الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم أَلا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ (170) يستبشرون بِنِعْمَة من الله وَفضل وَأَن الله لَا يضيع أجر﴾
وَفِي رِوَايَة ثَالِثَة: " أَن النَّبِي رأى جَابِرا حَزينًا، وَقتل أَبوهُ عبد الله بن حرَام يَوْم أحد، فَقَالَ: مَا لي أَرَاك حَزينًا، إِن الله تَعَالَى لم يكلم أحدا، إِلَّا من وَرَاء حجاب، وَقد كلم أَبَاك كفاحا، فَقَالَ: تمن عَليّ " الحَدِيث.
وروى: " أَن شُهَدَاء أحد قَالُوا: من يبلغ نَبينَا وإخواننا مَا وصلنا إِلَيْهِ؟ فَقَالَ الله تَعَالَى: أَنا أبلغهم - وَفِي رِوَايَة: أَنا رَسُولكُم - وَأنزل هَذِه الْآيَة ".
{بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ
فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم) قيل مَعْنَاهُ: أَنه يدْفع إِلَيْهِم كتاب فِيهِ أَسمَاء إخْوَانهمْ الَّذين يستشهدون من بعدهمْ، فيستبشرون بهم.
وَقَوله: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم﴾ وَقدر عَلَيْهِم أَن يلْحقُوا بهم.
فِيهِ قَول آخر، أَن الشُّهَدَاء يَقُولُونَ: ياليت إِخْوَاننَا أصيبوا مثل مَا أَصَابَنَا؛ فيصلون إِلَى مَا وصلنا؛ فَذَلِك قَوْله: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلْحقُوا بهم من خَلفهم أَي: بِأَن لَا خوف عَلَيْهِم {ولاهم يَحْزَنُونَ﴾ .
﴿يستبشرون بِنِعْمَة من الله وَفضل﴾ وَقيل: أَرَادَ بِالنعْمَةِ: قدر الْكِفَايَة، وبالفضل: مَا زَاد على الْكِفَايَة، وَمَعْنَاهُ: لَا يضيق عَلَيْهِم، بل يُوسع فِي الْعَطاء، وَقيل: ذكر الْفضل تَأْكِيدًا للنعمة، ﴿وَأَن الله لَا يضيع أجر الْمُؤمنِينَ﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وَالله لَا يضيع أجر الْمُؤمنِينَ ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول﴾ قيل: سَبَب نزُول الْآيَة: أَن أَبَا سُفْيَان
﴿الْمُؤمنِينَ (171) الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول من بعد مَا أَصَابَهُم الْقرح للَّذين أَحْسنُوا مِنْهُم وَاتَّقوا أجر عَظِيم (172) الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ﴾
لما رَجَعَ إِلَى مَكَّة يَوْم أحد، قَالَ الْكفَّار بَعضهم لبَعض فِي الطَّرِيق: نرْجِع؛ فنستأصل مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله، فَقَالَ: من ينتدب إِلَى الْخُرُوج، فَانْتدبَ سَبْعُونَ نَفرا فيهم أَبُو بكر وَالزُّبَيْر.
وَقد قَالَت عَائِشَة لعروة: إِن أَبَوَيْك من الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول، وأرادت أَن أَبَا بكر وَالزُّبَيْر كَانَا فِي السّبْعين، فَخَرجُوا إِلَى حَمْرَاء الْأسد [وهم] على ثَمَانِيَة أَمْيَال من الْمَدِينَة، فَلَمَّا وصلوا (فَإِذا الله كَانَ قد ألْقى) الرعب فِي قُلُوب الْمُشْركين، وَكَانُوا مضوا إِلَى مَكَّة ".
وَقَالَ ابْن عَبَّاس (قولا آخر) : أَن أَبَا سُفْيَان لما أَرَادَ أَن يرجع يَوْم أحد، قَالَ: موعدنا وموعدكم الْعَام الْقَابِل ببدر، ثمَّ لم يتَّفق لَهُ الْخُرُوج فِي الْعَام الْقَابِل، وَخرج رَسُول الله لموعده إِلَى بدر مَعَ أَصْحَابه، فَأُولَئِك الَّذين اسْتَجَابُوا لله وَالرَّسُول ".
﴿من بعد مَا أَصَابَهُم الْقرح﴾ يَعْنِي: الْأَلَم يَوْم أحد، ﴿للَّذين أَحْسنُوا مِنْهُم﴾ باستجابة الرَّسُول، ﴿وَاتَّقوا﴾ يَعْنِي مُخَالفَة الرَّسُول ﴿أجر عَظِيم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ﴾ هَذَا قَول نعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ، والقصة فِي ذَلِك: " أَن أَبَا سُفْيَان لما لم يتَّفق لَهُ الْخُرُوج لموعده ببدر بعث بنعيم بن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ إِلَى الْمَدِينَة، وَقَالَ لَهُ: ثبط
﴿فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل (173) فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل لم يمسسهم سوء وَاتبعُوا رضوَان الله وَالله ذُو فضل عَظِيم (174) إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَان﴾ أَصْحَاب مُحَمَّد عَن الْخُرُوج؛ كَيْلا يَظُنُّوا أَن بِنَا فشلا وَلَك عشر من الْإِبِل، فجَاء إِلَيْهِم، وَكَانَ النَّبِي وصاحبته يتهيئون لِلْخُرُوجِ، فَقَالَ لَهُم: تخرجُونَ إِلَيْهِم! قد خَرجُوا إِلَيْكُم فِي الْعَام الْمَاضِي، وفعلوا بكم مَا فعلوا فِي بُيُوتكُمْ، وَالله لَو خَرجْتُمْ إِلَيْهِم لَا يعود أحد مِنْكُم، فَقَالَ وَأَصْحَابه: حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، وَلم يمتنعوا من الْخُرُوج ". فَقَوله: ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس﴾ هُوَ نعيم بن مَسْعُود وَحده، هَذَا قَول عِكْرِمَة وَمُجاهد وَمُقَاتِل والكلبي، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ قَول نفر قَلِيل من عبد الْقَيْس، وَقَوله: ﴿فَزَادَهُم إِيمَانًا﴾ مِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ: زادهم إِيمَانًا بتفويضهم، وَقَوْلهمْ: حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، وَقيل مَعْنَاهُ: زادهم يَقِينا بِمَا وعدهم الله من النَّصْر، ﴿وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ ، قَالَ ابْن عَبَّاس: وَهَذَا قَول إِبْرَاهِيم حِين ألْقى فِي النَّار، فَإِنَّهُ قَالَ: حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل﴾ معنى الْآيَة: " أَن النَّبِي وَأَصْحَابه خَرجُوا لموعد أبي سُفْيَان إِلَى بدر، وَهُوَ مجمع سوق الْعَرَب، فَلم يلْقوا هُنَالك (أحدا) إِذْ لم يتَّفق (خُرُوجهمْ) ، فاتجروا هُنَالك، وربحوا، وَانْصَرفُوا " فَذَلِك قَوْله: ﴿فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل﴾ فالنعمة: الْعَافِيَة، وَالْفضل: ربح التِّجَارَة ﴿لم يمسسهم سوء وَاتبعُوا رضوَان الله وَالله ذُو فضل عَظِيم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَان يخوف أولياءه﴾ فالشيطان: كل عَاتٍ متمرد من الْجِنّ وَالْإِنْس، وَالْمرَاد بالشيطان هَا هُنَا: نعيم بن مَسْعُود، وَقيل: هُوَ الشَّيْطَان
﴿يخوف أولياءه فَلَا تخافوهم وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين (175) وَلَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر إِنَّهُم لن يضروا الله شَيْئا يُرِيد الله أَلا يَجْعَل لَهُم حظا فِي الْآخِرَة وَلَهُم عَذَاب عَظِيم (176) إِن الَّذين اشْتَروا الْكفْر بِالْإِيمَان لن يضروا الله شَيْئا وَلَهُم عَذَاب أَلِيم (177) وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا أَنما نملي لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نملي لَهُم﴾
الْمَعْرُوف؛ فَإِنَّهُ وسوس إِلَيْهِم: أَن لَا تخْرجُوا لذَلِك الْوَعْد.
وَقَوله: ﴿يخوف أولياءه﴾ قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: تَقْدِيره: يخوفكم أولياءه أَي: من أولياءه، وهم الْكفَّار، وَقَالَ أهل الْمعَانِي: هُوَ قَول حسن.
وَقَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: يخوفكم بأوليائه، وَكَذَا قَرَأَ أبي بن كَعْب.
(وَمثله) قَوْله تَعَالَى: ﴿لينذر بَأْسا شَدِيدا﴾ أَي: ببأس شَدِيد، وَقَالَ الشَّاعِر:
(أَمرتك الْخَيْر فافعل مَا أمرت بِهِ ... فقد تركتك ذَا مَال وَذَا نسب)
أَي: أَمرتك بِالْخَيرِ، فَنزع الْبَاء ﴿فَلَا تخافوهم وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يحزنك﴾ وَيقْرَأ: " وَلَا يحزنك) بِضَم الْيَاء، ومعناهما وَاحِد.
﴿الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر﴾ يَعْنِي: قَول الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر.
﴿إِنَّهُم لن يضروا الله شَيْئا﴾ أَي: لن ينقصوا الله شَيْئا ﴿يُرِيد الله أَلا يَجْعَل لَهُم حظا فِي الْآخِرَة﴾ أَي: نَصِيبا فِي الْآخِرَة ﴿وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين اشْتَروا الْكفْر بِالْإِيمَان﴾ أَي: استبدلوا وكل شِرَاء استبدال، وَلَيْسَ كل استبدال شِرَاء ﴿لن يضروا الله شَيْئا﴾ أَي: لن ينقصوا الله شَيْئا ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا﴾ أَي: لَا يظنن، من الحسبان: الظَّن ﴿أَنما نملي لَهُم خير لأَنْفُسِهِمْ﴾ الْإِمْلَاء: إطالة الْعُمر، والإمهال: التَّأْخِير، وَيُقَال لِليْل وَالنَّهَار: ملوان.
﴿ليزدادوا إِثْمًا وَلَهُم عَذَاب مهين (178) مَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ حَتَّى يُمَيّز الْخَبيث من الطّيب وَمَا كَانَ الله ليطلعكم على الْغَيْب وَلَكِن الله يجتبي من رسله من يَشَاء فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَإِن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عَظِيم (197) وَلَا يَحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيرا لَهُم بل هُوَ شَرّ لَهُم سيطوقون مَا بخلوا﴾
﴿إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا﴾ أَي: إِنَّمَا نطيل عمرهم ليزدادوا إِثْمًا.
روى الْأسود عَن أبن مَسْعُود: " مَا من أحد إِلَّا وَالْمَوْت خير لَهُ؛ برا كَانَ أَو فَاجِرًا: أما الْبر، لقَوْله تَعَالَى -: ﴿وَمَا عِنْد الله خير للأبرار﴾ وَأما الْفَاجِر؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نملي لَهُم ليزدادوا إِثْمًا﴾ ؛ وَذَلِكَ أَنه إِذا ازْدَادَ إِثْمًا اشتدت عُقُوبَته " ﴿وَلَهُم عَذَاب مهين﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ الله ليذر الْمُؤمنِينَ على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: على اخْتِلَاط الْمُنَافِقين بكم؛ فَإِنَّهُم كَانُوا مختلطين بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿حَتَّى يُمَيّز الْخَبيث من الطّيب﴾ قَالَ مُجَاهِد: حَتَّى يُمَيّز الْكَافِر من الْمُؤمن، وَقَالَ قَتَادَة: حَتَّى يُمَيّز، الْمُنَافِق من الْمُؤمن، وَيقْرَأ: حَتَّى " يُمَيّز " مشددا يُقَال: ماز يُمَيّز، وميز يُمَيّز، بِمَعْنى وَاحِد.
وَفِي الحَدِيث: " من ماز أَذَى من الطَّرِيق، فَهُوَ لَهُ صَدَقَة " ﴿وَمَا كَانَ الله ليطلعكم على الْغَيْب﴾ سَبَب نُزُوله: أَن أَصْحَاب رَسُول الله قَالُوا: يَا رَسُول الله، أخبرنَا بِمن يَمُوت على الْإِيمَان، وَمن يَمُوت على الْكفْر؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ الله ليطلعكم على الْغَيْب وَلَكِن الله يجتبي من رسله من يَشَاء﴾ يَعْنِي: فيطلعه على الْغَيْب بِمَا شَاءَ، وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي آخر سُورَة الْجِنّ: ﴿فَلَا يظْهر على غيبه أحدا إِلَّا من ارتضى من رَسُول﴾ ﴿فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله وَإِن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عَظِيم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيرا لَهُم﴾ يَعْنِي: هُوَ يكون خيرا لَهُم ﴿بل هُوَ شرا لَهُم﴾ فِي معنى الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه فِي الْيَهُود، حَيْثُ كتموا نعت مُحَمَّد، وبخلوا بِهِ؛ فعلى هَذَا معنى قَوْله: ﴿سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَي: إِثْم مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْآيَة فِي
﴿بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَللَّه مِيرَاث السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (180) لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء سنكتب مَا قَالُوا وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق﴾ مَا نعى الزَّكَاة، وَقَوله: ﴿سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ على حَقِيقَته، وَهُوَ معنى مَا روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " من منع الزَّكَاة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة، فيمثل لَهُ مَاله شجاعا أَقرع فيطوق فِي رقبته، [فينهسه] من قرنه إِلَى قَدَمَيْهِ ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ". ﴿وَللَّه مِيرَاث السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يكون لَهُ مِيرَاث السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ قيل: الْعَرَب تسمى كل مَا انْتقل من أحد إِلَى غَيره مِيرَاثا بِأَيّ سَبَب كَانَ، فَلَمَّا خلصت السَّمَوَات وَالْأَرْض لله تَعَالَى بعد هَلَاك الْعباد، سَمَّاهُ مِيرَاثا، كَأَنَّهُ انْتقل مِنْهُم إِلَيْهِ ﴿وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ قيل: سَبَب نزُول الْآيَة: أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ قَالَت الْيَهُود: إِن الله يستقرض منا أَمْوَالنَا؛ فَإِذن هُوَ فَقير وَنحن أَغْنِيَاء وَمَا قَالُوا ذَلِك عَن اعْتِقَاد، وَلَكِن تمويها على الْمُسلمين، وتشكيكا لَهُم فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد رَسُول الله، فَنزل قَوْله: ﴿لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ وَفِيه قَول آخر: أَنه عَلَيْهِ [الصَّلَاة و] السَّلَام لما اسْتَعَانَ بيهود بني قينقاع فِي الْحَرْب، قَالُوا: إِن الله فَقير إِذن؛ حَيْثُ يَسْتَعِين بِنَا فِي نصْرَة دينه، وَنحن أَغْنِيَاء؛ فَنزلت الْآيَة.
﴿سنكتب مَا قَالُوا﴾ : هُوَ الْكِتَابَة فِي صَحَائِف الْأَعْمَال، وَقيل: مَعْنَاهُ: نحصي مَا قَالُوا نجازى عَلَيْهِ، وَيقْرَأ: " سيكتب مَا قَالُوا " بِضَم الْيَاء.
﴿وقتلهم الْأَنْبِيَاء﴾ بِالرَّفْع أَي: وَيكْتب قَتلهمْ الْأَنْبِيَاء ﴿بِغَيْر حق ونقول ذوقوا عَذَاب الْحَرِيق﴾ أَي:
﴿ونقول ذوقوا عَذَاب الْحَرِيق (181) ذَلِك بِمَا قدمت أَيْدِيكُم وَأَن الله لَيْسَ بظلام للعبيد (182) الَّذين قَالُوا إِن الله عهد إِلَيْنَا أَلا نؤمن لرَسُول حَتَّى يأتينا بقربان تَأْكُله النَّار قل قد جَاءَكُم رسل من قبلي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلم قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنْتُم صَادِقين (183) فَإِن كَذبُوك فقد كذب رسل من قبلك جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ والزبر وَالْكتاب الْمُنِير (184) كل﴾ بِعَذَاب النَّار؛ لِأَن عَذَاب النَّار محرق.
﴿ذَلِك بِمَا قدمت أَيْدِيكُم﴾ يَعْنِي: بِمَا قدمتم، وَذكر أَيْدِيكُم تَأْكِيدًا.
﴿وَأَن الله لَيْسَ بظلام للعبيد﴾ يَعْنِي: أَنه يفعل مَا يفعل بهم؛ مجازاة لَهُم على أَعْمَالهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين قَالُوا إِن الله عهد إِلَيْنَا أَلا نؤمن لرَسُول حَتَّى يأتينا بقربان تَأْكُله النَّار﴾ الْآيَة فِي الْيَهُود، قَالَ السّديّ: كَانَ الله تَعَالَى عهد إِلَى الْيَهُود: أَن لَا يُؤمنُوا لرَسُول حَتَّى يَأْتِيهم بقربان تَأْكُله النَّار سوى عِيسَى وَمُحَمّد، فَأَنَّهُ أَمرهم أَن يُؤمنُوا بهما من غير هَذِه الشريطة.
وَقَالَ غَيره: كَانُوا يَتَقَرَّبُون بالقربان، ثمَّ يَأْخُذُونَ أطايب لَحْمه، فيضعونها فِي بَيت، ثمَّ يقوم نَبِيّهم فِي ذَلِك الْبَيْت يُنَاجِي ربه، فتأتي نَار بَيْضَاء لَهَا حفيف من السَّمَاء، فتأكله، وَيكون ذَلِك عَلامَة قبُول القربان.
﴿قل قد جَاءَكُم رسل من قبلي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات والمعجزات ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ يَعْنِي: من الْإِتْيَان بقربان تَأْكُله النَّار.
﴿فَلم قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أَي: فَلم كذبتموهم، وَقَتَلْتُمُوهُمْ ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فِي دعوتكم ذَلِك الْعَهْد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن كَذبُوك فقد كذب رسل من قبلك جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَي: بالدلالات والمعجزات ﴿والزبر﴾ : جمع الزبُور وَهُوَ كتاب فِيهِ الْحِكْمَة، وَبِه سمى كتاب دَاوُد: زبورا، وَفِي مصحف أهل الشَّام " وبالزبر ". فَإِن قَالَ قَائِل: أَي فرق بَين الزبر وَالْكتاب؟ وَقد قَالَ: ﴿والزبر وَالْكتاب الْمُنِير﴾
﴿نفس ذائقة الْمَوْت وَإِنَّمَا توفون أجوركم يَوْم الْقِيَامَة فَمن زحزح عَن النَّار وادخل الْجنَّة فقد فَازَ وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور (185) لتبلون فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا وَإِن تصبروا وتتقوا﴾ قيل: الْكتاب اسْم لما كتب، وَضم بعض الْكَلِمَات فِيهِ إِلَى بعض من الْكتب (وَهُوَ) الضَّم، وَأما الزبر: مَأْخُوذ من الزبر وَهُوَ الزّجر، فالزبور: كتاب فِيهِ مزاجر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ والذوق فِي الْمَوْت مجَاز، وَحَقِيقَة الذَّوْق: هُوَ الإحساس بالشَّيْء؛ فَلَمَّا كَانَ يحس بِالْمَوْتِ، سَمَّاهُ ذوقا مجَازًا، قَالَ الشَّاعِر: (من لم يمت عبطة يمت هرما ... الْمَوْت كأس وكل النَّاس ذائقها) فَإِن قَالَ قَائِل: لَا يخفي أَن كل نفس تَمُوت، فأيش الْفَائِدَة فِي قَوْله: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ ؟ قيل: أَرَادَ بِهِ: التزهيد بالدنيا، يَعْنِي: أَن النُّفُوس إِلَى الفناء؛ فتزهدوا بالدنيا، ﴿وَإِنَّمَا توفون أجوركم يَوْم الْقِيَامَة﴾ . ﴿فَمن زحزح عَن النَّار﴾ أَي: نجى، وَبعد عَن النَّار ﴿وَأدْخل الْجنَّة فقد فَازَ﴾ أَي: نجا ﴿وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور﴾ لِأَنَّهَا تغر الْإِنْسَان، وَهِي الإنقطاع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لتبلون﴾ أَي: لتختبرن، وَقيل: لتصابن ﴿فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ﴾ فِي أَمْوَالكُم بِالْإِنْفَاقِ، وَأَنْفُسكُمْ بِالْجِهَادِ، وَقيل: فِي أَمْوَالكُم (وَأَنْفُسكُمْ بالمصائب والأمراض، وَقَالَ بعض أَصْحَاب الخواطر: فِي أَمْوَالكُم) بِالْمَنْعِ عَن الْحق، وَأَنْفُسكُمْ بِاتِّبَاع الْهوى.
﴿ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا﴾ قَالَ الزُّهْرِيّ: هَذَا فِي كَعْب بن الْأَشْرَف، كَانَ يهجو النَّبِي وَيسمع الْمُسلمين هجاه "، وَقيل: هُوَ قَول الْيَهُود: عَزِيز ابْن الله، وَقَول النَّصَارَى: الْمَسِيح ابْن الله، وَقيل: هُوَ قَول أُولَئِكَ الَّذين قَالُوا: إِن الله فَقير.
﴿فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور (186) وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبينه للنَّاس وَلَا تكتمونه فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ واشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فبئس مَا يشْتَرونَ (187) لَا تحسبن الَّذين يفرحون بِمَا أُوتُوا وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا فَلَا تحسبنهم بمفازة من الْعَذَاب وَلَهُم عَذَاب أَلِيم (188) وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالله على كل شَيْء﴾ ﴿وَإِن تصبروا﴾ يَعْنِي: على الْأَذَى ﴿وتتقوا﴾ يَعْنِي: من مُخَالفَة الرَّسُول ﴿فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ أَي: من حقائق الْأُمُور، وشدائدها.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه.
وَقيل: هُوَ فِي جَمِيع الْعلمَاء، أَخذ الله مِيثَاق الْعلمَاء: أَن يبينوا الْعلم للنَّاس وَلَا يكتمونه، وَفِي الحَدِيث: " من سُئِلَ عَن علم، فكتمه، ألْجم بلجام من نَار ".
{فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ﴾ أَي: تَرَكُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ (واشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا) يَعْنِي: الرشاء ﴿فبئس مَا يشْتَرونَ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تحسبن الَّذين يفرحون بِمَا أُوتُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود، بِمَا أُوتُوا أَي: الْعلم وَالْكتاب، وَلم يقومُوا بِمُوجبِه وَمَا يَقْتَضِيهِ، وَقيل: هُوَ فِي الْمُنَافِقين يفرحون بِمَا أَتَوا من التَّخَلُّف عَن رَسُول الله.
﴿وَيُحِبُّونَ أَن يحْمَدُوا بِمَا لم يَفْعَلُوا﴾ (يَعْنِي) : بالأعذار الكاذبة، ﴿فَلَا تحسبنهم بمفازة من الْعَذَاب﴾ أَي: بمنجاة من الْعَذَاب ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ .
وروى أَن مَرْوَان بعث إِلَى عَائِشَة: هلكنا إِذن؛ فَإنَّا نفرح بِمَا نأتي، ونحب أَن نحمد بِمَا لم نَفْعل؛ وَالله تَعَالَى يَقُول: ﴿فَلَا تحسبنهم بمفازة من الْعَذَاب﴾ فَذكرت عَائِشَة أَن الْآيَة فِي الْيَهُود
﴿قدير (189) إِن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآيَات لأولي الْأَلْبَاب (190) الَّذين يذكرُونَ الله قيَاما وقعودا وعَلى جنُوبهم ويتفكرون فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فقنا عَذَاب النَّار (191) رَبنَا إِنَّك﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ذكر هَذَا رد لقَولهم: إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء.
قَوْله تَعَالَى: (إِن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآيَات لأولي الْأَلْبَاب) يَعْنِي: أَن فِيهَا دلالات على وحدانيته لِذَوي الْعُقُول.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يذكرُونَ الله قيَاما وقعودا وعَلى جنُوبهم﴾ روى ابْن مَسْعُود وَعمْرَان بن الْحصين أَن النَّبِي قَالَ: " صل قَائِما، فَإِن لم تستطع فقاعدا، فَإِن لم تستطع فعلى جَنْبك تومىء إِيمَاء " فَهَذَا معنى الْآيَة.
وَقيل: مَعْنَاهُ: الَّذين يوحدون الله على كل حَال.
﴿ويتفكرون فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ فيستدلون بِهِ على وحدانيته، وَفِي الحَدِيث: " تَفَكَّرُوا فِي الْخلق، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِق ".
﴿رَبنَا مَا خلقت هَذَا بَاطِلا﴾ أَي: عَبَثا، وَقيل: (بَاطِلا) أَي: بباطل.
﴿سُبْحَانَكَ﴾ : هُوَ للتنزيه عَن كل سوء ﴿فقنا عَذَاب النَّار﴾ روى عَن ابْن عَبَّاس: أَنه قَالَ: " بَيت عِنْد خَالَتِي مَيْمُونَة، فَنَامَ رَسُول الله وَأَهله على عرض الوسادة، وَأَنا
﴿من تدخل النَّار فقد أخزيته وَمَا للظالمين من أنصار (192) رَبنَا إننا سمعنَا مناديا يُنَادي للْإيمَان أَن آمنُوا بربكم فَآمَنا رَبنَا فَاغْفِر لنا ذنوبنا وَكفر عَنَّا سيئاتنا وتوفنا مَعَ الْأَبْرَار (193) رَبنَا وآتنا مَا وعدتنا على رسلك وَلَا تخزنا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّك لَا تخلف الميعاد﴾ على طولهَا، ثمَّ قَامَ من اللَّيْل، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَات الْعشْر " وَفِي رِوَايَة قَالَ: " سُبْحَانَ الْملك القدوس رب الْمَلَائِكَة وَالروح، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَات الْعشْر إِلَى آخر السُّورَة ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ أَي: أهلكته.
فَإِن قَالَ قَائِل: ألستم تَقولُونَ: إِن الْمُؤمنِينَ يخلدُونَ النَّار، وَلَا يدْخلُونَ فِيهَا، فَكيف يكون ذَلِك إهلاكا؟ قيل: قَالَ قَتَادَة: معنى الْآيَة: إِنَّك من تدخل النَّار للخلود فقد أخزيته أَي: أهلكته، وَقَالَ الضَّحَّاك: معنى الْآيَة ﴿إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ أَي: فضحته، وهتكت ستره؛ فعلى هَذَا يَسْتَوِي فِيهِ كل من دخل النَّار وَإِن لم يخلد فِيهَا ﴿وَمَا للظالمين من أنصار﴾ .
﴿رَبنَا إننا سمعنَا مناديا يُنَادى للْإيمَان أَن آمنُوا بربكم فَآمَنا﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن الْمُنَادِي: هُوَ الرَّسُول، وَقيل: هُوَ الْقُرْآن قَالَه مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ.
لِأَن كثيرا من النَّاس لم ير الرَّسُول وَلم يسمعهُ.
﴿رَبنَا فَاغْفِر لنا ذنوبنا﴾ أَي: كبائرنا ﴿وَكفر عَنَّا سيئاتنا﴾ أَي: صغائرنا، وَقيل: الذُّنُوب: الْمعاصِي، والسيئات: التَّقْصِير فِي الطَّاعَات.
﴿وتوفنا مَعَ الْأَبْرَار﴾ الْبر الْمُطِيع، وَفِي الْآثَار: إِن الْبر لَا يُؤْذِي الذَّر.
يَعْنِي: النَّمْل الصغار الْحمر.
﴿رَبنَا وآتنا مَا وعدتنا على رسلك﴾ أَي: على أَلْسِنَة رسلك ﴿وَلَا تخزنا يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَي: لَا تفضحنا، وَلَا تُهْلِكنَا.
﴿إِنَّك لَا تخلف الميعاد﴾ وَهُوَ على سَبِيل الْمَدْح لَهُ؛ لأَنا على الْقطع نعلم أَنَّك لَا تخلف الميعاد.
( ﴿194) فَاسْتَجَاب لَهُم رَبهم أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى بَعْضكُم من بعض فَالَّذِينَ هَاجرُوا وأخرجوا من دِيَارهمْ وأوذوا فِي سبيلي وقاتلوا وَقتلُوا لأكفرن عَنْهُم سيئاتهم ولأدخلنهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار ثَوابًا من عِنْد الله وَالله عِنْده حسن الثَّوَاب (195) لَا يغرنك تقلب الَّذين كفرُوا فِي الْبِلَاد (196) مَتَاع قَلِيل ثمَّ مأواهم جَهَنَّم وَبئسَ المهاد (197) لَكِن الَّذين اتَّقوا رَبهم لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا نزلا من عِنْد الله وَمَا عِنْد الله خير للأبرار (198) وَإِن من أهل﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَاب لَهُم رَبهم أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ روى أَن أم سَلمَة قَالَت لرَسُول الله: إِنِّي أرى الله لَا يذكر النِّسَاء فِي الْقُرْآن، فَنزل قَوْله: ( ﴿من ذكر أَو أُنْثَى﴾ بَعْضكُم من بعض) أَي: كلكُمْ كَنَفس وَاحِدَة، فَلَا أضيع عمل وَاحِد مِنْكُم.
﴿فَالَّذِينَ هَاجرُوا وأخرجوا من دِيَارهمْ وأوذوا فِي سبيلي وقاتلوا وَقتلُوا﴾ وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ: " وَقتلُوا وقاتلوا " ﴿لأكفرن عَنْهُم سيئاتهم ولأدخلنهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار ثَوابًا من عِنْد الله﴾ أَي: جَزَاء من عِنْد الله، ﴿وَالله عِنْده حسن الثَّوَاب﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يغرنك تقلب الَّذين كفرُوا فِي الْبِلَاد﴾ يَعْنِي: على مُرَادهم، فَإِن مصيرهم إِلَى النَّار
﴿مَتَاع قَلِيل ثمَّ مأواهم جَهَنَّم وَبئسَ المهاد﴾ وَفِيه دَلِيل على أَن أقل الْقَلِيل من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا، وَفِي الحَدِيث: " لموْضِع سَوط من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ".