تفسير السمعانيصفحات 35-49
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَاتِحَة

صفحات 35-49
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وابتغوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ الْوَسِيلَة: الْقرْبَة، وَقيل: هُوَ معنى مَا ورد فِي الْخَبَر " الْوَسِيلَة: دَرَجَة فِي الْجنَّة لَيْسَ فَوْقهَا دَرَجَة " وَقَالَ زيد بن أسلم: أَرَادَ بِهِ تحببوا إِلَى الله - تَعَالَى - فالوسيلة بِمَعْنى الْمحبَّة.
﴿وَجَاهدُوا فِي سَبيله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين كفرُوا لَو أَن لَهُم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه ليفتدوا بِهِ﴾ أَي: لَو كَانُوا مفتدين بِهِ من عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة ﴿مَا تقبل مِنْهُم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ وَفِي الْخَبَر: " يَقُول الله - تَعَالَى - للْكَافِرِ يَوْم الْقِيَامَة: لَو كَانَ لَك ملْء الأَرْض ذَهَبا أَكنت مفتديا بِهِ الْيَوْم؟ فَيَقُول بلَى يَا رب، فَيَقُول الله - تَعَالَى - سُئِلت أَهْون من هَذَا ".

﴿بِهِ من عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة مَا تقبل مِنْهُم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم (36) يُرِيدُونَ أَن يخرجُوا من النَّار وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُم عَذَاب مُقيم (37) وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم (38) فَمن تَابَ من بعد ظلمه وَأصْلح﴾

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يُرِيدُونَ أَن يخرجُوا من النَّار وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ فَإِن قيل: إِذا لم يَكُونُوا خَارِجين مِنْهَا، كَيفَ يُرِيدُونَ الْخُرُوج؟ قيل: يُرِيدُونَ ذَلِك جهلا؛ ظنا أَنهم يخرجُون.
وَقيل: يتمنون ذَلِك، فَهِيَ إِرَادَة بِمَعْنى التَّمَنِّي، وَلَيْسَ بِحَقِيقَة الْإِرَادَة.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ وَفِي مصحف ابْن مَسْعُود: فَاقْطَعُوا أيمانهما، وَهُوَ معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ ﴿أَيْدِيهِمَا﴾ وَالْمَذْكُور اثْنَان، وَلم يقل: يديهما؟ قيل: لم يرد بِهِ سَارِقا وَاحِدًا، أَو سارقة وَاحِدَة، وَإِنَّمَا ذكر الْجِنْس؛ فَلذَلِك ذكر الْأَيْدِي.
قَالَ الْفراء، والزجاج: كل مَا يوحد فِي الْإِنْسَان، فَإِذا ذكر مِنْهُ اثْنَان يجمع؛ يَقُول الله - تَعَالَى - ﴿فقد صغت قُلُوبكُمَا﴾ وَتقول الْعَرَب: مَلَأت ظهورهما وبطونهما ضربا، وَلكُل وَاحِد ظهر وبطن وَاحِد، فَكَذَلِك الْيَمين للْإنْسَان وَاحِدَة؛ فَيجمع عِنْد التَّثْنِيَة، فَإِن قيل: قد أَمر هُنَا بِقطع آلَة السّرقَة، وَلم يَأْمر فِي الزِّنَا بِقطع آلَة الزِّنَا، فَمَا الْحِكْمَة فِيهِ؟ قيل: كِلَاهُمَا ثَبت شرعا، غير مَعْقُول الْمَعْنى.
وَقيل: الْحِكْمَة فِيهِ: أَن من قطع الذّكر قطع النَّسْل، وَلَيْسَ ذَلِك فِي قطع الْيَد؛ أَو لِأَن الْيَد إِذا قطعت، وانزجر عَن السّرقَة، تبقى لَهُ الْيَسَار؛ عوضا عَن الْيَمين، وَأما الذّكر إِذا قطع، وَحصل الانزجار، لَا يبْقى لَهُ عوض عَن الذّكر [فَلذَلِك] افْتَرقَا ﴿جَزَاء بِمَا كسبا نكالا من الله﴾ النكال: كل عُقُوبَة تمنع الْإِنْسَان عَن فعل مَا عُوقِبَ عَلَيْهِ ﴿وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ وَمَعْنَاهُ: مقتدر على معاقبة الْخلق، ﴿حَكِيم﴾ فِيمَا أوجب من الْعقُوبَة، وَحكى عَن الْأَصْمَعِي أَنه [قَالَ] : قد كنت أَقرَأ هَذِه الْآيَة وبجنبي أَعْرَابِي، فَقَرَأت: نكالا من الله وَالله غَفُور رَحِيم؛ فَقَالَ الْأَعرَابِي: هَذَا كَلَام من؟ فَقلت: كَلَام الله، فَقَالَ الْأَعرَابِي: لَيْسَ هَذَا من كَلَام الله.

