تفسير السمعانيصفحات 50-61
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَاتِحَة

صفحات 50-61
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

فَاسِقُونَ (59) قل هَل أنبئكم بشر من ذَلِك مثوبة عِنْد الله من لَعنه الله وَغَضب عَلَيْهِ وَجعل مِنْهُم القردة والخنازير وَعبد الطاغوت أُولَئِكَ شَرّ مَكَانا وأضل عَن سَوَاء السَّبِيل (60) وَإِذا جاءوكم قَالُوا آمنا وَقد دخلُوا بالْكفْر وهم قد خَرجُوا بِهِ وَالله أعلم بِمَا كَانُوا يكتمون (61) وَترى كثيرا مِنْهُم يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْم والعدوان وأكلهم السُّحت لبئس مَا كَانُوا يعْملُونَ (62) لَوْلَا ينهاهم الربانيون والأحبار عَن قَوْلهم الْإِثْم وأكلهم السُّحت لبئس مَا كَانُوا يصنعون (63) وَقَالَت الْيَهُود يَد الله مغلولة غلت أَيْديهم) أَي: كأعبد، وَقيل: هَذَا خطأ من حَمْزَة، وَالْأول أصح، وَيقْرَأ فِي الشواذ: " وَعباد الطاغوت " وَيقْرَأ: " وَعَبدَة الطاغوت " وَتَقْدِيره: وَجعل مِنْهُم عباد الطاغوت، وَالْكل فِي الْمَعْنى سَوَاء.
﴿أُولَئِكَ شَرّ مَكَانا وأضل عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ أَي: عَن طَرِيق الْحق.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا جاءوكم قَالُوا آمنا﴾ قيل: نزلت الْآيَة فِي قوم من الْيَهُود، دخلُوا على النَّبِي، وَقَالُوا: إِنَّا آمنا بك، وَصَدَّقنَاك فِيمَا قلت، وهم يسرون الْكفْر؛ فَنزلت الْآيَة ﴿وَإِذا جاؤكم﴾ يَعْنِي: أُولَئِكَ قَالُوا: آمنا ﴿وَقد دخلُوا بالْكفْر وهم قد خَرجُوا بِهِ﴾ يَعْنِي: دخلُوا كَافِرين، وَخَرجُوا كَافِرين ﴿وَالله أعلم بِمَا كَانُوا يكتمون﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَترى كثيرا مِنْهُم يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْم والعدوان﴾ قيل: الْإِثْم: الْمعاصِي، والعدوان: الظُّلم، وَقيل: الْإِثْم: كتمان أَمر مُحَمَّد وَمَا كتموا من التَّوْرَاة، والعدوان مَا زادوا فِي التوارة.
﴿وأكلهم السُّحت﴾ قد بَينا معنى السُّحت، والسحت لُغَتَانِ، وَقيل: أَرَادَ بِهِ أكلهم الرِّبَا ﴿لبئس مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ .

قَوْله: ﴿لَوْلَا ينهاهم الربانيون والأحبار عَن قَوْلهم الْإِثْم وأكلهم السُّحت﴾ يَعْنِي: هلا ينهاهم الربانيون، وَقد ذكرنَا معنى الربانيين، وَقيل: هُوَ مَنْسُوب إِلَى الرب، كالبحراني مَنْسُوب إِلَى الْبَحْرين، والنجراني مَنْسُوب إِلَى نَجْرَان ﴿لبئس مَا كَانُوا يصنعون﴾ وَفِي حرف ابْن مَسْعُود: " يعْملُونَ " وَكِلَاهُمَا وَاحِد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت الْيَهُود يَد الله مغلولة﴾ سَبَب هَذَا: أَن الْيَهُود كَانُوا فِي خصب وسعة رزق قبل هِجْرَة النَّبِي، فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، ضيق الله الرزق عَلَيْهِم فَقَالَت الْيَهُود: يَد الله مغلولة: أَي ممسكة لَا ينْفق، كَأَنَّهُمْ نسبوه إِلَى الْبُخْل،

﴿ولعنوا بِمَا قَالُوا بل يَدَاهُ مبسوطتان ينْفق كَيفَ يَشَاء وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا وألقينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا وَالله لَا يحب المفسدين (64) وَلَو أَن﴾ وَقَالَ الْحسن: أَرَادوا بِهِ: يَد الله مغلولة لَا يعذبنا [بهَا] ﴿غلت أَيْديهم﴾ يُجِيبهُمْ الله تَعَالَى؛ فَيَقُول: أَنا الْجواد، وهم البخلاء، وأيديهم هِيَ المغلولة الممسكة، قَالَه الزّجاج، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَنهم يُعَذبُونَ يَوْم الْقِيَامَة.
﴿ولعنوا بِمَا قَالُوا﴾ فَمن عَنْهُم أَنهم: مسخوا قردة وَخَنَازِير، وَمن لعنهم: أَنهم ضربت عَلَيْهِم الذلة والجزية.
﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان ينْفق كَيفَ يَشَاء﴾ يَعْنِي: [يدا] الله مبسوطتان، يرْزق وَينْفق على مَشِيئَته كَيفَ يَشَاء، قَالَ أهل الْعلم: لَيْسَ فِي هَذَا رد على الْيَهُود فِي إثباتهم الْيَد لله - تَعَالَى - وَإِنَّمَا الرَّد عَلَيْهِم فِي نسبته إِلَى الْبُخْل، وَأما الْيَد: صفة لله - تَعَالَى - بِلَا كَيفَ، وَله يدان، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كلتا يَدَيْهِ يَمِين ". وَالله أعلم بكيفية المُرَاد.
﴿وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا﴾ على معنى أَنه كلما نزلت آيَة كفرُوا بهَا، وازدادوا طغيانا وَكفرا ﴿وألقينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء﴾ قيل: بَين فرق الْيَهُود، وَقيل (بَين) الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقَوله: ﴿إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ دَلِيل على أَن الْيَهُودِيَّة والنصرانية تبقى إِلَى قريب من قيام السَّاعَة ﴿كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله﴾ معنى هَذَا: كلما اجْتَمعُوا ليفسدوا أَمر مُحَمَّد، شتت الله

﴿أهل الْكتاب آمنُوا وَاتَّقوا لكفرنا عَنْهُم سيئاتهم ولأدخلناهم جنَّات النَّعيم (65) وَلَو أَنهم أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم لأكلوا من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم مِنْهُم أمة مقتصدة وَكثير مِنْهُم سَاءَ مَا يعْملُونَ (66) يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا﴾ جمعهم، وبدد شملهم.
﴿ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا وَالله لَا يحب المفسدين﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو أَن أهل الْكتاب آمنُوا﴾ بِمُحَمد ﴿وَاتَّقوا﴾ يَعْنِي: عَن الْمعاصِي ﴿لكفرنا عَنْهُم سيئاتهم ولأدخلناهم جنَّات النَّعيم﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو أَنهم أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم﴾ يَعْنِي: وَلَو أَنهم قَامُوا وَعمِلُوا مَا فِي التَّوْرَاة، وَمَا فِي الْإِنْجِيل وَمَا فِي الْقُرْآن ﴿لأكلوا من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم﴾ قيل: من فَوْقهم من مطر السَّمَاء، وَمن تَحت أَرجُلهم من نَبَات الأَرْض.
وَقيل: من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم مَعْنَاهُ: أَنه يُوسع عَلَيْهِم الرزق، قَالَ الزّجاج، وَهُوَ نَظِير قَول الْقَائِل: فلَان فِي الْخَيْر من الْفرق إِلَى الْقدَم، أَي: وسع عَلَيْهِ الْخَيْر، وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بقوله ﴿من فَوْقهم﴾ من الْأَشْجَار ﴿وَمن تَحت أَرجُلهم﴾ من النَّبَات، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ ﴿من فَوْقهم﴾ من كسب آبَائِهِم ﴿وَمن تَحت أَرجُلهم﴾ من كسب أبنائهم، وَهَذَا نَظِير قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَنَظِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو استقاموا على الطَّرِيقَة لأسقيناهم مَاء غدقا﴾ ﴿مِنْهُم أمة مقتصدة﴾ أَي: عادلة ﴿وَكثير مِنْهُم سَاءَ مَا يعْملُونَ﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ قَالَت عَائِشَة: " من قَالَ: إِن مُحَمَّدًا كتم شَيْئا من الْوَحْي؛ فقد أعظم الْفِرْيَة، وَمن قَالَ: إِن مُحَمَّدًا رأى ربه لَيْلَة الْمِعْرَاج؛ فقد أعظم الْفِرْيَة؛ فَإِن الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ " وَالْخَبَر فِي الصَّحِيح.

﴿أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته وَالله يَعْصِمك من النَّاس إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين (67) قل يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا فَلَا تأس على الْقَوْم الْكَافرين (68) إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا والصابئون﴾ ﴿وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: مَعْنَاهُ: إِن لم تبلغ الْجَمِيع، وَتركت وَاحِدًا، فَمَا بلغت شَيْئا، يَعْنِي: جرمك فِي ترك التَّبْلِيغ فِي وَاحِد كجرمك فِي ترك الْكل، وَقيل: مَعْنَاهُ: بلغ مَا أنزل إِلَيْك أَي: أظهر تبليغه، وَهَذَا مثل قَوْله - تَعَالَى -: ( ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر﴾ وَإِن لم تفعل) يَعْنِي: وَإِن لم تظهر تبليغه ( ﴿فَمَا بلغت رسَالَته﴾ وَالله يَعْصِمك من النَّاس) . قَالَت عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا -: " كَانَ النَّبِي قبل نزُول هَذِه الْآيَة يَأْتِيهِ قوم فيحرسونه؛ فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة؛ أخرج رَأسه، وَقَالَ: انصرفوا، فَإِن الله يعصمني ". قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: نزلت الْآيَة فِي كَافِر سل سَيْفه، وهم (بقتل النَّبِي) ، فَسقط السَّيْف من يَده، وَجعل يضْرب رَأسه على شَجَرَة حَتَّى [انتثر] دماغه ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ أَي: تعملوا بِالْكُلِّ ﴿وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا﴾ هُوَ مَا ذكرنَا ﴿فَلَا تأس﴾ أَي فَلَا تحزن ﴿على الْقَوْم الْكَافرين﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا والصابئون وَالنَّصَارَى﴾ قَالَ

﴿وَالنَّصَارَى من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ (69) لقد أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِم رسلًا كلما جَاءَهُم رَسُول بِمَا لَا تهوى أنفسهم فريقا كذبُوا وفريقا يقتلُون (70) وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة فعموا وصموا ثمَّ تَابَ الله عَلَيْهِم ثمَّ عموا وصموا كثير مِنْهُم وَالله بَصِير بِمَا يعْملُونَ (71) لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَقَالَ الْمَسِيح يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي﴾ الْكسَائي، ونحاة الْكُوفَة: تَقْدِيره: هم والصابئون.
وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَتَقْدِيره: إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ، والصابئون كَذَلِك.
وَقَوله: ﴿من آمن بِاللَّه﴾ يَعْنِي: الَّذين آمنُوا بِاللِّسَانِ، من آمن مِنْهُم بِالْقَلْبِ، وَقيل: إِن الَّذين آمنُوا على حَقِيقَة الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿من آمن بِاللَّه﴾ أَي: من ثَبت على الْإِيمَان بِاللَّه، وَأما فِي حق الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ، فَهُوَ مَحْمُول على حَقِيقَة الْإِيمَان.

قَوْله - تَعَالَى -: (لقد أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل) قد ذكرنَا الْمِيثَاق ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِم رسلًا كلما جَاءَهُم رَسُول بِمَا لَا تهوى أنفسهم فريقا كذبُوا﴾ يَعْنِي: عِيسَى وَمُحَمّد ﴿وفريقا يقتلُون﴾ يَعْنِي: زَكَرِيَّا وَيحيى،

وَقَوله: ﴿وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة﴾ أَي: عَذَاب ﴿فعموا وصموا ثمَّ تَابَ الله عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: عموا وصموا بعد مُوسَى، ثمَّ تَابَ الله عَلَيْهِم؛ ببعث عِيسَى، ﴿ثمَّ عموا وصموا كثيرا مِنْهُم﴾ بالْكفْر بِمُحَمد ﴿وَالله بَصِير بِمَا يعْملُونَ﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ قد ذكرنَا معنى الْمَسِيح، قَالَ النَّخعِيّ: سمي مسيحا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يمسح الأَرْض، (وَأما) الدَّجَّال: يُسمى مسيحا، وَقد ورد الْخَبَر بِكَوْنِهِ مسيحا مُطلقًا؛ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام - قَالَ: " [يقبل] الْمَسِيح من قبل الْمشرق وهمه الْمَدِينَة ". وَورد فِي الْخَبَر: الْمَسِيح الدَّجَّال.
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام -: " لَا يدْخل رعب الْمَسِيح الدَّجَّال الْمَدِينَة أبدا ".

﴿وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار وَمَا للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَمَا من إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد وَإِن لم ينْتَهوا عَمَّا يَقُولُونَ ليمسن الَّذين كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم (73) أَفلا يتوبون إِلَى الله ويستغفرونه وَالله غَفُور رَحِيم (74) مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله﴾ ﴿وَقَالَ الْمَسِيح يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار﴾ روى أَبُو سُفْيَان طَلْحَة بن نَافِع عَن جَابر: " أَن النَّبِي سُئِلَ مَا الموجبتان؟ فَقَالَ: من وحد الله؛ لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا؛ وَجَبت لَهُ الْجنَّة، وَمن أشرك بِاللَّه؛ وَجَبت لَهُ النَّار " ﴿وَمَا للظاليمن من أنصار﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ فِيهِ حذف، أَي: ثَالِث ثَلَاثَة آلِهَة، وَلَا بُد من هَذَا التَّقْدِير؛ لِأَنَّهُ يجوز أَن يُقَال: هُوَ ثَالِث ثَلَاثَة، كَمَا قَالَ: ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ ، وَقَوله: ﴿ثَالِث ثَلَاثَة﴾ هُوَ قَوْلهم: أَب، وَابْن وروح الْقُدس، وَهَذَا قَول اليعقوبية مِنْهُم، وَقَالُوا: روح الْقُدس لَا هُوَ وَلَا غَيره، وَكَذَلِكَ الابْن، وَالله مَجْمُوع الْكل ﴿وَمَا من إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد وَإِن لم ينْتَهوا عَمَّا يَقُولُونَ ليمسن الَّذين كفرُوا﴾ أَي: ليصيبن الَّذين ﴿كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفلا يتوبون إِلَى الله ويستغفرونه﴾ أرشدهم إِلَى التَّوْبَة وَالْإِسْلَام ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله﴾ أَي: مَضَت، وَسميت الْأَيَّام الْمَاضِيَة خَالِيَة؛ لخلوها، وَمعنى هَذَا: أَنا أرسلنَا عِيسَى كَمَا أرسلنَا غَيره [وأعطيناه] من المعجزات مَا أعطينا غَيره من الرُّسُل ﴿وَأمه صديقَة﴾ وَالصديق: كثير الصدْق، وَهُوَ للْمُبَالَغَة، وَمِنْه سمى أَبُو بكر [الصّديق]- رَضِي الله عَنهُ -: صديقا، وَقيل: سمي صديقا؛ لِأَنَّهُ قيل لَهُ: إِن صَاحبك يَقُول: أسرى بِي إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: إِن (هُوَ قَالَ) ذَلِك فقد صدق.

﴿الرُّسُل وَأمه صديقَة كَانَا يأكلان الطَّعَام انْظُر كَيفَ نبين لَهُم الْآيَات ثمَّ انْظُر أَنى يؤفكون (75) قل أتعبدون من دون الله مَا لَا يملك لكم ضرا وَلَا نفعا وَالله هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (76) قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل (77) لعن الَّذين كفرُوا﴾ ﴿كَانَا يأكلان الطَّعَام﴾ أَي: يتغذيان بِالطَّعَامِ، وَمَعْنَاهُ: أَن من يتغذى بِالطَّعَامِ لَا يكون إِلَهًا يعبد، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ كِنَايَة عَن الْحَدث، يَعْنِي: أَنَّهُمَا يأكلان، ويشربان، ويبولان، ويتغوطان، وَمثل هَذَا لَا يكون إِلَهًا يعبد ﴿انْظُر كَيفَ نبين لَهُم الْآيَات ثمَّ انْظُر أَنى يؤفكون﴾ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَهَذَا من ألطف الْبَيَان، وَقَوله: ﴿يؤفكون﴾ أَي: يصرفون، وَمِنْه سمي الْكَذِب: إفكا؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوف عَن الْحق.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل أتعبدون من دون الله مَا لَا يملك لكم ضرا وَلَا نفعا﴾ يَعْنِي: عِيسَى وَمثله.
﴿وَالله هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق﴾ الغلو: مُجَاوزَة الْحَد، وَهُوَ مَذْمُوم، وَكَذَلِكَ التَّقْصِير، وَدين الله بَين الغلو، وَالتَّقْصِير ﴿وَلَا تتبعوا أهواء قوم﴾ الْأَهْوَاء: جمع الْهوى، وَهُوَ مَقْصُور، وَأما الْهَوَاء الْمَمْدُود: فَهُوَ الجو، والهوى: كل مَا تَدْعُو إِلَيْهِ شَهْوَة النَّفس، لَا الْحجَّة ﴿قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ . فَإِن قيل: مَا معنى هَذَا التكرير، قَالَ الزّجاج: معنى قَوْله: ﴿ضلوا عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ يَعْنِي: بالإضلال، وَالْأول من الضَّلَالَة، وَقيل: ضلوا من قبل الإضلال، وَضَلُّوا بعد الإضلال؛ فكأنهم ضلوا مرَّتَيْنِ.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لعن الَّذين كفرُوا من بني إِسْرَائِيل على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ فَالَّذِينَ لعنُوا على لِسَان دَاوُد: هم أَصْحَاب السبت، وَالَّذين لعنُوا على لِسَان عِيسَى: أَصْحَاب الْمَائِدَة، وَأُولَئِكَ الَّذين جعلهم الله قردة، وَهَؤُلَاء الَّذين جعلهم الله خنازير ﴿ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ التناهي: تفَاعل من النَّهْي، وَالْمُنكر: كل مَا أنكرهُ الشَّرْع، وَفِي الْخَبَر قَالَ: أول مَا

﴿من بني إِسْرَائِيل على لِسَان دَاوُود وَعِيسَى ابْن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون (78) كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) ترى كثيرا مِنْهُم يتولون الَّذين كفرُوا لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ (80) وَلَو كَانُوا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيّ وَمَا أنزل إِلَيْهِ مَا اتخذوهم أَوْلِيَاء وَلَكِن كثيرا مِنْهُم فَاسِقُونَ (81) لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين﴾ دخل النَّقْص فِي بني إِسْرَائِيل: أَن الرجل مِنْهُم كَانَ إِذا نهى صَاحبه عَن مُنكر، كَانَ لَا يمنعهُ بعد ذَلِك أَن يكون جليسه، وأكيله، وشريبه، فَضرب الله - تَعَالَى - قلب بَعضهم بِالْبَعْضِ، وعمهم بالعقاب، ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، حَتَّى تَأْخُذُوا على يَد الظَّالِم فتأطروه على الْحق أطرا " أَي: تعطفوه.

قَوْله: (ترى كثيرا مِنْهُم يتولون الَّذين كفرُوا) أَي: يوالونهم {لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ

وَلَو كَانُوا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيّ وَمَا أنزل إِلَيْهِ مَا اتخذوهم أَوْلِيَاء) يَعْنِي: الْكفَّار ﴿وَلَكِن كثيرا مِنْهُم فَاسِقُونَ﴾ فَإِن قيل: لم سماهم فاسقين وهم كافرون؟ قيل: مَعْنَاهُ: (خارجون) عَن أَمر الرب، وَالْكفَّار خارجون عَن كل أمره، وَقيل: مَعْنَاهُ: متمردون، أَي: هم مَعَ كفرهم متمردون.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا﴾ يَعْنِي: مُشْركي مَكَّة، ﴿ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ قيل: إِن الْآيَة فِي قوم من النَّصَارَى، (أَرْبَعِينَ) نَفرا: اثْنَان وَثَلَاثُونَ من الْحَبَشَة، وَثَمَانِية من رُهْبَان الشَّام، جَاءُوا إِلَى النَّبِي، وَأَسْلمُوا، وَفِيهِمْ نزلت الْآيَة لَا فِي النَّصَارَى الْكَفَرَة؛ لأَنهم فِي عَدَاوَة الْمُسلمين مثل الْيَهُود، وَقيل: إِن الَّذين أَسْلمُوا من الْحَبَشَة كَانَ فيهم النَّجَاشِيّ؛ فَقدم جَعْفَر الطيار الْحَبَشَة، فَدَعَاهُ النَّجَاشِيّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ

أشركوا ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى) سُورَة مَرْيَم، وَعِنْده الأساقفة والرهبان؛ فبكوا حَتَّى أخضلوا لحاهم، وَأخذ النَّجَاشِيّ قذاة بِيَدِهِ، وَقَالَ: لم يعد عِيسَى مَا قلت، وَلَا قدر هَذَا، وَأَسْلمُوا.
وَقيل: نزلت الْآيَة فِي قوم من النَّصَارَى كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بدين عِيسَى، لم يحرفوا، فآمنوا بِمُحَمد.
وَقيل: هُوَ فِي كل النَّصَارَى، وَمَعْنَاهُ: أَنهم أَلين عَدَاوَة من الْيَهُود.
﴿ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قَالَ قطرب: القسيس العابد بلغَة الرّوم، وَهُوَ التَّمام فِي اللُّغَة، قَالَ الشَّاعِر: (يمسين من قس (الحَدِيث) غوافلا ... إِلَّا جعبر يات وَلَا [طهاملا] ) والرهبان جمع الراهب، وروى سلمَان: " أَن النَّبِي قَرَأَ: " ذَلِك بِأَن مِنْهُم صديقين وَرُهْبَانًا " وَهَذَا فِي الغرائب.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن، فَإِن النَّبِي كَانَ قد قَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن؛ فبكوا وَأَسْلمُوا، فَذَلِك معنى قَوْله: ﴿ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين﴾ يَعْنِي: من أمة مُحَمَّد؛ فَإِنَّهُم الشاهدون على سَائِر الْأُمَم.

قَوْله - تَعَالَى - ﴿وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه وَمَا جَاءَنَا من الْحق﴾ وَذَلِكَ أَن الْيَهُود قَالُوا: لَو لم آمنتم؟ فَأَجَابُوا: وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه وَمَا جَاءَنَا من الْحق {ونطمع أَن يدخلنا

﴿أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين (83) وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه وَمَا جَاءَنَا من الْحق ونطمع أَن يدخلنا رَبنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحين (84) فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم (86) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب﴾ رَبنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحين) الطمع: هُوَ تعلق النَّفس بالشَّيْء مَعَ قُوَّة.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات﴾ أَي: أَعْطَاهُم الله بِمَا قَالُوا جنَّات ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾ . فَإِن قيل: هَذَا أول قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا﴾ على أَن الْإِيمَان قَول فَرد.
قيل: قد ذكر فِي الْآيَة الأولى ﴿مِمَّا عرفُوا من الْحق﴾ فَذكر الْمعرفَة فِي تِلْكَ الْآيَة، وَالْقَوْل فِي هَذِه الْآيَة، ومجموعهما إِيمَان ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ قَالَ (ابْن عَبَّاس) ، وَعَطَاء [وَسعد] ، وَسَعِيد بن جُبَير، وَالسُّديّ: سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن عليا، وَابْن مَسْعُود، وَعُثْمَان بن مَظْعُون، تشاوروا فِي أَن يترهبوا، ويلبسوا المسوح، ويقطعوا المذاكير، ويصوموا الدَّهْر؛ فَبلغ ذَلِك رَسُول الله فَقَالَ: أما إِنِّي أَنَام وأقوم، وَأفْطر وَأَصُوم، وآكل وأشرب، وأنكح، فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني وَنزلت الْآيَة ﴿لَا تحرموا طَيّبَات مَا أحل الله لكم﴾ وَرُوِيَ: أَن عُثْمَان بن مَظْعُون قَالَ: " يَا رَسُول الله، ائْذَنْ لي فِي الرهبانية.
فَقَالَ: رَهْبَانِيَّة أمتِي الْجُلُوس فِي الْمَسَاجِد.
فَقَالَ: ائْذَنْ لي فِي السياحة فِي الأَرْض.
فَقَالَ سياحة أمتِي الْجِهَاد فِي سَبِيل الله.
فَقَالَ: ائْذَنْ لي فِي الإخصاء.
فَقَالَ: إخصاء أمتِي الصَّوْم ". وَقيل: سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي أُصِيب اللَّحْم؛ فأنتشر واشتهي النِّسَاء فَحرمت اللَّحْم على نَفسِي " فَنزل قَوْله [تَعَالَى] : {لَا تحرموا طبيات مَا أحل الله

﴿الْمُعْتَدِينَ (87) وكلوا مِمَّا رزقكم الله حَلَالا طيبا وَاتَّقوا الله الَّذِي أَنْتُم بِهِ مُؤمنُونَ (88) لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان فكفارته﴾ لكم وَلَا تَعْتَدوا إِن الله لَا يحب الْمُعْتَدِينَ) رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، والاعتداء: هُوَ مُجَاوزَة مَاله إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ

﴿وكلوا مِمَّا رزقكم الله حَلَالا طيبا وَاتَّقوا الله الَّذِي أَنْتُم بِهِ مُؤمنُونَ﴾ أكد ذَلِك النَّهْي بِهَذَا الْأَمر.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم﴾ إِنَّمَا عقب تِلْكَ الْآيَة بِهَذِهِ؛ لِأَن الْقَوْم الَّذين تشاوروا أَن يترهبوا كَانُوا قد حلفوا؛ فَبين حكم الْإِيمَان، واللغو: هُوَ المطرح الَّذِي لَا يعبأ بِهِ، وَعَن عَائِشَة: أَن لَغْو الْيَمين: قَول الْإِنْسَان: لَا وَالله، وبلى وَالله، وَاخْتَارَهُ الشَّافِعِي، وَقَالَ ابْن عَبَّاس، وَأَبُو هُرَيْرَة: لَغْو الْيَمين: هُوَ أَن يحلف على شَيْء على ظن أَنه كَذَلِك فَإِذا هُوَ على خِلَافه، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب الْكَفَّارَة فِي يَمِين اللَّغْو، قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: تجب فِيهَا الْكَفَّارَة، وَقَوله: ﴿لَا يُؤَاخِذكُم﴾ يَعْنِي: فِي الْقِيَامَة.
وَسَائِر الْعلمَاء على أَن لَا كَفَّارَة فِي يَمِين اللَّغْو؛ لظَاهِر الْقُرْآن ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾ فِيهِ ثَلَاث قراءات: ﴿عقدتم﴾ بِالتَّخْفِيفِ قِرَاءَة الْكسَائي وَحَمْزَة وَأَبُو بكر.
و ﴿عقدتم﴾ بِالتَّشْدِيدِ قَرَأَهُ أَبُو عَمْرو وَمن بَقِي، غير ابْن ذكْوَان، و ﴿عاقدتم﴾ قِرَاءَة ابْن عَامر بِرِوَايَة ابْن ذكْوَان.
قَالَ الْكسَائي: عقدتم، أَي: أوجبتم، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: عقدتم، أَي: وكدتم، وَاخْتلفُوا فِي هَذَا التوكيد، قَالَ ابْن جريج: سَأَلت عَطاء عَن قَوْله: ﴿عقدتم﴾ أَنه مَاذَا؟ فَقَالَ: هُوَ قَول الْقَائِل: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ؛ كَأَنَّهُ فسر التوكيد بِهِ، وروى نَافِع عَن ابْن عمر: أَن توكيد الْيَمين بالتكرار، قَالَ نَافِع: وَكَانَ ابْن عمر إِذا وكد الْيَمين أعتق رَقَبَة، وَإِذا لم يوكد: أطْعم الْمَسَاكِين فِي كَفَّارَته.
﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ على قَول النَّخعِيّ يرجع هَذَا إِلَى يَمِين اللَّغْو، وعَلى قَول البَاقِينَ يرجع إِلَى الْيَمين المعقودة، وَهِي الْمَقْصُودَة، وَعقد الْيَمين: هُوَ الْقَصْد بِالْقَلْبِ، وَالذكر بِاللِّسَانِ.
﴿من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم﴾ قَالَ ابْن عمر: الْأَوْسَط هُوَ الْخبز وَالزَّيْت، أَو الْخبز

﴿إطْعَام عشرَة مَسَاكِين من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم أَو تَحْرِير رَقَبَة فَمن لم﴾ وَالتَّمْر، وَقَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي: هُوَ الْخبز وَالسمن، وَقَالَ أَبُو رزين: (هُوَ الْخبز والخل وَأما الْأَعْلَى) : هُوَ الْخبز وَاللَّحم، والأدنى: هُوَ الْخبز البحت، وَالْكل مجزئ، والأوسط فِي الْقدر، قَالَ زيد بن ثَابت، وَعَائِشَة، وَابْن عمر - رَضِي الله عَنْهُم - هُوَ الْمَدّ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي - رَضِي الله عَنهُ - وَذَلِكَ رَطْل وَثلث، وَقَالَ عمر، وَعلي - وَهُوَ رِوَايَة ابْن عَبَّاس - أَنه مدان، نصف صَاع، وَبِه قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ.
﴿أَو كسوتهم﴾ قَالَ عَطاء، وطاووس: لكل مِسْكين ثوب، وَقَالَ مُجَاهِد: مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْكسْوَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: لكل مِسْكين ثوب جَامع يصلح [لِليْل] وَالنَّهَار مثل الكساء، الملحفة وَنَحْوهمَا.
وَقَالَ ابْن عمر: ثَلَاثَة أَثوَاب.
وَقيل: ثَوْبَان، وَهُوَ قَول الْحسن، وَابْن سِيرِين، مثل إِزَار ورداء، أَو إِزَار وعمامة.
وَقيل: مَا يستر الْعَوْرَة، وتجزئ بِهِ الصَّلَاة.
وَالصَّحِيح: أَن الْوَاجِب لكل مِسْكين مَا يصلح بِهِ الْكسْوَة فِي الْعرف ﴿أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ هُوَ عتق الرَّقَبَة، وَفِيه كَلَام فِي الْفِقْه.
﴿فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام﴾ ظَاهِرَة: أَنه يجوز مُتَفَرقًا، وَهُوَ الْأَصَح، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود، وَأبي بن كَعْب: " ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات " فعلى هَذَا يجب التَّتَابُع فِيهِ، وَبِه قَالَ مَالك، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي ﴿ذَلِك كَفَّارَة أَيْمَانكُم إِذا حلفتم﴾ قيل: الْحِنْث مُضْمر فِيهِ، يَعْنِي: إِذا حلفتم وحنثتم، وَلَا تجب الْكَفَّارَة إِلَّا بعد الْحِنْث، وَأما جَوَاز التَّكْفِير قبل الْحِنْث عرفنَا بِالسنةِ ﴿واحفظوا أَيْمَانكُم﴾ ظَاهره للنَّهْي عَن الْحِنْث، وَقيل: أَرَادَ بِهِ حفظ الْيَمين لَا أَن يحلف، وَالْأول أصح ﴿كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ .

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل