الفتح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا﴾ أَي: بالمعجزات والدلالات.
وَقَوله: ﴿إِذا هم مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ يَعْنِي: ضحك الْمُسْتَهْزِئِينَ المكذبين، وَالْمرَاد من الْآيَة تعجيب الرَّسُول من ضحكهم وتكذيبهم مَعَ وُرُود الْآيَات الظَّاهِرَة مَعَ مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نريهم من آيَة إِلَّا هِيَ أكبر من أُخْتهَا﴾ أَي: أعظم من الْآيَة الْمُتَقَدّمَة.
وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن الْآيَة الأولى من آيَات مُوسَى أَن فِرْعَوْن كَانَ قد جعل على قصره سبع حَوَائِط، بَين كل حائطين سباغ وغياض، والأبواب على الْحِيطَان كَانَت تقفل وَلَا تفتح إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ فَلَمَّا حضر مُوسَى بَاب فِرْعَوْن، انفتحت لَهُ الْأَبْوَاب،
﴿من أُخْتهَا وأخذناهم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُم يرجعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيهَا السَّاحر ادْع لنا رَبك﴾ وانكسرت الأقفال، وسجدت لَهُ السبَاع حَتَّى وصل إِلَى قصر فِرْعَوْن، فَهَذِهِ الْآيَة الأولى، ثمَّ إِنَّه لما أحضر فِرْعَوْن السَّحَرَة وألقوا الْعَصَا والحبال، وَهِي شبه الْحَيَّات الْكِبَار فِي أعين النَّاس ثمَّ ألْقى مُوسَى الْعَصَا الَّتِي كَانَت مَعَه، وتلقفت جَمِيع الحبال والعصي على مَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي الْقِصَّة، فَهَذِهِ الْآيَة أعظم من الأولى.
وَزعم بَعضهم أَن الْآيَات كلهَا سَوَاء فِي الإعجاز وَالدّلَالَة، إِلَّا أَنه سمى الْآيَة الْحَاضِرَة أكبر من الذاهبة لحضور هَذِه الْآيَة وَذَهَاب تِلْكَ.
وَهَذَا كَالرّجلِ يَقُول فِي عِلّة تصيبه: مَا مرت بِي عِلّة مثل هَذِه الْعلَّة، وَإِن كَانَ قد مرت عَلَيْهِ علل هِيَ أكبر مِنْهَا أَو مثلهَا، وَلكنه يَقُول هَذَا القَوْل (لحضور) هَذِه الْعلَّة وَذَهَاب تِلْكَ الْعلَّة.
وَمِنْهُم من قَالَ: المُرَاد من الْآيَات قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم الطوفان وَالْجَرَاد وَالْقمل والضفادع وَالدَّم﴾ وَمَا من آيَة أظهرها بعد آيَة إِلَّا وَهِي أكبر من الأولى، وَمَا ذَكرْنَاهُ من القَوْل الأول هُوَ الْأَحْسَن فِي الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿وأخذناهم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أَي: إِلَى الله تَعَالَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيهَا السَّاحر ادْع لنا رَبك بِمَا عهد عنْدك إننا لَمُهْتَدُونَ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالُوا: يَا أَيهَا السَّاحر ثمَّ قَالُوا: إننا لَمُهْتَدُونَ بك [وَلَا يَهْتَدِي أحد] بالساحر؟ وَالْجَوَاب: أَن السَّاحر عِنْدهم هُوَ الْعَالم، وَمعنى قَوْله ﴿يَا أَيهَا السَّاحر﴾ أَي: يَا أَيهَا الْعَالم، وَهَذَا قَول الْكَلْبِيّ وَغَيره.
وَقَالَ الزّجاج: قَالُوا يَا أَيهَا السَّاحر على مَا (كَانُوا) من قَوْلهم لَهُ.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء والسخرية وَلم يَكُونُوا اعتقدوا أَن يُؤمنُوا بِهِ.
وَقَوله: ﴿بِمَا عهد عنْدك﴾ إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك لِأَن مُوسَى قَالَ لَهُم: إِن آمنتم كشف الله عَنْكُم هَذِه الْعقُوبَة، وَهَذَا مَذْكُور فِي سُورَة الْأَعْرَاف على مَا سبق.
﴿بِمَا عهد عنْدك إننا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كشفنا عَنْهُم الْعَذَاب إِذْ هم ينكثون (50) ونادى فِرْعَوْن فى قومه قَالَ يَا قوم أَلَيْسَ لي ملك مصر وَهَذِه الْأَنْهَار تجْرِي من تحتي﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا كشفنا عَنْهُم الْعَذَاب إِذْ هم ينكثون﴾ أَي: ينقضون الْعَهْد، وَلَا يَقُولُونَ بقَوْلهمْ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ونادى فِرْعَوْن فِي قومه قَالَ يَا قوم أَلَيْسَ لي ملك مصر﴾ قَالَ بَعضهم: كَانَ ملكه أَرْبَعِينَ فرسخا فِي أَرْبَعِينَ.
وَقَالَ بَعضهم: مسيرَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَقَوله: ﴿وَهَذِه الْأَنْهَار تجْرِي من تحتي﴾ أَي: من تَحت قصري، وَقَالَ قَتَادَة: بَين يَدي.
وَفِي تفسيرالنقاش: أَنه كَانَ فِي زمَان فِرْعَوْن خَمْسَة أَنهَار بِمصْر اندرست من بعد، وَلم يبْق مِنْهَا شَيْء.
وَفِي هَذَا التَّفْسِير أَيْضا: أَنه كَانَ بِمصْر سبع خلج الَّتِي وَاحِدهَا خليج، واندرست من بعد، وَكَانَ فِرْعَوْن يركب من فَيوم إِلَى دمياط والإسكندرية فَلَا يسير إِلَّا تَحت الْأَشْجَار ملتفة وأنهار جَارِيَة.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " رَأَيْت لَيْلَة الْمِعْرَاج سِدْرَة الْمُنْتَهى وَإِذا يخرج من أَصْلهَا أَرْبَعَة أَنهَار: نهران باطنان، ونهران ظاهران قَالَ: فَسَأَلت جِبْرِيل عَن الْأَنْهَار فَقَالَ: أما الباطنان فَفِي الْجنَّة، وَأما الظاهران فالنيل والفرات ".
وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه قَالَ: إِن الله تَعَالَى يغذي النّيل بِجَمِيعِ الْأَنْهَار من بَين الْمشرق وَالْمغْرب، وَذَلِكَ عِنْد زِيَادَته إِلَى أَن تَنْتَهِي الزِّيَادَة مُنْتَهَاهَا، ثمَّ يرجع إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿أَفلا تبصرون﴾ يَعْنِي: أَفلا ترَوْنَ.
وَفِي بعض التفاسير: أَن معنى الْأَنْهَار فِي هَذِه الْآيَة هِيَ الْأَمْوَال، وسماها أَنهَار لكثرتها وظهورها.
وَقَوله: ﴿تجْرِي من تحتي﴾ أَي: أفرقها على من شِئْت.
قَالُوا: وَإِظْهَار التَّرْغِيب
﴿أَفلا تبصرون (51) أم أَنا خير من هَذَا الَّذِي هُوَ مهين وَلَا يكَاد يبين (52) فلولا ألقِي عَلَيْهِ أسورة من ذهب أَو جَاءَ مَعَه الْمَلَائِكَة مقترين (53) ﴾ وَالْقُدْرَة فِي هَذَا أكبر مِنْهُ فِي الْأَنْهَار، ذكره الْمَاوَرْدِيّ أَبُو الْحسن القَاضِي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم أَنا خير من هَذَا الَّذِي هُوَ مهين﴾ قَالَ بَعضهم قَوْله: ﴿أم﴾ مُتَّصِل بِمَا قبله، وَمَعْنَاهُ: أَفلا تبصرون أم تبصرون.
وَقيل: أم أَنْتُم بصراء وَتمّ الْكَلَام على هَذَا، ثمَّ ابْتِدَاء قَوْله: ﴿أَنا خير﴾ وَهَذَا محكي عَن الْخَلِيل وسيبويه، وَقَالَ بَعضهم: " أم " صلَة زَائِدَة، وَالْكَلَام فِي قَوْله: ﴿أَنا خير من هَذَا الَّذِي هُوَ مهين﴾ وَفِي بعض الْقرَاءَات: (أَنا خير) على التفخميم.
وَقَوله: ﴿من هَذَا الَّذِي هُوَ مهين﴾ أَي: ضَعِيف حقير.
وَقَوله: ﴿وَلَا يكَاد يبين﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: إِنَّمَا قَالَ هَذَا للثغة الَّتِي كَانَت فِي لِسَانه، وَذَلِكَ بِمَا كَانَ بَقِي فِي لِسَانه من الْعقْدَة بإلقائه الْجَمْرَة فِي فِيهِ.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّه كَانَ بِلِسَانِهِ لَا يُمكنهُ تَبْيِين الْكَلَام غَايَة الْبَيَان، وأنشدوا فِيمَا ذكرنَا من قَوْله: ﴿أم﴾ قَول الشَّاعِر:
(فيا ظَبْيَة الوغا بَين خلاخل ... وَبَين النقا أَنْت أم سَالم)
مَعْنَاهُ: أَنْت أحسن أم سَالم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فلولا ألقِي عَلَيْهِ أساورة من ذهب﴾ وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " أساور من ذهب " وَفِي الْقِصَّة: أَنهم كَانُوا إِذا سوروا [رجلا] سوروه بِسوار من ذهب فِي يَده، وطوقوه بطوق من ذهب فِي عُنُقه.
وَالْمرَاد من الْآيَة أَنهم قَالُوا: وَلَو كَانَ مُوسَى نَبيا فَهَلا سوره الله سوارا، أَو طوقه بطوق، أَو بعث مَعَه لملائكة أعوانا لَهُ على أمره، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿أَو جَاءَ مَعَه الْمَلَائِكَة مقترنين﴾ أَي: مُتَتَابعين يتب بَعضهم بَعْضًا.
﴿فاستخف قومه فأطاوه إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين (54) فَلَمَّا آسفونا انتقمنت مِنْهُم فأغرقناهم أَجْمَعِينَ (55) فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) وَلما ضرب ابْن مَرْيَم﴾
وَقَوله: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه﴾ أَي: حركهم بدعائه إيَّاهُم (إِلَى) باطله، فخفوا مَعَه وأجابوه، وَيُقَال: استفزهم، فأطاعوه بجهلهم.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين﴾ أَي: خَارِجين عَن الطَّاعَة.
وَيُقَال: استخف قومه أَي: حملهمْ على خفَّة الْجَهْل، وَمَعَ الْعقل الْوَقار، وَمَعَ الْجَهْل الخفة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسفونا﴾ أَي: أغضبونا وأسخطونا.
فَإِن قيل: الأسف إِنَّمَا يكون على شَيْء فَائت، وَالله تَعَالَى لَا يفوتهُ شَيْء؟
وَالْجَوَاب [عَنهُ] : أَن مَعْنَاهُ الْغَضَب كَمَا بَينا، وَقَالَ بَعضهم: آسفونا أَي: فعلوا فعلا لَو فَعَلُوهُ مَعَ مَخْلُوق لَكَانَ متأسفا حَزينًا.
وَفِي بعض الْآثَار: أَن عُرْوَة بن الزبير كَانَ جَالِسا مَعَ وهب بن مُنَبّه، فجَاء قوم فشكوا عاملهم، وَكَانَ الْعَامِل حَاضرا، فَغَضب وهب بن مُنَبّه وَأخذ عَصا وشج رَأس الْعَامِل، فَضَحِك عُرْوَة بن الزبير فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا ينْهَى عَن الْغَضَب ويغضب؟ فَقَالَ وهب: لَا، لَا تلمني، فَإِن الله تَعَالَى يغْضب وَهُوَ خَالق الأحلام، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾ وَمعنى قَوْله: ﴿انتقمنا مِنْهُم﴾ أَي: بالإغراق والإهلاك، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فأغرقناهم أَجْمَعِينَ فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين﴾ أَي: سلفا للكبار وَمن بعدهمْ، ومثلا لمن فعل مثل فعلهم.
وَمعنى " مثلا " أَي: عظة وعبرة.
وَقُرِئَ " سلفا " وَهُوَ جمع سليف، وَقُرِئَ: " سلفا " وَالْمعْنَى فِي الْكل وَاحِد.
وَعَن زيد بن أسلم قَالَ: مَا من أحد إِلَّا وَله سلف فِي الخيروالشر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما ضرب ابْن مَرْيَم مثلا﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي مخاصمة عبد الله بن الزبعري رَسُول الله فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّكُم وَمَا
﴿مثلا إِذا قَوْمك مِنْهُ يصدون (57) وَقَالُوا أآلهتنا خير أم هُوَ مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا بل﴾ تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم) ، فَإِنَّهُ لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أَنْتُم لَهُ وَارِدُونَ﴾ وَقرأَهَا رَسُول الله على كفار قُرَيْش، قَالَ عبد الله بن الزبعري: هَذَا لنا ولآلهتنا خَاصَّة أم لنا وَلِجَمِيعِ الْأُمَم وآلهتهم؟ . فَقَالَ: بل لكم ولآلهتكم وَلِجَمِيعِ الْأُمَم وآلهتهم، فَقَالَ ابْن الزعبري: خصمتك وَرب الْكَعْبَة، ثمَّ ذكر مَا أوردنا من قبل فِي حق عِيسَى وعزيز وَالْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام، فعلى هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما ضرب ابْن مَرْيَم مثلا﴾ مَعْنَاهُ: لما جعلُوا ابْن مَرْيَم مثلا لآلهتهم، وَقَالُوا: إِذا كَانَ ابْن مَرْيَم فِي النَّار فرضينا أَن نَكُون نَحن وَآلِهَتنَا فِي النَّار ".
وَقَوله: ﴿إِذا قَوْمك مِنْهُ يصدون﴾ بِكَسْر الصَّاد أَي: يضجون ضجاج المجادلين، وَيُقَال: يصدون أَي: يَضْحَكُونَ ويفرحون بقول ابْن الزبعري.
وَقُرِئَ " " يصدون " بِضَم الصَّاد، وَمَعْنَاهُ: يعرضون، وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن النَّبِي لما ذكر حَدِيث [عِيسَى] لقريش، وَأَنه خلقه الله تَعَالَى من غير أَب كَمَا خلق آدم من غير أَب، وَذكر مَا أظهر الله على يَده من الْآيَات جعلت قُرَيْش يَضْحَكُونَ، وقاوا مَا يُرِيد مُحَمَّد من ذكر عِيسَى إِلَّا أَن نعبده كَمَا عبدت النَّصَارَى عِيسَى، وَهَذَا قَول مُجَاهِد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أآلهتنا خير أم هُوَ﴾ على القَوْل الأول مَعْنَاهُ: أآلهتنا خير أم عِيسَى؟ بل عِيسَى خير من آلِهَتنَا، فَإِذا كَانَ عِيسَى فِي النَّار فلتكن آلِهَتنَا فِي النَّار.
وعَلى القَوْل الثَّانِي: أآلهتنا خير أم هُوَ؟ يَعْنِي: مُحَمَّدًا، فَإِذا كَانَ مُحَمَّد يطْلب أَن نعبده فَنحْن نعْبد آلِهَتنَا.
وَفِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب: " أآلهتنا خير أم هَذَا "؟ وَهَذَا يُؤَيّد القَوْل الثَّانِي.
وَقَوله: ﴿مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا﴾ يَعْنِي: مَا قَالُوا هَذَا القَوْل إِلَّا مجادلة بِالْبَاطِلِ؛
﴿هم قوم خصمون (58) إِن هُوَ إِلَّا عبد أنعمنا عَلَيْهِ وجعلناه مثلا لبني إِسْرَائِيل (59) وَلَو نشَاء لجعلنا مِنْكُم مَلَائِكَة فِي الأَرْض يخلفون (60) وَإنَّهُ لعلم للساعة فَلَا تمترن﴾ لأَنهم علمُوا أَن ابْن مَرْيَم لَا يدْخل النَّار وَعَلمُوا أَنه غير دَاخل فِي الْآيَة؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ﴾ و " مَا " لمن لَا يعقل، لَا لمن يعقل.
وَقَوله: ﴿بل هم قوم خصمون﴾ أَي: مخاصمون بِغَيْر الْحق، وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي أُمَامَة رَضِي الله عَنهُ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: " مَا ضل قوم بعد هدى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجدل، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ضربوه لَك إِلَّا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ . وَالْمرَاد بِالْآيَةِ المجادلة بِالْبَاطِلِ لَا المجادلة فِي طلب الْحق أَو لبَيَان الْحق؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن هُوَ إِلَّا عبد﴾ يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَمَا عِيسَى ابْن مَرْيَم إِلَّا عبد ﴿أنعمنا عَلَيْهِ﴾ أَي: بِالنُّبُوَّةِ والآيات.
وَقَوله: ﴿وجعلناه مثلا﴾ أَي: عظة وعبرة لبني إِسْرَائِيل، وَيُقَال: جَعَلْنَاهُ مثلا لَهُم أَي: بشرا مثلهم.
وَقَوله: ﴿وَلَو نشَاء لجعلنا مِنْكُم﴾ أَي: بَدَلا مِنْكُم ﴿مَلَائِكَة فِي الأَرْض يخلفون﴾ أَي: تخلفكم، وَيُقَال: يخلف بَعْضكُم بَعْضًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لعلم للساعة﴾ مَعْنَاهُ.
أَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام شَرط من
﴿بهَا واتبعون هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم (61) وَلَا يصدنكم الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين (62) وَلما جَاءَ عِيسَى بلبينات قَالَ قد جِئتُكُمْ بالحكمة ولأبين لكم بعض الَّذِي تختلفون فِيهِ﴾ أَشْرَاط السَّاعَة، فَيعلم بنزوله علم السَّاعَة، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لينزلن ابْن مَرْيَم حكما مقسطا يكسر الصَّلِيب، وَيقتل الْخِنْزِير ". الْخَبَر.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَنه " ينزل على ثنية فَوق جبل من جبال بَيت الْمُقَدّس وليه ممصرتان وَبِيَدِهِ حَرْبَة يقتل بهَا الدَّجَّال "، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: ﴿وَإنَّهُ لعلم للساعة﴾ أَي: آيَة من آيَات حُضُورهَا.
قَالَ الفرزدق يمدح عَليّ بن الْحُسَيْن:
(هَذَا الَّذِي تعرف الْبَطْحَاء وطأته ... والركن يعرفهُ والحل وَالْحرم)
(هَذَا ابْن خير عباد الله كلهم ... هَذَا التقي النقي الطَّاهِر الْعلم)
وَقَوله: ﴿فَلَا تمترن بهَا واتبعون هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ أَي: لَا تشكن فِيهَا أَي: الْقِيَامَة، وَالْبَاقِي ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يصدنكم الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: من عداوته أَنه أخرج أَبَاكُم من الْجنَّة، وَنزع عَنْهُم لِبَاس النُّور.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قد جِئتُكُمْ بالحكمة ولأبين لكم بعض الَّذِي تختلفون فِيهِ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل الَّذِي تختلفون فِيهِ.
وَقَالَ غَيره من أهل اللُّغَة: لَا يَصح الْبَعْض بِمَعْنى الْكل، وَمعنى الْآيَة: ولأبين لكم بعض الَّذِي تختلفون فِيهِ فِي الْإِنْجِيل، وَبَعض الَّذِي تختلفون فِيهِ فِي غير الْإِنْجِيل.
وَيُقَال مَعْنَاهُ: ولأبين لكم مَا اختلفتم فِيهِ من أَمر دينكُمْ لَا من أَمر دنياكم، فَهُوَ بعض مَا اختلفتم فِيهِ، وَالله أعلم.
﴿فَاتَّقُوا الله وأطيعون (63) إِن الله هُوَ رَبِّي وربكم فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم (64) فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم فويل للَّذين ظلمُوا من عَذَاب يَوْم أَلِيم (65) هَل ينظرُونَ إِلَّا السَّاعَة أَن تأتيهم بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ (66) الأخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو إِلَّا﴾ وَقَوله: ﴿فَاتَّقُوا الله وأطيعون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿إِن الله هُوَ رَبِّي وربكم فاعبدوه هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاخْتلف الْأَحْزَاب من بَينهم﴾ هَؤُلَاءِ هم الَّذين اخْتلفُوا فِي عِيسَى بعد رَفعه إِلَى السَّمَاء، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ ابْن الله، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ الله، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ ثَالِث ثَلَاثَة.
وَقَوله: ﴿فويل للَّذين ظلمُوا من عَذَاب يَوْم أَلِيم﴾ أَي: موجع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا السَّاعَة أَن تأتيهم بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة، وَقَوله: ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ بمجيئها، قَالَ أهل الْعلم: وَقد أخْفى الله تَعَالَى أَمر السَّاعَة وزمان قِيَامهَا ليَكُون أبلغ فِي الْإِنْذَار والتخويف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الأخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو﴾ فِي التَّفْسِير: أَنهم أُميَّة بن خلف، وَعقبَة بن أبي معيط، والوليد بن الْمُغيرَة، وَالْعَاص بن وَائِل، وَأَبُو جهل بن هِشَام، وَالنضْر بن الْحَارِث، وَحَفْص بن الْمُغيرَة، وَعتبَة بن ربيعَة.
وَذكر النقاش: أَن عقبَة بن أبي معيط كَانَ صديقا لأمية بن خلف، وَكَانَ غقبة يَأْتِي النَّبِي وَيجْلس عِنْده وَيسمع كَلَامه، فَقَالَ لَهُ أُميَّة بن خلف: لقد صبوت يَا عقبَة، فَقَالَ: وَالله مَا صبوت.
فَقَالَ: وَجْهي من وَجهك حرَام إِن لم تَتْفُل فِي وَجه مُحَمَّد، فَفعل عقبَة ذَلِك، فَقَالَ لَهُ الرَّسُول: " لَئِن قدرت عَلَيْك خَارج الْحرم لأريقن دمك، فَضَحِك عقبَة، وَقَالَ: يَا ابْن أبي كَبْشَة، وَمن أَيْن تقدر عَليّ خَارج الْحرم؟ فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر وَأسر عقبَة أَمر النَّبِي عليا فِي بعض الطَّرِيق أَن يضْرب عُنُقه، فَقَالَ: يَا معشر قُرَيْش، مَالِي أقتل من بَيْنكُم.
فَقَالَ النَّبِي: بتكذيبك الله وتكذيبك رَسُوله.
فَقَالَ: وَمن للمصبية؟ فَقَالَ: النَّار ".
﴿الْمُتَّقِينَ (67) يَا عباد لَا خوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ (68) الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين (69) ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وأزواجكم تحبرون (70) يُطَاف عَلَيْهِم﴾ وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي، وَقيل: هُوَ عَن عَليّ، قَالَ: " الأخلاء أَرْبَعَة: مُؤْمِنَانِ، وَكَافِرَانِ، فيتقدم أحد الْمُؤمنِينَ فَيُقَال لَهُ: مَا تَقول فِي فلَان؟ يَعْنِي: خَلِيله فَيَقُول: لقد عَرفته آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر، اللَّهُمَّ بشره كَمَا بشرتني، وَارْضَ عَنهُ كَمَا رضيت عني، ويتقدم أحد الْكَافرين فَيُقَال لَهُ: مَا تَقول فِي فلَان؟ يَعْنِي: خَلِيله، فَيَقُول: عَرفته آمرا بالمنكر ناهيا عَن الْمَعْرُوف، اللَّهُمَّ أدخلهُ النَّار كَمَا أدخلتني، واخزه كمت أخزيتني "؟
وَفِي التَّفْسِير: أَن كل أخوة تكون فِي الدُّنْيَا عَن مَعْصِيّة تصير عَدَاوَة يَوْم الْقِيَامَة، وكل أخوة تكون عَن دين تبقى يَوْم الْقِيَامَة.
وَعَن مُجَاهِد قَالَ: قَالَ لي ابْن عَبَّاس: أحب لله وَأبْغض لله، ووال فِي الله، وَعَاد فِي الله، فَإِنَّهُ لَا ينَال مَا عِنْد الله إِلَّا بِهَذَا.
وَقَوله: ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فَقَالَ: إِن هَذَا فِي أَصْحَاب النَّبِي حِين آخى رَسُول الله بَينهم قَالَ: رَسُول الله وعَلى أَخَوان، وَأَبُو بكر وَعمر أَخَوان، وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر أَخَوان، وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَخَوان، إِلَى غير هَذَا.