تفسير السمعانيصفحات 302-311
أهل الأثرالأرشيف العلمي

القلم

صفحات 302-311
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿هُوَ أمات وَأَحْيَا (44) وَأَنه خلق الزَّوْجَيْنِ الذّكر وَالْأُنْثَى (45) من نُطْفَة إِذا تمنى (46) وَأَن عَلَيْهِ النشأة الْأُخْرَى (47) وَأَنه هُوَ أغْنى وأقنى (48) وَأَنه هُوَ رب﴾ آدم وحواء.
وَالأَصَح أَنه الذّكر وَالْأُنْثَى من بني آدم.

وَقَوله: ﴿من نُطْفَة إِذا تمنى﴾ أَي: تقدر.
تَقول الْعَرَب: مَا تمنى تِلْكَ [الْأَمَانِي] أَي: يقدر ذَلِك الْمُقدر.
وَقيل: إِذا تمنى، هُوَ عبارَة عَن الْوَطْء أَي: من نُطْفَة تحصل بِالْجِمَاعِ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن عَلَيْهِ النشأة الْأُخْرَى﴾ أَي: الْبَعْث يَوْم الْقِيَامَة، وَإِنَّمَا قَالَ: " الْأُخْرَى " لِأَنَّهَا ثَانِيَة النشأة الأولى، والنشأة الأولى ابْتِدَاء الْخلق.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنه هُوَ أغْنى وأقنى﴾ مَعْنَاهُ: أعْطى وأوسع، فَقَوله: ﴿أقنى﴾ أَي: أعْطى الْقنية، والقنية: هِيَ أصل مَال يتَّخذ.
قَالُوا: وَهُوَ مثل الْإِبِل وَالْبَقر والضياع والنبات وَمَا أشبه.
وَيُقَال: أغْنى بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وأقنى بِغَيْرِهِمَا من الْأَمْوَال.
وَيُقَال: أغْنى وأقنى: أَي: أعْطى وقنع بِمَا أعْطى.
قَالَ القتيبي: أغْنى أَي: أعْطى المَال وأفنى أَي أخدم كَأَنَّهُ أعطَاهُ من يَخْدمه وَقَالَ أغْنى أى أعْطى بِمَا أعْطى.
وَعَن بَعضهم أغْنى: أَي: أغْنى نَفسه، كَأَنَّهُ وصف نَفسه بالغنى.
وَقَوله: ﴿وأقنى﴾ أَي: أفقر خلقه إِلَى نَفسه، وَيُقَال: أغْنى وأقنى: أَي: وسع وقتر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنه هُوَ رب الشعرى﴾ فِي التَّفْسِير: أَنه كَانَ رجل من خُزَاعَة خَالف دين آبَائِهِ وَعبد الشّعْر العبور، وَهُوَ كَوْكَب خلف الجوزاء تسمى المرزم، وهما الشعريان: [إِحْدَاهمَا] : الغميصاء، وَالْأُخْرَى: العبور، فالغميصاء فِي المجرة، والعبور خلف الجوزاء وَتسَمى كلب الجوزاء.
وَكَانَ ذَلِك الرجل يعبد الشعرى، وَيَقُول: إِنَّهَا تقطع الْفلك عرضا دون سَائِر الْكَوَاكِب، فَإِنَّهَا تقطع أَمْوَالًا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَذكر أَنه خَالق الشعرى الَّتِي تعبدونها.
[قَالَه] مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيرهمَا.
وَعَن بَعضهم: أَنَّهَا الزهرة، وَهَذَا مُخَالف لظَاهِر الْآيَة.

﴿الشعرى (49) وَأَنه أهلك عادا الأولى (50) وَثَمُود فَمَا أبقى (51) وَقوم نوح من قبل إِنَّهُم كَانُوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أَهْوى (53) فغشاها مَا غشى (54) ﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنه أهلك عادا الأولى﴾ فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: " عادا الأولى "، وَعَاد كَانَت وَاحِد لَا اثْنَيْنِ؟ وَالْجَوَاب: أَن ثمودا وعادا كَانَا من ولد آدم بن سَام بن نوح، فَعَاد هم قوم هود، وهم عَاد الأولى، وَثَمُود هم قوم صَالح وهم عَاد الْأُخْرَى.

وَقَوله: ﴿وَثَمُود فَمَا أبقى﴾ أَي: أبادهم وأفناهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقوم نوح من قبل إِنَّهُم كَانُوا هم أظلم وأطغى﴾ أَي: أكبر وَأَشد طغيانا.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الرجل مِنْهُم كَانَ يَأْتِي بِابْنِهِ إِلَى نوح فَيَقُول: احذر هَذَا الشَّيْخ، وَإِيَّاك أَن يضلك، فَإِن أبي حَملَنِي وَأَنا فِي مثل سنك إِلَيْهِ وَحَذَّرَنِي مِنْهُ كَمَا حذرتك مِنْهُ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿والمؤتفكة أَهْوى﴾ المؤتفكة هِيَ مَدَائِن لوط، ائتفكت بهم الأَرْض أَي: انقلبت بهم.
وَقَوله: ﴿أَهْوى﴾ يُقَال: هوى إِذا سقط، وأهوى إِذا أسقط.
وَقد بَينا أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قلعهَا من أَصْلهَا، وَبلغ بهَا السَّمَاء الدُّنْيَا حَتَّى سمع أهل السَّمَاء الدُّنْيَا نباح الْكلاب وأصوات ديكتهم، وَكَانَ فِيهَا أَرْبَعمِائَة ألف رجل.
وَقد قيل أَكثر من ذَلِك، ثمَّ أَن جِبْرِيل قَلبهَا فَجَاءَت تهوى فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿والمؤتفكة أَهْوى﴾ قَالَ عِكْرِمَة: فَهِيَ تتجلجل فِي الأَرْض إِلَى قيام السَّاعَة.
وَالْعرب تَقول: أَهْوى أَي: وَقع فِي هوة، والهوة: الحفرة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فغشاها مَا غشى﴾ أَي: غشاها من الْحِجَارَة مَا غشى.
يُقَال: من عَذَاب الله مَا غشى.
والتغشية: التغطية.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الْحجر يتبع شرادهم حَتَّى أهلكهم جَمِيعًا، وَكَانَ فِي الْحرم رجل مِنْهُم فَوقف حجر فِي الْهَوَاء سَبْعَة أشهر، ثمَّ خرج فَلَمَّا خرج وخطا خطْوَة سقط عَلَيْهِ الْحجر وأهلكه، وَكَانَ اسْمه أَبُو رِغَال.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِأَي آلَاء رَبك تتمارى﴾ أَي: تتشكك، وَمَعْنَاهُ: تشك، وَقيل:

﴿فَبِأَي آلَاء رَبك تتمارى (55) هَذَا نَذِير من النّذر الأولى (56) أزفت الآزفة (57) لَيْسَ لَهَا من دون الله كاشفة (58) أَفَمَن هَذَا الحَدِيث تعْجبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا﴾ تكذب.
والمرية: هِيَ الشَّك فِي اللُّغَة.
وَالْخطاب للْكَافِرِ أَي: فَبِأَي آلَاء رَبك تتمارى أَيهَا الْكَافِر.

وَقَوله: ﴿هَذَا نَذِير من النّذر الأولى﴾ أَي: نَبِي يشبه الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين.

وَقَوله: ﴿أزفت الآزفة لَيْسَ لَهَا من دون الله كاشفة﴾ فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: " كاشفة "؟ وَلم أَدخل هَاء التَّأْنِيث؟ وَالْجَوَاب: أَن بَعضهم قَالَ: لموافقة رُءُوس الآى وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ لَيْسَ لَهَا من دون الله نفس كاشفة وَهَذَا أحسن وَمعنى الْآيَة: أَنه لَا يعلم علمهَا سوى الله تَعَالَى.
وَهُوَ علم قِيَامهَا وتجليها وَيُقَال لَا يَأْتِي بهَا أحد سوى الله تَعَالَى.
يُقَال: كشف عَن الشَّيْء إِذا أظهره أَي: لَا يكْشف عَن الْقِيَامَة وَلَا يظهرها غير الله تَعَالَى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن هَذَا الحَدِيث تعْجبُونَ﴾ أَي: الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿تعْجبُونَ﴾ أَي: تتعجبون، وتعجبهم أَنهم قَالُوا: كَيفَ أنزل على وَاحِد مثلنَا.
وَيُقَال: تعجبهم من قَوْله إِن الله وَاحِد على مَا قَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿أجعَل الْآلهَة إِلَهًا وَاحِدًا إِن هَذَا لشَيْء عُجاب﴾ .

وَقَوله: ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ يَعْنِي: من حقكم أَن تبكوا لَا أَن تَضْحَكُوا.
وَفِي التَّفْسِير: " أَن النَّبِي لما نزلت هَذِه الْآيَة لم ير ضَاحِكا إِلَى أَن خرج من الدُّنْيَا، غير أَنه كَانَ يبتسم ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: عجبت من ضَاحِك (ملْء فِيهِ وَالْمَوْت يَطْلُبهُ) .

﴿تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62) ﴾

وَقَوله: ﴿وَأَنْتُم سامدون﴾ أَي: لاهون غافلون، وَيُقَال: متكبرون.
قَالَ مُجَاهِد: السمود هُوَ الْغناء بلغَة حمير.
يَقُولُونَ: يَا جَارِيَة سمدى لنا: أَي: غنى.
وَيُقَال لَهُ: البرطمة أَيْضا وَأنْشد بَعضهم: (رمى الْحدثَان نسْوَة آل حَرْب ... بداهية سمدان لَهَا سمودا) ويروى: (بِمِقْدَار سمدن لَهُ سمودا.
... (فَرد شعورهن السود بيضًا ... ورد وجوههن الْبيض سُودًا)

وَقَوله: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ حمل بَعضهم هَذَا على الصَّلَوَات الْخمس.
وَقيل: إِن الْآيَة نزلت بِمَكَّة قبل فرض الصَّلَوَات الْخمس، وَالسورَة مَكِّيَّة، فعلى هَذَا مَعْنَاهُ: فاسجدوا لله واعبدوا أَي: اخضعوا لله ووحدوا.
وَيُقَال: المُرَاد مِنْهُ أصل السُّجُود، وَالْمرَاد من الْعِبَادَة هِيَ الطَّاعَة، وَهُوَ مَوضِع سُجُود عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء إِلَّا مَالك حَيْثُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْمفصل سُجُود أصلا.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ " أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَرَأَ سُورَة النَّجْم فَسجدَ فِيهَا، فَمَا بقى من الْقَوْم أحد إِلَّا سجد غير رجل وَاحِد أَخذ حَصى وَوَضعه على جَبهته، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا.
وَقَالَ عبد الله: فرأيته قتل كَافِرًا ". وَالله أعلم.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر (1) ﴾ تَفْسِير سُورَة الْقَمَر

وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ وَالْآيَة الَّتِي بعْدهَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة﴾ أَي: دنت الْقِيَامَة، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أزفت الآزفة﴾ ، وَمثل قَوْله: ﴿اقْترب للنَّاس حسابهم﴾ ، وَقد روى أنس أَن النَّبِي خطب عِنْد مغيربان الشَّمْس حَتَّى كَادَت تغرب، فَقَالَ: " مَا بَقِي من الدُّنْيَا فِيمَا مضى إِلَّا كَمَا بَقِي من هَذَا الْيَوْم فِيمَا مضى مِنْهُ ". وَعَن كَعْب ووهب: أَن مُدَّة الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سنة، وَالَّذِي يمضى هُوَ الْألف السَّابِع.
وَقَوله: ﴿وَانْشَق

روى ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحن مَعَ رَسُول الله بمنى فانشق الْقَمَر فلقَتَيْنِ، فلقَة وَرَاء الْجَبَل، وَفلقَة دونه، وَأنزل الله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ . وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن الْمُشْركين سَأَلُوا من النَّبِي آيَة.
وَرُوِيَ أَنهم قَالُوا لَهُ إِن كنت صَادِقا فشق الْقَمَر لنا حَتَّى نرى قِطْعَة مِنْهُ على أبي قبيس، وَقطعَة مِنْهُ على (قعيقعان) ، فَدَعَا الله تَعَالَى وَانْشَقَّ الْقَمَر على مَا أَرَادوا، فَقَالَ النَّبِي: " اشْهَدُوا اشْهَدُوا ".

﴿وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر (2) ﴾ فَإِن قيل: ابْن عَبَّاس لم يكن رأى انْشِقَاق الْقَمَر، فَكيف تصح رِوَايَته؟ وَأما ابْن مَسْعُود فقد تفرد بِهَذِهِ الرِّوَايَة، وَلَو كَانَ قد انْشَقَّ الْقَمَر لرواه جَمِيع أَصْحَاب رَسُول الله، وَأَيْضًا لَو كَانَ ثَابتا لرواه جَمِيع النَّاس، ولأرخوا لَهُ تَارِيخا؛ لأَنهم قد أَرخُوا مَا دون هَذَا من الْحَوَادِث، وَإِنَّمَا معنى الْآيَة: انْشَقَّ الْقَمَر أَي: ينشق، وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة.
وَيُقَال: معنى انْشَقَّ الْقَمَر أَي: انكسف.
وَالْجَوَاب: أَنه قد ثَبت انْشِقَاق الْقَمَر بالرواية الصَّحِيحَة.
رَوَاهُ ابْن مَسْعُود وَجبير بن مطعم شَهدا بِالرُّؤْيَةِ، وَرَوَاهُ ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأنس، وروى بَعضهم عَن بَعضهم عَن عبد الله بن عَمْرو، وَمن الْمُحْتَمل أَنه رُوِيَ عَن رُؤْيَة، وَقد كَانَ ابْن مَسْعُود روى هَذَا عَن [رُؤْيَته] ، وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد من الصَّحَابَة، فَكَانَ ذَلِك اتِّفَاقًا مِنْهُم، ثمَّ الدَّلِيل الْقَاطِع على ثُبُوته الْآيَة.
وَقَوله إِن مَعْنَاهُ سينشق الْقَمَر.
قُلْنَا: هَذَا عدُول عَن ظَاهر الْآيَة، وَلَا يجوز إِلَّا بِدَلِيل قَاطع، وَلِأَن الله تَعَالَى قَالَ:

﴿وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَنهم قد رأوها، وَلِأَنَّهُ سَمَّاهُ آيَة، وَإِنَّمَا يكون آيَة إِذا كَانَت فِي الدُّنْيَا؛ لِأَن الْآيَة هَاهُنَا بِمَعْنى الدّلَالَة وَالْعبْرَة.
وَقَوله: إِن النَّاس لم يرَوا.
قُلْنَا: يحْتَمل أَنه كَانَ فِي زمَان غَفلَة النَّاس، أَو تستر عَنْهُم بغيم، وَقد رد الله تَعَالَى الشَّمْس ليوشع بن نون، وَلم ينْقل أرخ لذَلِك أَيْضا.
وَقد ذكر فِي بعض التفاسير أَن أهل مَكَّة قَالُوا: سحرنَا ابْن أبي كَبْشَة، فَقَالَ بَعضهم: سلوا السفار الَّذين يقدمُونَ، فَإِنَّهُ إِن كَانَ سحرنَا فَلَا يقدر أَن يسحر جَمِيع النَّاس، فَقدم السفار وسألوهم وأخبروا أَنهم قد رَأَوْا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر﴾ قَالَ الْفراء: أَي: يشبه بعضه بَعْضًا، فَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: فعله هَذَا فِي السحر يشبه سَائِر أَفعاله فِي

﴿وكذبوا وَاتبعُوا أهواءهم وكل أَمر مُسْتَقر (3) وَلَقَد جَاءَهُم من الأنباء مَا فِيهِ مزدجر (4) حِكْمَة بَالِغَة فَمَا تغن النّذر (5) السحر، وَيحْتَمل أَن مَعْنَاهُ: سحره يشبه سحر مُوسَى وَعِيسَى وَغَيرهمَا.
وَعَن بَعضهم: أَن قَوْله: {مُسْتَمر﴾ أَي: ذَاهِب بَاطِل، يبطل وَيذْهب بِمُضِيِّ الزَّمَان، ذكره أَبُو عُبَيْدَة.
وَيُقَال: سحر مُسْتَمر: أَي: شَدِيد مُحكم.
وَيُقَال: اسْتمرّ من الأَرْض إِلَى السَّمَاء أَي: ظهر سحره فِي السَّمَاء.

وَقَوله: ﴿وكذبوا وَاتبعُوا أهواءهم﴾ أَي: اتبعهُ مَا دَعَتْهُ نُفُوسهم إِلَيْهِ من الْبَاطِل.
وَقَوله: ﴿وكل أَمر مُسْتَقر﴾ قَالَ مُجَاهِد: الْخَيْر لأهل الْخَيْر، وَالشَّر لأهل الشَّرّ.
وَيُقَال: الْجنَّة لمن يعْمل بِالطَّاعَةِ، وَالنَّار لمن يعْمل بالمعصية.
وَقيل: كل أَمر مُسْتَقر: أَي: وَاقع.
وَقيل: لكل قَول حَقِيقَة وَغَايَة وَنِهَايَة فِي وُقُوعه وحلوله، ذكره السدى.
وَعَن بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: الْإِشَارَة إِلَى دوَام ثَوَاب الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة، وعقاب الْكَافرين فِي النَّار.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جَاءَهُم من الأنباء﴾ أَي: من الْأَخْبَار، وَهِي الأقاصيص وأخبار الْأَنْبِيَاء.
وَقَوله: ﴿مَا فِيهِ مزدجر﴾ أَي: متعظ.
يُقَال: زجرته فانزجر، وكففته فَكف، ووعظته فاتعظ.

وَقَوله: ﴿حِكْمَة بَالِغَة﴾ مَعْنَاهُ أَي: الْقُرْآن، وَمَا بلغه الرَّسُول عَن الله حِكْمَة بَالِغَة، أَي: تَامَّة كَامِلَة، وَيُقَال مَعْنَاهُ: أَنه صَوَاب كُله.
وَقد بَينا أَن الْحِكْمَة هِيَ الْإِصَابَة قولا وفعلا.
وَقَوله: ﴿فَمَا تغن النّذر﴾ أَي: أَي شَيْء تغني النّذر.
وَيُقَال: " مَا " بِمَعْنى " لَا " أَي: لَا تغني النّذر عَنْهُم شَيْئا، وَهَذَا فِي أَقوام بأعيانهم، علم الله مِنْهُم أَنهم لَا يُؤمنُونَ، (وَأَنه) لَا يَنْفَعهُمْ إنذار الرُّسُل وَإِقَامَة الْآيَات.

﴿فتول عَنْهُم يَوْم يدع الداع إِلَى شَيْء نكر (6) خشعا أَبْصَارهم يخرجُون من﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿فتول عَنْهُم﴾ مِنْهُم من قَالَ: قَوْله: ﴿فتول عَنْهُم﴾ عَلَيْهِ الْوَقْف، وَبِه تمّ الْكَلَام ثمَّ ابْتَدَأَ، وَقَالَ: ﴿يَوْم يدع الداع﴾ ، وَمِنْهُم من قَالَ: مَعْنَاهُ: فتول عَنْهُم يَوْم يَدْعُو الدَّاعِي.
وَأما معنى دُعَاء الدَّاعِي.
فِي التَّفْسِير أَنه قيام إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام على صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس، ونفخه فِي الصُّور.
وَيُقَال: هُوَ دُعَاء النَّاس إِلَى الْحساب.
وَقَوله: ﴿إِلَى شَيْء نكر﴾ أَي: فظيع شَدِيد هائل.
وكل مَا يهول الْإِنْسَان فَهُوَ مُنكر عِنْده.
وَيُقَال: نكر أَي: لَا يُطَاق حمله.
وَعَن مُجَاهِد أَنه قَرَأَ: ﴿يَوْم يدع الداع إِلَى شَيْء نكر﴾ بخفض الْكَاف وَفتح الرَّاء، أَي: جحد وَكفر بِهِ، وَهَذِه قِرَاءَة شَاذَّة.
وَعَن ابْن عمر أَنه قَرَأَ: ﴿إِلَى شَيْء نكر﴾ بتسكين الْكَاف وأنشدوا فِي هَذَا شعرًا (أَبى الله إِلَّا عدله ووفاءه ... فَلَا النكر مَعْرُوف وَلَا الْعرف ضائع)

وَقَوله ﴿خشعا أَبْصَارهم﴾ أَي: خاشعة أَبْصَارهم، يَعْنِي: ذليلة، وَقُرِئَ: " خَاشِعًا أَبْصَارهم " وَيجوز التَّوْحِيد إِذا تقدم فعل الْجَمَاعَة دون مَا إِذا تَأَخّر، يُقَال: مَرَرْت بشباب حسان وُجُوههم، وَحسن وُجُوههم، وحسنة وُجُوههم.
قَالَ الشَّاعِر: (فِي شباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد) وَقَوله: ﴿يخرجُون من الأجداث﴾ أَي: من الْقُبُور، واحدتها جدث.
وَفِي لُغَة تَمِيم هُوَ الجذف.
وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مواتهم أجداثهم " أَي: قُبُورهم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَراد منتشر﴾ أَي: دَاخل بَعضهم فِي بعض كالجراد، وَقَالَ تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿كالفراش المبثوث﴾ هُوَ الْمُنْتَشِر والمختلط أَيْضا، لَا يقصدون جِهَة وَاحِدَة، بل ينتشر فِي جِهَات مُخْتَلفَة بِخِلَاف الْجَرَاد، فَإِن الْكل يتبعُون جملَة وَاحِدَة.

{الأجداث كَأَنَّهُمْ جَراد منتشر (7) مهطعين إِلَى الداع يَقُول الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْم عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عَبدنَا وَقَالُوا مَجْنُون وازدجر (9) فَدَعَا ربه أَنِّي مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أَبْوَاب السَّمَاء بِمَاء منهمر (11) وَرُوِيَ أَن مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام سَأَلت رَبهَا أَن يطْعمهَا لَحْمًا بِغَيْر دم، فَقَالَت: اللَّهُمَّ أعشها بِغَيْر [رضَاع] ، وتابع بَينهَا بِغَيْر شياع.
ثمَّ ذكر أَن التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ هُوَ أَن النَّاس إِذا خَرجُوا من قُبُورهم يخْتَلط بَعضهم بِبَعْض، وَلَا يتبعُون جملَة وَاحِدَة، فهم كالفراش المبثوث، ثمَّ يدعونَ إِلَى الْمَحْشَر أَو إِلَى الْحساب فَيتبع كلهم الْجِهَة الَّتِي يدعونَ إِلَيْهَا، فهم كالجراد الْمُنْتَشِر.

وَقَوله: ﴿مهطعين إِلَى الداع﴾ أَي: مُسْرِعين مُقْبِلين، وَيُقَال: مهطعين الإهطاع: هُوَ النسلان، وَيُقَال: الخبب.
وَقَوله: ﴿يَقُول الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْم عسر﴾ أَي: غير سهل.

قَوْله تَعَالَى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عَبدنَا﴾ أَي: نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقَوله: ﴿وَقَالُوا مَجْنُون وازدجر﴾ أَي: زجر بالشتم والسب.
وَيُقَال: زجرا بالتخويف بِالْقَتْلِ، قَالَه سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة وَغَيرهمَا.
وَيُقَال: ازدجر، أَي: استطر عقله، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: مَجْنُون ومعتوه.

وَقَوله: ﴿فَدَعَا ربه أَنِّي مغلوب فانتصر﴾ أَي: انتصر لدينك بالانتقام من أعدائك.

وَقَوله: ﴿ففتحنا أَبْوَاب السَّمَاء بِمَاء منهمر﴾ قَالَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ (فتح) مَوضِع المجرة، وَهِي شرج السَّمَاء.
وَفِي الْقِصَّة: أَن الله تَعَالَى أرسل المَاء من السَّمَاء بِدُونِ سَحَاب، وَلم يكن أرسل الْمَطَر قبله وَلَا بعده إِلَّا من

﴿وفجرنا الأَرْض عيُونا فَالتقى المَاء على أَمر قد قدر (12) وحملناه على ذَات أَلْوَاح ودسر (13) تجْرِي بأعيينا جَزَاء لمن كَانَ كفر (14) ﴾ سَحَابَة، وَقيل: إِن الْأَبْوَاب هَاهُنَا بطرِيق الْمجَاز، وَالْمعْنَى: أرسلنَا من السَّمَاء بِمَاء منهمر أَي: كثير.
قَالَ الشَّاعِر: (أعيني جودا بالدموع الهوامر (على حَتَّى باد من بعد وضامر)) وَيُقَال: منهمر أَي: منصب سَائل.

قَوْله: ﴿وفجرنا الأَرْض عيُونا﴾ أَي: فتحنا عُيُون الأَرْض بِالْمَاءِ.
وَقَوله: ﴿فَالتقى المَاء على أَمر قد قدر﴾ أَي: التقى مَاء السَّمَاء وَمَاء الأَرْض على أَمر قد قدر كَونه، وَهُوَ تغريق أهل الأَرْض سوى أَصْحَاب السَّفِينَة.
وَيُقَال: على أَمر قد قدر: هُوَ تَقْدِير المَاء، يَعْنِي: أَن المَاء أنزل من السَّمَاء وفجر من الْعُيُون على كيل وَتَقْدِير مَعْلُوم.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وحملناه على ذَات أَلْوَاح ودسر﴾ أَي: على السَّفِينَة ذَات أَلْوَاح، ودسر أَي: مسامير، وَيُقَال: ودسر أَي: معاريض السَّفِينَة، وَهِي الْخشب الَّتِي تعرض عَلَيْهَا.
وَيُقَال: دسر أَي: صدر السَّفِينَة، كَأَنَّهَا قد تدسر المَاء بصدرها، أَي: تدفع.

وَقَوله: ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ أَي: بمرأى منا وَحفظ منا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿جَزَاء لمن كَانَ كفر﴾ أَي: جَزَاء على مَا صنع بِمن كفر بِهِ، وَهُوَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام.
وَيُقَال: جَزَاء النَّوْع وَهُوَ الَّذِي كفر بِهِ ذكره الزّجاج وَغَيره وَقيل جَزَاء عَمَّن كفر بِهِ وَهُوَ الله تَعَالَى.
وَقُرِئَ فِي الشاذ: " جَزَاء لمن كَانَ كفر " وَهُوَ ظَاهر.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل