تفسير السمعانيصفحات 409-428
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَاتِحَة

صفحات 409-428
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿أحدهم الْمَوْت قَالَ إِنِّي تبت الْآن وَلَا الَّذين يموتون وهم كفار أُولَئِكَ اعتدنا لَهُم عذَابا أَلِيمًا (18) ﴾ ضِرَارًا؛ لتفتدى بِبَعْض مَالهَا ﴿إِلَّا أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ النُّشُوز، وَقيل: هُوَ الزِّنَا، يَعْنِي: إِذا نشزت أَو زنت، فَحِينَئِذٍ يحل أَن يفاديها، وَيَأْخُذ مَالهَا، وَكَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام إِذا زنت الْمَرْأَة أَخذ الزَّوْج جَمِيع صَدَاقهَا مِنْهَا ثمَّ نسخ ﴿وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي: الْإِجْمَال فِي الْمبيت، وَالْقَوْل، وَالنَّفقَة ﴿فَإِن كرهتموهن فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أردتم استبدال زوج مَكَان زوج﴾ أَرَادَ بِالزَّوْجِ هَاهُنَا: الزَّوْجَة، وَهُوَ اسْم للرجل وَالْمَرْأَة ﴿وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ يَعْنِي: من الصَدَاق، ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا أتأخذونه بهتانا﴾ أَي: ظلما ﴿وإثما مُبينًا﴾ .

﴿وَكَيف تأخذونه وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض﴾ أَي: وصل بَعْضكُم إِلَى بعض بِالدُّخُولِ، وَحكى عَن الزّجاج: أَنه الْخلْوَة، وَالْأول أصح.
﴿وأخذن مِنْكُم ميثاقا غليظا﴾ هُوَ قَول الْوَلِيّ: زوجتكها على أَن تمسكها بِمَعْرُوف، أَو تسرحها بِإِحْسَان، وَقيل: هُوَ معنى مَا روى: " اتَّقوا الله فِي النِّسَاء؛ فَإِنَّهُنَّ عنْدكُمْ عوان، أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله " فَهَذَا هُوَ الْمِيثَاق الغليظ.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء﴾ كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة ينْكحُونَ أَزوَاج آبَائِهِم؛ فورد الشَّرْع بالنهى عَنهُ ﴿إِلَّا مَا قد سلف﴾ يعْنى: بَعْدَمَا سلف، وَقَالَ الْمبرد: وَمَعْنَاهُ: لَكِن مَا سلف فِي الْجَاهِلِيَّة؛ فَهُوَ مغْفُور.
﴿إِنَّه كَانَ فَاحِشَة ومقتا﴾ قيل " كَانَ ": فِيهِ صلَة، وَتَقْدِيره: إِنَّه فَاحِشَة، وَهَذَا كَمَا

﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يحل لكم أَن ترثوا النِّسَاء كرها وَلَا تعضلوهن لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا﴾ يَقُول الشَّاعِر: (فَكيف إِذا رَأَيْت ديار قومِي ... وجيران لنا كَانُوا كرام) وَقيل: " كَانَ " فِي مَوْضِعه، وَمَعْنَاهُ: أَنه كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يعدونه فَاحِشَة ومقتا، وَكَانُوا يسمون ولد امْرَأَة الْأَب: مقيتا، والفاحشة: أقبح مَعْصِيّة، وَأما المقت: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة هُوَ المبغضة من الله، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ المقت من الْمَلَائِكَة ﴿وساء سَبِيلا﴾ أَي: بئس المسلك.

قَوْله تَعَالَى: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: حرم الله تَعَالَى سبعا بِالنّسَبِ، وَسبعا بِالْمهْرِ، وَقَالَ الْفُقَهَاء: سبعا بِالنّسَبِ، وَسبعا بِالسَّبَبِ.
أما السَّبع بِالنّسَبِ: مِنْهُنَّ الْأُمَّهَات: وَهِي كل امْرَأَة تنْسب إِلَيْهَا بِالْولادَةِ، سَوَاء قربت أَو بَعدت، سَوَاء كَانَ بَيْنك وَبَينهَا ذكر أَو أُنْثَى، أَو لم يكن أحد، فَالْكل حرَام.
قَالَ: ﴿وبناتكم﴾ وَمِنْهَا الْبَنَات: وهى كل امْرَأَة تنْسب إِلَيْكُم بِالْولادَةِ، سَوَاء قربت أَو سلفت، سَوَاء كَانَ بَيْنك وَبَينهَا ذكر أَو أُنْثَى، أَو لم يكن أحد، فَالْكل حرَام.
قَالَ ﴿وأخواتكم﴾ وَمِنْهَا الْأَخَوَات: وَهِي كل امْرَأَة تنْسب إِلَى من تنْسب إِلَيْهِ بِالْولادَةِ، فَالْكل حرَام.
قَالَ: ﴿وعماتكم﴾ وَمِنْهَا العمات، والعمة: أُخْت كل ذكر تنْسب إِلَيْهِ بِالْولادَةِ، فَالْكل حرَام، قرب أم بعد، قَالَ: ﴿وخالاتكم﴾ وَمِنْهَا الخالات، وَالْخَالَة: أُخْت كل امْرَأَة تنْسب إِلَيْهَا بِالْولادَةِ، قربت أم بَعدت.

﴿أَن يَأْتِين بِفَاحِشَة مبينَة وعاشروهن بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كرهتموهن فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا (19) وَإِن أردتم استبدال زوج مَكَان زوج وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا﴾ قَالَ: ﴿وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت﴾ وَمِنْهَا بَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت: وَهِي بنت كل من تنْسب إِلَى من تنْسب إِلَيْهِ، فَهَذِهِ السَّبْعَة بِالنّسَبِ.
وَأما السَّبع بِالسَّبَبِ: فإحداهن مَذْكُورَة قبل هَذِه الْآيَة فِي قَوْله: ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء﴾ ، وَالثَّانيَِة فِي قَوْله: ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾ ، وَالثَّالِثَة: ﴿وأخواتكم من الرضَاعَة﴾ ، وَلَا خلاف أَن الْأُم وَالْأُخْت من الرضَاعَة حرَام على الرجل نِكَاحهَا، فَأَما مَا عدا الْأُمَّهَات وَالْأَخَوَات من الرضَاعَة حرَام أَيْضا عِنْد أَكثر الْعلمَاء؛ لقَوْله " يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب ". قَالَ دَاوُد، وَأهل الظَّاهِر: لَا يحرم مَا عدا الْأُمَّهَات وَالْأَخَوَات بِالرّضَاعِ؛ تمسكا بِظَاهِر الْقُرْآن.
قَالَ ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم﴾ الرَّابِعَة: أم الزَّوْجَة، تحرم على الْإِطْلَاق بِنَفس العقد على قَول الْأَكْثَرين، وَحكى خلاس عَن عَليّ رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ: " لَا تحرم أم الزَّوْجَة إِلَّا بعد الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ لقَوْله تَعَالَى: ﴿وربائبكم اللاتى فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ قَالَ: فَقَوله: ﴿من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ ينْصَرف إِلَيْهِمَا جَمِيعًا.
وَالْأول أصح.
قَالَ ابْن عَبَّاس: أبهموا مَا أبهمه الله، أَي: أطْلقُوا مَا أطلقهُ الله، وَلِأَن قَوْله: ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم﴾ مُسْتَقل بِنَفسِهِ، مُعْتَد بِحكمِهِ، فيستغني عَن الْإِظْهَار؛ وَلِأَن قَوْله: وَأُمَّهَات نِسَائِكُم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن على هَذَا التَّقْدِير يكون عيا فِي الْكَلَام، فَلَا يَلِيق بِكَلَام الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ أفْصح أَنْوَاع الْكَلَام.
قَالَ: ﴿وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ .

﴿أتأخذونه بهتانا وأثما مُبينًا (20) وَكَيف تأخذونه وَقد أفْضى بَعْضكُم إِلَى بعض وأخذن مِنْكُم ميثاقا غليظا (21) وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء إِلَّا مَا قد سلف إِنَّه كَانَ فَاحِشَة ومقتا﴾ الْخَامِسَة: الربيبة؛ وَهِي ابْنة الزَّوْجَة، وَسميت ربيبة؛ لِأَن الزَّوْج يربها فِي حجره على الْأَغْلَب، فَهِيَ حرَام بعد الدُّخُول بِالزَّوْجَةِ، وَسَوَاء كَانَت فِي حجره، أَو فِي حجر غَيره.
وَقَالَ دَاوُد: يخْتَص التَّحْرِيم بِالَّتِي فِي حجره؛ لقَوْله: ﴿وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم﴾ ، وَهَذَا لَا يَصح؛ لِأَن الْكَلَام خرج على لأغلب.
﴿فَإِن لم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: فِي نِكَاحهنَّ.
وَقَالَ: ﴿وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم﴾ السَّادِسَة: حَلِيلَة الابْن، وَهِي حرَام، وَسميت حَلِيلَة؛ لِأَنَّهَا مَعَ الابْن يحلان فراشا وَاحِدًا، وَقيل: لِأَنَّهَا تحل إِزَار الابْن، وَالِابْن يحل إزَارهَا، وَقيل: سميت حَلِيلَة؛ لِأَنَّهَا تحل لَهُ.
وَقَوله ﴿الَّذين من أصلابكم﴾ إِنَّمَا قيد بالصلب، وَإِن كَانَ حَلِيلَة ولد الْوَلَد حَرَامًا، ليبين أَن حَلِيلَة ولد التبني حَلَال.
وَقد تزوج رَسُول الله زَيْنَب بنت جحش امْرَأَة زيد بن حَارِثَة، وَكَانَ قد تبنى زيدا، حَتَّى قَالَ عبد الله بن أَبى بن سلول: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الرجل، كَيفَ وثب على امْرَأَة ابْنه وَتَزَوجهَا: فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم﴾ بذلك السَّبَب.
﴿وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف﴾ السَّابِعَة: الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ حرَام بِالنِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ بِالْوَطْءِ فِي ملك الْيَمين؛ وَقَالَ أهل الظَّاهِر: لَا يحرم الْجمع بَينهمَا إِلَّا فِي النِّكَاح؛ لِأَن الْآيَة فِي التَّحْرِيم بِالنِّكَاحِ، قَالَ عُثْمَان: حرمتهَا آيَة وأحلتها آيَة، فآية التَّحْرِيم هَذِه؛ وَآيَة التَّحْلِيل قَوْله: ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ ﴿إِلَّا مَا قد سلف﴾ أَي: بَعْدَمَا سلف وَقد [بَينا لَك] ﴿إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ . قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ أَرَادَ بِهِ: ذَوَات الْأزْوَاج ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ عَليّ، وَابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ: إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم من

﴿وساء سَبِيلا (22) حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة وَأُمَّهَات نِسَائِكُم وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن فَإِن لم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم وحلائل﴾ سَبَايَا أَو طاس، وَفِيه نزلت الْآيَة، قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: " لما سبا رَسُول الله سَبَايَا أَو طاس، هرب الرِّجَال؛ فتحرج الْمُسلمُونَ من وَطْء النِّسَاء بمَكَان الْأزْوَاج؛ فَنزلت الْآيَة، وَأذن رَسُول الله فِي وطئهن ". وَقَالَ ابْن مَسْعُود، وأبى بن كَعْب: إِن قَوْله: ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ هُوَ أَن يَبِيع الْجَارِيَة الْمُزَوجَة، فَتَقَع الْفرْقَة بَينهَا وَبَين زَوجهَا، وَيحل للمشترى وَطأهَا، وَيكون بيعهَا طَلَاقا لَهَا.

وَقيل: معنى الْآيَة ﴿وَالْمُحصنَات من النِّسَاء﴾ يَعْنِي: ذَوَات الْأزْوَاج يحرم الِاسْتِمْتَاع بِهن، ﴿إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ من مهرهن، فَيحل الِاسْتِمْتَاع بِهِ، فَكَأَنَّهُ حرم الِاسْتِمْتَاع ببعضهن وأباح الِاسْتِمْتَاع بمهرهن.
﴿كتاب الله عَلَيْكُم﴾ أَي: فرض الله عَلَيْكُم، وَيقْرَأ: " كتب الله عَلَيْكُم " أَي: فرض الله عَلَيْكُم ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ يَعْنِي: أحل لله لكم، وَيقْرَأ: " أحل لكم " - بِضَم الْألف - على نظم قَوْله: ( ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ أَن تَبْتَغُوا بأموالكم) قيل: الْإِحْلَال: بالابتغاء بالأموال، وَفِيه دَلِيل على أَن استحلال الْبضْع لَا يَخْلُو عَن عوض ﴿محصنين﴾ أَي: متزوجين متعففين ﴿غير مسافحين﴾ غير زانين، مَأْخُوذ من سفح المَاء، وَهُوَ الصب، وَمِنْه قَول امْرِئ الْقَيْس: (وَإِن شفائي عِبْرَة إِن سفحتها ... فَهَل عِنْد رسم دارس من معول)

﴿أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما (23) وَالْمُحصنَات من النِّسَاء إِلَّا مَا ملكت أَيْمَانكُم كتاب الله عَلَيْكُم وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم أَن تَبْتَغُوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ أَي: صببتها ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ: فَمَا استمتعتم بِهِ بِالنِّكَاحِ مِنْهُنَّ، ﴿فأتوهن أُجُورهنَّ فَرِيضَة﴾ أَي: مهورهن، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الْمُتْعَة الْمَعْرُوفَة.
وَكَانَت الْمُتْعَة حَلَالا فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، وَصورتهَا: أَن يَقُول الرجل للْمَرْأَة: أجرتك أَو عقدت عَلَيْك لأستمتع بك عشرَة أَيَّام بِكَذَا، وَكَانَ هَذَا حَلَالا، ثمَّ نسخ، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يُفْتى بإباحتها، وَالصَّحِيح أَنه مَنْسُوخ.
وروى عَليّ، وَالربيع عَن سُبْرَة، عَن النَّبِي ": أَنه نهى عَن نِكَاح الْمُتْعَة " وَقَالَ عَليّ لِابْنِ عَبَّاس: إِنَّك رجل تائه نهى رَسُول الله عَن نِكَاح الْمُتْعَة.
وَقيل: إِن ابْن عَبَّاس رَجَعَ عَن إِبَاحَة الْمُتْعَة، وَتَابَ.
وَقَالَ بعض السّلف: لَوْلَا أَن عمر نهى عَن الْمُتْعَة؛ مازنى أحد فِي الْعَالم.
﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا تراضيتم بِهِ من بعد الْفَرِيضَة﴾ فَمن حمل مَا قبله على الْمُتْعَة، قَالَ: المُرَاد بِهَذَا: أَن يزِيد الرجل فِي الْمهْر، وتزيد الْمَرْأَة فِي الْأَجَل، وَمن حمل ذَلِك على الِاسْتِمْتَاع بِالنِّكَاحِ؛ فَالْمُرَاد بقوله: ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا تراضيتم بِهِ﴾ يعْنى: من الْإِبْرَاء، والاعتياض عَن الْمهْر ﴿إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ قَالَ مُجَاهِد: الطول: السعَة، والغنى.
وأصل الطول الْفضل، وَمِنْه الطول؛ لفضل الْقَامَة، وَيُقَال: لَا طائل تَحْتَهُ أَي، لَا معنى تَحْتَهُ.

﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ فَرِيضَة وَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا تراضيتم بِهِ من بعد الْفَرِيضَة إِن الله كَانَ عليما حكيما (24) وَمن لم يَسْتَطِيع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات﴾ وَمعنى الْآيَة: وَمن لم يقدر على مهر الْحرَّة المؤمنة؛ فليتزوج بالأمة المؤمنة، وَفِيه دَلِيل على أَن نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة بَاطِل.
قَالَ الشّعبِيّ: نِكَاح الْأمة مَعَ الْقُدْرَة على مهر الْحرَّة حرَام، كالميتة وَالدَّم، وَقَالَ عَطاء: الطول الْهوى، وَمعنى الْآيَة: وَمن لم يَسْتَطِيع من هَوَاهُ أَن ينْكح الْحرَّة؛ بِأَن كَانَ يهوى الْأمة دون الْحرَّة، فليتزوج بالأمة؛ فعلى هَذَا يجوز نِكَاح الْأمة، وَإِن كَانَ قَادِرًا على مهر الْحرَّة، والفتى: العَبْد، والفتاة الْجَارِيَة، فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات﴾ أَي: من جواريكم.
﴿وَالله أعلم بإيمانكم﴾ أَي: لَا تتعرضوا للباطن فِي الْإِيمَان، وخذوا بِالْإِيمَان الظَّاهِر؛ فَإِن الله أعلم بإيمانكم ﴿بَعْضكُم من بعض﴾ أَي: كلكُمْ من نفس وَاحِدَة؛ فَلَا تستنكفوا من نِكَاح الْإِمَاء، وَقيل: مَعْنَاهُ بَعْضكُم أخوة لبَعض.
﴿فانكحوهن﴾ أَي: الْإِمَاء ﴿بِإِذن أهلهن﴾ أَي: إِذن مواليهن ﴿وآتوهن أُجُورهنَّ﴾ أَي: مهورهن ﴿بِالْمَعْرُوفِ محصنات﴾ يَعْنِي: عفائف بِالتَّزْوِيجِ ﴿غير مسافحات﴾ أَي: غير زانيات ﴿وَلَا متخذات أخدان﴾ فالمسافحة: هِيَ أَن تمكن مِنْهَا كل أحد، قَالَ الْحسن: المسافحة: هِيَ امْرَأَة كل من أَوَى إِلَيْهَا تَبعته، وَذَات الخدن: هِيَ أَن تخْتَص بصديق، وَالْعرب كَانَت تحرم الأولى وتستبيح الثَّانِيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا أحصن﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: فَإِذا أسلمن.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَإِذا تَزَوَّجن، وَيقْرَأ فَإِذا " أحصن " بِضَم الآلف، وَمَعْنَاهُ: زوجن.
﴿فَإِن أتين بِفَاحِشَة فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب﴾ وَمعنى الْآيَة على قَول ابْن عَبَّاس، وَهُوَ الْأَصَح: أَن الْإِمَاء إِذا تَزَوَّجن وصرن ثَيِّبًا ﴿فعليهن نصف﴾

( ﴿الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات وَالله أعلم بإيمانكم بَعْضكُم من بعض فانكحوهن بِإِذن أهلهن وآتوهن أُجُورهنَّ بِالْمَعْرُوفِ محصنات غير مسافحات وَلَا متخذات﴾ مَا على الْمُحْصنَات) يَعْنِي: الْحَرَائِر ﴿من الْعَذَاب﴾ أَي: من عَذَاب الْحَد، وحد الْحَرَائِر: يكون بِالْجلدِ؛ وَيكون بِالرَّجمِ، وَالرَّجم لَا ينتصف؛ فَكَانَ المُرَاد تنصيف الْجلد.
وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن الْأمة الْبكر إِذا زنت، لَا حد عَلَيْهَا؛ لظَاهِر هَذِه الْآيَة، وَهَذَا لَا يَصح.
قَالَ الزُّهْرِيّ: حد الْأمة الثّيّب ثَابت بِهَذِهِ الْآيَة، وحد الْأمة الْبكر ثَابت بِالسنةِ، وَالسّنة الْمَعْرُوفَة فِيهِ: قَوْله: " إِذا زنت أمة أحدكُم فليجلدها " ﴿ذَلِك لمن خشِي الْعَنَت مِنْكُم﴾ الْعَنَت: الزِّنَا، وَقد يكون بِمَعْنى الْمَشَقَّة، كَمَا بَينا ﴿وَأَن تصبروا﴾ يَعْنِي: عَن نِكَاح الْإِمَاء ﴿خير لكم﴾ كَيْلا يخلق الْوَلَد رَقِيقا ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيد الله ليبين لكم﴾ يَعْنِي: أَن يبين لكم، وَمثله قَول الشَّاعِر: (أُرِيد لأنسى ذكرهَا فَكَأَنَّمَا ... تمثل لي ليلى بِكُل سَبِيل) يَعْنِي: أُرِيد أَن أنسى ذكرهَا.
قَوْله: ﴿ليبين لكم﴾ أَي: يُوضح لكم الْأَحْكَام ﴿وَيهْدِيكُمْ﴾ أَي: يرشدكم ﴿سنَن الَّذين من قبلكُمْ﴾ أَي: طرائق الَّذين من قبلكُمْ من النبين، وَالصَّالِحِينَ، وَقيل: من قوم مُوسَى، وَعِيسَى، الَّذين هُدُوا بِالْحَقِّ؛ وَذَلِكَ أَنه حرم عَلَيْهِم مَا حرم على الْمُسلمين من الْمَحَارِم الْمَذْكُورَات، وَقيل: مَعْنَاهُ: وَيهْدِيكُمْ إِلَى الْملَّة الحنيفية، مِلَّة إِبْرَاهِيم، ﴿وَيَتُوب عَلَيْكُم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: بداء من الله، وَمَعْنَاهُ: يوفقكم للتَّوْبَة، وَقيل: يرشدكم إِلَى السَّبِيل الَّذِي يدعوكم إِلَى التَّوْبَة ﴿وَالله عليم﴾ بمصالح أَمركُم

﴿أخدان فَإِذا أحصن فَإِن أتين بِفَاحِشَة فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب ذَلِك لمن خشِي الْعَنَت مِنْكُم وَأَن تصبروا خير لكم وَالله غَفُور رَحِيم (25) يُرِيد الله ليبين لكم﴾ ﴿حَكِيم﴾ فِيمَا دبر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم﴾ هُوَ مَا ذكرنَا.
﴿وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات﴾ قَالَ مُجَاهِد: هم الزناة، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: الْيَهُود، وَالنَّصَارَى، قَالَ مقَاتل بن حَيَّان: الْيَهُود خَاصَّة؛ لأَنهم استحلوا نِكَاح الْأُخْت من الْأَب ﴿أَن تميلوا ميلًا عَظِيما﴾ الْميل الْعَظِيم: هُوَ أَن يفعل فعلا لَا يخَاف الله فِيهِ، وَلَا يرقب النَّاس، وَقيل: الْميل الْعَظِيم بِاتِّبَاع الشَّهَوَات.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم﴾ أَي: يسهل عَلَيْكُم، وَقد سهل هَذَا الدّين؛ قَالَ: " بعثت بالسمحة السهلة الحنيفية "، وروى: " بالحنيفية السمحة السهلة " وَقَالَ الله تَعَالَى: ( ﴿وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾ وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا) قَالَ طَاوس، وَمُجاهد: وَخلق ضَعِيفا فِي أَمر النِّسَاء؛ لَا يصبر عَنْهُن، وَقَالَ وَكِيع: يذهب عقله عِنْدهن؛ فَهُوَ ضَعِيف، وَقَالَ الزّجاج: يستميله هَوَاهُ وشهوته.

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ السدى: هُوَ الْقمَار، والربا، وَنَحْوه، وَقَالَ غَيره: كل الْعُقُود الْبَاطِلَة ﴿إِلَّا أَن تكون تِجَارَة﴾ يقْرَأ: بِالضَّمِّ وَالْفَتْح، قد ذكرنَا وَجه القرائتين فِي سُورَة الْبَقَرَة.
﴿عَن ترَاض مِنْكُم﴾ أَي: بِطيبَة نفس مِنْكُم ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ أَي: لَا يقتل بَعْضكُم بَعْضًا، وَقَرَأَ الْحسن: ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ مشددا على التكثير.

﴿وَيهْدِيكُمْ سنَن الَّذين من قبلكُمْ وَيَتُوب عَلَيْكُم وَالله عليم حَكِيم (26) وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات أَن تميلوا ميلًا عَظِيما (27) يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم﴾ وَقيل: مَعْنَاهُ: وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم بِأَكْل المَال الْبَاطِل، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: قتل الرجل نَفسه على الْحَقِيقَة ﴿إِن الله كَانَ بكم رحِيما﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يفعل ذَلِك﴾ يَعْنِي: مَا سبق من الْحَرَام ﴿عُدْوانًا وظلما﴾ فالعدوان: مُجَاوزَة الْحَد، وَالظُّلم: وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه.
﴿فَسَوف نصليه نَارا﴾ : ندخله نَارا، يصلى بهَا ﴿وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ أَي هينا، وروى عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: كُنَّا نشْهد لمن ارْتكب الْكَبَائِر بالنَّار بِهَذِهِ الْآيَات؛ حَتَّى نزل قَوْله تَعَالَى ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فتوقفنا.

قَوْله تَعَالَى ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر ماتنهون عَنهُ﴾ سُئِلَ رَسُول الله فَقيل لَهُ: " أَي الْكَبَائِر أكبر؟ فَقَالَ: أَن تَدْعُو لله ندا وَهُوَ خلقك، قيل: ثمَّ أَي؟ قَالَ: أَن تقتل ولدك مَخَافَة أَن يَأْكُل مَعَك، قيل: ثمَّ أَي؟ قَالَ: أَن تَزني بحليلة جَارك، ثمَّ قَرَأَ ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون﴾ " وروى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " أكبر الْكَبَائِر: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، والفرار من الزَّحْف، وَكَانَ مُتكئا فَاسْتَوَى جَالِسا، وَقَالَ: وَشَهَادَة الزُّور، وَشَهَادَة الزُّور، فَمَا زَالَ يردده حَتَّى قُلْنَا: ليته سكت ". وَقَالَ ابْن مَسْعُود: الْكَبَائِر: مَا ذكر الله تَعَالَى فِي هَذِه السُّورَة إِلَى هَذِه الْآيَة: ﴿إِن تجتنبوا كَبَائِر﴾ .

﴿وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا (28) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما (29) وَمن يفعل ذَلِك﴾ وَعَن ابْن مَسْعُود أَيْضا أَنه قَالَ: الْكَبَائِر أَرْبَعَة: الْإِشْرَاك بِاللَّه، والقنوط من رَحْمَة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْكَبَائِر سبع: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وَقتل النَّفس بِغَيْر نفس، وَقذف المحصنة، وَأكل الرِّبَا، وَأكل مَال الْيَتِيم، والفرار من الزَّحْف، وَالتَّعَرُّب بعد الْهِجْرَة، يَعْنِي: إِلَى دَار الْحَرْب.
وَقَالَ ابْن عمر: الْكَبَائِر تسع فَذكر هَذِه السَّبع وَزَاد شَيْئَيْنِ أَحدهمَا: السحر، وَالثَّانِي: الْإِلْحَاد فِي الْحرم بالميل وَالظُّلم.
وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس، فَقيل لَهُ: الْكَبَائِر سبع؟ فَقَالَ: هِيَ إِلَى السّبْعين أقرب مِنْهَا إِلَى السَّبع، وَقَالَ الْمُغيرَة بن مقسم الضَّبِّيّ: شتم أبي بكر، وَعمر من الْكَبَائِر.
وَالْجُمْلَة أَن الْكَبَائِر: كل جريمة أوعد الله تَعَالَى عَلَيْهَا النَّار، وَقَالَ أَبُو صَالح: الْكَبِيرَة كل مَا أوجب الْحَد؛ غير أَنه لَا كَبِيرَة مَعَ الاسْتِغْفَار، وَلَا صَغِيرَة مَعَ الْإِصْرَار.
وَقَوله: ﴿نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ قَالَ السدى: أَرَادَ بالسيئات: الصَّغَائِر ﴿نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ إِن شِئْت؛ فالمشيئة مضمرة فِيهِ، وروى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة، والصلوات الْخمس، كَفَّارَة لما بَينهُنَّ مَا اجْتنبت الْكَبَائِر ". وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ عَن رَسُول الله قَالَ: " مَا من مُسلم يُصِيبهُ وصب، أَو نصب، إِلَّا كفر عَنهُ خطاياه حَتَّى الشَّوْكَة يشاكها "

﴿عُدْوانًا وظلما فَسَوف نصليه نَارا وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا (30) إِن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا (31) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فضل الله بِهِ بَعْضكُم﴾ وَقيل: باجتناب الْكَبَائِر، تقع الصَّغَائِر مكفرة، وَمذهب أهل السّنة: أَن تَكْفِير الصَّغَائِر معلقَة بِالْمَشِيئَةِ؛ فَيجوز أَن يعْفُو الله عَن الْكَبَائِر، وَيَأْخُذ بالصغائر، وَيجوز أَن يجْتَنب الرجل الْكَبَائِر، فَيُؤْخَذ بالصغائر.
﴿وَنُدْخِلكُمْ مدخلًا كَرِيمًا﴾ وتقرأ: " مدخلًا " - بِفَتْح الْمِيم فالمدخل: الْجنَّة والمدخل بِضَم الْمِيم: الإدخال، يَعْنِي: إدخالا كَرِيمًا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فضل الله بِهِ بَعْضكُم على بعض﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: مَا روى عَن أم سَلمَة، قَالَت: يَا رَسُول الله: إِن الرِّجَال يغزون وَلَا نغزوا، وَلَهُم ضعف مالنا من الْمِيرَاث، فَلَو كُنَّا رجَالًا غزونا كَمَا غزوا، وأخذنا من الْمِيرَاث مثل مَا أخذُوا؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فضل الله بِهِ بَعْضكُم على بعض﴾ وَقيل: سَبَب نزُول الْآيَة: أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يورثون النِّسَاء؛ فَلَمَّا نزلت الْآيَة بتوريث النِّسَاء، وَجعل للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، قَالَت النِّسَاء: لَو كُنَّا رجَالًا لأخذنا من الْمِيرَاث مثل مَا أخذُوا، وَقَالَ الرِّجَال: كَمَا فضلنَا عليكن فِي الدُّنْيَا، نفضل عليكن فِي الْآخِرَة؛ فَنزلت الْآيَة.
قَالَ الْفراء: هَذَا نهي تَأْدِيب وتهذيب، وَقَالَ غَيره: إِنَّه نهي تَحْرِيم ﴿للرِّجَال نصيب مِمَّا اكتسبوا﴾ يَعْنِي: من الْأجر ﴿وللنساء نصيب مِمَّا اكتسبن﴾ يَعْنِي: من الْأجر، وَمعنى الْآيَة: أَن الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الْأجر فِي الْآخِرَة سَوَاء، وَإِن فضل الرِّجَال على النِّسَاء فِي الدُّنْيَا، فالحسنة بِعشر أَمْثَالهَا يَسْتَوِي فِيهَا الرجل وَالْمَرْأَة، وَقيل: مَعْنَاهُ: للرِّجَال نصيب مِمَّا اكتسبوا من أَمر الْجِهَاد، وللنساء نصيب مِمَّا اكتسبن من طَاعَة الْأزْوَاج، وَحفظ الْفروج، يَعْنِي: إِن كَانَ للرجل فضل الْجِهَاد، فللنساء فضل طَاعَة الْأزْوَاج، وَحفظ الْفروج.

﴿على بعض للرِّجَال نصيب مِمَّا اكتسبوا وللنساء نصيب مِمَّا اكتسبن واسألوا الله من فَضله إِن الله كَانَ بِكُل شئ عليما (32) وَلكُل جعلنَا موَالِي مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذين﴾ ﴿واسألوا الله من فَضله﴾ وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْحَسَد حرَام؛ والحسد: هُوَ أَن يتَمَنَّى زَوَال النِّعْمَة عَن صَاحبه، ويتمناها لنَفسِهِ، وَالْغِبْطَة: هُوَ أَن يتَمَنَّى لنَفسِهِ مثل مَا لصَاحبه، فالحسد حرَام، وَالْغِبْطَة لَا بَأْس بهَا، ثمَّ اخْتلفُوا فِي معنى الْفضل هَاهُنَا، قَالَ ابْن عَبَّاس: واسألوا الله من فَضله، أَي: من رزقه.
وَقَالَ سعيد بن جُبَير: مَعْنَاهُ: ﴿واسألوا الله من فَضله﴾ أَي: من عِبَادَته، وَقيل: هُوَ سُؤال التَّوْفِيق على الطَّاعَة ﴿إِن الله كَانَ بِكُل شئ عليما﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلكُل جعلنَا موالى﴾ وَلكُل من الرِّجَال وَالنِّسَاء جعلنَا وَرَثَة، قَالَ مُجَاهِد: الموالى هَاهُنَا: بَنو الْأَعْمَام، وَقَالَ الشَّاعِر: (مهلا بني عمنَا مهلا موالينا ... لَا تنشبوا بَيْننَا مَا كَانَ مَدْفُونا) وَقيل: هم جَمِيع الْأَقَارِب، وَمعنى الْآيَة: وَلكُل جعلنَا موَالِي يُعْطون ﴿مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم﴾ عاقدت، وعقدت، وحالفت بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ من الْحلف والعهد: وَهُوَ أَن يَقُول الرجل لصَاحبه: دمي دمك، وَمَالِي مَالك، وترثني وأرثك، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يُورث بِالْحلف، وَأقر عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَام، وَكَانَ للحليف السُّدس، ثمَّ نسخ ذَلِك بقوله تعالي: ﴿وَأولُوا الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض﴾ وَقيل: هَذَا فِي التوريث بالتبني، وَكَانَ ثَابتا، ثمَّ نسخ ﴿إِن الله كَانَ على كل شئ شَهِيدا﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء بِمَا فضل الله بَعضهم على بعض﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن امْرَأَة سعد بن الرّبيع جَاءَت إِلَى النَّبِي وَقَالَت: " إِن زَوجي

﴿عقدت أَيْمَانكُم فآتوهم نصِيبهم إِن الله كَانَ على كل شئ شَهِيدا (33) الرِّجَال قوامون على النِّسَاء بِمَا فضل الله بَعضهم على بعض وَبِمَا أَنْفقُوا من أَمْوَالهم فالصالحات قانتات حافظات﴾ لطمني على وَجْهي، وَهَذَا أَثَره، فَقَالَ: اذهبي فاقتصي مِنْهُ؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء بِمَا فضل الله﴾ يَعْنِي: بالتأديب.
قَالَ الْحسن: لما قَالَ لَهَا: اذهبي فاقتصي مِنْهُ؛ نزل قَوْله: ﴿وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه﴾ أَي: لَا تحكم قبل أَن ينزل حكم الله.
والقوام والقيم بِمَعْنى وَاحِد، والقوام أبلغ: وَهُوَ الْقَائِم بالمصالح وَالتَّدْبِير، قَالَ الشَّاعِر: (الله بيني وَبَين قيمها ... يفر مني وأتبع) ﴿بِمَا فضل الله بَعضهم على بعض﴾ يَعْنِي: الرِّجَال على النِّسَاء بِالْعقلِ، وَالْعلم، والحلم.
﴿وَبِمَا أَنْفقُوا من أَمْوَالهم﴾ يَعْنِي: بِإِعْطَاء الْمهْر، وَالنَّفقَة.
﴿فالصالحات قانتات﴾ يَعْنِي: مطيعات، وَقيل: مصليات ﴿حافظات للغيب﴾ أَي: حافظات للفروج فِي غيبَة الْأزْوَاج ﴿بِمَا حفظ الله﴾ يَعْنِي: بِمَا حفظهن الله من إيصاء الْأزْوَاج بأَدَاء حقهن من الْمهْر وَالنَّفقَة، وَقيل: مَعْنَاهُ: حافظات للغيب بِحِفْظ الله، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْمدنِي " بِمَا حفظ الله " بِفَتْح الْهَاء يَعْنِي: بِمَا حفظ الله من طاعتهن وعبادتهن.
﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ النُّشُوز: هُوَ الشقاق (فعظوهن) أَي: بالتخويف من الله، والوعظ بالْقَوْل، ﴿واهجروهن فِي الْمضَاجِع﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَمَعْنَاهُ: ولوهن ظهوركم فِي الْمضَاجِع؛ وَذَلِكَ بِأَن يوليها ظَهره فِي الْفراش، وَلَا يكلمها، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن يعتزل عَنْهَا فِي فرَاش آخر.

﴿للغيب بِمَا حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فِي الْمضَاجِع واضربوهن فَإِن أطعنكم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِن الله كَانَ عليا كَبِيرا (34) وَإِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا﴾ ﴿واضربوهن﴾ يعْنى: ضربا غير مبرح، وَذَلِكَ ضرب، لَيْسَ فِيهِ جرح وَلَا كسر، قَالَ عَطاء: ضرب بِالسِّوَاكِ وَنَحْوه.
﴿فَإِن أطعنكم فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ يَعْنِي: بالتعلل، والتجني، وَقيل: فَلَا تكلفوهن محبتكم؛ فَإِن الْقلب لَيْسَ بأيديهن ﴿إِن الله كَانَ عليا كَبِيرا﴾ أَي: متعاليا عَن أَن يُكَلف الْعباد مَا لَا يطيقُونَهُ، وَفِي الْخَبَر: " لَو جَازَ أَن يسْجد أحد لأحد لأمرت الزَّوْجَة أَن تسْجد لزَوجهَا؛ لما لَهُ عَلَيْهَا من الْحُقُوق ". وروى مَرْفُوعا: " خير النِّسَاء من إِذا دخلت عَلَيْهَا سرتك، وَإِن أَمَرتهَا أَطَاعَتك وَإِن غبت عَنْهَا حفظتك ".

﴿وَإِن خِفْتُمْ شقَاق بَينهمَا﴾ : هُوَ النُّشُوز، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَرَادَ بِهِ: إِن تيقنتم شقَاق بَينهمَا، فالخوف بِمَعْنى: الْيَقِين، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (إِذا مت فارميني إِلَى جنب كرمة ... أَخَاف إِذا مَا مت أَن لَا أذوقها) أَي: أتيقن.

﴿فَابْعَثُوا حكما من أَهله وَحكما من أَهلهَا إِن يريدا إصلاحا يوفق الله بَينهمَا إِن الله كَانَ عليما خَبِيرا (35) واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحسانا وبذي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى وَالْجَار الْجنب والصاحب بالجنب وَابْن السَّبِيل وَمَا ملكت﴾ وَأنكر الزّجاج ذَلِك عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِذا تَيَقّن الشقاق، فَلَا معنى لبعث الْحكمَيْنِ، بل الْخَوْف بِمَعْنى الظَّن، يَعْنِي: إِن ظننتم شقَاق بَينهمَا ﴿فَابْعَثُوا حكما من أَهله﴾ يَعْنِي من أهل الزَّوْج، ﴿وَحكما من أَهلهَا﴾ يَعْنِي: من أهل الزَّوْجَة.
﴿إِن يريدا إصلاحا يوفق الله بَينهمَا إِن الله كَانَ عليما خَبِيرا﴾ وَهل يجوز لِلْحكمَيْنِ التَّفْرِيق؟ فللسلف فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه يجوز التَّفْرِيق، كَمَا يجوز الْجمع من غير رضَا الزَّوْج، وروى عَن عَليّ: أَنه بعث الْحكمَيْنِ، فَقَالَ الزَّوْج: أما الْفرْقَة فَلَا، فَقَالَ عَليّ: لَا حَتَّى ترْضى بِكِتَاب الله تَعَالَى؛ فعلى هَذَا معنى قَوْله: ﴿يوفق الله بَينهمَا﴾ يَعْنِي: يوفق الله بَين الْحكمَيْنِ بِمَا فِيهِ الصّلاح من الْفرْقَة أَو الْجمع، وَالصَّحِيح وَعَلِيهِ الْفَتْوَى: أَنه لَا يجوز التَّفْرِيق، وَهُوَ ظَاهر الْآيَة.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ روى عَن معَاذ أَنه قَالَ: " كنت رَدِيف رَسُول الله، فَقَالَ لي: يَا معَاذ.
فَقلت: لبيْك وَسَعْديك.
فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا حق الله على الْعباد؟ قلت: الله وَرَسُوله أعلم.
فَقَالَ: حق الله على الْعباد: أَن يعبدوه، وَلَا يشركوا بِهِ شَيْئا، ثمَّ قَالَ: يَا معَاذ، قلت: لبيْك وَسَعْديك، قَالَ: أَتَدْرِي مَا حق الْعباد على الله؟ قلت: الله وَرَسُوله أعلم.
فَقَالَ: حق الْعباد على الله إِذا فعلوا ذَلِك أَن يدخلهم الْجنَّة، وَلَا يعذبهم ". ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أَي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، وَمن الْإِحْسَان بالوالدين: لين الْجَانِب، وَألا يرفع صَوته فَوق صوتهما، وَلَا يجبهُ بِالرَّدِّ، وَيكون لَهما كَالْعَبْدِ الذَّلِيل لسَيِّده ﴿وبذي الْقُرْبَى﴾ أَي: أَحْسنُوا بِذِي الْقُرْبَى {واليتامى وَالْمَسَاكِين

﴿أَيْمَانكُم إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالا فخورا (36) الَّذين يَبْخلُونَ ويأمرون النَّاس بالبخل ويكتمون مَا آتَاهُم الله من فَضله واعتدنا للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا (37) وَالَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم﴾ ﴿وَالْجَار ذِي الْقُرْبَى﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: انه الْجَار الَّذِي لَهُ قرَابَة.
وَالثَّانِي: أَنه الْجَار الَّذِي بِقرب دَاره، وَهُوَ الملاصق، ﴿وَالْجَار الْجنب﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الْجَار الْغَرِيب الْأَجْنَبِيّ، وَالثَّانِي: أَنه الْجَار الَّذِي يبعد دَاره.
وَقد ورد فِي حق الْجَار أَخْبَار، مِنْهَا: مَا روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا زَالَ جِبْرِيل يوصيني بالجار، حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيورثه " وَقَالَ: " من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يؤذ جَاره "، وَقَالَ لمناديه حَتَّى نَادَى: " أَلا إِن الْجِيرَان أَرْبَعُونَ دَارا، وَلم يُؤمن بِاللَّه من آذَى جَاره ". وَقَالَت عَائِشَة لرَسُول الله: " إِن لي جارين، فَإلَى أَيهمَا أهدي؟ فَقَالَ: إِلَى أقربهما بَابا " فَحق الْجَار الْقَرِيب الْمُسلم ثَلَاثَة حُقُوق: حق الْقَرَابَة، وَحقّ الْإِسْلَام، وَحقّ الْجوَار، وللجار الْغَرِيب الْمُسلم حقان: حق الْإِسْلَام، وَحقّ الْجوَار، وللجار الذِّمِّيّ حق وَاحِد، وَهُوَ حق الْجوَار.
قَوْله تَعَالَى: ﴿والصاحب بالجنب﴾ قَالَ عَليّ، وَابْن مَسْعُود: هِيَ الْمَرْأَة، وَقَالَ الْحسن، وَمُجاهد، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة: هُوَ الرفيق فِي السّفر، ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ فِيهِ

﴿رئاء النَّاس وَلَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَمن يكن الشَّيْطَان لَهُ قرينا فسَاء قرينا (38) ﴾ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الملازم للطريق، قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقَالَ غَيره: هُوَ الضَّيْف، وَقَالَ " من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه " وَقَالَ " الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام، فَمَا زَاد فَهُوَ صَدَقَة ". ﴿وَمَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ يَعْنِي: أَحْسنُوا إِلَى المماليك، وَآخر مَا حفظ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " الصَّلَاة، وَمَا ملكت أَيْمَانكُم " أَي: الزموا الصَّلَاة، وَحقّ مَا ملكت أَيْمَانكُم.
﴿إِن الله لَا يحب من كَانَ مختالا فخورا﴾ المختال: المتكبر، والفخور: الَّذِي يفخر بِنَفسِهِ تكبرا، قَالَ الشَّاعِر: (وَإِن كنت سيدنَا سدتنا ... وَإِن كنت للخال فَاذْهَبْ فَخَل) يعْنى: إِن كنت للخيلاء فَاذْهَبْ فَخَل، فَإِن قيل: أَي معنى لهَذَا بعد هَذِه الْأَحْكَام؟ قيل: لِأَن الْآدَمِيّ قد يقصر فِي أَدَاء الْحُقُوق تكبرا؛ فَنهى عَنهُ، وَفِي الْخَبَر: " أَن رجلا كَانَ يتبختر فِي حلَّة لَهُ، فَخسفَ الله بِهِ الأَرْض، فَهُوَ يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يَبْخلُونَ ويأمرون النَّاس بالبخل﴾ قيل: هُوَ عَام فِي كل

﴿وماذا عَلَيْهِم لَو آمنُوا بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وأنفقوا مِمَّا رزقهم الله وَكَانَ الله بهم عليما (39) إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة وَإِن تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفهَا وَيُؤْت من لَدنه أجرا عَظِيما (40) فَكيف﴾ بخيل فِي الْعَالم، وَقيل أَرَادَ بِهِ: الْيَهُود وَالنَّصَارَى بخلوا بنعت مُحَمَّد، وَأمرُوا سفلتهم بذلك، ﴿ويكتمون مَا آتَاهُم الله من فَضله اعتدنا﴾ أَي: أعددنا ﴿للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم رئاء النَّاس وَلَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر﴾ قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقَالَ غَيره: هم المُنَافِقُونَ.
﴿وَمن يكن الشَّيْطَان لَهُ قرينا فسَاء قرينا﴾ أَي: فبئس القرين، قَالَ الشَّاعِر: (عَن الْمَرْء لَا تسْأَل وبصر قرينه ... فَكل قرين بالمقارن يَقْتَدِي)

قَوْله تَعَالَى: ﴿وماذا عَلَيْهِم﴾ أَي: وَأي شئ عَلَيْهِم ﴿لَو آمنُوا بِاللَّه﴾ وَهُوَ مثل مَا يُحَاسب الرجل نَفسه، فَينْظر فِيمَا لَهُ، وَفِيمَا عَلَيْهِ؛ يَقُول الله تَعَالَى أَي: شئ عَلَيْهِم لَو آمنُوا بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ﴿وأنفقوا مِمَّا رزقهم الله وَكَانَ الله بهم عليما﴾ .

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل