تفسير السمعانيصفحات 363-378
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَاتِحَة

صفحات 363-378
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿مِنْكُم وَيعلم الصابرين (142) وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت من قبل أَن تلقوهُ فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون (143) وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله كتابا مُؤَجّلا وَمن يرد ثَوَاب الدُّنْيَا نؤته﴾ ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ ليعلم أَن المُرَاد بِالرُّؤْيَةِ هَا هُنَا: التفكر، قَالَه الْأَخْفَش، وَقيل: إِنَّمَا قَالَه تَأْكِيدًا، وَقيل: مَعْنَاهُ: وَأَنْتُم تنْظرُون إِلَى مُحَمَّد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل﴾ سَبَب نزُول الْآيَة أَن الْمُسلمين يَوْم أحد لما وَقعت الْهَزِيمَة عَلَيْهِم، وَوَقع الْقَتْل فيهم؛ صَاح الشَّيْطَان - عَلَيْهِ مَا يسْتَحق -: أَلا إِن مُحَمَّدًا [قد] قتل، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: خُذُوا لنا الْأمان من أبي سُفْيَان، وَقَالَ من كَانَ فِي قلبه نفاق: ارْجعُوا إِلَى دينكُمْ الأول، فَإِن مُحَمَّدًا قد قتل؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ يَعْنِي: هُوَ على رسَالَته ونبوته مَاتَ أَو قتل، فَلم انقلبتم على أعقابكم؟ ! ﴿وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا﴾ أَي: إِنَّمَا ضرّ نَفسه، ﴿وسيجري الله الشَّاكِرِينَ﴾ . وروى: أَن [أنس بن النَّضر] " لما سمع قَول الشَّيْطَان: إِن مُحَمَّدًا قتل، اخْتَرَطَ سَيْفه وَتوجه إِلَى الْكفَّار، وَقَالَ: إِن قَاتل مُحَمَّد وَقتل، وَوصل إِلَى مَا وصل، فَأَنا أقَاتل حَتَّى أقتل، وأصل إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ، فقاتل حَتَّى قتل ". وَقَالَ كَعْب بن مَالك: أَنا أول من رأى رَسُول الله يَوْم أحد بعد صياح الشَّيْطَان، عَرفته بِعَيْنيهِ تَحت المغفر، فَقلت: هَذَا رَسُول الله حَيّ، فَأَشَارَ إِلَى أَن اسْكُتْ ". ﴿مِنْهَا وَمن يرد ثَوَاب الْآخِرَة نؤته مِنْهَا وسنجزي الشَّاكِرِينَ (145) وكأين من نَبِي قَاتل مَعَه ربيون كثير فَمَا وهنوا لما أَصَابَهُم فِي سَبِيل الله وَمَا ضعفوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَالله يحب الصابرين (146) وَمَا كَانَ قَوْلهم إِلَّا أَن قَالُوا رَبنَا اغْفِر لنا ذنوبنا وإسرافنا فِي﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تَمُوت إِلَّا بِإِذن الله﴾ تَقْدِيره: وَمَا كَانَت نفس لتَمُوت إِلَّا بِإِذن الله بِقَضَائِهِ وَقدره ﴿كتابا مُؤَجّلا﴾ تَقْدِيره: كتب كتابا مُؤَجّلا.
(وَمن يرد ثَوَاب الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا) فَإِن قيل: نَحن نرى من يُرِيد الدُّنْيَا، فَلَا يُؤْتى؟ قيل: مَعْنَاهُ: لَا يمْنَع عَنهُ مَا قدر لَهُ من ثَوَاب الدُّنْيَا بِسَبَب كفره.
﴿وَمن يرد ثَوَاب الْآخِرَة نؤته مِنْهَا﴾ فَإِن قيل: وَهل يُؤْتى ثَوَاب الْآخِرَة بِمُجَرَّد الْإِرَادَة؟ قيل مَعْنَاهُ: وَمن يرد بِالْعَمَلِ، وَهَذَا كَمَا يُقَال: فلَان يُرِيد الْجنَّة، أَي: يعْمل للجنة ﴿وسنجزي الشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ، قَالَ عَليّ - رَضِي الله عَنهُ -: أَبُو بكر إِمَام الشَّاكِرِينَ.
أَي: إِمَام الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله عَنهُ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وكأين من نَبِي [قَاتل] مَعَه ربيون كثير﴾ أَي: وَكم من نَبِي قتل قَالَ جرير: (وكأين بالأباطح من صديق ... يراني إِن أصبت هُوَ المصابا) قَالَ عِكْرِمَة: هَذَا وقف تَامّ، وَمَعْنَاهُ: كم نَبِي قتل وَمَعَهُ أَصْحَابه.
﴿فَمَا وهنوا لما أَصَابَهُم فِي سَبِيل الله﴾ أَي: مَا جبنوا ﴿وَمَا ضعفوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أَي: مَا ذلوا، وَمَا خضعوا، وَقَالَ الْحسن: مَا قتل نَبِي فِي معركة قطّ، وَإِنَّمَا معنى الْآيَة: وكأين من نَبِي قتل مَعَه ربيون كثير، وَأما الْقِرَاءَة الْأُخْرَى: " قَاتل مَعَه فَمَعْنَاه ظَاهر، وَأما الربيون قَالَ ابْن مَسْعُود: هم أُلُوف، وَقيل: هم عشرَة آلَاف.
قَالَ الْحسن: الربيون من الْعلمَاء مَأْخُوذ من الرب؛ لأَنهم على دين الرب وَطَرِيقه.
قَوْله تَعَالَى: {وَالله يحب الصابرين

وَمَا كَانَ قَوْلهم إِلَّا أَن قَالُوا رَبنَا أَغفر لنا ذنوبنا) أَي: الصَّغَائِر ﴿وإسرافنا فِي أمرنَا﴾ أَي: الْكَبَائِر، ﴿وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين﴾ .

﴿أمرنَا وَثَبت أقدامنا وَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين (147) فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ (148) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا الَّذين كفرُوا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وَهُوَ خير الناصرين (150) سنلقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب بِمَا أشركوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: (النُّصْرَة) وَالْغنيمَة.
﴿وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ أَن الله ينزل النَّبِي وَأَصْحَابه فِي قباب من در وَيَاقُوت حَتَّى يفصل بَين الْخلق، وَقيل، حسن ثَوَاب الْآخِرَة: أَن يجازيهم على عَمَلهم ويزيدهم من فَضله ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تطيعوا الَّذين كفرُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ يَعْنِي: إِلَى الْيَهُودِيَّة والنصرانية.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْمُنَافِقين الَّذين قَالُوا يَوْم أحد: ارْجعُوا إِلَى دينكُمْ الأول؛ فَإِن مُحَمَّدًا قد قتل، فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾ أَي: مغبونين.
﴿بل الله مولاكم وَهُوَ خير الناصرين﴾ .

قَوْله تَعَالَى: (سنلقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب) يَعْنِي: الْخَوْف، قَالَ: " نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر " ﴿بِمَا أشركوا بِاللَّه﴾ أَي: بشركهم بِاللَّه ﴿مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا﴾ أَي: الَّذِي لم ينزل بِهِ حجَّة، وَالسُّلْطَان: الْحجَّة، قَالَ الله تَعَالَى (هلك عني سلطانيه) أَي: حجتي.
﴿ومأواهم النَّار﴾ مكانهم النَّار ﴿وَبئسَ مثوى الظَّالِمين﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن الْهَزِيمَة لما وَقعت على الْمُسلمين يَوْم أحد، وَوَقع الْقَتْل فيهم، تشَاور الْمُشْركُونَ فِيمَا بَينهم، وَأَجْمعُوا على أَن يعودوا لِلْقِتَالِ، فيستأصلوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه فَألْقى الله تَعَالَى الرعب فِي قُلُوبهم، فَمروا على وُجُوههم لَا يلوون على شَيْء حَتَّى بلغُوا مَكَّة، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿سنلقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب﴾ .

﴿ومأواهم النَّار وَبئسَ مثوى الظَّالِمين (151) وَلَقَد صدقكُم الله وعده إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فشلتم وتنازعتم فِي الْأَمر وعصيتم من بعد مَا أَرَاكُم مَا تحبون مِنْكُم من يُرِيد﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده﴾ أَي: وعده صدقكُم بالظفر والنصرة؛ وَقد كَانَت النُّصْرَة فِي الِابْتِدَاء للْمُسلمين يَوْم أحد ﴿إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ﴾ أَي: تقتلونهم بِقَضَاء الله وَقدره، وألحس: الْقَتْل، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (تحسهم السيوف كَمَا تسامى ... لهيب النَّار فِي أجم الحصيد) ﴿حَتَّى إِذا فشلتم﴾ أَي: جبنتم، ﴿وتنازعتم فِي الْأَمر﴾ تَقْدِيره: حَتَّى إِذا فشلتم، تنازعتم فِي الْأَمر، و " الْوَاو " زَائِدَة قَالَه الْفراء، وَقيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَتَقْدِيره: حَتَّى إِذا تنازعتم فِي الْأَمر، فشلتم ﴿وعصيتم من بعد مَا أَرَاكُم مَا تحبون﴾ يَعْنِي: من الظفر وَالْغنيمَة.
﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾ ؛ لأَنهم اخْتلفُوا على مَا سنذكر ﴿ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم﴾ أَي: [كف] أَيْدِيكُم عَنْهُم؛ ليمتحنكم، وَقيل: لينزل الْبلَاء عَلَيْكُم، ﴿وَلَقَد عَفا عَنْكُم وَالله ذُو فضل على الْمُؤمنِينَ﴾ ، والقصة فِي ذَلِك: " أَن رَسُول الله رأى فِي مَنَامه: أَنه لبس درعا حَصِينَة حِين نزل الْمُشْركُونَ بِأحد؛ فأولها على الْمَدِينَة، وشاور أَصْحَابه فِي الْخُرُوج إِلَى أحد، فَقَالُوا: إِن هَذِه بَلْدَة مَا دخل علينا فِيهَا أحد، وَلَا تبع حَتَّى قدم وَحَتَّى يخرج إِلَيْهِم، فَلبس رَسُول الله درعين، وَوضع المغفر على رَأسه، وَخرج؛ فَنَدِمُوا وَعَلمُوا أَنه كَانَ مُرَاده أَن يُقيم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، (إِنَّا) تبع لرأيك، وطلبوا مِنْهُ أَن يرجع إِن شَاءَ، فَقَالَ: مَا كَانَ لنَبِيّ إِذا لبس لامته أَن يَنْزِعهَا حَتَّى يُقَاتل، أَو يحكم الله.
وَمضى مَعَه ألف نفر، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول [وَأَصْحَابه] بِثلث الْجَيْش ثلثمِائة نفر، وَبَقِي سَبْعمِائة، فَلَمَّا وصل إِلَى أحد بعث قوما من الرُّمَاة، وأجلسهم على مَوضِع من جبل يخَاف مِنْهُ الكمين، وَأمر عَلَيْهِم عبد الله بن جُبَير الْأنْصَارِيّ.