﴿فَإِن الله يَتُوب عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم (39) ألم تعلم أَن الله لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يعذب من يَشَاء وَيغْفر لمن يَشَاء وَالله على كل شَيْء قدير (40) يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن﴾ فتنبهت وقرأت ﴿نكالا من الله وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ فَقَالَ الْأَعرَابِي: هَذَا كَلَام الله، ثمَّ سَأَلته عَن ذَلِك، فَقَالَ: إِن الله لَا يذكر الْعقُوبَة على العَبْد ثمَّ يَقُول: " وَالله غَفُور رَحِيم "، وَإِنَّمَا يَلِيق بِذكر الْعقُوبَة: الْعَزِيز الْحَكِيم.

قَوْله - تَعَالَى -: (فَمن تَابَ من بعد ظلمه وَأصْلح فَإِن الله يَتُوب عَلَيْهِ إِن الله غَفُور رَحِيم) قَالَ مُجَاهِد: قطع السَّارِق تَوْبَته، فَإِذا قطع، فقد حصلت التَّوْبَة، وَالصَّحِيح: أَن الْقطع للجزاء على الْجِنَايَة، كَمَا قَالَ: ﴿جَزَاء بِمَا كسبا﴾ فَلَا بُد من التَّوْبَة بعده، وتوبته: النَّدَم على مَا مضى، والعزم على تَركه فِي الْمُسْتَقْبل.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ألم تعلم أَن الله لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ الْخطاب مَعَ الرَّسُول، وَالْمرَاد بِهِ الْجَمِيع، وَقيل (مَعْنَاهُ) : ألم تعلم أَيهَا الْإِنْسَان؛ فَيكون خطابا لكل وَاحِد من النَّاس.
﴿يعذب من يَشَاء وَيغْفر لمن يَشَاء﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يعذب من يَشَاء على الصَّغِيرَة، وَيغْفر لمن يَشَاء الْكَبِيرَة، وَقَالَ غَيره: يعذب من يَشَاء: من مَاتَ مصرا، وَيغْفر لمن يَشَاء: من مَاتَ تَائِبًا ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر﴾ أَي: لَا يحزنك مسارعتهم فِي الْكفْر؛ فَإِن قيل: كَيفَ لَا يحزنهُ كفرهم، وَالْإِنْسَان يحزن على كفر الْغَيْر ومعصيته؛ شَفَقَة على الدّين؟ قيل: مَعْنَاهُ: لَا يحزنك فعل الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر، على (معنى: أَن) فعلهم لَا يَضرك.
﴿من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين.
﴿وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود ﴿سماعون للكذب﴾ أَي: وهم سماعون للكذب، أَي: قَائِلُونَ للكذب، كَقَوْل الْمُصَلِّي: سمع الله لمن حَمده.
أَي: قبل الله لمن حَمده.
وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: سماعون لأجل الْكَذِب؛ فَإِنَّهُم كَانُوا

﴿قُلُوبهم وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه يَقُولُونَ إِن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا وَمن يرد﴾ يسمعُونَ من الرَّسُول، وَيخرجُونَ، ويكذبون ﴿سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك﴾ أَي: جواسيس لقوم آخَرين لم يأتوك، وهم أهل خَيْبَر، يصف الْمُنَافِقين وَالْيَهُود، وَأما المُنَافِقُونَ: كَانُوا جواسيس الْيَهُود، وَأما الْيَهُود كَانُوا جواسيس لأهل خَيْبَر، وَسُئِلَ سُفْيَان: هَل فِي الْقُرْآن للجاسوس ذكر؟ فَقَالَ: (بلَى) وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة.
﴿يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه﴾ أَي: من بعد مَا وَضعه الله موَاضعه، وتحريفهم الْكَلم: هُوَ كتمان آيَة الرَّجْم.
﴿وَيَقُولُونَ إِن أويتم هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا﴾ . سَبَب نزُول الْآيَة [هَذِه] : أَن يهوديين زَنَيَا من أَشْرَاف الْيَهُود، فكرهوا رجمهما؛ فَقَالُوا: نبعث إِلَى مُحَمَّد نَسْأَلهُ، فَإِن أفتى بِالْجلدِ وتحميم الْوَجْه، نَأْخُذ بِهِ، وَإِن أفتى بِغَيْرِهِ، لَا نَأْخُذ بِهِ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِن أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يَعْنِي: مَا توافقوا عَلَيْهِ من الْجلد وَالتَّحْمِيم ﴿فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا﴾ أَي: إِن أفتى بِالرَّجمِ فَلَا تَأْخُذُوا بِهِ، وَقيل: " إِن هَذَا كَانَ فِي يهود خَيْبَر، فبعثوا إِلَى يهود الْمَدِينَة حَتَّى يسألوه، فسألوا رَسُول الله، فَأفْتى بِالرَّجمِ " وَتَمام الْقِصَّة: " أَنه - عَلَيْهِ السَّلَام - دَعَا ابْن صوريا الْأَعْوَر، وَقَالَ: أنْشدك بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى، مَا حد الزِّنَا فِي كتابكُمْ؟ فَقَالَ: أما إِنَّك إِذا أنشدتني بِاللَّه، فحد الزِّنَا فِي كتَابنَا: الرَّجْم، لَكِن كثر الزِّنَا فِي أشرافنا؛ فَكُنَّا إِذا زنى الشريف منا تَرَكْنَاهُ، وَإِذا زنا الوضيع رجمناه، ثمَّ اتفقنا على أَمر يَسْتَوِي فِيهِ الشريف والوضيع، وَهُوَ الْجلد وَالتَّحْمِيم، فَقَالَ: أَنا أَحَق بإحياء سنة أماتوها، ودعا باليهوديين اللَّذين زَنَيَا وَأمر برجمهما " والْحَدِيث فِي

﴿الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم (41) سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ صَحِيح مُسلم.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَنَّهَا فِي الْقَتْل، والقصة فِي ذَلِك: أَن بني النَّضِير كَانَ لَهُم قتل على بني قُرَيْظَة، وَكَانَ الْقرظِيّ إِذا قتل يسْأَل مُحَمَّدًا؛ فَإِن أفتى بِالدِّيَةِ يَأْخُذ بِهِ، وَإِن أفتى بغَيْرهَا يحذرهُ، فَسَأَلُوهُ.
فَأفْتى بالقود.
فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا﴾ وَالْأول أصح ﴿وَمن يرد الله فتنته﴾ قَالَ السّديّ: ضلالته، وَقَالَ الْحسن: عَذَابه، وَقَالَ الزّجاج: فضيحته ﴿فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا﴾ أَي: فَلَنْ تقدر على دفع أَمر الله فِيهِ.
﴿أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم﴾ وَفِيه دَلِيل على من يُنكر الْقدر ﴿لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي﴾ وَيرجع هَذَا إِلَى الْمُنَافِقين، وَالْيَهُود، أما خزي الْمُنَافِقين: أَنه أظهر نفاقهم فِي الدُّنْيَا، وَأما خزي الْيَهُود: أَنه بَين تحريفهم ﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿سماعون للكذب﴾ (ذكره) ثَانِيًا مُبَالغَة وتأكيدا ﴿أكالون للسحت﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: هُوَ الرِّشْوَة، والسحت: الْحَرَام، قَالَ: (كل لحم نبت من سحت فَالنَّار أولى بِهِ " وأصل السُّحت: الاستئصال؛ فالحرام سحت؛ لِأَنَّهُ يستأصل الْبركَة، قَالَ الشَّاعِر:

﴿فَإِن جاءوك فاحكم بَينهم أَو أعرض عَنْهُم وَإِن تعرض عَنْهُم فَلَنْ يضروك شَيْئا وَإِن حكمت فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ إِن الله يحب المقسطين (42) وَكَيف يحكّمونك وَعِنْدهم التوارة فِيهَا حكم الله ثمَّ يتولون من بعد ذَلِك وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إنّا﴾ (وعضّ زمَان يَا بن مَرْوَان لم يدع ... من المَال إِلَّا مسحت أَو مجلف) يَعْنِي: إِلَّا مَال لَا بركَة فِيهِ، وَأَشْيَاء قَلَائِل ﴿فَإِن جاءوك فاحكم بَينهم أَو أعرض عَنْهُم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ مَنْسُوخ بقوله: ﴿وان احكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ وَبِه قَالَ مُجَاهِد، وَعِكْرِمَة.
وَقَالَ الشّعبِيّ: وَالنَّخَعِيّ - وَهُوَ قَول الْحسن - إِنَّهَا لَيست بمنسوخة.
قَالَ الْحسن: لَيْسَ فِي الْمَائِدَة آيَة مَنْسُوخَة، وَقَالُوا: معنى قَوْله: ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ يَعْنِي إِن حكمت واخترت الحكم، وَلَيْسَ بِأَمْر حتم هَذَا التَّخْيِير بَين الحكم والإعراض فِيمَا إِذا تحاكم ذميان، فَأَما إِذا تحاكم مُسلم وذمي يجب الحكم.
وَقيل: هَذَا التَّخْيِير فِي الحكم بِحُقُوق الله - تَعَالَى - وَأما فِي حُقُوق الْآدَمِيّين فَلَا بُد من الحكم.
﴿وَإِن تعرض عَنْهُم فَلَنْ يضروك شَيْئا وَإِن حكمت فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ ﴿إِن الله يحب المقسطين﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَيف يحكمونك وَعِنْدهم التَّوْرَاة فِيهَا حكم الله﴾ هَذَا تعجيب للرسول، يَعْنِي: كَيفَ يتحاكمون إِلَيْك، وَفِي زعمهم أَن عِنْدهم التَّوْرَاة وَهِي الْحق، وَأَنَّك كَاذِب؟ ﴿ثمَّ يتولون من بعد ذَلِك﴾ أَي: لَا يرضون بحكمك ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَي: بمصدقين لَك.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا﴾ أَي: أَسْلمُوا لأمر الله، كَمَا قَالَ لإِبْرَاهِيم: {أسلم قَالَ أسلمت لرب

﴿أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلَا تخشوا النَّاس واخشون﴾ الْعَالمين) أَي: سلمت لأمر رب الْعَالمين، وَأَرَادَ بِهِ: النَّبِيين الَّذين بعثوا بعد مُوسَى؛ ليحكموا على حكم التَّوْرَاة، وَقَوله: ﴿للَّذين هادوا﴾ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِيره: فِيهَا هدى، وَنور للَّذين هادوا، ثمَّ قَالَ: ﴿يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا والربانيون﴾ وَقيل: هُوَ على مَوْضِعه، وَمَعْنَاهُ: يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا على الَّذين هادوا، وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿أُولَئِكَ لَهُم اللَّعْنَة﴾ أَي: عَلَيْهِم اللَّعْنَة، وَقَالَ لعَائِشَة: " اشترطي لَهُم الْوَلَاء " أَي: عَلَيْهِم الْوَلَاء كَذَا قَالَ النّحاس، وَقيل: فِيهِ حذف، كَأَنَّهُ قَالَ: للَّذين هادوا على الَّذين هادوا؛ فَحذف أَحدهمَا؛ اختصارا ﴿والربانيون﴾ قَالَ أَبُو رزين: هم الْعلمَاء الْحُكَمَاء، وأصل الرباني: رب الْعلم، فزيد فِيهِ الْألف وَالنُّون؛ للْمُبَالَغَة، وَقيل: الربانيون من النَّصَارَى، والأحبار من الْيَهُود، وَقيل: كِلَاهُمَا من الْيَهُود، والربانيون فَوق الْأَبَّار.
قَالَ الْمبرد: والأحبار: مَأْخُوذ من التحبير، وَهُوَ التحسين، وَمِنْه الحَدِيث: " يخرج من النَّار رجل قد ذهب حبره وسبره " أَي حسنه وجماله، وَقيل: هُوَ من التحبير بِمَعْنى التَّأْثِير، وَمِنْه الحبر، فَسمى الْعَالم: حبرًا؛ لتأثير علمه فِيهِ وَفِي غَيره، كَأَنَّهُ الْعَالم الْعَامِل، والحبر والحبر وَاحِد، وَجمعه الْأَحْبَار، قَالَ الْفراء: وَأكْثر مَا سَمِعت: الحبر - بِكَسْر الْحَاء - وَجمعه أَحْبَار.
﴿مَا استحفظوا﴾ أَي: بِمَا استودعوا ﴿من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلَا تخشوا النَّاس واخشون وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا﴾ .

﴿وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ (44) وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص فَمن تصدق بِهِ فَهُوَ كَفَّارَة وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ (45) ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ الْبَراء بن عَازِب - وَهُوَ قَول الْحسن -: الْآيَة فِي الْمُشْركين.
قَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَة فِي الْمُسلمين، وَأَرَادَ بِهِ كفر دون كفر، وَاعْلَم أَن الْخَوَارِج يستدلون بِهَذِهِ الْآيَة، وَيَقُولُونَ: من لم يحكم بِمَا أنزل الله فَهُوَ كَافِر، وَأهل السّنة قَالُوا: لَا يكفر بترك الحكم، وللآية تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا مَعْنَاهُ: وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله ردا وجحدا فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ.
وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: وَمن لم يحكم بِكُل مَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ، وَالْكَافِر هُوَ الَّذِي يتْرك الحكم بِكُل مَا أنزل الله دون الْمُسلم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص﴾ وَيقْرَأ بقراءتين من قَوْله: ﴿وَالْعين بِالْعينِ﴾ فَيقْرَأ بِالنّصب إِلَى آخِره، وَيقْرَأ بِالرَّفْع.
شرع الْقصاص فِي النَّفس والأطراف فِي هَذِه الْآيَة، وَأَشَارَ إِلَى أَنه كَانَ حكم التَّوْرَاة ﴿فَمن تصدق بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالْعَفو عَن الْقصاص ﴿فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ﴾ اخْتلفُوا فِي أَن كِنَايَة الْهَاء رَاجِعَة إِلَى من؟ قَالَ ابْن مَسْعُود، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: هُوَ رَاجع إِلَى الْمَجْرُوح، يَعْنِي: الْعَفو، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ رَاجع إِلَى الْجَارِح، كَأَنَّهُ جعل الْعَفو كالاستيفاء مِنْهُ؛ فَيكون كَفَّارَة لَهُ كَمَا لَو اقْتصّ مِنْهُ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وقفينا على آثَارهم﴾ يَعْنِي: أتبعنا على آثَارهم، وَأَرَادَ بِهِ: النَّبِيين الَّذين أَسْلمُوا ﴿بِعِيسَى ابْن مَرْيَم مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التوارة﴾ يَعْنِي: عِيسَى مُصدقا بِالتَّوْرَاةِ.

﴿وقفينا على آثَارهم بِعِيسَى ابْن مَرْيَم مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل فِيهِ هدى وَنور ومصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَهدى وموعظة لِلْمُتقين (46) وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ (47) وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ فاحكم بَينهم﴾ ﴿وآتينا الْإِنْجِيل فِيهِ هدى وَنور ومصدقا﴾ يَعْنِي: الْإِنْجِيل ﴿لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَهدى وموعظة لِلْمُتقين﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل﴾ يَعْنِي: وَقُلْنَا: وليحكم أهل الْإِنْجِيل ﴿مَا أنزل الله فِيهِ وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب﴾ يَعْنِي: سَائِر الْكتب الْمنزلَة قبله ﴿ومهيمنا عَلَيْهِ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي: أَمينا عَلَيْهِ.
قَالَ (الْمبرد) : أَصله: مؤيمنا، فقلبت الْهمزَة هَاء، كَمَا يُقَال: أرقت المَاء وهرقته.
وَمَعْنَاهُ: الْأمين، وَقيل: مَعْنَاهُ: شَاهدا عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أَي: رقيبا حَافِظًا، والمعاني مُتَقَارِبَة، وَمعنى الْكل أَن كل [كتاب] يصدقهُ الْقُرْآن، وَيشْهد بصدقه، فَهُوَ كتاب الله، وَمَا لَا فَلَا.
وَقَرَأَ مُجَاهِد " ومهيمنا " بِفَتْح الْمِيم، يَعْنِي: مُحَمَّد مؤيمنا عَلَيْهِ، وَفِي الْأَثر أَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: إِذا دَعَوْت الله فهيمنوا أَي أمنُوا " قَالَ الشَّاعِر: (أَلا إِن خير النَّاس بعد مُحَمَّد ... مهيمنه تاليه فِي الْعرف والنكر) أَرَادَ أَبَا بكر أمينة وحافظه، يتلوه فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ﴿فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم عَمَّا جَاءَك من الْحق﴾ أَي: لَا تعرض عَمَّا جَاءَك وتتبع أهواءهم.
﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ فالشرعة: الطَّرِيق الْوَاضِح، وَكَذَلِكَ الْمِنْهَاج.
قَالَ الْمبرد: الشرعة: ابْتِدَاء الطَّرِيق، والمنهاج: الطَّرِيق المستمر.
وَاعْلَم أَن الشَّرَائِع مُخْتَلفَة، وَلكُل قوم شَرِيعَة، فلأهل التَّوْرَاة شَرِيعَة، وَلأَهل الْإِنْجِيل شَرِيعَة، وَلأَهل الْإِسْلَام شَرِيعَة، وَأما الدّين فِي الْكل وَاحِد، وَهُوَ التَّوْحِيد.

﴿بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم عَمَّا جَاءَك من الْحق لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن ليَبْلُوكُمْ فِي مَا آتَاكُم فاستبقوا الْخيرَات إِلَى الله مرجعكم جَمِيعًا فينبئكم بِمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون (48) وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل الله إِلَيْك فَإِن توَلّوا فَاعْلَم أَنما﴾ ﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن ليَبْلُوكُمْ﴾ أَي: ليختبركم.
﴿فِيمَا آتَاكُم فاستبقوا الْخيرَات﴾ فبادروا إِلَى الْخيرَات ﴿إِلَى الله مرجعكم جَمِيعًا فينبئكم بِمَا كُنْتُم فِي تختلفون﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل الله إِلَيْك﴾ قيل: سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن قوما من رُؤَسَاء الْيَهُود جَاءُوا إِلَى النَّبِي وَقَالُوا: يَا مُحَمَّد، لَو آمنا بك آمن بك غَيرنَا، وَلنَا خصومات بَين النَّاس؛ فَاقْض لنا عَلَيْهِم؛ نؤمن بك، ويتبعنا غَيرنَا "، وَلم يكن قصدهم الْإِيمَان بِهِ، وَإِنَّمَا قصدُوا التلبيس، ودعوته إِلَى الحكم بالميل؛ فَنزلت الْآيَة.
﴿واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل الله إِلَيْك فَإِن توَلّوا﴾ فَإِن أَعرضُوا ﴿فَاعْلَم أَنما يُرِيد الله أَن يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم﴾ وَقيل: مَعْنَاهُ: بِكُل ذنوبهم، فَعبر بِالْبَعْضِ عَن الْكل، وَقيل: مَعْنَاهُ: يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم فِي الدُّنْيَا ﴿وَإِن كثيرا من النَّاس لفاسقون﴾ .

وَقَوله: ﴿أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ﴾ يقْرَأ بِالْيَاءِ وَالتَّاء ومعناهما وَاحِد يَعْنِي أَنهم إِذا لم يرْضوا بِحكم الله، وَأَرَادُوا خلاف حكم الله، فقد طلبُوا حكم الْجَاهِلِيَّة، وَقَرَأَ الْحسن، وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش، والأعرج: أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة بِمَعْنى: الْحَاكِم.
يَبْغُونَ: يطْلبُونَ ﴿وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ قيل: نزلت فِي عبَادَة بن الصَّامِت، وَعبد الله بن أبي سلول

﴿يُرِيد الله أَن يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم وَإِن كثيرا من النَّاس لفاسقون (49) أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (50) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن﴾ اخْتَصمَا فَقَالَ عبَادَة: أَنا أَتَبرأ من الْيَهُود وَلَا أتولاهم، وَقَالَ عبد الله بن أبي: أَنا أتولاهم وَلَا أَتَبرأ مِنْهُم؛ فَإِنِّي أخْشَى الدَّوَائِر، فَنزلت الْآيَة وَقيل: نزلت فِي أبي لبَابَة بن عبد الْمُنْذر بَعثه النَّبِي إِلَى بني قُرَيْظَة حِين حَاصَرَهُمْ، فاستشاروا فِي النُّزُول، وَقَالُوا: مَاذَا يصنع بِنَا إِذا نزلنَا؟ فَأَشَارَ إِلَيْهِم بِالْقَتْلِ، وَجعل أُصْبُعه على حلقه يَعْنِي: يقتلكم؛ متنصحا لَهُم، وَقيل: نزلت فِي يَوْم أحد، فَإِنَّهُ لما انْقَضى حَرْب أحد، وَأصَاب الْمُسلمين مَا أَصَابَهُم، قَالَ بعض أهل الْمَدِينَة: نَحن نتولى الْيَهُود، وَقَالَ بَعضهم: نتولى النَّصَارَى؛ فَإنَّا نخشى أَن لَا يتم أَمر مُحَمَّد، وَأَن يَدُور الْأَمر علينا؛ فَنزلت الْآيَة: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ .

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فترى الَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ أَي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فيهم﴾ يَعْنِي: فِي معونتهم وموالاتهم، وَفِيه حذف، كَمَا قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي: أهل الْقرْيَة ﴿يَقُولُونَ نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: نخشى أَن لَا يتم أَمر مُحَمَّد؛ فيدور الْأَمر علينا، وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: نخشى أَن يكون قحط؛ فَلَا يتفضلوا علينا بالثمار؛ [إِذْ] كَانَت الْيَهُود أَصْحَاب النخيل وَالثِّمَار، وَالْأول أصح.
﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ فتح مَكَّة.
وَقيل (هُوَ فتح) قرى الْيَهُود مثل خَيْبَر، وفدك، وتيما ووادي الْقرى.
﴿أَو أَمر من عِنْده﴾ قيل: هُوَ إتْمَام أَمر مُحَمَّد، وَقيل: هُوَ إجلاء بني النَّضِير، وَقيل: قتل بني قُرَيْظَة، وَقيل:

﴿الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (51) فترى الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يُسَارِعُونَ فيهم يَقُولُونَ نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة فعس الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده فيصبحوا على مَا أَسرُّوا فِي أنفسهم نادمين (52) وَيَقُول الَّذين آمنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسمُوا بِاللَّه جهد﴾ هُوَ الْإِخْبَار بأسماء الْمُنَافِقين؛ ليفتضحوا.
{فيصبحوا على مَا أَسرُّوا فِي أنفسهم نادمين

وَيَقُول الَّذين آمنُوا) يَعْنِي: [للْيَهُود] حِين انْكَشَفَ حَال الْمُنَافِقين: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسمُوا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم إِنَّهُم لمعكم حبطت أَعْمَالهم فَأَصْبحُوا خاسرين﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه﴾ وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة وَالشَّام: " من يرتدد " وَالْمعْنَى وَاحِد ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قَالَ عَليّ، وَالْحسن: نزل هَذَا فِي أبي بكر وَأَصْحَابه.
وَكَانَ الْحسن يحلف على هَذَا، أَنه نزل فِي أبي بكر وَأَصْحَابه، وَذَلِكَ أَن النَّبِي لما خرج إِلَى رَحْمَة الله ارْتَدَّت الْعَرَب، وَلم يبْق الْإِسْلَام إِلَّا فِي ثَلَاثَة مَسَاجِد: مَسْجِد مَكَّة، وَمَسْجِد الْمَدِينَة، وَمَسْجِد الْبَحْرين؛ فهم أَبُو بكر بِالْقِتَالِ، وَكره الصَّحَابَة ذَلِك، وَقَالُوا: إِن بَعضهم منع الزَّكَاة، وَلم يتْركُوا الصَّلَاة، وَقَالَ أَبُو بكر: وَالله (لأقاتلن من) فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة، وَقيل: إِنَّه سل سَيْفه، وَخرج وَحده، وَقَالَ: أقَاتل وحدي، ثمَّ وَافقه الصَّحَابَة، قَالَ ابْن مَسْعُود: كرهنا ذَلِك لَك فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ حمدناه عَلَيْهِ فِي الِانْتِهَاء، قَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش: سَمِعت أَبَا حُصَيْن يَقُول: مَا ولد مَوْلُود بعد النَّبِيين أفضل من أبي بكر، لقد قَامَ مقَام نَبِي من الْأَنْبِيَاء، يَعْنِي: فِي قتال أهل الرِّدَّة، وردهم إِلَى الْإِسْلَام.
وروى عِيَاض الْأَشْعَرِيّ: " أَن النَّبِي قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم﴾ وَأَشَارَ إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَقَالَ: هَذَا وَأَصْحَابه " وَكَانُوا من أهل الْيمن،

﴿أَيْمَانهم إِنَّهُم لمعكم حبطت أَعْمَالهم فَأَصْبحُوا خاسرين (53) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على﴾ وَلأَهل الْيمن أَمر عَظِيم فِي الْفتُوح الَّتِي وَقعت فِي الْإِسْلَام، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الْإِيمَان يمَان، وَالْحكمَة يَمَانِية " وَقيل: أَرَادَ بِالْآيَةِ: قوما كَانَ أَكْثَرهم من أهل الْيمن؛ فتحُوا الْقَادِسِيَّة فِي زمَان عمر.
وَالْأول أصح ﴿أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ﴾ لَيْسَ من الذل، وَإِنَّمَا هُوَ من الذلة، وَهِي اللين.
وَقَوله: ﴿أعزة على الْكَافرين﴾ لَيْسَ من الْعِزّ وَإِنَّمَا هُوَ من الْعِزَّة؛ وَهِي: الشدَّة، يَعْنِي: أَن جانبهم لين على الْمُؤمنِينَ، شَدِيد على الْكَافرين، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ غلظاء على الْكَافرين " وَهِي معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة.
﴿يجاهدون فِي سَبِيل الله لَا يخَافُونَ لومة لائم﴾ يَعْنِي: لَا يخَافُونَ فِي الله لوم النَّاس، وروى ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أَرَادَ الْجنَّة لَا شكّ، فَلَا يخَاف فِي الله لومة لائم " ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾ . قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله﴾ هَذَا رَاجع إِلَى قَوْله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء﴾ لما مَنعهم من مُوالَاة الْيَهُود وَالنَّصَارَى، دعاهم إِلَى مُوالَاة الله وَرَسُوله.
﴿وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ﴾ يَعْنِي: مصلون؛ إِلَّا أَنه خص الرُّكُوع تَشْرِيفًا، وَقيل: مَعْنَاهُ: خاضعون، وَقَالَ السّديّ: - وَهُوَ رِوَايَة عَن مُجَاهِد - إِن هَذَا أنزل فِي عَليّ بن أبي طَالب، كَانَ فِي الرُّكُوع، ومسكين

﴿الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم (54) إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ (55) وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله﴾ يطوف فِي الْمَسْجِد فَنزع خَاتمه، وَدفع إِلَيْهِ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ﴾ وَعَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر أَنه قَالَ: نزلت الْآيَة فِي الْمُؤمنِينَ، فَقيل لَهُ: إِن قوما يَقُولُونَ: إِن الْآيَة نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب، فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: عَليّ من الْمُؤمنِينَ.

وَقَوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله﴾ أَرَادَ بِهِ: الْولَايَة فِي الدّين، لَا ولَايَة الْإِمَارَة والسلطنة، وهم فَوق كل ولَايَة، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَكَذَلِكَ معنى قَوْله: " من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ " يَعْنِي: من كنت وليا لَهُ، أعينه وأنصره، فعلي يُعينهُ وينصره فِي الدّين.

قَوْله: ﴿وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ أَي: جند الله هم الغالبون،

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هذوا وَلَعِبًا﴾ هَذَا فِي الْيَهُود، كَانُوا إِذا سمعُوا الْمُؤَذّن ضحكوا، وتغامزوا بَينهم ﴿من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ يَعْنِي: الْيَهُود ﴿وَالْكفَّار﴾ : سَائِر الْكَفَرَة ﴿أَوْلِيَاء﴾ أَي: لَا تَتَّخِذُوا هَؤُلَاءِ أَوْلِيَاء.
وَقَرَأَ الْكسَائي، وَأَبُو عَمْرو: " وَالْكفَّار " بِكَسْر الرَّاء، يَعْنِي: وَمن الْكفَّار، وَكَذَا فِي حرف أبي بن كَعْب " وَمن الْكفَّار أَوْلِيَاء " ( ﴿وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة اتَّخَذُوهَا هزوا وَلَعِبًا) هَذَا بَيَان لاتخاذهم الدّين هزوا فِي الْآيَة الأولى ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ﴾ .

﴿هم الغالبون (56) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين (57) وَإِذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة اتَّخَذُوهَا هزوا وَلَعِبًا ذَلِك بِأَنَّهُم قوم لَا يعْقلُونَ (85) قل يَا أهل الْكتاب هَل تَنْقِمُونَ منا إِلَّا أَن آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل من قبل وَأَن أَكْثَرَكُم﴾ و (فِي) الحكايات: أَن وَاحِدًا من الْمُنَافِقين يُقَال لَهُ: ضَمرَة، سمع الْمُؤَذّن يُؤذن، فَقَالَ: حرق الله الْكَاذِب؛ فَجَاءَهُ خادمه بسراج فِي بعض تِلْكَ اللَّيَالِي، فَوَقَعت شرارة من السراج، وَلم (يشْعر) بِهِ، فَاحْتَرَقَ هُوَ وَمَا فِي الْبَيْت.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل يَا أهل الْكتاب هَل تَنْقِمُونَ منا﴾ أَي: هَل تَكْرَهُونَ منا ﴿إِلَّا أَن آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل من قبل وَأَن أَكْثَرَكُم فَاسِقُونَ﴾ أَي: هَل تَنْقِمُونَ منا إِلَّا بإيماننا وفسقكم، قَالَ الشَّاعِر: (مَا نقموا من بني أُميَّة إِلَّا ... أَنهم (يحملون) إِن غضبوا) (وَأَنَّهُمْ سادة الْمُلُوك ... وَلَا يصلح إِلَّا عَلَيْهِم الْعَرَب) أَي: كَرهُوا من بني أُميَّة.

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل هَل أنبئكم بشر من ذَلِك مثوبة عِنْد الله﴾ أَي: قل: [هَل] أخْبركُم بشر من ذَلِك ثَوابًا وعاقبة عِنْد الله؟ ﴿من لَعنه الله وَغَضب عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: الْيَهُود ﴿وَجعل مِنْهُم القردة والخنازير﴾ قيل: جعل القردة القردة من الْيَهُود، والخنازير من النَّصَارَى، فَالَّذِينَ جعلهم قردة من الْيَهُود: أَصْحَاب السبت، وَالَّذين جعلهم خنازير من النَّصَارَى: أَصْحَاب الْمَائِدَة، وَقيل: كِلَاهُمَا من الْيَهُود، فَجعل شُبَّانهمْ قردة وشيوخهم خنازير ﴿وَعبد الطاغوت﴾ أَي: وَمن عبد الطاغوت، يَعْنِي من لَعنه الله وَمن عبد الطاغوت وَقَرَأَ حَمْزَة: " وَعبد الطاغوت " بِضَم الْبَاء فِي عبد، وَكسر التَّاء فِي الطاغوت، وَالْمعْنَى وَاحِد، قل الشَّاعِر: (أبني لبينى إِن أمكُم ... أمة وَإِن وَإِنِّي أَبَاكُم عبد)

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل