تفسير السمعانيصفحات 192-196
أهل الأثرالأرشيف العلمي

القمر

صفحات 192-196
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿وَكَانَ الله عليما حكيما (4) ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَيكفر عَنْهُم سيئاتهم وَكَانَ ذَلِك عِنْد الله فوزا عَظِيما (5) ويعذب الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات الظانين بِاللَّه ظن السوء عَلَيْهِم﴾ وَقَوله: ﴿وَللَّه جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: جموع السَّمَوَات وَالْأَرْض، فَلَو سلط أَصْغَر خلقه على جَمِيع الْعَالم لقهرهم.
وَيُقَال: لَهُ جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض أَي: مَا خلق الله فِي السَّمَوَات من الْمَلَائِكَة، وَمَا خلق الله فِي الأَرْض من الْجِنّ وَالْإِنْس وَغَيرهم.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ أَي: عليما بخلقه، حكيما فِي تَدْبيره.

قَوْله تَعَالَى: ﴿ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَيكفر عَنْهُم سيئاتهم وَكَانَ ذَلِك عِنْد الله فوزا عَظِيما﴾ أَي: نجاة [عَظِيمَة] .

قَوْله تَعَالَى: ﴿ويعذب الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْمُشْرِكين والمشركات الظاني بِاللَّه ظن السوء﴾ وَمعنى ظن السوء هَاهُنَا: هُوَ أَنهم كَانُوا قد ظنُّوا على أَن أَمر مُحَمَّد لَا يتم، ويضمحل عَن قريب.
وَيُقَال: إِن الرَّسُول لما توجه إِلَى مَكَّة عَام الْحُدَيْبِيَة مَعَ أَصْحَابه معتمرين، وَلم يحمل مَعَه من السِّلَاح إِلَّا السيوف فِي القراب، قَالَ المُنَافِقُونَ وَسَائِر الْكفَّار: إِن مُحَمَّدًا لَا يرجع عَن وَجهه هَذَا أبدا وَأَنه يهْلك هُوَ وَأَصْحَابه، فَهُوَ معنى ظن السوء.
وَقَوله: ﴿دَائِرَة السوء﴾ وَقُرِئَ: " دَائِرَة السوء) بِرَفْع السِّين، ومعناهما مُتَقَارب أَي: عَلَيْهِم عَاقِبَة الْهَلَاك وَقيل مَعْنَاهُ: لَهُم سوء الْعَاقِبَة لَا للرسول.
وَقَوله: ﴿وَغَضب الله عَلَيْهِم ولعنهم وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ أَي: بئس المنقلب

﴿دَائِرَة السوء وَغَضب الله عَلَيْهِم ولعنهم وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا (6) وَللَّه جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا (8) لتؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرَة وَأَصِيلا (9) ﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فِي التَّفْسِير: أَن الْمُنَافِقين قَالُوا: وَمَا يُغني عَن مُحَمَّد أَصْحَابه؟ وَلَئِن ظفر بقَوْمه فَكيف يظفر بِجَمِيعِ الْعَرَب وكسرى وَقَيْصَر؟ مَا وعد مُحَمَّد أَصْحَابه إِلَّا الْغرُور، فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿وَللَّه جنود السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ وَمَعْنَاهُ: أَن الظفر من قبلي، والجنود كلهَا لي، فَمن شِئْت أَن أنصره لم يعسر ذَلِك عَليّ، قل أعداؤه أَو كثر.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ منيعا فِي النَّصْر، حكيما فِي التَّدْبِير.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا﴾ أَي: شَاهدا على أمتك يَوْم الْقِيَامَة.
وَيُقَال: شَاهدا بتبليغ الْأَمر وَالنَّهْي.
وَقَوله: ﴿وَمُبشرا﴾ أَي: مبشرا للمطيعين.
وَقَوله: ﴿وَنَذِيرا﴾ أَي: مخوفا للعاصين.

وَقَوله: ﴿لتؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله﴾ أَي: لكَي تؤمنوا أَيهَا النَّاس بِاللَّه وَرَسُوله.
وَقَوله: ﴿وتعزروه﴾ أَي: تعظموه، وَقُرِئَ فِي الشاذ: " وتعززوه " أَي: تقدمُوا بِمَا يكون عزا لَهُ.
وَقَوله: ﴿وتوقروه﴾ أَي: تفخموه وتبجلوه، وَيُقَال: وتعذروه مَعْنَاهُ: [تنصروه] بِالسَّيْفِ، وَهُوَ القَوْل الْمَعْرُوف، فَإِن قَالَ قَائِل: فَإلَى من ترجع الْهَاء؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن أَحدهمَا: أَنَّهَا رَاجِعَة إِلَى الرَّسُول، وَالثَّانِي: أَنَّهَا رَاجِعَة إِلَى الله تَعَالَى.

﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله يَد الله فَوق أَيْديهم فَمن نكث فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما (10) سَيَقُولُ لَك الْمُخَلفُونَ﴾ وَقَوله: ﴿وتسبحوه بكرَة وَأَصِيلا﴾ تَنْصَرِف إِلَى الله قولا وَاحِدًا.
وَالتَّسْبِيح بالبكرة وَهُوَ صَلَاة الصُّبْح، وبالأصيل صَلَاة الظّهْر وَالْعصر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك﴾ هَذَا فِي الْبيعَة يَوْم الْحُدَيْبِيَة.
وَقد كَانُوا بَايعُوهُ على أَلا يَفروا، وَفِي رِوَايَة: بَايعُوهُ على الْمَوْت.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا يبايعون الله﴾ أَي: من أَخذ الْعَهْد مِنْك فقد أَخذ الْعَهْد مني، وَمن بَايَعَك فقد بايعني.
وَعَن بَعضهم: من دخل فِي الْإِسْلَام فقد بَايع الله، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ﴾ الْآيَة.
وَقَوله: ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ أَي: يَد الله فِي النُّصْرَة والْمنَّة عَلَيْهِم فَوق أَيْديهم بِالطَّاعَةِ لَك.
وَيُقَال مَعْنَاهُ: يَد الله فِي الْوَفَاء بقوله ﴿فَوق أَيْديهم﴾ فِي الْوَفَاء بعهدهم وَيُقَال: إِحْسَان الله تَعَالَى إِلَيْهِم فَوق إحسانهم إِلَيْك بالنصرة، ومنة الله عَلَيْهِم فَوق منتهم عَلَيْك فِي قبُول مَا جِئْت بِهِ.
وَقَوله: ﴿فَمن نكث﴾ أَي: من نقض الْعَهْد.
وَقَوله: ﴿فَإِنَّمَا ينْكث على نَفسه﴾ أَي: وبال نقض عَهده عَلَيْهِ.
وَيُقَال: إِن الْآيَة نزلت فِي الْجد بن قيس، وَكَانَ من الْمُنَافِقين، فَلَمَّا بَايع رَسُول الله مَعَ أَصْحَابه بيعَة الرضْوَان اخْتَبَأَ تَحت إبط بعير وَلم يُبَايع.
وَمعنى النكث: [هُوَ] التّرْك.
وَقَوله: ﴿وَمن أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ الله فسيؤتيه أجرا عَظِيما﴾ أَي: كثيرا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ لَك الْمُخَلفُونَ من الْأَعْرَاب﴾ نزلت الْآيَة فِي مزينة وجهينة وَأَشْجَع وَأسلم، وَكَانُوا قد تخلفوا عَن رَسُول الله فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة، وَاعْتَذَرُوا

﴿من الْأَعْرَاب شَغَلَتْنَا أَمْوَالنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفر لنا يَقُولُونَ بألسنتم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم قل فَمن يملك لكم من الله شَيْئا إِن أَرَادَ بكم ضرا أَو أَرَادَ بكم نفعا بل كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا (11) بل ظننتم أَن لن يَنْقَلِب الرَّسُول والمؤمنون إِلَى أَهْليهمْ أبدا وزين ذَلِك فِي﴾ بِالشغلِ فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُول الله جَاءُوا معتذرين، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم هَذِه الْآيَة.
وَقَوله ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفر لنا﴾ أَي أطلب لنا الْمَغْفِرَة من الله تَعَالَى وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ بألسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم﴾ يَعْنِي: أَنهم لَا يبالون استغفرت لَهُم أَو تركت الاسْتِغْفَار لَهُم لنفاقهم، وَإِنَّمَا يظْهر طلب الاسْتِغْفَار تقية وخوفا.
وَهَذَا فِي الْمُنَافِقين من هَذِه الْقَبَائِل لَا فِي جَمِيعهم، فَإِنَّهُ قد كَانَ فيهم مُسلمُونَ محققون إسْلَامهمْ.
وَقَوله: ﴿قل فَمن يملك لكم من الله شَيْئا﴾ أَي: يدْفع عَنْكُم عَذَاب الله، وَمن يمنعكم من الله إِن أَرَادَ عقوبتكم.
وَقَوله: ﴿إِن أَرَادَ بكم ضرا أَو أَرَادَ بكم نفعا﴾ أَي: لَيْسَ الْأَمر فِي جَمِيع هَذَا إِلَّا بِيَدِهِ وَقَوله.
بل كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا) أَي: عليما.
وَيُقَال فِي قَوْله: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالنَا﴾ أَي: لَيْسَ لنا من يقوم بهَا.
وَقَوله: ﴿وَأَهْلُونَا﴾ أَي: لَيْسَ لنا من يخلفنا فِي الْقيام بأمرهم.
وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ بألسنتهم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ فِي قُلُوبهم الشَّك.
وَقَوله: ﴿قل فَمن يملك لكم من الله شَيْئا إِن أَرَادَ بكم ضرا﴾ أَي: الْهَزِيمَة.
وَقَوله: ﴿أَو أَرَادَ بكم نفعا﴾ أَي: النُّصْرَة وَالْغنيمَة.

﴿قُلُوبكُمْ وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) وَمن لم يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله فَإنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سعيرا (13) وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (14) سَيَقُولُ الْمُخَلفُونَ إِذا انطلقتم إِلَى مَغَانِم لتأخذوها﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿بل ظننتم أَن لن يَنْقَلِب الرَّسُول والمؤمنون إِلَى أَهْليهمْ أبدا﴾ قد بَينا ظنهم ﴿وزين ذَلِك فِي قُلُوبكُمْ﴾ أَي: زينه الشَّيْطَان.
وَقَوله: ﴿وظننتم ظن السوء﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ.
وَقَوله: ﴿وكنتم قوما بورا﴾ أَي: هلكى.
قَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن اسْلَمْ: هُوَ الَّذِي لَا خير فِيهِ.
وَيُقَال: إِن فِي لُغَة أَزْد عمان البور: الْفَاسِد، وَيُقَال: رجل بور، ورجلان بوران، وَرِجَال بور، وَيُقَال: أَصبَحت اعمالهم بورا ومساكنهم قبورا.
وَقيل: بورا: فَاسِدَة قُلُوبهم، لَا محسنين وَلَا متقين.
وَفِي التَّفْسِير: أَنه كَانَ ظنهم أَن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه يقتلُون فِي ذَلِك الْوَجْه، وَلَا يرجعُونَ أبدا إِلَى الْمَدِينَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن لم يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله فَإنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سعيرا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: السعير هُوَ الطَّبَق السَّادِس من جَهَنَّم.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل