الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿بشر الْمُنَافِقين بِأَن لَهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ فَإِن قيل: مَا معنى الْبشَارَة بِالْعَذَابِ الْأَلِيم؟ قيل: أصل الْبشَارَة: كل خبر تَتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه، سارا كَانَ أم مَكْرُوها، لكنه فِي الْغَالِب إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الْخَبَر السار، فَإِذا اسْتعْمل فِي الْخَبَر السيء كَانَ على الأَصْل، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: ضع هَذَا مَوضِع الْبشَارَة، كَمَا تَقول الْعَرَب: تحيتك السَّوْط، وعقابك السَّيْف.
يعْنى: وضعت السَّوْط مَعَ التَّحِيَّة، قَالَ الشَّاعِر:
(وخيل قد دلفت بهَا لخيل ... تَحِيَّة بَينهم ضرب وجيع)
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الَّذين يتخذون الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ﴾ هَذَا فِي الْمُنَافِقين، كَانُوا يوالون الْكفَّار، ويظنون أَن النُّصْرَة وَالْغَلَبَة لَهُم ﴿أيبتغون عِنْدهم الْعِزَّة﴾ يعْنى: أيطلبون عِنْدهم الْقُوَّة وَالْغَلَبَة ﴿فَإِن الْعِزَّة لله جَمِيعًا﴾ أَي: الْقُوَّة وَالْغَلَبَة كلهَا لله - تَعَالَى -.
﴿الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا ويستهزأ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلهم إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا (140) الَّذين يتربصون بكم فَإِن كَانَ لكم فتح من الله قَالُوا ألم نَكُنْ مَعكُمْ وَإِن كَانَ للْكَافِرِينَ نصيب قَالُوا﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد نرى فِي بعض الْأَحْوَال الْغَلَبَة للْكفَّار؛ فَمَا معنى قَوْله: ﴿فَإِن الْعِزَّة لله جَمِيعًا﴾ ؟ قيل: مَعْنَاهُ: أَن المقوى هُوَ الله - تَعَالَى - فِي الْأَحْوَال كلهَا.
وَقيل: مَعْنَاهُ: الْغَلَبَة بِالْحجَّةِ لله جَمِيعًا.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقد نزل عَلَيْكُم فِي الْكتاب أَن إِذا سَمِعْتُمْ آيَات الله يكفر بهَا ويستهزأ بهَا فَلَا تقعدوا مَعَهم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره إِنَّكُم إِذا مثلهم﴾ .
هَذَا إِشَارَة إِلَى مَا أنزل فِي سُورَة الْأَنْعَام ﴿وَإِذا رَأَيْت الَّذين يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا فَأَعْرض عَنْهُم ... .﴾ الْآيَة.
نهى عَن الْقعُود مَعَهم، وَمَا حكم الْقعُود مَعَهم؟ أما إِذا قعد مَعَهم ... ورضى بِمَا يَخُوضُونَ فِيهِ، فَهُوَ كَافِر مثلهم، وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿إِنَّكُم إِذا مثلهم﴾ . وَإِن قعد، وَلم يرض بِمَا يَخُوضُونَ فِيهِ، فَالْأولى أَن لَا يقْعد، وَلَكِن لَو قعد كَارِهًا، فَلَا يكفر، وَهَذَا هُوَ الحكم فِي كل بِدعَة يخاض فِيهَا، فَلَو تركُوا الْخَوْض فِيهِ وخاضوا فِي حَدِيث غَيره، فَلَا بَأْس بالقعود مَعَهم وَإِن كره؛ لقَوْله ﴿حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره﴾ قَالَ الْحسن: وَإِن خَاضُوا فِي حَدِيث غَيره لَا يجوز الْقعُود مَعَهم؛ لقَوْله فِي سُورَة الْأَنْعَام: ﴿وَإِمَّا ينسينك الشَّيْطَان فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه يجوز، وَآيَة الْأَنْعَام مَكِّيَّة وَهَذِه الْآيَة مَدَنِيَّة، والمتأخر أولى.
{إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا
الَّذين يتربصون بكم) يعْنى: الْمُنَافِقين ينتظرون أَمركُم (فَإِن كَانَ لكم فتح من الله) يعْنى: ظفر ﴿قَالُوا ألم نَكُنْ مَعكُمْ﴾ يعْنى: كُنَّا مَعكُمْ، فاجعلوا لنا نَصِيبا من الْغَنِيمَة ﴿وَإِن كَانَ للْكَافِرِينَ نصيب﴾ يعْنى: وَإِن كَانَت الْقُوَّة للْكَافِرِينَ {قَالُوا ألم نستحوذ عَلَيْكُم
﴿ألم نستحوذ عَلَيْكُم ونمنعكم من الْمُؤمنِينَ فَالله يحكم بَيْنكُم يَوْم الْقِيَامَة وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا (141) إِن الْمُنَافِقين يخادعون الله وَهُوَ خادعهم وَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى يراءون النَّاس وَلَا يذكرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا (142) مذبذبين بَين ذَلِك لَا إِلَى﴾ ونمنعكم من الْمُؤمنِينَ) الاستحواذ: الِاسْتِيلَاء وَالْغَلَبَة وَمِنْه قَوْله - تَعَالَى -: ﴿استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان﴾ قَالَ الْمبرد: معنى هَذَا: قَالُوا: ألم نغلبكم على رَأْيكُمْ، ونمنعكم من الْمُؤمنِينَ، وَالدُّخُول فِي جُمْلَتهمْ، وتخذيل الْمُؤمنِينَ عَنْكُم.
وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: ألم نستول عَلَيْكُم بالنصرة لكم من جِهَة مراسلتنا إيَّاكُمْ بأخبار الْمُؤمنِينَ، وأمورهم، وتخذيلنا إيَّاهُم عَنْكُم.
( ﴿فَالله يحكم بَيْنكُم يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا) قَالَ على، وَابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ: فِي الْقِيَامَة، وَقيل: هُوَ سَبِيل الْحجَّة، أَي: لَا تكون الْحجَّة للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ أبدا.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الْمُنَافِقين يخادعون الله وَهُوَ خادعهم﴾ يخادعون الله، أَي: يعاملون الله مُعَاملَة المخادعين حَيْثُ أظهرُوا الْإِيمَان، وأبطنوا الْكفْر، وَهُوَ خادعهم، أَي: يعاملهم مُعَاملَة المخادعين، وَذَلِكَ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه حكم بإيمَانهمْ فِي الظَّاهِر، وكفرهم فِي الْبَاطِن، كَمَا فعلوا هم وَالثَّانِي: أَنه فِي الْقِيَامَة يعطيهم نورا، كَمَا يعْطى الْمُؤمنِينَ، ثمَّ إِذا كَانُوا على الصِّرَاط طفئ نورهم، وَذهب الْمُؤْمِنُونَ بنورهم، وَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَهُوَ خادعهم﴾ وَقيل: مَعْنَاهُ: يخادعون رَسُول الله، وَهُوَ خادعهم، أَي: يجازيهم على مخادعتهم الرَّسُول، وسمى الثَّانِي خداعا على الازدواج، كَمَا قَالَ: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَفِي حَدِيث عدى بن حَاتِم أَن النَّبِي قَالَ: " يُؤْتى بناس من النَّاس يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الْجنَّة، حَتَّى إِذا دنوا مِنْهَا، واستنشقوا رائحتها، وَرَأَوا فِيهَا من النَّعيم، يَأْمر الله - تَعَالَى - بصرفهم عَنْهَا، فيرجعون بحسرة مَا رَجَعَ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ بِمِثْلِهَا، فَيَقُولُونَ: يَا رب، لَو أدخلتنا النَّار قبل أَن ترينا مَا أريتنا كَانَ أَهْون علينا، فَيَقُول الله - تَعَالَى -: ذَاك أردْت لكم،
﴿هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمن يضلل الله فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا (143) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون الْمُؤمنِينَ أتريدون أَن تجْعَلُوا لله عَلَيْكُم سُلْطَانا مُبينًا (144) إِن﴾ وكنتم إِذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وَإِذا لَقِيتُم النَّاس، لقيتموهم مخبتين، هبتم النَّاس وَلم تهابوني، أجللتم النَّاس، وَلم تجلوني، تركْتُم للنَّاس، وَلم تتركوا لي؛ فاليوم أذيقكم الْعَذَاب، مَعَ مَا حرمتم من الثَّوَاب ".
وَقَوله: ﴿وَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى﴾ يعْنى: متثاقلين، وَهَذَا دأب الْمُنَافِقين؛ لقلَّة الدَّوَاعِي لَهُم، وَأما الْمُؤمنِينَ ينشطون إِلَى الْقيام إِلَى الصَّلَاة؛ لِكَثْرَة الدَّوَاعِي لَهُم، ﴿يراءون النَّاس﴾ أَي: يعْملُونَ مَا يعْملُونَ، مراءه للنَّاس، لَا اتبَاعا لأمر الله.
وَاعْلَم أَن الرِّيَاء لَا يُوجب الْكفْر، وَهُوَ عيب عَظِيم، وَأما النِّفَاق كفر مَحْض.
﴿وَلَا يذكرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا﴾ قَالَ الْحسن: لِأَنَّهُ لما لم يتَقَبَّل عَمَلهم، كَانَ قَلِيلا
﴿مذبذبين بَين ذَلِك﴾ أَي: متذبذبين وَكَذَلِكَ قَرَأَ أَبى بن كَعْب، وَمَعْنَاهُ: مضطربين متحيرين ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ ، يعْنى: لَا إِلَى الْكفَّار بالتصريح بالشرك، وَلَا إِلَى الْمُؤمنِينَ باعتقاد الْإِيمَان.
وروى ابْن عمر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مثل الْمُنَافِق كَمثل الشَّاة العائرة بَين ربيضين، إِن جَاءَت إِلَى هَذِه، نطحتها، وَإِن جَاءَت إِلَى هَذِه نطحتها " ﴿وَمن يضلل الله فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا﴾ أَي: وَمن يضلله الله، فَلَنْ تَجِد لَهُ طَرِيقا إِلَى الْحق.
قَوْله - تَعَالَى -: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافرين أَوْلِيَاء من دون
﴿الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَلنْ تَجِد لَهُم نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا واعتصموا بِاللَّه وَأَخْلصُوا دينهم لله فَأُولَئِك مَعَ الْمُؤمنِينَ وسوف يُؤْت الله الْمُؤمنِينَ أجرا﴾ الْمُؤمنِينَ) فِي الْآيَة نهى عَن مُوالَاة الْمُؤمنِينَ مَعَ الْكفَّار ﴿أتريدون أَن تجْعَلُوا لله عَلَيْكُم سُلْطَانا مُبينًا﴾ السُّلْطَان: الْحجَّة، وَمِنْه يُقَال: للأمير سُلْطَان؛ لِأَنَّهُ ذُو الْحجَّة، وَمَعْنَاهُ: أتريدون أَن تجْعَلُوا لله عَلَيْكُم حجَّة بَيِّنَة فِي عذابكم، بِحَيْثُ لَا يبْقى لكم عذر عِنْده؟ ! .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ وَيقْرَأ: " فِي الدَّرك " بجزم الرَّاء - قَالَ أَبُو عبيده، والأخفش: النَّار دركات، وَالْجنَّة دَرَجَات، قَالَ أهل الْعلم: يجوز أَن يكون فِرْعَوْن وهامان أَشد عذَابا من الْمُنَافِقين، وَإِن كَانَ المُنَافِقُونَ فِي الدَّرك الْأَسْفَل.
قَالَ ابْن مَسْعُود: الدَّرك الْأَسْفَل: تَابُوت من حَدِيد مقفل عَلَيْهِم، وَقيل: تَابُوت من النَّار.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: والدرك الْأَسْفَل: بَيت مطبق عَلَيْهِم، تتوقد النَّار فِيهِ من فَوْقهم، وَمن تَحْتهم ﴿وَلنْ تَجِد لَهُم نَصِيرًا﴾ مَانِعا من الْعَذَاب.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ أَي: أَسْلمُوا ﴿وَأَصْلحُوا﴾ أَي: داموا على التَّوْبَة ﴿واعتصموا بِاللَّه﴾ الِاعْتِصَام: هُوَ الِامْتِنَاع بالشَّيْء مِمَّا يخَاف، فالاعتصام بِاللَّه: هُوَ الِامْتِنَاع بِطَاعَتِهِ من كل مَا يخَاف عَاجلا، وآجلا ﴿وَأَخْلصُوا دينهم لله﴾ شَرط الْإِخْلَاص بِالْقَلْبِ؛ لِأَن الْآيَة فِي الْمُنَافِقين، والنفاق: كفر الْقلب، فزواله بالإخلاص ﴿فَأُولَئِك مَعَ الْمُؤمنِينَ وسوف يُؤْت الله الْمُؤمنِينَ أجرا عَظِيما﴾ ، وَإِنَّمَا لم يقل: فَأُولَئِك هم الْمُؤْمِنُونَ، وسوف يُؤْتِيهم الله أجرا عَظِيما؛ غيظا على الْمُنَافِقين.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿مَا يفعل الله بعذابكم إِن شكرتم وآمنتم﴾ هَذَا اسْتِفْهَام بِمَعْنى التَّقْرِير، وَمَعْنَاهُ: لَا يعذب الله الْمُؤمن الشاكر، وَتَقْدِير قَوْله: ﴿إِن شكرتم وآمنتم﴾ أَي: إِن آمنتم وشكرتم، وَالشُّكْر ضد الْكفْر، وَالْكفْر: ستر النِّعْمَة وَالشُّكْر: إِظْهَار النِّعْمَة ﴿وَكَانَ الله شاكرا عليما﴾ الشُّكْر من الله قبُول الْعَمَل، وَمَعْنَاهُ: وَكَانَ
﴿عَظِيما (146) مَا يفعل الله بعذابكم إِن شكرتم وآمنتم وَكَانَ الله شاكرا عليما (147) لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إِلَّا من ظلم وَكَانَ الله سميعا عليما (148) إِن تبدوا خيرا أَو﴾ الله قَابلا للطاعات، عليما بِالنِّيَّاتِ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إِلَّا من ظلم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: إِلَّا من ظلم، فَيجوز لَهُ أَن يجْهر بالسوء بالإخبار عَن ظلم الظَّالِم، وَالدُّعَاء عَلَيْهِ، قَالَ الْحسن: دعاؤه عَلَيْهِ: أَن يَقُول: اللَّهُمَّ اعني عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ استخرج حَقي مِنْهُ.
وَقيل: يجوز لَهُ أَن يشْتم، وَلَكِن بِمثل مَا شتم، لَا يزِيد عَلَيْهِ، بِمَا لم يكن قذفا، وَقد ورد فِي الحَدِيث: " السبتان بالسبة رَبًّا " قَالَ مُجَاهِد: هُوَ فِي الضَّيْف يَأْتِي قوما، فَلم يقروه، وَلم يحسنوا ضيافته، يجوز لَهُ أَن يجْهر بالسوء لَهُم.
وَيقْرَأ: " إِلَّا من ظلم " بِفَتْح الظَّاء وَاللَّام.
قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: إِلَّا من ظلم، فأجهر قَوْله بالسوء، وَقيل: هُوَ رَاجع إِلَى الْآيَة الْمُتَقَدّمَة، وَتَقْدِيره: مَا يفعل الله بعذابكم إِن شكرتم وآمنتم إِلَّا من ظلم وَقيل: هُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، يعْنى: لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل، لَكِن يجْهر بالسوء من ظلم ﴿وَكَانَ الله سميعا عليما﴾ سميعا لأقوالكم: عليما بنياتكم.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن تبدوا خيرا أَو تُخْفُوهُ﴾ مَعْنَاهُ: إِن تبدوا شَيْئا من الصَّدقَات؛ ليقتدي بكم، أَو تُخْفُوهُ؛ مَخَافَة الرِّيَاء ﴿أَو تعفوا عَن سوء﴾ تصابون بِهِ ﴿فَإِن الله كَانَ عفوا قَدِيرًا﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين يكفرون بِاللَّه وَرُسُله﴾ أَرَادَ بِهِ الْيَهُود لما كفرُوا بِمُحَمد فكأنهم كفرُوا بِاللَّه ﴿ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله﴾ يُرِيدُونَ أَن يُؤمنُوا بِاللَّه، ويكفروا بالرسول ﴿وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض﴾ يُؤمنُونَ بمُوسَى، ويكفرون بِعِيسَى، وَمُحَمّد ﴿ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا﴾ أَي: مذهبا يذهبون إِلَيْهِ.
﴿تُخْفُوهُ أَو تعفوا عَن سوء فَإِن الله كَانَ عفوا قَدِيرًا (149) إِن الَّذين يكفرون بِاللَّه وَرُسُله ويريدون أَن يفرقُوا بَين الله وَرُسُله وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَن يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا (150) أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا واعتدنا للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا (151) وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم أُولَئِكَ سَوف يُؤْتِيهم أُجُورهم وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (153) يسئلك عَن أهل الْكتاب أَن تنزل عَلَيْهِم كتابا من﴾
﴿أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا﴾ إِنَّمَا حقق كفرهم، ليعلم أَنهم كفار مُطلقًا لِئَلَّا يظنّ ظان أَنهم لما آمنُوا بِاللَّه وَبَعض الرُّسُل لَا يكون كفرهم مُطلقًا ﴿اعتدنا للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله وَلم يفرقُوا بَين أحد مِنْهُم أُولَئِكَ سَوف يُؤْتِيهم أُجُورهم﴾ إِنَّمَا سَمَّاهُ أجرا مجَازًا؛ لِأَنَّهُ ذكره بِإِزَاءِ الْعَمَل، لِأَن الْعَمَل يُوجِبهُ، وَهَذَا نَحْو قَوْله - تَعَالَى - فِي قصَّة مُوسَى: ﴿إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك أجر مَا سقيت لنا﴾ سَمَّاهُ أجرا على مُقَابلَة الْعَمَل؛ لِأَن مُوسَى عمل؛ ليؤجر عَلَيْهِ ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَسْأَلك أهل الْكتاب أَن تنزل عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء﴾ هم الْيَهُود، قَالُوا للنَّبِي لن نؤمن لَك حَتَّى تنزل علينا كتابا من السَّمَاء جملَة، كَمَا أنزلت التَّوْرَاة على مُوسَى جملَة.
قَالَ الْحسن: وَلم يكن ذَلِك سُؤال انقياد، وَإِنَّمَا ذَلِك سُؤال تحكم، واقتراح؛ فَإِنَّهُم لَو أنزل عَلَيْهِم الْكتاب جملَة، كَمَا سَأَلُوا؛ لم يُؤمنُوا، وَالله - تَعَالَى - لَا ينزل الْآيَات على اقتراح الْعباد، وَإِنَّمَا ينزلها على مَشِيئَته ﴿فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك﴾ أَي: أعظم من ذَلِك ﴿فَقَالُوا أرنا الله جهرة﴾ أَي: عيَانًا، وَذَلِكَ أَن الْعَرَب كَانَت تعد الْعلم بِالْقَلْبِ رُؤْيَة؛ فَقَالَ: ﴿جهرة﴾ ليعلم أَنه أَرَادَ العيان، وَقَالَ أَبُو عبيده: مَعْنَاهُ:
﴿السَّمَاء فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك فَقَالُوا أرنا الله جهرة فَأَخَذتهم الصاعقة بظلمهم ثمَّ اتَّخذُوا الْعجل من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات فعفونا عَن ذَلِك وآتينا مُوسَى سُلْطَانا مُبينًا (153) ورفعنا فَوْقهم الطّور بميثاقهم وَقُلْنَا لَهُم ادخُلُوا الْبَاب سجدا وَقُلْنَا لَهُم لَا تعدوا فِي السبت وأخذنا مِنْهُم ميثاقا غليظا (154) فبمَا نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيَات الله وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا﴾ فَقَالُوا جهرة: أرنا الله ﴿فَأَخَذتهم الصاعقة بظلمهم﴾ ، ﴿ثمَّ اتَّخذُوا الْعجل﴾ يعْنى: إِلَهًا ﴿من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات فعفونا عَن ذَلِك﴾ فِيهِ استدعاء للتَّوْبَة، وَمَعْنَاهُ: أَن أُولَئِكَ الَّذين اجترموا ذَلِك الإجرام، عَفَوْنَا عَنْهُم؛ فتوبوا أَنْتُم، حَتَّى نعفو عَنْكُم ﴿وآتينا مُوسَى سُلْطَانا مُبينًا﴾ حجَّة بَيِّنَة من المعجزات.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ورفعنا فَوْقهم الطّور بميثاقهم﴾ الطّور: جبل الطّور، وَقيل: كل جبل ينْبت شَيْئا، فَهُوَ طور، فَإِن لم ينْبت، لَا يُسمى طورا، والميثاق: الْعَهْد الْمُؤَكّد بِالْيَمِينِ.
﴿وَقُلْنَا لَهُم ادخُلُوا الْبَاب سجدا﴾ قيل: إِنَّهُم سجدوا على أَنْصَاف وُجُوههم، حَتَّى دخلُوا الْبَاب، وَفِي الْقِصَّة: أَنهم قَالُوا: بِهَذَا السُّجُود رفع الْعَذَاب عَنَّا، فَلَا نَتْرُك هَذَا السُّجُود، وَكَانُوا يَسْجُدُونَ بعد ذَلِك على أَنْصَاف وُجُوههم.
﴿وَقُلْنَا لَهُم لَا تعدوا فِي السبت﴾ وَقَرَأَ نَافِع - بِرِوَايَة قَالُوا -: ﴿لَا تعدوا﴾ - بجزم الْعين، مُشَدّدَة الدَّال وَفِي رِوَايَة ورش عَنهُ ﴿لَا تعدوا﴾ - بِفَتْح الْعين مُشَدّدَة الدَّال وَمعنى الْكل: لَا يتعدوا فِي السبت ﴿وأخذنا مِنْهُم ميثاقا غليظا﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم﴾ وَمَا للصلة، وَإِنَّمَا تدخل فِي الْكَلَام؛ لتفخيمه، وتجزيله ﴿وكفرهم بآيَات الله وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق وَقَوْلهمْ قُلُوبنَا غلف﴾ قد ذكرنَا كل هَذَا ﴿بل طبع الله عَلَيْهَا بكفرهم﴾ الطَّبْع: الْخَتْم، وَقَالَ
﴿اقليلا (155) وبكفرهم وَقَوْلهمْ على مَرْيَم بهتانا عَظِيما (156) وَقَوْلهمْ إِنَّا قتلنَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ لفي شكّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا (157) بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ لزجاج: جعل قُلُوبهم، كالمطبوع لَا يفلح، وَلَا يصلح أبدا، وَلَا يدخلهَا خير؛ فَلَا يُؤمنُونَ إِلَّا قَلِيلا
﴿وبكفرهم وَقَوْلهمْ على مَرْيَم بهتانا عَظِيما﴾ أَرَادَ بِهِ: نسبتهم مَرْيَم إِلَى الزِّنَا.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَوْلهمْ إِنَّا قتلنَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ .
قيل: إِن الله - تَعَالَى - ألْقى شبه عِيسَى على الَّذِي دلهم عَلَيْهِ؛ فَقَتَلُوهُ وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا حبسوا عِيسَى فِي بَيت، وَجعلُوا عَلَيْهِ رقيبا، فَألْقى الله تَعَالَى شبه عِيسَى على الرَّقِيب؛ فَقَتَلُوهُ، وَقيل: إِنَّهُم مَا كَانُوا يعْرفُونَ عِيسَى بِعَيْنِه، وَكَانُوا يعرفونه باسمه، وَكَانُوا يطلبونه؛ فَقَالَ لَهُم يهوذا - وَهُوَ وَاحِد من أَصْحَاب عِيسَى -: أعطوني شَيْئا، أدلكم على عِيسَى؛ فَأَعْطوهُ ثَلَاثِينَ درهما؛ فدلهم على غَيره، فَقتلُوا ذَلِك الْغَيْر؛ فَهَذَا قَوْله: ﴿وَلَكِن شبه لَهُم﴾ ، ﴿وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ لفي شكّ مِنْهُ﴾ وَذَلِكَ أَن الرجل الَّذِي قَتَلُوهُ على ظن أَنه عِيسَى، كَانَ يُشبههُ بِوَجْهِهِ، وَلَا يُشبههُ بجسده، فَوَقع فيهم الِاخْتِلَاف، فَقَالَ بَعضهم: الَّذِي قَتَلْنَاهُ كَانَ عِيسَى، وَقَالَ بَعضهم: لم يكن عِيسَى.
وَقيل: هُوَ الِاخْتِلَاف بَين عُلَمَائهمْ، وأغتامهم؛ فَإِن علماءهم كَانُوا يعلمُونَ أَنهم لم يصلبوا عِيسَى وَكَانَ عِنْد جهالهم وأغتامهم أَنهم قتلوا عِيسَى، ﴿وَمَا لَهُم بِهِ من علم﴾ يعْنى: من حَقِيقَة علم ﴿إِلَّا اتِّبَاع الظَّن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا﴾ قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَوْله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ كَلَام تَامّ، وَقَوله: ﴿يَقِينا﴾ رَاجع إِلَى مَا بعد، وَتَقْدِيره: " بل رَفعه الله إِلَيْهِ يَقِينا، قَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: وَمَا قتلوا
﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما (158) وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته وَيَوْم الْقِيَامَة يكون عَلَيْهِم شَهِيدا (159) فبظلم من الَّذين هادوا حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات أحلّت لَهُم وبصدهم عَن سَبِيل الله كثيرا (160) وَأَخذهم الرِّبَا وَقد نهوا عَنهُ وأكلهم أَمْوَال النَّاس﴾ الَّذِي ظنُّوا أَنه عِيسَى يَقِينا أَنه عِيسَى، وَقيل: الْهَاء كِنَايَة عَن عِيسَى، أَي: وَمَا قتلوا عِيسَى يَقِينا ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ مَعْنَاهُ: وَأَن من أهل الْكتاب أحدا إِلَّا ليؤمن بِهِ، وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ أَي: وَأَن مِنْكُم أحد.
وَاخْتلفُوا فِي قَوْله: ﴿قبل مَوته﴾ قَالَ الْحسن - وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس -: إِنَّه كِنَايَة عَن الْكِتَابِيّ، وَقَالَ: مَا من كتابي من الْيَهُود، إِلَّا وَهُوَ يُؤمن بِعِيسَى قبل مَوته فِي وَقت الْيَأْس، حِين لَا يَنْفَعهُ، حَتَّى قيل لِابْنِ عَبَّاس: وَإِن مَاتَ حرقا أَو غرقا أَو هدما؟ قَالَ: نعم.
وَقَالَ قَتَادَة - وَهُوَ رِوَايَة أُخْرَى عَن ابْن عَبَّاس -: إِن " الْهَاء " كِنَايَة عَن عِيسَى، يعْنى: مَا من كتابي إِلَّا يُؤمن بِعِيسَى قبل موت عِيسَى، وَذَلِكَ حِين ينزل من السَّمَاء، وَقَالَ عِكْرِمَة: هَذَا فِي مُحَمَّد مَا من كتابي إِلَّا ويؤمن بِهِ قبل الْمَوْت، وَهَذَا قَول ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لم يجر ذكر مُحَمَّد فِي الْآيَة ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة يكون عَلَيْهِم شَهِيدا﴾ يعْنى: عِيسَى.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فبظلم من الَّذين هادوا﴾ يعْنى: مَا ذكر من إجرامهم ﴿حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات أحلّت لَهُم﴾ هُوَ مَا ذكرنَا فِي سُورَة الْأَنْعَام {وعَلى الَّذين هادوا حرمنا
﴿بِالْبَاطِلِ وأعتدنا للْكَافِرِينَ مِنْهُم عذَابا أَلِيمًا (161) لَكِن الراسخون فِي الْعلم مِنْهُم والمؤمنون يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك والمقيمين الصَّلَاة والمؤتون الزَّكَاة والمؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أُولَئِكَ سنؤتيهم أجرا عَظِيما (163) إِنَّا أَوْحَينَا﴾ كل ذِي ظفر) الْآيَة على مَا سَيَأْتِي {وبصدهم عَن سَبِيل الله كثيرا
وَأَخذهم الرِّبَا وَقد نهوا عَنهُ وأكلهم أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ) يعْنى: الرشا ﴿اعتدنا للْكَافِرِينَ مِنْهُم عذَابا أَلِيمًا﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَكِن الراسخون فِي الْعلم مِنْهُم﴾ لَكِن للإضراب عَن كَلَام، وَالدُّخُول فِي كَلَام آخر، ﴿والراسخون﴾ : المبالغون فِي الْعلم أولُوا البصائر فِيهِ، وَأَرَادَ بِهِ: الَّذين أَسْلمُوا من عُلَمَاء الْيَهُود: مثل عبد الله بن سَلام، وَيَمِين بن يَمِين، وَأسد وَأسيد ابْني كَعْب، وَجَمَاعَة ﴿والمؤمنون﴾ أَرَادَ بِهِ: الْمُهَاجِرين، وَالْأَنْصَار ﴿يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك﴾ يعْنى: الْقُرْآن ﴿وَمَا أنزل من قبلك﴾ يعْنى: سَائِر الْكتب الْمنزلَة ﴿والمقيمين الصَّلَاة﴾ فِي هَذَا إِشْكَال من حَيْثُ النَّحْو، قيل: إِن هَذَا ذكر لعَائِشَة، وَأَبَان بن عُثْمَان، فادعيا الْغَلَط على الْكَاتِب، وَقَالا: يَنْبَغِي أَن يكْتب: " والمقيمون الصَّلَاة " وَلَيْسَ هَكَذَا؛ بل هُوَ صَحِيح فِي النَّحْو، وَهُوَ نصب على الْمَدْح، وَتَقْدِيره: واذْكُرُوا المقيمين الصَّلَاة، أَو أعنى: المقيمين الصَّلَاة، وهم المؤتون الزَّكَاة، وَمثله قَول الشَّاعِر: (النازلين بِكُل معترك ... والطيبون [معاقد] الأزر) أَي: أعنى النازلين بِكُل معترك، وهم الطيبون معاقد الأزر؛ فَيكون نصبا على الْمَدْح، وَقيل تَقْدِيره: وَمَا أنزل على المقيمين الصَّلَاة، قَوْله: ﴿والمؤتون الزَّكَاة﴾ رُجُوع إِلَى نسق الأول ﴿والمؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أُولَئِكَ سنؤتيهم أجرا عَظِيما﴾ .
﴿إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَعِيسَى وَأَيوب وَيُونُس وَهَارُون وَسليمَان وآتينا دَاوُود زبورا (163) ورسلا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ورسلا لم نقصصهم عَلَيْك وكلم الله مُوسَى﴾
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده﴾ هَذَا بِنَاء على مَا [سبق] من قَوْله ﴿يَسْأَلك أهل الْكتاب أَن تنزل عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء﴾ يَقُول الله - تَعَالَى -: قد جعلناك رَسُولا بِالطَّرِيقِ الَّذِي [قد] جعلنَا سَائِر الْأَنْبِيَاء رسلًا، وَهُوَ الْوَحْي، ﴿وأوحينا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَعِيسَى وَأَيوب وَيُونُس وَهَارُون وَسليمَان﴾ ذكر عدَّة من الرُّسُل الَّذين أوحى إِلَيْهِم.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم قدم ذكر عِيسَى، وَهُوَ مُتَأَخّر؟ قيل: " الْوَاو " لَا توجب التَّرْتِيب، وَإِنَّمَا هِيَ للْجمع، وَقيل: ذكره اهتماما بأَمْره، وَكَانَ أَمر عِيسَى أهم ﴿وآتينا دَاوُد زبورا﴾ قَرَأَ حَمْزَة: " زبورا " - بِضَم الزَّاي - فالزبور: فعول بِمَعْنى الْمَفْعُول، وَهُوَ الْكتاب الَّذِي أنزل الله - تَعَالَى - على دَاوُد، فِيهِ التَّحْمِيد، والتمجيد، وثناء الله - تَعَالَى -، وَالزَّبُور: الْكِتَابَة، والزبرة قِطْعَة الْحَدِيد، وَيُقَال: مَا لَهُ زبر أَي: مَا لَهُ عقل، وَأما الزبُور: جمع الزبر.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ورسلا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل﴾ وَأَرْسَلْنَا رسلًا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ﴿ورسلا لم نقصصهم عَلَيْك وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ إِنَّمَا كَلمه بِنَفسِهِ من غير وَاسِطَة، وَلَا وَحي، وَفِيه دَلِيل على من قَالَ: إِن الله خلق كلَاما فِي الشَّجَرَة؛ فَسَمعهُ مُوسَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾
﴿تكليما (164) رسلًا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما (165) لَكِن الله يشْهد بِمَا أنزل إِلَيْك أنزلهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَة يشْهدُونَ﴾
قَالَ الْفراء، وثعلب: إِن الْعَرَب تسمى مَا توصل إِلَى الْإِنْسَان: كلَاما، بِأَيّ طَرِيق وصل إِلَيْهِ، وَلَكِن لَا تحَققه بِالْمَصْدَرِ، فَإِذا حقق الْكَلَام بِالْمَصْدَرِ، لم تكن إِلَّا حَقِيقَة الْكَلَام، وَهَذَا كالإرادة، يُقَال: أَرَادَ فلَان إِرَادَة، فَيكون حَقِيقَة الْإِرَادَة، وَلَا يُقَال: أَرَادَ الْجِدَار أَن يسْقط إِرَادَة، وَإِنَّمَا يُقَال: أَرَادَ الْجِدَار، من غير ذكر الْمصدر؛ لِأَنَّهُ مجَاز، فَلَمَّا حقق الله كَلَامه مُوسَى بالتكليم، عرف أَنه حَقِيقَة الْكَلَام من غير وَاسِطَة، قَالَ ثَعْلَب: وَهَذَا دَلِيل من قَول الْفراء أَنه مَا كَانَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن.
فَإِن قَالَ قَائِل: بِأَيّ شئ عرف مُوسَى أَنه كَلَام الله؟ قيل: بتعريف الله - تَعَالَى - إِيَّاه، وإنزال آيَة عرف مُوسَى بِتِلْكَ الْآيَة أَنه كَلَام الله - تَعَالَى -، وَهَذَا مَذْهَب أهل السّنة أَنه سمع كَلَام الله حَقِيقَة، بِلَا كَيفَ، وَقَالَ وَائِل بن دَاوُد: معنى قَوْله: ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ أَي: مرَارًا، كلَاما بعد كَلَام.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين﴾ أَي: أرسلنَا رسلًا ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن الله - تَعَالَى - لَا يعذب الْخلق قبل بَعثه الرُّسُل، وَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَلَو أَنا أهلكناهم بِعَذَاب من قبله لقالوا رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك من قبل أَن نذل ونخزى﴾ .
﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا﴾ أَي: مقتدرا على معاونة الْخلق (حكيما) ببعث الرُّسُل.
وَفِي حَدِيث أبي الدَّرْدَاء أَنه قَالَ: " سَأَلت رَسُول الله عَن عدد الْأَنْبِيَاء فَقَالَ: مائَة وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا، فَقلت: كم الرُّسُل مِنْهُم؟ قَالَ: ثلثمِائة وَخَمْسَة عشر [جما غفيرا] ".
﴿وَكفى بِاللَّه شَهِيدا (166) إِن الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله قد ضلوا ضلالا بَعيدا (167) إِن الَّذين كفرُوا وظلموا لم يكن الله ليغفر لَهُم وَلَا ليهديهم طَرِيقا (168) إِلَّا طَرِيق جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا (169) يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم﴾