﴿الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم وَلَقَد عَفا عَنْكُم وَالله ذُو فضل﴾ ثمَّ ابْتَدَأَ الْقِتَال مَعَ الْمُشْركين، فظفر عَلَيْهِم، وَقتل جمَاعَة من رُؤَسَائِهِمْ، وانهزموا، ولاح الظفر للْمُسلمين، وَسَارُوا فِي أَثَرهم للغنيمة، فَلَمَّا رَآهُ الرُّمَاة، فَقَالُوا: إِن الْمُشْركين قد انْهَزمُوا، ولاح الظفر حَتَّى نسير على أَثَرهم؛ ونغنم، فَقَالَ عبد الله بن جُبَير: لَا تفارقوا هَذَا الْمَكَان؛ فَإِن رَسُول الله أَمركُم أَن تلزموا هَذَا الْمَكَان، فالزموه، فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، وَذهب أَكْثَرهم، وَبَقِي عبد الله بن جُبَير مَعَ نفر قَلِيل من أَصْحَابه.
فَلَمَّا عرى مَوضِع الكمين عَن الرُّمَاة، خرج عَلَيْهِم خَالِد بن الْوَلِيد من الكمين، وَحمل عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ، فاستشهد عبد الله بن جُبَير، وَمن بَقِي مَعَه، وَعَاد الْمُشْركُونَ لِلْقِتَالِ، وَوَقع الْقَتْل فِي الْمُسلمين، وَقتل مِنْهُم سَبْعُونَ نَفرا، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَبَقِي مَعَ رَسُول الله نفر قَلِيل، فَذَلِك قَوْله ﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده﴾ أَي: فِي الِابْتِدَاء بالظفر والنصرة ﴿إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فشلتم وتنازعتم فِي الْأَمر﴾ يَعْنِي: أُولَئِكَ الرُّمَاة الَّذين اخْتلفُوا، ﴿وعصيتم﴾ يَعْنِي: عصيتم الرَّسُول، وخالفتم أمره ﴿من بعد مَا أَرَاكُم﴾ يَعْنِي: من بعد أَن أَرَاكُم الله تَعَالَى ﴿مَا تحبون﴾ من الظفر ﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا﴾ هم الَّذين ذَهَبُوا للغنيمة، ﴿ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾ : الَّذين صَبَرُوا مَعَ عبد الله بن جُبَير.
قَالَ ابْن مَسْعُود: مَا علمنَا أَن أحدا منا يُرِيد الدُّنْيَا حَتَّى أنزل الله هَذِه الْآيَة.
﴿ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم﴾ يَعْنِي: فِي الْوَقْعَة الثَّانِيَة حِين عَاد الْمُشْركُونَ، وَهَذَا دَلِيل لأهل السّنة على: أَن أَفعَال الْعباد مخلوقة؛ حَيْثُ نسب الله تَعَالَى هزيمَة الْمُسلمين إِلَى نَفسه مَعَ وُقُوع الْفِعْل مِنْهُم، فَقَالَ: ﴿ثمَّ صرفكم عَنْهُم﴾ . قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ تصعدون﴾ وَيقْرَأ: بِفَتْح التَّاء وَالْعين.
فالإصعاد: هُوَ الْمَشْي فِي مستو من الأَرْض، والصعود: المشى فِي مُرْتَفع من الأَرْض.

﴿على الْمُؤمنِينَ (152) إِذْ تصعدون وَلَا تلوون على أحد وَالرَّسُول يدعوكم فِي أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على مَا فاتكم وَلَا مَا أَصَابَكُم وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وَالْخطاب مَعَ الْمُسلمين الَّذين انْهَزمُوا،

بقوله: ﴿إِذْ تصعدون وَلَا تلوون على أحد﴾ أَي: لَا تعرجون، وَلَا تلتفتون إِلَى أحد، ثمَّ مِنْهُم من قَالَ: ﴿أَرَادَ بالأحد﴾ : الرَّسُول، وَمِنْهُم من قَالَ: مَعْنَاهُ: لَا تلوون على أحد من النَّاس.
﴿وَالرَّسُول يدعوكم فِي أخراكم﴾ يَعْنِي: فِي آخر الْجَيْش، وَكَانَ يَدعُوهُم: " عباد الله، إِلَيّ إِلَيّ، أَنا رَسُول الله، فَلم يلتفتوا إِلَيْهِ، ومضوا ". ﴿فأثابكم غما بغم﴾ أَي: جازاكم، ثمَّ اخْتلفُوا، مِنْهُم من قَالَ: الْغم الأول: هُوَ الْقَتْل، والهزيمة الَّتِي وَقعت على الْمُسلمين، وَالْغَم الثَّانِي: هُوَ الإرجاف من قَول الشَّيْطَان: إِن مُحَمَّدًا قد قتل.
وَقيل: [إِن] الْغم الأول: هُوَ الْقَتْل والهزيمة، وَالْغَم الثَّانِي: هُوَ فَوَات الظفر على الْعَدو.
وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: أَنهم غموا الرَّسُول بمخافة أمره؛ فجازاهم الله تَعَالَى بذلك الْغم غم الْقَتْل والهزيمة؛ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ ثَوابًا؛ لِأَنَّهُ وَضعه مَوضِع الثَّوَاب، كَمَا قَالَ: ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ سمى الْعَذَاب: بِشَارَة؛ لِأَنَّهُ وَضعه مَوضِع الْبشَارَة ﴿ليكلا تحزنوا على مل فاتكم وَلَا مَا أَصَابَكُم﴾ من الْقَتْل والهزيمة، مَنعهم الله تَعَالَى من الْحزن على شَيْء ابْتَلَاهُم الله بِهِ، ووعد الثَّوَاب عَلَيْهِ ﴿وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أنزل عَلَيْكُم من بعد الْغم أَمَنَة﴾ قيل: الْأَمْن والأمنة بِمَعْنى

( ﴿153) ثمَّ أنزل عَلَيْكُم من بعد الْغم أَمَنَة نعاسا يغشى طَائِفَة مِنْكُم وَطَائِفَة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بِاللَّه غير الْحق ظن الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ هَل لنا من الْأَمر من شَيْء قل إِن الْأَمر كُله لله يخفون فِي أنفسهم مَا لَا يبدون لَك يَقُولُونَ لَو كَانَ لنا من الْأَمر شَيْء مَا قتلنَا هَا هُنَا قل لَو كُنْتُم فِي بُيُوتكُمْ لبرز الَّذين كتب عَلَيْهِم الْقَتْل إِلَى مضاجعهم وليبتلي﴾ وَاحِد، وَقيل: يكون مَعَ (زَوَال سَبَب الْخَوْف) ، فَأَما هَا هُنَا فَقَالَ: ﴿أَمَنَة نعاسا يغشى طَائِفَة مِنْكُم﴾ قيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: نعاسا أَمَنَة، وَقيل: هُوَ على نظمه مُسْتَقِيم، وَمعنى الْآيَة: أَن الله تَعَالَى أَرَادَ تميز الْمُؤمنِينَ من الْمُنَافِقين، فأوقع النعاس على الْمُؤمنِينَ أَمَنَة لَهُم، حَتَّى أمنُوا، وَلم يُوقع على الْمُنَافِقين فبقوا على الْخَوْف.
قَالَ أَبُو طَلْحَة: أوقع الله تَعَالَى علينا النعاس وَنحن تَحت الْحجر.
وَقيل: أوقع النعاس عَلَيْهِم حَتَّى كَانَ يسْقط السيوف من أَيْديهم، وَكَذَلِكَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزُّبَيْر أخبرا عَن ذَلِك النعاس، كَمَا أخبر أَبُو طَلْحَة.
وَعَن الزبير أَنه قَالَ: لما أوقع الله النعاس علينا، سمعنَا معتب بن قُشَيْر يَقُول: لَو كَانَ لنا من الْأَمر شَيْء مَا قتلنَا هَا هُنَا، وَكنت كَأَنِّي فِي النّوم أسمع، فَذَلِك قَوْله: ﴿يغشى طَائِفَة مِنْكُم﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ ﴿وَطَائِفَة قد أهمتهم أنفسهم﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين ﴿يظنون بِاللَّه غير الْحق ظن الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ هَل لنا من الْأَمر من شَيْء﴾ قَالَ: ﴿قل إِن الْأَمر كُله لله يخفون فِي أنفسهم مَا لَا يبدون لَك﴾ . ثمَّ فسر ذَلِك فَقَالَ: ﴿يَقُولُونَ لَو كَانَ لنا من الْأَمر شَيْء مَا قتلنَا هَا هُنَا قل لَو كُنْتُم فِي بُيُوتكُمْ لبرز الَّذين كتب عَلَيْهِم الْقَتْل إِلَى مضاجعهم﴾ . أَي: خرج الَّذين كتب عَلَيْهِم الْقِتَال إِلَى مصَارِعهمْ للْمَوْت، وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْأَجَل فِي الْقَتْل وَالْمَوْت وَاحِد، كَمَا قَالَ أهل السّنة.
قَوْله تَعَالَى: (وليبتلي الله مَا فِي صدوركم وليمحص مَا فِي قُلُوبكُمْ وَالله عليم بِذَات الصُّدُور) .

﴿الله مَا فِي صدوركم وليمحص مَا فِي قُلُوبكُمْ وَالله عليم بِذَات الصُّدُور (154) إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا لستزلهم الشَّيْطَان بِبَعْض مَا كسبوا وَلَقَد عَفا﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ﴾ . يَعْنِي: الَّذين انْهَزمُوا من الْمُسلمين يَوْم أحد؛ فَإِنَّهُ لما وَقعت الْهَزِيمَة على الْمُسلمين انهزم أَكْثَرهم، وَلم يبْقى مَعَ رَسُول الله إِلَّا أَرْبَعَة عشر نَفرا: سَبْعَة من الْمُهَاجِرين وَسَبْعَة من الْأَنْصَار، وَقيل: ثَلَاثَة عشر، سِتَّة من الْمُهَاجِرين وهم أَبُو بكر، وَعمر، وَعلي، وَطَلْحَة، وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسعد بن أبي وَقاص.
وَفِي الرِّوَايَة الأولى: كَانَ السَّابِع الزبير، وَكَانَ طَلْحَة أَشد نكاية فِي الْكفَّار يَوْمئِذٍ.
وَقيل: إِن يَوْم أحد لطلْحَة، وَقيل: إِنَّه كَانَ وقاية رَسُول الله وَكَانَ قد ضرب على يَده فشلت وَبقيت كَذَلِك.
وَأما سعد وَهُوَ رامية، وَكَانَ يَرْمِي بَين يَدَيْهِ، وَيَقُول لَهُ رَسُول الله: " ارْمِ، فدَاك أبي وَأمي " وَأما الَّذين انْهَزمُوا، فقد لحق بَعضهم بِالْمَدِينَةِ مِنْهُم عُثْمَان، وَرجع بَعضهم على الطَّرِيق مِنْهُم عمر؛ فَذَلِك قَوْله: ﴿إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان﴾ أَي: طلب زلتهم، يُقَال: استعجل فلَانا، أَي: طلب عجلته، وَمَعْنَاهُ: أَن الشَّيْطَان استزلهم حَتَّى انْهَزمُوا.
وَقَوله ﴿بِبَعْض مَا كسبوا﴾ يَعْنِي: من مُخَالفَة الرَّسُول ﴿وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم إِن الله غَفُور حَلِيم﴾ قَالَ الزّجاج: كَانَ سَبَب انهزامهم: أَن الشَّيْطَان وسوس إِلَيْهِم: إِن عَلَيْكُم ذنوبا؛ فكرهوا الْقَتْل قبل أَن يتوبوا من الذُّنُوب؛ فَذَلِك قَوْله: ﴿إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان بِبَعْض مَا كسبوا وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم إِن الله غَفُور حَلِيم﴾ .

﴿الله عَنْهُم إِن الله غَفُور حَلِيم (155) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين كفرُوا وَقَالُوا لإخوانهم إِذا ضربوا فِي الأَرْض أَو كَانُوا غزى لَو كَانُوا عندنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا ليجعل﴾ روى: " أَن رجلا جَاءَ إِلَى ابْن عمر - وَقيل: إِلَى ابْن عَبَّاس، [و] الْأَصَح إِلَى ابْن عَبَّاس، وَقَالَ: أَلَيْسَ عُثْمَان لم يشْهد بَدْرًا؟ قَالَ: نعم.
فَقَالَ: أَلَيْسَ لم يشْهد بيعَة الرضْوَان؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أَلَيْسَ انهزم يَوْم أحد؟ قَالَ: نعم.
فَقَالَ الرجل الله أكبر.
فَعرف ابْن عَبَّاس أَنه أَرَادَ النَّقْص؛ فَدَعَاهُ، قَالَ: أما يَوْم بدر؛ فَإِن النَّبِي كَانَ قد خَلفه على ابْنَته، وَكَانَت مَرِيضَة وَقَالَ لَهُ: لَك أجر وَاحِد مِمَّن شهد، وَسَهْم وَاحِد مِمَّا شهد، وَهُوَ بَدْرِي بقول الرَّسُول.
وَأما بيعَة الرضْوَان، فقد كَانَ الرَّسُول بعث عُثْمَان إِلَى مَكَّة رَسُولا، وَلَو كَانَ بَينهم فِي الْوَادي أعز مِنْهُ لبعثه، وَلما بايعهم ضرب رَسُول الله بِشمَالِهِ على يَمِينه، وَقَالَ: هَذِه يَد عُثْمَان، وَهَذِه يَدي، أما انهزامه يَوْم أحد، فقد عَفا الله عَنهُ، وَلَا عيب فِي شَيْء عَفا الله عَنهُ ". فصل

" وَأما مَا أصَاب رَسُول الله يَوْم أحد، فَإِنَّهُ كَانَ قد هشمت الْبَيْضَة الَّتِي كَانَت على رَأسه، وأدمي وَجهه، وَكسر [ثنيته] ؛ فجَاء إِلَى الْمَدِينَة فَكَانَت فَاطِمَة تغسل وَجهه، وَعلي - رَضِي الله عَنهُ - يَأْتِي بِالْمَاءِ فِي الْمِجَن، وَكَانَ يغلب الدَّم، حَتَّى أحرقت حَصِيرا، فَلَمَّا صَار رَمَادا، جَعَلُوهُ فِي الْجراحَة فَاسْتَمْسك الدَّم ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين كفرُوا﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين

﴿الله ذَلِك حسرة فِي قُلُوبهم وَالله يحيي وَيُمِيت وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (156) وَلَئِن قتلتم فِي سَبِيل الله أَو متم لمغفرة من الله وَرَحْمَة خير مِمَّا يجمعُونَ (157) وَلَئِن متم أَو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم ولوا كنت فظا غليظ الْقلب لنفضوا من حولك فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاورهم فِي الْأَمر فَإِذا عزمت فتوكل﴾ ﴿وَقَالُوا لإخوانهم إِذا ضربوا فِي الأَرْض﴾ أَرَادَ: إخْوَانهمْ فِي النّسَب، لَا فِي الدّين ﴿ضربوا فِي الأَرْض﴾ أَي: سافروا ﴿أَو كَانُوا غزى﴾ جمع غاز ﴿لَو كَانُوا عندنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا﴾ وَهَذَا قَول المعتب بن قُشَيْر، وَعبد الله بن أبي بن سلول، وجد بن قيس؛ ﴿ليجعل الله ذَلِك حسرة فِي قُلُوبهم وَالله يحيي وَيُمِيت وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن قتلتم فِي سَبِيل الله أَو متم﴾ أَي: لَئِن خَرجْتُمْ، فقتلتم، أَو لم تخْرجُوا، فمتم ﴿لمغفرة من الله وَرَحْمَة خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ من الدُّنْيَا وَيطْلبُونَ الْحَيَاة لأَجله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن متم أَو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾ يَعْنِي: كَيْفَمَا خَرجْتُمْ من الدُّنْيَا، فحشركم إِلَى الله تَعَالَى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فبمَا رَحْمَة من الله﴾ أَي: فبرحمة، و " مَا " للصلة، ﴿لنت لَهُم﴾ وَهَذِه صفة الْمُؤمنِينَ، وَقد قَالَ: " الْمُؤْمِنُونَ هَينُونَ لَينُونَ، كَالْجمَلِ الْأنف، إِن قيد انْقَادَ، وَإِن أنخ على صَخْرَة استناخ ". ﴿وَلَو كنت فظا﴾ وَهُوَ الجافي ﴿غليظ الْقلب﴾ أَي: قاسي الْقلب ﴿لَا نفضوا﴾ لتفرقوا ﴿من حولك﴾ .

﴿على الله إِن الله يحب المتوكلين (159) إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم وَإِن يخذلكم فَمن ذَا الَّذِي ينصركم من بعده وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل وَمن يغلل يَأْتِ بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ توفى كل نفس مَا كسبت وهم لَا يظْلمُونَ﴾ ﴿فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاورهم فِي الْأَمر﴾ الْمُشَاورَة هِيَ اسْتِخْرَاج الرَّأْي، وَكَانَت الْمُشَاورَة جَائِزَة للنَّبِي فِي أُمُور الدُّنْيَا، فَأَما فِي أُمُور الدّين فعلى التَّفْصِيل إِن كَانَ فِي شَيْئَيْنِ يجوز كِلَاهُمَا، جَازَت الْمُشَاورَة، كَمَا شاورهم فِي أُسَارَى بدر، حَيْثُ كَانَ يجوز الْقَتْل وَالْفِدَاء.
وَالثَّانِي: فِي أُمُور ثبتَتْ نصا، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاة، لَا تجوز فِيهَا الْمُشَاورَة.
وَالثَّالِث: فِي شَيْء لَا نَص فِيهِ، فَهُوَ بِنَاء على أَن اجْتِهَاده هَل كَانَ سائغا أم لَا؟ فَإِن سَاغَ اجْتِهَاده، جَازَت مشاورته، وَإِلَّا فَلَا.
ولأي كَانَ يشاور؟ قَالَ الضَّحَّاك: ليقتدى بِهِ، وليستن بسنته، وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ، وَقَالَ قَتَادَة: تطييبا لقُلُوبِهِمْ.
﴿فَإِذا عزمت فتوكل على الله﴾ أَي: لَا تتوكل على الْمُشَاورَة، وَإِنَّمَا توكل على الله ﴿إِن الله يحب المتوكلين﴾ .

﴿إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم وَإِن يخذلكم فَمن ذَا الَّذِي ينصركم من بعده﴾ الخذلان: الِامْتِنَاع عَن النُّصْرَة عِنْد الْحَاجة ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤمنِينَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ يقْرَأ بقراءتين، فَمن قَرَأَهُ: بِفَتْح الْيَاء وَضم الْغَيْن، فَمَعْنَاه: أَن يخون.
قَالَ ابْن عَبَّاس: سَبَب نزُول الْآيَة: أَنه يَوْم بدر فقدت قطيفة حَمْرَاء، فَقَالَ بعض أَصْحَاب رَسُول الله: الرَّسُول أَخذهَا؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ . وَقَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: مَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكتم شَيْئا من الْوَحْي، ويخون فِيهِ.
وَفِيه قَول ثَالِث: " أَن النَّبِي كَانَ قد بعث طلائع، فهم ألايعطيهم من الْغَنَائِم

( ﴿161) أَفَمَن اتبع رضوَان الله كمن بَاء بسخط من الله ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ شَيْئا؛ فَنزل قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ " قَالَ قَتَادَة: أَن يخان مِنْهُ، أَي: لَا تخونوه، وَقيل مَعْنَاهُ: أَن ينْسب إِلَى الْغلُول، وَقيل مَعْنَاهُ: أَن يلقى غلا، وَهَذَا غَرِيب من معنى الْقِرَاءَة الأولى.
والغلول: الْخِيَانَة، والغل: الحقد، والغلل: المَاء الَّذِي يجْرِي بَين الشّجر، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (لعب [السُّيُول] بِهِ فَأصْبح مَاؤُهُ ... غللا [يخلل] فِي أصُول الخروع) وَفِي الْخَبَر: أَن النَّبِي قَالَ: " ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب امْرِئ مُسلم: إخلاص الْعَمَل لله، ونصيحة وُلَاة الْأَمر، وَلُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين؛ فَإِن دعوتهم تحيط من ورائهم ". ﴿وَمن يغلل﴾ أَي: وَمن يخن ﴿يَأْتِ بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة﴾ قيل: يَأْتِي مَا غل بِعَيْنِه يَوْم الْقِيَامَة، وَذَلِكَ معنى قَوْله فِيمَا روى عَنهُ: " لألقين أحدكُم يَوْم الْقِيَامَة، وعَلى رقبته فرس لَهُ حَمْحَمَة قد غله، فَيَقُول: يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، فَأَقُول: لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا، أَلا قد بلغت، ولألقين أحدكُم يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة، وعَلى رقبته شَاة لَهَا ثُغَاء، قد غلها، فَيَقُول يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، فَأَقُول: لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا، أَلا قد بلغت، ولألقين أحدكُم يَوْم الْقِيَامَة وعَلى رقبته بعير لَهُ رُغَاء، قد غله، فَيَقُول: يَا مُحَمَّد، يَا مُحَمَّد، فَأَقُول: لَا أُغني عَنْك من الله شَيْئا أَلا قد بلغت ".

((162} هم دَرَجَات عِنْد الله وَالله بَصِير بِمَا يعْملُونَ (163) لقد من الله على الْمُؤمنِينَ إِذْ) وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه أَرَادَ بِهِ: يَأْتِي بإثم مَا غل يَوْم الْقِيَامَة، وَفِي الْخَبَر: " أَن رجلا كَانَ على ثقل رَسُول الله، فاستشهد فَقَالَ النَّاس هُوَ فِي الْجنَّة، فَقَالَ النَّبِي هُوَ فِي النَّار؛ فَطلب، فَإِذا هُوَ قد غل عباءة عَن الْمغنم ". ﴿ثمَّ توفى كل نفس مَا كسبت﴾ أَي: جَزَاء مَا كسبت، فالجزاء مُضْمر فِيهِ ﴿وهم لَا يظْلمُونَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن اتبع رضوَان الله﴾ يَعْنِي: ترك الْغلُول ﴿كمن بَاء بسخط من الله﴾ يَعْنِي: بالغلول، وَقيل مَعْنَاهُ: أَفَمَن اتبع رضوَان الله بموافقة الرَّسُول، كمن بَاء بسخط من الله بمخالفة الرَّسُول ﴿ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿هم دَرَجَات عِنْد الله﴾ قَالَ مُجَاهِد: لَهُم دَرَجَات عِنْد الله، يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ، وَقَالَ غَيره: تَقْدِيره: هم ذووا دَرَجَات عِنْد الله، يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، فالمؤمنون ذووا الدَّرَجَات الرفيعة، والمنافقون ذووا الدَّرَجَات الخسيسة، وَمثله قَول الشَّاعِر: (أنصب للمنية تعتريهم ... رجالي، أم همو درج السُّيُول) أَي: ذووا درج السُّيُول.
﴿وَالله بَصِير بِمَا يعْملُونَ﴾

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: أنعم، والمنه: النِّعْمَة، والمن: الْقطع؛ وَمِنْه قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَهُم أجر غير ممنون﴾ أَي: غير مَقْطُوع، وَسميت النِّعْمَة منَّة، لِأَنَّهَا مَقْطُوعَة عَن المحن والشدائد.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم﴾ قيل: هَذَا فِي الْعَرَب خَاصَّة؛

﴿بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم يَتْلُوا عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين (164) أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قد أصبْتُم مثليها قُلْتُمْ أَنى هَذَا قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم إِن الله على كل شَيْء قدير (165) وَمَا أَصَابَكُم يَوْم التقى﴾ لِأَن الرَّسُول بعث من بني إِسْمَاعِيل إِلَى الْعَرَب، وَقيل: هُوَ على الْعُمُوم فِي حق الكافة؛ فَإِنَّهُ بعث بشر مثلهم.
وَمَوْضِع الْمِنَّة فِي بَعثه من أنفسهم للْعَرَب: أَنه كَانَ شرفا لَهُم، حَيْثُ بعث الرَّسُول مِنْهُم، وَأَيْضًا فَإِن الْقُرْآن نزل بِلِسَان الْعَرَب؛ إِذْ كَانَ الرَّسُول عَرَبيا، وَكَانَ التَّعَلُّم أسهل عَلَيْهِم؛ لكَونه أقرب إِلَى أفهامهم، فالمنة فِي السهولة عَلَيْهِم، وَلِأَنَّهُ لما نَشأ فيهم، وَعرفُوا صَدَقَة وأمانته، وَكَانَ أُمِّيا مثلهم مَا كَانَ يحسن الْخط، وَلَا يعلم شَيْئا، وَلَا سَافر، ثمَّ أَتَى بِكِتَاب يخبر عَن الْقُرُون الْمَاضِيَة وقصص الْأَوَّلين، وَوَافَقَ الْكتب الْمنزلَة قبله، كَانَ أقرب إِلَى قُلُوبهم، فَكَانَ يسهل طَرِيق الْإِيمَان عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاته ويزكيهم﴾ أَي: يشْهد بتزكية سَائِر الْأُمَم، ويجعلهم أزكياء، وَقيل: يطهرهم من الذُّنُوب ﴿وَيُعلمهُم الْكتاب﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿وَالْحكمَة﴾ ، قَالَ ابْن عَبَّاس: الْفِقْه والشرائع، وَقَالَ غَيره: الْحِكْمَة: السّنة.
﴿وَإِن كَانُوا من قبل لفي ضلال مُبين﴾ أَي: مَا كَانُوا من قبل إِلَّا فِي ضلال مُبين.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة﴾ يَعْنِي: يَوْم أحد ﴿قد أصبْتُم مثليها﴾ يَعْنِي: يَوْم بدر: نزلت الْآيَة فِي تَسْلِيَة الْمُؤمنِينَ، وَذَلِكَ: أَن يَوْم أحد قتل من الْمُسلمُونَ سَبْعُونَ، وَقد أصَاب الْمُسلمُونَ مِنْهُم يَوْم بدر سبعين بِالْقَتْلِ، وَسبعين بالأسر، فَذَلِك مثليهم، فَجعل الْأسر مثل الْقَتْل؛ حَيْثُ جعل الْقَتْلَى والأسرى يَوْم بدر مثلي قَتْلَى أحد.
﴿قُلْتُمْ أَنى هَذَا﴾ من أَيْن هَذَا؟ ﴿قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم﴾ أَي: بمخالفة الرَّسُول مِنْكُم ". وَعَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم﴾ أَي: باختياركم الْفِدَاء؛ وَذَلِكَ أَن النَّبِي خير الْمُسلمين يَوْم بدر فِي الْأُسَارَى بَين الْقَتْل وَالْفِدَاء، وَقَالَ لَهُم: " إِن اخترتم الْفِدَاء أُصِيب

﴿الْجَمْعَانِ فبإذن الله وليعلم الْمُؤمنِينَ (166) وليعلم الَّذين نافقوا وَقيل لَهُم تَعَالَوْا قَاتلُوا فِي سَبِيل الله أَو ادفعوا قَالُوا لَو نعلم قتالا لأتبعناكم هم للكفر يَوْمئِذٍ أقرب مِنْهُم للْإيمَان﴾ مِنْكُم بِعدَّتِهِمْ فِي الْعَام الْقَابِل، فَاخْتَارُوا الْفِدَاء، وَقَالُوا: نتقوى بِهِ على الْعَدو، وَيسْتَشْهد منا " فَذَلِك قَوْله: ﴿قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم﴾ أَي: باختياركم، وَهُوَ قَول عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - ﴿إِن الله على كل شَيْء قدير﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ﴾ يَعْنِي: يَوْم أحد ﴿فبإذن الله﴾ أَي: بِعلم الله، وروى " أَنه - لما نزل الْمُشْركُونَ بِأحد رأى فِي مَنَامه أَن بقرًا ينْحَر، فأوله على أَن يستشهد بعض أَصْحَابه.
وَرَأى أَن سَيْفه ذَا الفقار انقصم فأوله على قتل حَمْزَة، وَرَأى كَأَن كَبْشًا أغبر قتل فأوله على قتل مبارز الْكفَّار، فَقتل يَوْم أحد مبارزهم عُثْمَان بن طَلْحَة الْعَبدَرِي من بني عبد الدَّار ".

﴿وليعلم الْمُؤمنِينَ وليعلم الَّذين نافقوا﴾ يَعْنِي: علم الْمُشَاهدَة، وَإِن كَانَ علمهمْ علم الْغَيْب.
﴿وَقيل لَهُم تَعَالَوْا قَاتلُوا فِي سَبِيل الله أَو ادفعوا﴾ قَائِل ذَلِك القَوْل: عبد الله بن حرَام أَبُو جَابر، قَالَ لِلْمُنَافِقين: قَاتلُوا فِي سَبِيل الله، وَإِن لم تقاتلوا لأجل الدّين، فادفعوا عَن الْأَهْل والحريم.
﴿قَالُوا لَو نعلم قتالا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ فَرَجَعُوا وهم يَقُولُونَ: لَا قتال، لَا قتال، حَتَّى يفشل الْمُسلمُونَ ﴿هم للكفر يَوْمئِذٍ أقرب مِنْهُم للْإيمَان﴾ يَعْنِي: بعد رجوعهم ومقالتهم تِلْكَ؛ لأَنهم كَانُوا من قبل من الْمُؤمنِينَ فِي الظَّاهِر؛ وَإِن كَانُوا منافقين فِي الْبَاطِن، فَلَمَّا فارقوا الْمُؤمنِينَ صَارُوا أقرب إِلَى الْكفْر مِنْهُم للْإيمَان.

﴿يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم وَالله أعلم بِمَا يكتمون (167) الَّذين قَالُوا لإخوانهم وقعدوا لَو أطاعونا مَا قتلوا قل فادرءوا عَن أَنفسكُم الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين (168) وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ (169) ﴾ ﴿يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم وَالله أعلم بِمَا يكتمون﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين قَالُوا لإخوانهم﴾ يَعْنِي: فِي النّسَب لَا فِي الدّين، وهم المُنَافِقُونَ، قَالُوا للْمُسلمين: لَو قعدوا قتلوا) ، كَمَا لم نقْتل، فَذَلِك قَوْله: ﴿الَّذين قَالُوا لإخوانهم وقعدوا لَو أطاعونا مَا قتلوا قل فادرءوا عَن أَنفسكُم الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ يَعْنِي: إِن قدرتم على دفع الْقَتْل، وتقدرون على دفع الْمَوْت، فادفعوا الْمَوْت عَن أَنفسكُم.
والدرء: الدّفع، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (أَقُول وَقد درأت لَهَا وضيني ... أَهَذا دينكُمْ أبدا وديني؟)

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن أَصْحَاب رَسُول الله لما اسْتشْهدُوا يَوْم أحد، كَانَ النَّاس يَقُولُونَ: مَاتَ فلَان؛ وَمَات فلَان، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم﴾ قيل مَعْنَاهُ: يؤولون أَحيَاء يَوْم الْقِيَامَة.
إِلَّا أَن هَذَا ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لَا يبْقى لَهُم فِيهِ تَخْصِيص، وَالأَصَح: أَنه على معنى مَا روى عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " إِن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر تعلف من ثمار الْجنَّة - وَفِي رِوَايَة: تَأْكُل، وَفِي رِوَايَة: تسرح فِي الْجنَّة فَترد مياهها - ثمَّ تأوى إِلَى قناديل من ذهب معلقَة من الْعَرْش " وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه، وَزَاد " إِن الله تَعَالَى اطلع عَلَيْهِم اطلاعة، فَيَقُول: تمنوا عَليّ، فَيَقُولُونَ: مَاذَا نتمنى وَقد أَعطيتنَا هَذَا؟ ﴿فَيَقُول: تمنوا على، فَيَقُولُونَ: وماذا نتمنى وَقد أَعطيتنَا هَذَا؟﴾ فَيَقُول: تمنوا على، فَيَقُولُونَ: نتمنى أَن نرد إِلَى الدُّنْيَا ونقتل فِي سَبِيلك ثَانِيًا " الحَدِيث.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل