الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نصبر على طَعَام وَاحِد﴾ كَأَنَّهُمْ أَجمعُوا وسئموا من أكل الْمَنّ والسلوى، فسألوا مُوسَى أَن يسْأَل لَهُم غَيره من الطَّعَام.
فَإِن قيل: كَانَ لَهُم الْمَنّ والسلوى، فَلم سماهما وَاحِدًا؟ ! قيل: كَانُوا يَأْكُلُون أَحدهمَا بِالْآخرِ (فَكَانَ) كطعام وَاحِد.
﴿طَعَام وَاحِد فَادع لنا رَبك يخرج لنا مِمَّا تنْبت الأَرْض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قَالَ أتستبدلون الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير اهبطوا مصرا﴾
وَقيل: إِنَّه كَانَ أبدا على نسق وَاحِد، وَكَانَ من حَيْثُ اتساقه كطعام وَاحِد.
﴿فَادع لنا رَبك يخرج لنا مِمَّا تنْبت الأَرْض من بقلها وقثائها﴾ سَأَلُوا هَذِه الْأَطْعِمَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وفومها﴾ اخْتلفُوا فِيهِ.
اخْتلفُوا فِيهِ.
قَالَ ابْن عَبَّاس، وَالْأَكْثَرُونَ: إِنَّه الْحِنْطَة.
وَقيل: الْخبز.
وَحكى أَن بعض الْأَعْرَاب قَالَ لامْرَأَته: " فومى لنا " أَي: أجزي لنا.
وَقَالَ الضَّحَّاك بن مُزَاحم: أَرَادَ بِهِ الثوم.
فأبدل الثَّاء بِالْفَاءِ.
وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(كَانَت دِيَارهمْ إِذْ ذَاك بارزة ... فِيهَا الفراديس والفومان والبصل)
وَقد قَرَأَ أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود: " ونومها " بالثاء ﴿وعدسها وبصلها﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أتستبدلون الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير﴾ يَعْنِي: أتختارون الْأَدْنَى على مَا هُوَ خير.
فَإِن قيل: أَلَيْسَ فِيمَا سَأَلُوا الْحِنْطَة وَالْخبْز، وَهِي خير من الْمَنّ والسلوى فَلم سَمَّاهُ أدنى؟ قيل: أَرَادَ بِهِ أدنى فِي الْقيمَة، أَو أَرَادَ بِهِ أسهل وجودا على الْعَادة.
﴿اهبطوا مصرا﴾ أَي: انزلوا واذهبوا إِلَى مصر.
وَاخْتلفُوا فِيهِ، فالأكثرون على أَنه الْمصر الْمَعْرُوف.
وَقد قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " اهبطوا مصر " غير منصرف.
وَمن صرفه كَانَ لقلَّة الْحُرُوف.
وَقَالَ الْأَعْمَش: أَرَادَ بِهِ مصر الَّذِي عَلَيْهِ صَالح بن عَليّ، وَهُوَ الْمصر الْمَعْرُوف.
وَقيل: كَانَ مصرا من الْأَمْصَار لَا بِعَيْنِه يَقُول: أنزلوا مصرا ﴿فَإِن لكم مَا سَأَلْتُم وَضربت عَلَيْهِم الذلة﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ الْجِزْيَة، وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب: هُوَ الكستيج والزنار.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَصْحَاب القبالات مِمَّن ضربت عَلَيْهِم الذلة.
﴿فَإِن لكم مَا سَأَلْتُم وَضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر الْحق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون (61) إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى﴾
﴿والمسكنة﴾ والفقر، يُقَال: تمسكن الرجل أَي صَار فَقِيرا، وسمى الْفَقِير مِسْكينا لِأَن الْفقر أسْكنهُ وَأَقْعَدَهُ عَن الْحَرَكَة.
﴿وباءوا بغضب من الله﴾ أَي: رجعُوا وَاحْتَملُوا غضب الله.
﴿ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله﴾ وَالْآيَة: الْعَلامَة.
وَالْآيَة: الْجَمَاعَة.
يُقَال: خرج الْقَوْم بآيهم أَي: بجماعتهم.
وَالْآيَة من الْقُرْآن مجمع كَلِمَات مَعْلُوم الأول وَالْآخر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين﴾ . قَرَأَ نَافِع بِالْهَمْز وَالْمدّ.
وَالْبَاقُونَ بالتليين، وَأَصله الإنباء، فَمن همزه كَانَ على الأَصْل.
وَمن لينه فلكثرة الِاسْتِعْمَال.
وَقيل: هُوَ مَأْخُوذ من النُّبُوَّة وَهِي الْمَكَان الْمُرْتَفع، فعلى هَذَا يكون التليين على الأَصْل.
وَفِي الحَدِيث: " أَن رجلا قَالَ: يَا نبيء الله بِالْهَمْز وَالْمدّ فَقَالَ: لست بِنَبِي الله إِنَّمَا أَنا نَبِي الله ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر الْحق﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ: " بِغَيْر الْحق " وَقتل النَّبِيين لَا يكون إِلَّا بِغَيْر الْحق؟ ! قُلْنَا: ذكره وَصفا للْقَتْل، وَالْقَتْل يُوصف تَارَة بِالْحَقِّ، وَتارَة بِغَيْر الْحق وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ رب احكم بِالْحَقِّ﴾ . ذكر الْحق وَصفا للْحكم لَا أَن حكمه يَنْقَسِم إِلَى الْجور وَالْحق.
﴿وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ (62) وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم ورفعنا فَوْقكُم الطّور﴾ ﴿ذَلِك بِمَا عصوا﴾ من الْمعاصِي ﴿وَكَانُوا يعتدون﴾ يتجاوزون الْحَد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا﴾ أَرَادَ بالذين هادوا الْيَهُود، وَإِنَّمَا سموا يهودا؛ لأَنهم قَالُوا ﴿إِنَّا هدنا إِلَيْك﴾ أَي: ملنا إِلَيْك.
وَقيل: لأَنهم من أَوْلَاد يهودا بن يَعْقُوب.
وَالنَّصَارَى قوم يعْرفُونَ.
وَإِنَّمَا سمعُوا نَصَارَى؛ لأَنهم نزلُوا قَرْيَة تسمى ناصرة.
وَقيل: لقَوْل عِيسَى: من أَنْصَارِي إِلَى الله قَالُوا: نَحن أنصار الله.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ قَرَأَ نَافِع باللين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْز.
وَأَصله الصبو وَهُوَ الْميل وَالْخُرُوج.
يُقَال: صَبأ نَاب الْبَعِير إِذا خرج.
وصبا قلبه إِلَى فلَان أَي: مَال.
قَالَ الشَّاعِر:
(صبا قلبِي إِلَى هِنْد ... وَهِنْد مثلهَا (يصبي))
أَي: مَال قلبِي إِلَيْهَا وَمثلهَا تميل الْقلب.
اختلوا فِي مَعْنَاهُ؛ قَالَ ابْن عَبَّاس: هم قوم من الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
وَقَالَ قَتَادَة: هم قوم يقرءُون الزبُور، ويعبدون الْمَلَائِكَة، وَيصلونَ إِلَى الْكَعْبَة (من آمن بِاللَّه) . فَإِن قيل: قد ذكر فِي الْجُمْلَة ﴿إِن الَّذين آمنُوا﴾ فَكيف يَسْتَقِيم قَوْله ﴿من آمن بِاللَّه﴾ ؟ .
قيل: هَذَا فِي سلمَان وَأَتْبَاعه الَّذين آمنُوا بِمُحَمد قبل الْبَعْث.
ثمَّ أقرُّوا بِهِ بعد الْبَعْث.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ: من ثَبت على الْإِيمَان.
وَقيل: أَرَادَ بالذين آمنُوا: الْمُنَافِقين الَّذين آمنُوا بِاللِّسَانِ.
﴿خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة واذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (63) ثمَّ توليتم من بعد ذَلِك فلولا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لكنتم من الخاسرين (64) وَلَقَد علمْتُم﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿من آمن بِاللَّه﴾ يَعْنِي بِالْقَلْبِ مَعَ اللِّسَان ﴿بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ فِي الْآخِرَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ [وَإِذ] أَخذنَا ميثاقكم﴾ أَي: عهدكم ﴿ورفعنا فَوْقكُم الطّور﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ طور سيناء.
وَقيل: كل جبل طور.
وَفِي الْقَصَص: أَن الله تَعَالَى قلع جبل طور وَرفع فَوق رَأْسهمْ وَقَالَ لَهُم: إِن لم تقبلُوا التَّوْرَاة أرْسلت هَذَا الْجَبَل عَلَيْكُم، فقبلوا التَّوْرَاة.
وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة وظنوا أَنه وَاقع بهم﴾ الْآيَة.
﴿خُذُوا مَا آتيناكم﴾ من التَّوْرَاة ﴿بِقُوَّة﴾ بجد واجتهاد ﴿واذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ وادرسوا مَا فِيهِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ النَّار فِي الْآخِرَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ توليتم من بعد ذَلِك﴾ أعرضتم من بعد مَا قبلتم التَّوْرَاة ﴿فلولا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته﴾ يَعْنِي: بالإمهال والإدراج ﴿لكنتم من الخاسرين﴾ لمن الْمُعَذَّبين فِي الْحَال؛ كَأَنَّهُ رَحِمهم بالإمهال.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد علمْتُم الَّذين اعتدوا﴾ أَي: جاوزوا الْحَد، وَيُقَال: تعدى طوره.
أَي: جَاوز حَده.
﴿مِنْكُم فِي السبت﴾ وأصل السبت: الْقطع، وسمى يَوْم السبت بذلك؛ لِأَن الْيَهُود أمروا فِيهِ يقطع الْأَعْمَال أَرَادَ بِهِ قوم أيله، وَهِي قَرْيَة على شط الْبَحْر وَترك الِاصْطِيَاد فِي يَوْم السبت؛ فخالفوا واصطادوا.
وقصتهم تَأتي مشروحة فِي سُورَة
﴿الَّذين اعتدوا مِنْكُم فِي السبت فَقُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ (65) فجعلناها نكالا لما بَين يَديهَا وَمَا خلفهَا وموعظة لِلْمُتقين (66) ﴾ الْأَعْرَاف.
﴿فَقُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ وَهَذَا أَمر تكوين لَيْسَ للْعَبد فِيهِ صنع وَلَا اخْتِيَار.
﴿خَاسِئِينَ﴾ مبعدين.
وَمِنْه يُقَال: [أخسا] أَي: أبعد.
فَإِن قيل: لم قَالَ: " قردة خَاسِئِينَ " وَإِنَّمَا تنْعَت القردة بالخاسئات؟ قيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير.
وَتَقْدِيره.
خَاسِئِينَ قردة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فجعلناها نكالا لما بَين يَديهَا﴾ أَي: فَجعلنَا عقوبتهم بالمسخ نكالا.
والنكال: اسْم لكل عُقُوبَة تنكل النَّاظر من فعل مَا جعلت الْعقُوبَة جَزَاء عَلَيْهِ.
وَمِنْه النّكُول من الْيَمين، وَهُوَ منع الْيَمين.
﴿لما بَين يَديهَا﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يكون نكالا لما بَين يَديهَا وهم قد مضوا؟ قيل: أَرَادَ بِهِ الَّذين حَضَرُوا فِي ذَلِك الزَّمَان.
﴿وَمَا خلفهَا﴾ الَّذين يأْتونَ من بعد " وَمَا " هَاهُنَا: بِمَعْنى " من " وَفِيه قَول آخر: أَرَادَ " لما بَين يَديهَا ": مَا سبقت من الذُّنُوب ﴿وَمَا خلفهَا﴾ مَا حضرت من الذُّنُوب الَّتِي أخذُوا بهَا.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَرَادَ " بِمَا بَين يَديهَا " الْقرى الَّتِي كَانَت مَبْنِيَّة فِي الْحَال.
وَمَا خلفهَا: بِالْحَدَثِ من الْقرى من بعد.
﴿وموعظة لِلْمُتقين﴾ من أمة مُحَمَّد.
﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة قَالُوا أتتخذنا هزوا قَالَ أعوذ بِاللَّه أَن أكون من الْجَاهِلين (67) قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ قَالَ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ وَاذْكُر إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ الْبَقَرَة: الْأُنْثَى من الْبَقر.
وَهِي مَأْخُوذَة من الْبَقر، وَهُوَ الشق.
سميت بذلك لِأَنَّهَا تشق الأَرْض بالحراثة.
وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي نهى عَن التبقر فِي الْأَهْل وَالْمَال " أَي: التَّوَسُّع.
والقصة فِي ذَلِك: أَنه كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل رجل غَنِي، وَله ابْن عَم فَقير، فاستطال حَيَاته فَقتله، وَحمله إِلَى حَيّ آخر، وَطَرحه بفنائهم، ثمَّ أصبح يطْلب دَمه.
فسألوا مُوسَى أَن يسْأَل ربه من الْقَاتِل؟ فَسَأَلَ فَأوحى الله تَعَالَى [إِلَيْهِ] أَن يَأْمُرهُم بِذبح الْبَقَرَة.
فَقَالَ: إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة ﴿قَالُوا أتتخذنا هزوا﴾ لأَنهم لما سَأَلُوهُ أَن يسْأَل ربه من الْقَاتِل؟ فَقَالَ: إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة، فلبعد مَا بَين السُّؤَال وَالْجَوَاب، قَالُوا: أتتخذنا هزوا.
وَذَلِكَ من شدَّة جهلهم، وتبسطهم فِي الْكَلَام نسبوا نَبِيّهم إِلَى الِاسْتِهْزَاء.
﴿قَالَ أعوذ بِاللَّه﴾ أَعْتَصِم وأمتنع بِاللَّه.
﴿أَن أكون من الْجَاهِلين﴾ بِالْجَوَابِ، لَا على وفْق السُّؤَال.
لِأَن كل من سُئِلَ عَن شَيْء فَأجَاب لَا على وفْق السُّؤَال يكون جَاهِلا.
﴿إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا فارض وَلَا بكر عوان بَين ذَلِك فافعلوا مَا تؤمرون (68) قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا لَوْنهَا قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ﴾ هَذَا استيصاف السن ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول﴾ يَعْنِي: فَسَأَلَ فَقَالَ: إِنَّه يَقُول: ﴿إِنَّهَا بقرة لَا فارض وَلَا بكر عوان بَين ذَلِك﴾ قيل: الفارض الْكَبِيرَة المسنة، وَالْبكْر: الْفَتى، والعوان مَا بَين ذَلِك.
وَمِنْه يُقَال: عونت الْمَرْأَة، إِذا زَادَت على الثَّلَاثِينَ.
وَيُقَال: فِي الْمثل " الْعوَان لَا تعلم الْخمْرَة " أَي: الاختمار.
وَقيل: الفارض الَّتِي ولدت بطونا، وَالْبكْر: الَّتِي لم تَلد أصلا، والعوان: الَّتِي ولدت بَطنا أَو بطنين.
﴿فافعلوا مَا تؤمرون﴾ من الذّبْح.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْع لنا رَبك﴾ سل لنا رَبك.
﴿يبين لنا مَا لَوْنهَا﴾ هَذَا اسيتصاف اللَّوْن.
﴿قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة صفراء﴾ قَالَ الْحسن: الصَّفْرَاء: السَّوْدَاء.
وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(تِلْكَ خيلي مِنْهُ وَتلك ركاب ... هن صفر ألوانها كالزبيب)
يَعْنِي سود، وَالصَّحِيح: أَنه أَرَادَ بِهِ الصَّفْرَاء الْمَعْهُودَة بِدَلِيل قَوْله: ﴿فَاقِع لَوْنهَا﴾ وَإِنَّمَا يُقَال: أصفر فَاقِع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأبيض يقق.
وَيُقَال: ذَلِك للْمُبَالَغَة.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: كَانَت صفراء الْقُرُون والظلف.
وَالصَّحِيح: أَنه كَانَت صفراء بجميعها.
﴿تسر الناظرين﴾ أَي تعجبهم وَتدْخل السرُور فِي قلبهم من حسنها وَهَذَا دأب كل حسن قد يرى.
وَقد قَالَ النَّبِي " من لبس نعلا صفراء لم يزل فِي سرُور حَتَّى يَنْزِعهَا ".
﴿تسر الناظرين (69) قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ إِن الْبَقر تشابه علينا وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول تثير الأَرْض﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا ادْع لنا رَبك﴾ سل لنا رَبك.
﴿يبين لنا مَا هِيَ﴾ وَهَذَا استيصاف الْعَمَل أَنَّهَا من العوامل أم لَا؟ ﴿إِن الْبَقر تشابه علينا﴾ أَي: اشْتبهَ.
﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾ وَفِي الْخَبَر " أَنهم لَو لم يَقُولُوا: إِن شَاءَ الله مَا اهتدوا أبدا ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول تثير الأَرْض﴾ الذلول: بَين الذلة، والذليل بَين الذل، وَالْبَقَرَة الذلول الَّتِي أذلها الْعَمَل بإثارة الأَرْض.
﴿وَلَا تسقى الْحَرْث﴾ لَيست بساقية ﴿مسلمة﴾ عَن الْعُيُوب.
﴿لَا شية فِيهَا﴾ قَالَ الزّجاج: لَيْسَ فِيهَا لون يُخَالف مُعظم لَوْنهَا.
﴿قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ فَإِن قيل: قد كَانَ جَاءَ بِالْحَقِّ فِي كل مرّة.
فَمَا معنى قَوْله ﴿الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ ؟ ! قيل: مَعْنَاهُ: الْآن أتيت بِالْبَيَانِ التَّام الشافي الَّذِي لم يبْق مَعَه لبس وَلَا إِشْكَال.
﴿فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يَعْنِي: من غلاء ثمنهَا، لِأَنَّهُ روى أَنهم اشتروها بملء مسكها ذَهَبا.
وَحكى عَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ: مَا اشتروها بذلك، إِنَّمَا اشتروها بِثَلَاثَة دَنَانِير.
وَقيل: مَعْنَاهُ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ من شدَّة اضطرابهم وَاخْتِلَافهمْ فِيهَا، وَالْأول أصح.
وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي قَالَ: {شَدَّدُوا على أنفسهم؛ فَشدد الله عَلَيْهِم.
وَلَو
{وَلَا تَسْقِي الْحَرْث مسلمة لَا شية فِيهَا قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذ قتلتم نفسا فادارأتم فِيهَا وَالله مخرج مَا كُنْتُم اعْترضُوا بقرة فذبحوها؛ حصل مُرَادهم ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قتلتم نفسا﴾ هَذَا فِي التِّلَاوَة مُؤخر، وَفِي الْمَعْنى مقدم؛ لِأَنَّهُ أول الْقِصَّة.
﴿فادارأتم فِيهَا﴾ أَي: اعوججتم وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(فنكب عَنْهُم دَرْء الأعادي ... وداووا بالجنون من الْجُنُون)
أَي: اعوجاجهم.
وَقيل: مَعْنَاهُ: تدافعتم إِذا كَانَ يحِيل بَعضهم على بعض وأصل [الدرء] الدّفع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله مخرج مَا كُنْتُم تكتمون﴾ أَي: مظهر مَا كُنْتُم تكتمون؛ فَإِن الْقَاتِل كَانَ يكتم الْقَتْل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ أَمر الله تَعَالَى أَن يضْرب الْمَقْتُول بعض الْبَقَرَة.
وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك الْبَعْض؛ قَالَ ابْن عَبَّاس وَأكْثر الْمُفَسّرين: كَانَ ذَلِك من الغضروف إِلَى الْكَتف.
قَالَ مُجَاهِد: وَهُوَ عجب الذَّنب.
وَقَالَ غَيره: هُوَ الْفَخْذ.
وَقَالَ بَعضهم: اللِّسَان.
وَقيل: بعض مِنْهَا لَا بِعَيْنِه؛ أَي بعض: كَانَ.
﴿كَذَلِك يحيى الله الْمَوْتَى﴾ لِأَنَّهُ أَرَاهُم إحْيَاء الْمَقْتُول حِين ضرب بِبَعْض الْبَقَرَة.
وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما ضرب بِبَعْضِهَا قَامَ حَيا وَقَالَ: " قاتلي فلَان "، ثمَّ سقط مَيتا؛ فَحرم قَاتله الْمِيرَاث.
وَفِي الْخَبَر: أَن النَّبِي قَالَ: " مَا ورث قَاتل بعد صَاحب الْبَقَرَة ".
﴿تكتمون (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى ويريكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون (73) ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد﴾ ﴿ويريكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ تمْنَعُونَ أَنفسكُم من الْمعاصِي.
وَقيل: إِنَّمَا خص الْبَقَرَة بذلك الذّبْح؛ لأَنهم كَانُوا قد عبدُوا الْعجل، فَأَرَادَ أَن يُرِيهم هوانها، وَأَنَّهَا تعجز عَن دفع الْقَتْل عَن نَفسهَا.
أَو ابْتَلَاهُم بِالْأَمر بذبحها حَتَّى [يراهم] هَل يقتلُون أم لَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك﴾ يَعْنِي يَبِسَتْ وجفت، وجفاف الْقلب بِخُرُوج الرَّحْمَة والرقة عَنهُ.
﴿من بعد ذَلِك﴾ من بعد مَا ظهر لكم من تِلْكَ الْآيَات.
﴿فَهِيَ كالحجارة﴾ يَعْنِي فِي الصلابة ﴿أَو أَشد قسوة﴾ .
فَإِن قيل: لم قَالَ: أَو أَشد قسوة و " أَو " كلمة التشكيك؟ وَلم شبه بِالْحِجَارَةِ وَالْحَدِيد أَصْلَب من الْحِجَارَة؟ .
قُلْنَا: أما الأول مَعْنَاهُ وَأَشد قسوة.
وَقيل: بل أَشد قسوة، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى مائَة ألف أَو يزِيدُونَ﴾ أَو بل يزِيدُونَ.
وَقَالَ جمَاعَة النَّحْوِيين: مَعْنَاهُ إِن شِئْت مثلهم بِالْحِجَارَةِ؛ وَإِن شِئْت مثلهم بِمَا هُوَ أَشد من الْحِجَارَة، فَأَنت مُصِيب فِي الْكل.
وَهَذَا قَول حسن.
وَإِنَّمَا لم يشبه بالحديد؛ لِأَنَّهُ قَابل للين، فَإِنَّهُ يلين بالنَّار، وَقد لَان لداود عَلَيْهِ السَّلَام، وَالْحِجَارَة لَا تلين قطّ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن من الْحِجَارَة لما يتفجر مِنْهُ الْأَنْهَار﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ جَمِيع الْحِجَارَة.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْحجر الَّذِي كَانَ يضْرب عَلَيْهِ مُوسَى للأسباط.
﴿وَإِن مِنْهَا لما يشقق فَيخرج مِنْهُ المَاء﴾ أَرَادَ بِهِ عيُونا دون الْأَنْهَار، وَتَكون فِي بعض
﴿قسوة وَإِن من الْحِجَارَة لما يتفجر مِنْهُ الْأَنْهَار وَإِن مِنْهَا لما يشقق فَيخرج مِنْهُ المَاء وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) ﴾ الْأَحْجَار ﴿وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله﴾ أَي ينزل من مَخَافَة الله.
فَإِن قيل: الْحجر جماد لَا يفهم؛ فَكيف يخْشَى؟ ! قُلْنَا: قد قَالَ أهل السّنة: إِن لله تَعَالَى علما فِي الْموَات لَا يُعلمهُ غَيره.
وَقيل: إِن الله تَعَالَى يفهمهم ويلهمهم ذَلِك فيخشون بإلهامه، وبمثل هَذَا وَردت الْأَخْبَار.
فَإِنَّهُ روى: " أَن النَّبِي كَانَ عَليّ " ثبير " وَالْكفَّار يطلبونه، فَقَالَ الْجَبَل: أنزل عني فَإِنِّي أَخَاف أَن تُؤْخَذ على فيعاقبني الله بذلك.
فَقَالَ لَهُ جبل حراء: إِلَى يَا رَسُول الله ".
وروى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كَانَ حجر يسلم على بِمَكَّة قبل أَن أبْعث، وَأَنا أعرفهُ الْآن " الْخَبَر صَحِيح.
وَفِي الْبَاب حَدِيث أنس وَسَهل بن سعد، " أَن رَسُول الله كَانَ يخْطب إِلَى جذع فِي الْمَسْجِد قَائِما، فَلَمَّا اتخذ لَهُ الْمِنْبَر تحول إِلَيْهِ فَلَمَّا رقاه حن الْجذع ".
ويروي: " أَنه خار كَمَا يخور الثور، حَتَّى ارتج الْمَسْجِد؛ فَنزل رَسُول الله من الْمِنْبَر وَكَانَ الْجذع يخور حَتَّى الْتَزمهُ فسكن.
فخيره النَّبِي بَين أَن يكون شَجَرَة فِي الدُّنْيَا أَو شَجَرَة فِي الْجنَّة، فَاخْتَارَ الْجنَّة، فَأمر بِهِ فَدفن ".
﴿أفتطمعون أَن يُؤمنُوا لكم وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه وهم يعلمُونَ (75) وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا وَإِذا خلا﴾
وَقد قَالَ مُجَاهِد: لَا ينزل حجر من [الْأَعْلَى] إِلَى الْأَسْفَل إِلَّا من خشيَة الله.
وَيشْهد لكل مَا قُلْنَا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعا من خشيَة الله﴾ .
﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أَي: يُشَاهد مَا تَصْنَعُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفتطمعون﴾ أَي: ترجون ﴿أَن يُؤمنُوا لكم﴾ أَي: يصدقونكم بِمَا تخبرونهم بِهِ.
﴿وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه﴾ وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم سمعُوا التَّوْرَاة ثمَّ حرفوا مَا فِيهَا من الْأَحْكَام ونعت مُحَمَّد.
القَوْل الثَّانِي: أَنه أَرَادَ بِهِ السّبْعين الَّذين حملهمْ مُوسَى إِلَى الطّور حِين قَالُوا: إِن كنت ترى الله فَيَنْبَغِي أَن نرى الله، وَإِن كنت تسمع كَلَام الله؛ فَيَنْبَغِي أَن نسْمع كَلَام الله.
فَقَالَ مُوسَى: أما أَنا فَلَا أرى الله، وَلَكِنِّي أسمع كَلَامه، ثمَّ سَأَلَ مُوسَى ربه تَعَالَى أَن يسمعهم كَلَامه فَقَالَ الله تَعَالَى: مرهم فليصوموا كَذَا وليغسلوا أَو ليلبسوا ثيابًا جددا نظيفة، ثمَّ ليحضروا فَفَعَلُوا ذَلِك.
وسمعوا كَلَام الله.
وَفِي التَّفْسِير: أَنه قَالَ لَهُم: أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا، أخرجتكم من مصر بيد شَدِيدَة فاعبدوني وَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئا، وافعلوا كَذَا، وَكَذَا فَلَمَّا سمعُوا كَلَامه، خرجت أَرْوَاحهم وماتوا فأحياهم الله تَعَالَى فَقَالُوا لمُوسَى: إِنَّا لَا نطيق أَن نسْمع كَلَامه، فاسمع أَنْت، وبلغنا إِيَّاه.
ثمَّ رجعُوا إِلَى قَومهمْ قَالُوا: قد سمعنَا كَلَام الله، وَقد أمرنَا أَن نَفْعل كَذَا وَكَذَا، لكنه قَالَ: افعلوا إِن شِئْتُم أَو إِن اسْتَطَعْتُم.
وَفِي رِوَايَة قَالَ: لَا ترتكبوا كَذَا وَكَذَا إِلَّا أَن يكون لكم بُد؛ فارتكبوا، فَهَذَا معنى
﴿بَعضهم إِلَى بعض قَالُوا أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم ليحاجوكم بِهِ عِنْد ربكُم أَفلا تعقلون (76) أَولا يعلمُونَ أَن الله يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون﴾ قَوْله ﴿يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه﴾ أَي: فهموه (وهم يعلمُونَ) أَنه الْحق.
قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا﴾ أنزل فِي قوم من الْيَهُود آمنُوا فنافقوا.
﴿وَإِذا خلا بَعضهم إِلَى بعض قَالُوا أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم﴾ وَالْفَتْح بِمَعْنى الْقَضَاء.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ أَي: قضينا لَك قَضَاء بَينا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول: تعال إِلَى الفتاح.
وَفِي معنى الْآيَة ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم قَالُوا لأهل الْمَدِينَة حِين شاوروهم فِي اتِّبَاع مُحَمَّد: آمنُوا بِهِ فَإِنَّهُ حق.
ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض: أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم ليَكُون لَهُم الْحجَّة عَلَيْكُم عِنْد ربكُم أَي: يأخذونكم.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم أخبروهم بِمَا عذبهم الله بِهِ على الْجِنَايَات؛ فَقَالَ بَعضهم لبَعض: أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم من الْعَذَاب ﴿ليحاجوكم بِهِ عِنْد ربكُم﴾ ليروا الكرمة لأَنْفُسِهِمْ عَلَيْكُم الله.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن النَّبِي لما فتح خَيْبَر حاصر بني قُرَيْظَة قَالَ لَهُم: " يَا إخْوَة القردة والخنازير.
فَقَالَ بَعضهم لبَعض: هَذِه الْكَلِمَة مَا خرجت إِلَّا مِنْكُم، يَعْنِي: أَنْتُم حدثتموه بذلك " ﴿أَفلا تعقلون﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لَا يعلمُونَ أَن الله يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون﴾ يَعْنِي: أَنه عَالم بِمَا اسروا (وأعلنوا) .
﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني وَإِن هم إِلَّا يظنون (78) ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ﴾ الْأُمِّي: الَّذِي لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب.
وَفِي اشتاقه قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه من الْأُم، فالأمي بَاقٍ على مَا انْفَصل من الْأُم.
وَالثَّانِي: من الْأمة 0 وَهِي الخليقة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(وَإِن مُعَاوِيَة الأكرمين ... حسان الْوُجُوه طوال الْأُمَم)
يَعْنِي بني مُعَاوِيَة.
وطوال الْأُمَم أَي الْخلق.
فالأمي: بَاقٍ على مَا كَانَ عَلَيْهِ من أصل الْخلقَة.
﴿لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهمَا: قَالَ مُجَاهِد: الْأَمَانِي الأكاذيب.
وَمِنْه قَول عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ: مُنْذُ أسلمت مَا تمنيت وَلَا تَغَنَّيْت أَي: مَا كذبت.
وَقَالَ ابْن دأب لرجل ذكر شَيْئا: هَذَا شَيْء رويته أم شَيْء تمنيته.
أَي: اختلقته واخترعته من تلقائك.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه التِّلَاوَة، أَي: لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا التِّلَاوَة وَمثله وَقَوله: ﴿إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته﴾ أَي: تِلَاوَته.
وَقيل فِي عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ:
(تمنى كتاب الله أول ليله ... [فياليته] مَا لَاقَى حمام المقادر)
أَي: تَلا كتاب الله
وَالْقَوْل الثَّالِث: قَالَ الْفراء وَالْكسَائِيّ: هُوَ من التَّمَنِّي، وَذَلِكَ هِيَ أمانيهم الْبَاطِلَة من قَوْلهم ﴿لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ وَمن قَوْلهم: {لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا
﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا﴾ من كَانَ هودا أَو نَصَارَى) وَمن قَوْلهم: ﴿نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ فعلى قَوْله هَذَا " إِلَّا " بِمَعْنى " لَكِن " يعْنى: لَا يعلمُونَ الْكتاب لَكِن يتمنون أَشْيَاء لَا تحصل لَهُم.
﴿وَإِن هم إِلَّا يظنون﴾ قَالَ مُجَاهِد: يكذبُون.
وَلم يعرف أهل الْبَصْرَة الظَّن بِمَعْنى الْكَذِب؛ فَقَالُوا: مَعْنَاهُ: إِلَّا يخرصون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنهم كَانُوا يَكْتُبُونَ من عِنْدهم أَشْيَاء، ثمَّ يَقُولُونَ للأعراب: هَذَا من عِنْد الله، يبتغونها مِنْهُم.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ مَا غيروا بِأَيْدِيهِم من نعت مُحَمَّد فِي التَّوْرَاة؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِيهَا أَنه أكحل أعين، ربعَة، سبط الشّعْر، فَكَتَبُوا فِيهَا أَنه أشقر، أَزْرَق طَوِيل الْقَامَة، جعد الشّعْر.
﴿ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مَا كتبت أَيْديهم﴾ اخْتلفُوا فِي الويل؛ قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ويروي ذَلِك مَرْفُوعا عَن النَّبِي أَيْضا " إِن الويل وَاد فِي جَهَنَّم يهوي فِيهِ الْكَافِر سبعين خَرِيفًا ".
وَقَالَ عُثْمَان: هُوَ جبل من نَار.
وأصل الويل: الْهَلَاك وَدُعَاء الْعَذَاب، فَإِن قيل: مَا
﴿لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة قل أتخذتم عِنْد الله عهدا فَلَنْ يخلف الله عَهده أم تَقولُونَ على الله مَا لَا تعلمُونَ (80) بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت﴾ معنى قَوْله: ﴿مِمَّا كتبت أَيْديهم﴾ والكتب لَا يكون إِلَّا بِالْيَدِ؟ قيل: ذكره مُبَالغَة فِي التَّحْقِيق.
وَقيل: مَعْنَاهُ أَنهم كتبُوا بِأَنْفسِهِم اختراعا.
﴿وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ من الْمعاصِي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، مِنْهُم من قَالَ: أَرَادوا بِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عدد مَا عَبدنَا الْعجل.
وَمِنْهُم من قَالَ: سَبْعَة أَيَّام.
لِأَن مِقْدَار زمَان الْعَالم سَبْعَة آلَاف سنة فَقَالُوا: نعذب بِكُل ألف سنة يَوْمًا.
وَقيل: إِنَّهُم قَالُوا: سمعنَا أنبياءنا أَنهم قَالُوا: مَا بَين طرفِي جَهَنَّم مسيرَة أَرْبَعِينَ سنة فَنحْن نقطع فِي كل يَوْم مسيرَة سنة فَتبقى مسيرَة جَهَنَّم فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وننجو مِنْهَا.
﴿قل أتخذتم عِنْد الله عهدا فَلَنْ يخلف الله عَهده﴾ مَعْنَاهُ: أَنِّي لكم بِهَذَا؛ قَول من الله؟ فَلَا يُخَالف قَوْله.
قَوْله: ﴿أم تَقولُونَ على الله مَالا تعلمُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿بلَى من كسب سَيِّئَة﴾ " بلَى " تذكر فِي جَوَاب النَّفْي.
" وَنعم " تذكر فِي جَوَاب الْإِيجَاب.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ .
وَقَالَ: ﴿ألم يأتكم رسل مِنْكُم يَتلون عَلَيْكُم آيَات ربكُم وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا بلَى﴾ . وَقَالَ: ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم﴾ . ﴿بلَى من كسب سَيِّئَة﴾ السَّيئَة: الشّرك.
﴿وأحاطت بِهِ خطيئته﴾ أَي: مَاتَ على الشّرك.
وَقيل: أَرَادَ بِالسَّيِّئَةِ: الْكَبِيرَة.
﴿وأحاطت بِهِ خطيئته﴾ أَي: أصر عَلَيْهَا، وَمَات
﴿بِهِ خطيئته فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (81) وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ (82) وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق﴾ غير تائب.
وَقَالَ ابْن السراج النَّحْوِيّ: مَعْنَاهُ: انسدت عَلَيْهِ مسالك النجَاة.
﴿فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ إِلَى آخر الْآيَة، ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود: " لَا تعبدوا إِلَّا الله " على الْأَمر، وَالْقِرَاءَة الْمَعْهُودَة " لَا تَعْبدُونَ ".
وتقرأ بِالْيَاءِ وَالتَّاء وَمَعْنَاهَا وَاحِد؛ فَإِن الْعَرَب قد تذكر المخاطبة فِي (مَوضِع) المغايبة، والمغايبة فِي مَوضِع المخاطبة.
وَفِي هَذَا الْمِيثَاق عهد وَقسم، وَتَقْدِيره: وَالله لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله.
﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أَي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا.
وَالْإِحْسَان بهما الْبر والعطف والتحنن، وَالنُّزُول عِنْد أَمرهمَا فِيمَا لَا يُخَالف أَمر الله تَعَالَى.
﴿وَذي الْقُرْبَى﴾ أَي: أهل الْقرَابَات.
﴿واليتامى﴾ الْيَتِيم: اسْم لمن لَا أَب لَهُ من الْآدَمِيّين.
وَلمن لَا أم لَهُ من الْبَهَائِم، وَهُوَ اسْم للْفَقِير مِنْهُم.
وَقَالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ: " حفظت لكم عَن رَسُول الله سِتا: لَا طَلَاق قبل النِّكَاح، وَلَا عتاق فِي غير الْملك، وَلَا نذر فِي مَعْصِيّة الله، وَلَا يتم بعد الْحلم، وَلَا صمت يَوْم إِلَى اللَّيْل.
وَلَا صَوْم وصال ". ﴿وَالْمَسَاكِين﴾ هم الْفُقَرَاء كَمَا سبق.