِصَّة: أَن قوم فِرْعَوْن كَانُوا يَلْعَبُونَ بالحمام، وَكَذَلِكَ قوم عَاد.
وَقَوله: ﴿تعبثون﴾ أَي: تلعبون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وتتخذون مصانع﴾ المصانع: جمع مصنعة؛ وَهِي الْحَوْض وَمَوْضِع المَاء، وَيُقَال: المصانع هَاهُنَا هِيَ الْحُصُون المشيدة، قَالَ الشَّاعِر:
﴿لَعَلَّكُمْ تخلدون (129) وَإِذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فَاتَّقُوا الله وأطيعون (131) وَاتَّقوا الَّذِي أمدكم بِمَا تعلمُونَ (132) أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم (135) قَالُوا سَوَاء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إِن هَذَا إِلَّا خلق الْأَوَّلين (137) وَمَا نَحن بمعذبين (138) فَكَذبُوهُ (تركنَا (دِيَارهمْ مِنْهُم قفارا ... وهدمنا المصانع والبروجا﴾ وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تخلدون﴾ أَي: كأنكم تخلدون، وَقُرِئَ فِي الشاذ: " كأنكم خَالدُونَ "، وَيُقَال: طامعين فِي الخلود.
قَوْله تَعَالَى: وَإِذا بطشتم بطشتم جبارين الْبَطْش هُوَ العسف (بِالْقَتْلِ) بِالسَّيْفِ وَالضَّرْب بِالسَّوْطِ، والجبار هُوَ العاتي على غَيره بِعظم سُلْطَانه، وَهُوَ فِي وَوصف الله مدح، وَفِي وصف الْخلق ذمّ، وَيُقَال: الْجَبَّار من يقتل على الْغَضَب.
وَقَوله: ﴿فَاتَّقُوا الله وأطيعون﴾ قد بَينا.
قَوْله: ﴿وَاتَّقوا الَّذِي أمدكم بِمَا تعلمُونَ أمدكم بأنعام وبنين﴾ هَذَا تَفْسِير مَا ذكره أَولا من قَوْله: (أمدكم بِمَا تعلمُونَ) .
وَقَوله: (وجنات وعيون) أَي: بساتين وأنهار.
وَقَوله: ﴿إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ أَي: شَدِيد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا سَوَاء علينا﴾ أَي: مستو عندنَا.
﴿أوعظت أم لم تكن من الواعظين﴾ الْوَعْظ كَلَام يلين الْقلب بِذكر الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد.
وَقَوله: ﴿إِن هَذَا﴾ أَي: مَا هَذَا.
﴿إِلَّا خلق الْأَوَّلين﴾ أَي: اخْتِلَاق الْأَوَّلين وكذبهم.
{فأهلكناهم إِن فِي ذَلِك لآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين (139) وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم (140) كذبت ثَمُود الْمُرْسلين (141) إِذْ قَالَ لَهُم أخوهم صَالح أَلا تَتَّقُون (142) إِنِّي لكم رَسُول أَمِين (143) فَاتَّقُوا الله وأطيعون (144) وَمَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر إِن أجري إِلَّا على رب الْعَالمين (145) أتتركون فِي مَا هَاهُنَا آمِنين (146) فِي جنَّات وعيون (147) وقرى: " إِن هَذَا إِلَّا خلق الْأَوَّلين " بِضَم الْخَاء وَاللَّام أَي: عَادَتهم ودأبهم، وَيُقَال مَعْنَاهُ: أمرنَا كأمر الْأَوَّلين؛ نَعِيش وَنَمُوت.
وَقَوله: ﴿وَمَا نَحن بمعذبين﴾ قَالُوا هَذَا إِنْكَار لما وعدهم هود من الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿فَكَذبُوهُ فأهلكناهم﴾ ظَاهر الْمَعْنى إِلَى قَوْله: ﴿إِن أجري إِلَّا على رب الْعَالمين﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿أتتركون فِيمَا هَاهُنَا آمِنين﴾ يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا آمِنين من الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿فِي جنَّات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم﴾ قَالَ الْأَزْهَرِي: الهضيم هُوَ الدَّاخِل بعضه فِي بعض من النضج والنعامة، وَيُقَال: هُوَ اللين الرطب، وَيُقَال: هُوَ الرخو الَّذِي إِذا مَسّه الْإِنْسَان تفتت، وَقيل: هُوَ المذنب، وَهُوَ الَّذِي نضج بعضه من قبل الذَّنب، وَيُقَال هضيم أَي: الهاضم كَأَنَّهُ يهضم الطَّعَام.
وَكَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول: فِي وعظه: ابْن آدم، تَأْكُل كَذَا وَكَذَا ثمَّ تَقول: يَا جَارِيَة، هَاتِي الهاضوم، إِنَّه يهضم دينك لَا طَعَامك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وتنحتون من الْجبَال بُيُوتًا فارهين﴾ أَي: حاذقين، وَيُقَال: معجبين بِمَا نلتم، وَقُرِئَ: " فرهين " أَي: فرحين، وَقيل: شرهين، قَالَ الشَّاعِر: (لَا أستكين إِذا مَا أزمة أزمت ... وَلنْ تراني بِخَير فاره الطّلب) وَيُقَال: الفاره والفره بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَوله: ﴿فَاتَّقُوا الله وأطيعون﴾ إِلَى قَوْله: ﴿لَا يصلحون﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَالْمرَاد مِنْهُ: لَا تتبعوا قادتكم فِي الشّرك.
وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الْجبَال بُيُوتًا فارهين (149) فَاتَّقُوا الله وأطيعون (150) وَلَا تطيعوا أَمر المسرفين (151) الَّذين يفسدون فِي الأَرْض وَلَا يصلحون (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين (153) مَا أَنْت إِلَّا بشر مثلنَا فأت بِآيَة إِن كنت من الصَّادِقين (154) قَالَ هَذِه نَاقَة لَهَا شرب وَلكم شرب يَوْم مَعْلُوم (155) وَلَا تمسوها بِسوء فيأخذكم عَذَاب يَوْم عَظِيم (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبحُوا نادمين (157)
﴿قَوْله تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْت من المسحرين﴾ أَي: سحرت مرّة بعد مرّة، وَيُقَال: ﴿من المسحرين﴾ أَي: من الْبشر وَهُوَ الَّذِي لَهُ سحر وَهُوَ الرئة، وَيُقَال: فلَان مسحر أَي: مُعَلل بِالطَّعَامِ وَالشرَاب، قَالَ الشَّاعِر: (أرانا موضِعين لحتم غيب ... ونسحر بِالطَّعَامِ (وَالشرَاب)) وَقَالَ آخر: (فَإِن تسألينا فيمَ نَحن فإننا ... عصافير من هَذَا الْأَنَام المسحر) أَي: الْمُعَلل بِالطَّعَامِ وَالشرَاب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَنْت إِلَّا بشر مثلنَا فأت بِآيَة إِن كنت من الصَّادِقين﴾ قد ذكرنَا أَنهم طلبُوا نَاقَة حَمْرَاء عشراء، تخرج من صَخْرَة وتلد سقيا فِي الْحَال.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَذِه نَاقَة لَهَا شرب وَلكم شرب يَوْم مَعْلُوم﴾ فِي الْقِصَّة: أَن النَّاقة كَانَت تشرب مَاء الْبِئْر يَوْمًا فِي أول النَّهَار، وتسقيهم لَبَنًا فِي آخر النَّهَار، وَكَانَ عظم النَّاقة [ميلًا] فِي ميل، وَكَانَت إِذا شربت تُؤثر أضلاع جنبها فِي الْجَبَل.
وَقَوله: ﴿وَلَا تمسوها بِسوء فيأخذكم عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبحُوا نادمين﴾ وسنبين من عقرهَا فِي سُورَة النَّمْل إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿فَأَخذهُم الْعَذَاب﴾ ظَاهر إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن أجري إِلَّا على رب
﴿فَأَخذهُم الْعَذَاب إِن فِي ذَلِك لآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين (158) وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم (159) كذبت قوم لوط الْمُرْسلين (160) إِذْ قَالَ لَهُم أخوهم لوط أَلا تَتَّقُون (161) إِنِّي لكم رَسُول أَمِين (162) فَاتَّقُوا الله وأطيعون (163) وَمَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر إِن أجري إِلَّا على رب الْعَالمين (164) أتأتون الذكران من الْعَالمين (165) وتذرون مَا خلق لكم ربكُم من أزواجكم بل أَنْتُم قوم عادون (166) قَالُوا لَئِن لم تَنْتَهِ يَا لوط لتكونن من المخرجين (167) قَالَ إِنِّي لعملكم من القالين (168) رب نجني وَأَهلي مِمَّا يعْملُونَ (169) فنجيناه وَأَهله أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوز فِي الغابرين (171) ثمَّ دمرنا الْعَالمين﴾ فِي قصَّة لوط صلوَات الله عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أتأتون الذكران من الْعَالمين﴾ فِي الْقِصَّة: أَنهم كَانُوا يعْملُونَ هَذَا الْعَمَل الْقَبِيح مَعَ النِّسَاء قبل الرِّجَال أَرْبَعِينَ سنة ثمَّ عدلوا إِلَى الرِّجَال.
وَقَوله: ﴿وتذرون مَا خلق لكم ربكُم من أزواجكم﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " مَا أصلح لكم ربكُم من أزواجكم " وَفِي التَّفْسِير: أَن مَا خلق لكم ربكُم من أزواجكم مَعْنَاهُ: الْقبل وَهُوَ فرج النِّسَاء.
قَوْله: ﴿بل أَنْتُم قوم عادون﴾ أَي: ظَالِمُونَ مجاوزون الْحَد.
قَوْله: ﴿قَالُوا لَئِن لم تَنْتَهِ يَا لوط لتكونن من المخرجين﴾ أَي: من الْقرْيَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي لعملكم من القالين﴾ أَي: من المبغضين، وَقَالَ بَعضهم: (بقيت مَالِي وانحرفت عَن الْمَعَالِي ... وَلَقِيت أضيافي بِوَجْه قالي) قَالَ الصاحب تَرْجَمَة لقَوْل الأشتر النَّخعِيّ: بقيت، وَقُرِئَ: وانحرفت عَن الْعلَا، وَلَقِيت أضيافي بِوَجْه عبوس أَي: لم أشن على أبي هِنْد غَارة لم تخل يَوْمًا من نهاب نفوس.
قَوْله تَعَالَى: (رب نجني وَأَهلي مِمَّا يعْملُونَ) أَي: من الْعَمَل الْخَبيث.
قَوْله تَعَالَى: {فنجيناه وَأَهله أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوز فِي الغابرين فِيهِ قَولَانِ:
{الآخرين (172) وأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا فسَاء مطر الْمُنْذرين (173) إِن فِي ذَلِك لآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين (174) وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم (175) كذب أَصْحَاب الأيكة الْمُرْسلين (176) إِذْ قَالَ لَهُم شُعَيْب أَلا تَتَّقُون (177) إِنِّي لكم رَسُول أَمِين (178) فَاتَّقُوا الله وأطيعون (179) وَمَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ من أجر إِن أجري إِلَّا على رب الْعَالمين أَحدهمَا: أَنَّهَا كَانَت عَجُوز غابراً، على معنى أَن الزَّمَان مضى عَلَيْهَا وهرمت، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الغابرين بِمَعْنى البَاقِينَ يَعْنِي: أَن الْعَجُوز من أهل لوط بقيت فِي الْعَذَاب وَلم تنج.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ دمرنا الآخرين﴾ أَي: أهلكنا الآخرين.
وَقَوله: ﴿وأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا فسَاء مطر الْمُنْذرين﴾ قد بَينا أَن الله تَعَالَى أمطر عَلَيْهِم الْحِجَارَة بعد إهلاكهم.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة﴾ ظَاهر الْمَعْنى إِلَى قَوْله: ﴿وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم﴾ .