الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿بِالْحَقِّ ونودوا أَن تلكم الْجنَّة أورثتموها بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ (43) ونادى أَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب النَّار أَن قد وجدنَا مَا وعدنا رَبنَا حَقًا فَهَل جدتم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم فَأذن مُؤذن بَينهم أَن لعنة الله على الظَّالِمين (44) الَّذين يصدون عَن سَبِيل الله﴾
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ونادى أَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب النَّار أَن قد وجدنَا مَا وعدنا رَبنَا حَقًا فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا﴾ وَهَذَا قبل التطبيق على جَهَنَّم ﴿قَالُوا نعم﴾ وَقد بَينا أَن جَوَاب الِاسْتِفْهَام الَّذِي فِيهِ جحد: " بلَى "، وَجَوَاب الِاسْتِفْهَام الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تجحد: " نعم " ﴿فَأذن مُؤذن بَينهم أَن لعنة الله على الظَّالِمين﴾ .
﴿الَّذين يصدون عَن سَبِيل الله﴾ أَي: يعرضون عَن الدّين ﴿ويبغونها عوجا﴾ أَي: يطْلبُونَ الدّين بالزيغ، والعوج بِمَعْنى الزيغ هَا هُنَا ( ﴿وهم بِالآخِرَة كافرون﴾ وَبَينهمَا حجاب) وَهُوَ حجاب بَين الْجنَّة وَالنَّار.
﴿وعَلى الْأَعْرَاف رجال﴾ قيل: الْأَعْرَاف: سور بَين الْجنَّة وَالنَّار، وَذَلِكَ قَوْله: ﴿فَضرب بَينهم بسور﴾ وَقيل: هُوَ مَكَان مُرْتَفع، وَالْأول أصح، وَعَلِيهِ الْأَكْثَرُونَ.
وَأما الرِّجَال الَّذين على الْأَعْرَاف، اخْتلفُوا فيهم، قَالَ ابْن مَسْعُود، وَحُذَيْفَة، وَعَطَاء: هم قوم اسْتَوَت حسناتهم وسيئاتهم، وَقَالَ أَبُو مجلز لَاحق بن حميد، هم قوم من الْمَلَائِكَة فِي صُورَة رجال من الْإِنْس، وَحكى مقَاتل بن سُلَيْمَان فِي تَفْسِيره عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " هم قوم غزوا بِغَيْر إِذن آبَائِهِم، فاستشهدوا، فبقوا على الْأَعْرَاف تمنع شَهَادَتهم دُخُولهمْ النَّار، وَيمْنَع عصيانهم الْآبَاء دُخُولهمْ الْجنَّة ".
﴿ويبغونها عوجا وهم بِالآخِرَة كافرون (45) وَبَينهمَا حجاب وعَلى الْأَعْرَاف رجال يعْرفُونَ كلا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَاب الْجنَّة أَن سَلام عَلَيْكُم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وَإِذا صرفت أَبْصَارهم تِلْقَاء أَصْحَاب النَّار قَالُوا رَبنَا لَا تجعلنا مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين (47) ونادى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رجَالًا يعرفونهم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أغْنى عَنْكُم جمعكم﴾
وَقَالَ الْحسن: هم أهل الْفضل من الْمُؤمنِينَ، جعلُوا على الْأَعْرَاف؛ فيطلعون على أهل الْجنَّة وَالنَّار، يطالعون أَحْوَال الْفَرِيقَيْنِ ﴿يعْرفُونَ كلا بِسِيمَاهُمْ﴾ أَي: يعْرفُونَ أهل الْجنَّة ببياض وُجُوههم، وَأهل النَّار بسواد وُجُوههم.
﴿وَنَادَوْا أَصْحَاب الْجنَّة أَن سَلام عَلَيْكُم﴾ فَإِذا رَأَوْا أهل الْجنَّة قَالُوا: سَلام عَلَيْكُم ﴿لم يدخلوها﴾ يَعْنِي: أَصْحَاب الْأَعْرَاف لم يدخلُوا الْجنَّة ﴿وهم يطمعون﴾ يَعْنِي: فِي دُخُول الْجنَّة، قَالَ الْحسن: الَّذِي جعل الطمع فِي قُلُوبهم يوصلهم إِلَى مَا يطمعون.
وَقَالَ حُذَيْفَة - رَضِي الله عَنهُ: لَا يخيب الله أطماعهم.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا صرفت أَبْصَارهم تِلْقَاء أَصْحَاب النَّار قَالُوا رَبنَا لَا تجعلنا مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: إِذا اطلعوا على أهل النَّار، وَمَا هم فِيهِ؛ استعاذوا بِاللَّه من النَّار.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ونادى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رجَالًا يعرفونهم بِسِيمَاهُمْ﴾ قيل: إِنَّهُم يرَوْنَ الْكفَّار؛ فيعرفونهم، مثل: الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَأبي جهل، وَأبي لَهب، وَنَحْوهم فينادونهم ﴿قَالُوا مَا أغْنى عَنْكُم جمعكم﴾ يَعْنِي: مَا نفعكم اجتماعكم وتظاهركم فِي الدُّنْيَا ﴿وَمَا كُنْتُم تستكبرون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أقسمتم لَا ينالهم الله برحمة﴾ وَذَلِكَ حِين قَالُوا
﴿وَمَا كُنْتُم تستكبرون (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذين أقسمتم لَا ينالهم الله برحمة ادخُلُوا الْجنَّة لَا خوف عَلَيْكُم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ (49) ونادى أَصْحَاب النَّار أَصْحَاب الْجنَّة أَن أفيضوا علينا من المَاء أَو مِمَّا رزقكم الله قَالُوا إِن الله حرمهما على الْكَافرين (50) الَّذين﴾ للْكفَّار مَا قَالُوا، ثمَّ ينظرُونَ إِلَى أهل الْجنَّة؛ فيرون خبابا، وَعمَّارًا، وبلالا، وصهيبا وَنَحْوهم، فَيَقُول أَصْحَاب الْأَعْرَاف لأولئك الْكفَّار: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أقسمتم لَا ينالهم الله برحمة﴾ يَعْنِي: أَهَؤُلَاءِ الَّذين حلفتم أَنهم لَا يدْخلُونَ الْجنَّة، وَقد دخلُوا، يَعْنِي: خبابا، وَعمَّارًا، وَنَحْوهمَا.
ثمَّ يَقُول الله - تَعَالَى -: ﴿ادخُلُوا الْجنَّة لَا خوف عَلَيْكُم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ﴾ وَفِيه قَول آخر: أَن أَصْحَاب الْأَعْرَاف إِذا قَالُوا لأولئك الْكفَّار مَا قَالُوا؛ يَقُول الْكفَّار لَهُم: إِن دخلُوا أُولَئِكَ الْجنَّة وَنحن فِي النَّار فَأنْتم لم تدْخلُوا الْجنَّة بعد، فيعيرونهم على ذَلِك، ويحلفون أَنهم (لَا يدْخلُونَ) الْجنَّة؛ فَيَقُول الله - تَعَالَى - لأولئك الْكفَّار: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أقسمتم لَا ينالهم الله برحمة ادخُلُوا الْجنَّة لَا خوف عَلَيْكُم﴾ يَقُوله لأَصْحَاب الْأَعْرَاف؛ فيدخلهم الْجنَّة ﴿وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ونادى أَصْحَاب النَّار أَصْحَاب الْجنَّة أَن أفيضوا علينا من المَاء أَو مِمَّا رزقكم الله﴾ فِي هَذَا دَلِيل على أَنهم كَمَا يُعَذبُونَ بالنَّار؛ فَيكون عَلَيْهِم عَذَاب الْجُوع والعطش مَعَ عَذَاب النَّار؛ حَتَّى يسْأَلُوا الطَّعَام وَالشرَاب.
وَفِي الْخَبَر " أَن الرجل من أهل النَّار يرى أَخَاهُ أَو قرينه فِي الْجنَّة؛ فَيَقُول لَهُ من النَّار: يَا أخي أَغِثْنِي بِشَربَة مَاء فقد احترقت.
فَيَقُول: إِن الله حرمه على الْكَافرين؛ فَذَلِك قَول الله - تَعَالَى -: ﴿قَالُوا إِن الله حرمهما على الْكَافرين﴾ يَعْنِي: الطَّعَام وَالشرَاب، وَهَذَا تَحْرِيم منع لَا تَحْرِيم تعبد، وَاعْلَم أَن لسقي المَاء أجر عَظِيم، وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من سقى مُؤمنا شربة مَاء؛ بعده الله من جَهَنَّم شوط فرس ".
﴿اتَّخذُوا دينهم لهوا وَلَعِبًا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا فاليوم ننساهم كَمَا نسوا لِقَاء يومهم هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يجحدون (51) وَلَقَد جئناهم بِكِتَاب فصلناه على علم هدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ (52) هَل ينظرُونَ إِلَّا تَأْوِيله يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله يَقُول الَّذين نسوه من قبل قد جَاءَت رسل رَبنَا بِالْحَقِّ فَهَل لنا من شُفَعَاء فيشفعوا لنا أَو نرد فنعمل غير الَّذِي كُنَّا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون (53) إِن ربكُم الله الَّذِي خلق﴾
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الَّذين اتَّخذُوا دينهم لهوا وَلَعِبًا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ مَعْنَاهُ: أكلا وشربا، قَالَه عبد الله بن الْحَارِث، وَقيل: مَعْنَاهُ: الَّذين كَانَت همتهم الدُّنْيَا، واشتغالهم بهَا؛ فهم الَّذين اتَّخذُوا دينهم لهوا وَلَعِبًا، وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا.
﴿فاليوم ننساهم﴾ أَي: نتركهم ﴿كَمَا نسوا لِقَاء يومهم هَذَا﴾ أَي: كَمَا تركُوا الْعَمَل للقاء يومهم هَذَا ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يجحدون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَقَد جئناهم بِكِتَاب﴾ أَي: أتيناهم بِالْقُرْآنِ ﴿فصلناه﴾ أَي: بَينا مَا فِيهِ من الْحَلَال وَالْحرَام ﴿على علم﴾ أَي: على علم بِمَا يصلحهم، وَقيل: مَعْنَاهُ: على علم بالثواب وَالْعِقَاب ﴿هدى﴾ أَي: هاديا ﴿وَرَحْمَة﴾ أَي: ذُو رَحْمَة ﴿لقوم يُؤمنُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿هَل ينظرُونَ﴾ أَي: هَل ينتظرون ﴿إِلَّا تَأْوِيله﴾ قَالَ مُجَاهِد: (مَعْنَاهُ) إِلَّا جزاءه، وَقَالَ قَتَادَة: إِلَّا عاقبته، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنهم هَل ينتظرون إِلَّا مَا يؤول إِلَيْهِ أَمرهم من مصير أهل الْجنَّة إِلَى الْجنَّة، وَأهل النَّار إِلَى النَّار ﴿يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله﴾ أَي: جَزَاؤُهُ، وَمَا يؤول إِلَيْهِ أَمرهم.
﴿يَقُول الَّذين نسوه﴾ أَي: تَرَكُوهُ من قبل ﴿قد جَاءَت رسل رَبنَا بِالْحَقِّ﴾ اعْتَرَفُوا بِهِ حِين لَا يَنْفَعهُمْ الِاعْتِرَاف ﴿فَهَل لنا من شُفَعَاء فيشفعوا لنا أَو نرد﴾ يَعْنِي: إِلَى الدُّنْيَا ﴿فنعمل غير الَّذِي كُنَّا نعمل﴾ ﴿قد خسروا أنفسهم﴾ أَي: نَقَصُوا حق أنفسهم ﴿وضل عَنْهُم﴾ أَي: ذهب وَفَاتَ عَنْهُم ﴿مَا كَانُوا يفترون﴾ .
﴿السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يغشي اللَّيْل النَّهَار يَطْلُبهُ حثيثا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام﴾ .
قَالَ مُجَاهِد: هِيَ من يَوْم الْأَحَد إِلَى الْجُمُعَة، فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: فِي سِتَّة أَيَّام، وَلم تكن أَيَّام حِين خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ قيل: وَمَا يُدْرِينَا أَنَّهَا لم تكن، بل كَانَت؛ فَإِن الله - تَعَالَى - أخبر، وَقَوله وَخَبره صدق، وَقيل: يجوز أَن يكون المُرَاد بِهِ على تَقْدِير سِتَّة أَيَّام، فَإِن قيل: وَمَا الْحِكْمَة فِي خلقهَا فِي سِتَّة أَيَّام، وَكَانَ قَادِرًا على خلقهَا فِي طرفَة عين؟ قيل: لِأَن خلقهَا على التأني أدل على الْحِكْمَة، فخلقها على التأني ليَكُون أدل على حكمته، ولطف تَدْبيره، وَفِيه أَيْضا تَعْلِيم النَّاس، وتنبيه الْعباد على التأني فِي الْأُمُور، وَفِي الْخَبَر " التأني من الله، والعجلة من الشَّيْطَان ".
﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ أول الْمُعْتَزلَة الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ، وأنشدوا فِيهِ:
(قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق ... من غير سيف وَدم مهراق)
(وَأما أهل السّنة فيتبرءون من هَذَا التَّأْوِيل، وَيَقُولُونَ: إِن الاسْتوَاء على الْعَرْش صفة لله - تَعَالَى - بِلَا كَيفَ، وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب، كَذَلِك يحْكى عَن مَالك بن أنس، وَغَيره من السّلف، أَنهم قَالُوا فِي هَذِه الْآيَة: الْإِيمَان بِهِ وَاجِب، وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة.
﴿يغشى اللَّيْل النَّهَار﴾ أَي: يُغطي اللَّيْل على النَّهَار، وَفِيه حذف، وَتَقْدِيره: يغشي اللَّيْل النَّهَار، ويغشي النَّهَار اللَّيْل؛ كَمَا قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ( ﴿يكور اللَّيْل على النَّهَار ويكور النَّهَار على اللَّيْل﴾ يَطْلُبهُ حثيثا) أَي: سَرِيعا، وَذَلِكَ أَنه لما كَانَ
﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين (54) ادعوا ربكُم تضرعا وخفية إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تفسدوا فِي الأَرْض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وَطَمَعًا إِن رحمت الله قريب من الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ﴾ يعقب أَحدهمَا الآخر، ويخلفه على أَثَره فَكَأَنَّهُ فِي طلبه.
﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره﴾ أَي: مذللات بِمَا أُرِيد مِنْهَا ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين﴾ أَي: تَعَالَى بالوحدانية.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ادعوا ربكُم تضرعا وخفية﴾ أَي: ضارعين متذللين خاشعين، وخفية أَي: سرا ﴿إِنَّه لَا يحب الْمُعْتَدِينَ﴾ قَالَ ابْن جريج: الْجَهْر بِالدُّعَاءِ عدوان، وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " سَيكون أَقوام يعتدون فِي الطّهُور وَالدُّعَاء " وروى: " أَنه رأى أَقْوَامًا يصيحون بِالدُّعَاءِ، فَقَالَ لَهُم: أربعوا على أَنفسكُم، فَإِنَّكُم لَا تدعون [أصما] وَلَا غَائِبا، وَإِنَّمَا تدعون سميعا قَرِيبا، وَهُوَ مَعكُمْ " بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة وَقيل: من الاعتداء فِي الدُّعَاء: أَن يسْأَل لنَفسِهِ دَرَجَة لَيْسَ من أَهلهَا؛ بِأَن يسْأَل دَرَجَة الْأَنْبِيَاء، وَلَيْسَ بِنَبِي، ودرجة الشُّهَدَاء، وَلَيْسَ بِشَهِيد.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تفسدوا فِي الأَرْض بعد إصلاحها﴾ أَي: بعد إصْلَاح الأَرْض بِالدّينِ والشريعة، وَقَالَ الضَّحَّاك: من الْفساد فِي الأَرْض تغوير الْمِيَاه، وَقطع الْأَشْجَار المثمرة، وَكسر الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير.
﴿وادعوه خوفًا وَطَمَعًا﴾ أَي: خوفًا من الله وَطَمَعًا لثوابه {إِن رَحْمَة الله قريب
﴿الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح بشرا بَين يَدي رَحمته حَتَّى إِذا أقلت سَحَاب اثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات كَذَلِك نخرج الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ من الْمُحْسِنِينَ) فَإِن قيل: الْقَرِيب نعت الْمُذكر، وَالرَّحْمَة مُؤَنّثَة، وَالله - تَعَالَى - قَالَ: قريب، وَلم يقل: قريبَة؛ قيل: قَالَ الزّجاج: الرَّحْمَة هَاهُنَا بِمَعْنى الْعَفو والغفران، وَقَالَ الْأَخْفَش: هِيَ بِمَعْنى الإنعام؛ فَيكون النَّعْت رَاجعا إِلَى الْمَعْنى دون اللَّفْظ، قَالَ الْفراء: إِذا كَانَ الْقرب فِي النّسَب؛ فنعت الْمُؤَنَّث مِنْهُ يكون على التَّأْنِيث، وَأما الْقرب فِي غير النّسَب؛ فالنعت مِنْهُ يذكر وَيُؤَنث، وانشدوا فِيهِ: (عَشِيَّة لَا عفراء مِنْك قريبَة ... فتدنو وَلَا عفراء مِنْك بعيد) فَذكر النَّعْت مرّة على التَّأْنِيث، وَمرَّة على التَّذْكِير.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح بشرا﴾ يقْرَأ: " بشرا " من الْبشَارَة، وَيقْرَأ: " نشرا " وَهُوَ جمع النشور، كالرسول وَالرسل، وَذَلِكَ ريح طيبَة، وَيقْرَأ: " نشرا " بجزم الشين، وَهُوَ جمع النشور أَيْضا كالرسول وَالرسل وَالْكتاب والكتب.
﴿بَين يَدي رَحمته﴾ يَعْنِي: الْمَطَر ﴿حَتَّى إِذا أقلت﴾ أَي: حملت: ﴿سحابا ثقالا﴾ يَعْنِي: بِالْمَاءِ ﴿سقناه لبلد ميت فأنزلنا بِهِ المَاء فأخرجنا بِهِ من كل الثمرات كَذَلِك نخرج الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ اسْتدلَّ بإحياء الأَرْض بعد مَوتهَا على إحْيَاء الْمَوْتَى، وَفِي ذَلِك دَلِيل بَين، وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن بَين النفختين أَرْبَعِينَ عَاما فَيُرْسل الله - تَعَالَى - مَطَرا من السَّمَاء كَمثل منى الرِّجَال، فَيدْخل الأَرْض؛ فينبت مِنْهُ النَّاس، ثمَّ يحشرون بالنفخة الثَّانِيَة ".
( ﴿57) والبلد الطّيب يخرج نَبَاته بِإِذن ربه وَالَّذِي خبث لَا يخرج إِلَّا نكدا كَذَلِك نصرف الْآيَات لقوم يشكرون (58) لقد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه فَقَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم (59) قَالَ الْمَلأ من قومه إِنَّا لنراك فِي ضلال مُبين (60) قَالَ يَا قوم لَيْسَ بِي ضَلَالَة وَلَكِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين (61) أبلغكم رسالات رَبِّي وأنصح لكم وَأعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ (62) أَو عجبتم أَن جَاءَكُم ذكر من ربكُم على رجل مِنْكُم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (63) ﴾
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿والبلد الطّيب يخرج نَبَاته بِإِذن ربه﴾ ﴿وَالَّذِي خبث﴾ يَعْنِي: الأَرْض السبخة ﴿لَا يخرج إِلَّا نكدا﴾ أَي: نزرا قَلِيلا، قَالَ الشَّاعِر: (فأعط مَا أَعْطيته طيبا ... لَا خير فِي المنكود والناكد) وَهَذَا مثل ضربه الله - تَعَالَى - للْمُؤْمِنين وللكافرين؛ فَإِن الْمُؤمن يخرج مَا يخرج من نَفسه من الْإِيمَان والخيرات سهلا سَمحا، وَالْكَافِر يخرج مَا يخرج من الْخيرَات نزرا قَلِيلا ﴿كَذَلِك نصرف الْآيَات لقوم يشكرون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه فَقَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ ذكر فِي هَذِه الْآيَة قصَّة نوح وَقَومه، وَسَيَأْتِي.
﴿قَالَ الْمَلأ من قومه إِنَّا لنراك فِي ضلال مُبين، قَالَ يَا قوم لَيْسَ بِي ضَلَالَة وَلَكِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين﴾ علم الله - تَعَالَى - النَّاس بِذكر قَوْله حسن الْجَواب، حَيْثُ قَالَ: " لَيْسَ بِي ضَلَالَة " وَلم يقل: أَنْتُم الضلال، كَمَا جرت عادتنا.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أبلغكم رسالات رَبِّي وأنصح لكم﴾ النصح: هُوَ أَن يُرِيد لغيره من الْخَيْر مثل مَا يُرِيد لنَفسِهِ، وَمَعْنَاهُ: أرشدكم أَنِّي أُرِيد لنَفْسي مَا أُرِيد لكم ﴿وَأعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أَو عجبتم أَن جَاءَكُم ذكر من ربكُم على رجل مِنْكُم لينذركم﴾ الْعجب: هُوَ تَغْيِير النَّفس عِنْد رُؤْيَة أَمر خَفِي عَلَيْهِ بَاطِنه {ولتتقوا ولعلكم ترحمون
فَكَذبُوهُ فأنجيناه وَالَّذين مَعَه فِي الْفلك) أَي: فِي السَّفِينَة.
﴿فَكَذبُوهُ فأنجيناه وَالَّذين مَعَه فِي الْفلك وأغرقنا الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُم كَانُوا قوما عمين (64) وَإِلَى عَاد أَخَاهُم هودا قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره أَفلا تَتَّقُون (65) قَالَ الْمَلأ الَّذين كفرُوا من قومه إِنَّا لنراك فِي سفاهة وَإِنَّا لنظنك من الْكَاذِبين (66) قَالَ يَا قوم لَيْسَ بِي سفاهة وَلَكِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين (67) أبلغكم رسالات رَبِّي وَأَنا لكم نَاصح أَمِين (68) أَو عجبتم أَن جَاءَكُم ذكر من ربكُم على رجل مِنْكُم لينذركم واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم فِي الْخلق بصطة فاذكروا﴾ ﴿وأغرقنا الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا﴾ وَسَتَأْتِي الْقِصَّة ﴿إِنَّهُم كَانُوا قوما عمين﴾ أَي: عَن الْحق.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِلَى عَاد﴾ أَي: وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَاد ﴿أَخَاهُم هودا﴾ قَالَ الْفراء: كَانَ أَخَاهُم فِي النّسَب لَا فِي الدّين، وَقيل: أَرَادَ بِهِ: كَانَ آدَمِيًّا مثلهم ﴿قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره أَفلا تَتَّقُون﴾ .
﴿قَالَ الْمَلأ الَّذين كفرُوا من قومه إِنَّا لنراك فِي سفاهة﴾ أَي: فِي حمق وجهالة {وَإِنَّا لنظنك من الْكَاذِبين
قَالَ يَا قوم لَيْسَ بِي سفاهة وَلَكِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين) وَهُوَ أَيْضا من حسن الْجَواب
﴿أبلغكم رسالات رَبِّي وَأَنا لكم نَاصح أَمِين﴾ وَقد بَينا معنى النصح.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أَو عجبتم أَن جَاءَكُم ذكر من ربكُم على رجل مِنْكُم لينذركم واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء﴾ يَعْنِي: فِي الأَرْض ﴿من بعد قوم نوح﴾ أَي: من بعد إهلاكهم.
(وزادكم فِي الْخلق بسطة) وَأَرَادَ بِهِ: البسطة فِي الطول، قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق ابْن يسَار وَالسُّديّ: كَانَت قامة الطَّوِيل من قوم عَاد مائَة ذِرَاع، وقامة الْقصير مِنْهُم سِتِّينَ ذِرَاعا ﴿فاذكروا آلَاء الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ .
{آلَاء الله لَعَلَّكُمْ تفلحون (69) قَالُوا أجئتنا لنعبد الله وَحده وَنذر مَا كَانَ يعبد آبَاؤُنَا فأتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الصَّادِقين (70) قَالَ قد وَقع عَلَيْكُم من ربكُم رِجْس وَغَضب أتجادلونني فِي أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا نزل الله بهَا من سُلْطَان فانتظروا إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين (71) فأنجيناه وَالَّذين مَعَه برحمة منا وقطعنا دابر الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤمنين (72) وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم صَالحا قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره قد جاءتكم بَيِّنَة من ربكُم هَذِه نَاقَة الله لكم آيَة فذروها تَأْكُل فِي أَرض الله وَلَا تمسوها بِسوء فيأخذكم عَذَاب أَلِيم (73) واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالُوا أجئتنا لنعبد الله وَحده وَنذر مَا كَانَ يعبد آبَاؤُنَا﴾ يَعْنِي: من الْأَصْنَام ﴿فأتنا بِمَا تعدنا﴾ أَي: من الْعَذَاب ﴿إِن كنت من الصَّادِقين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قَالَ قد وَقع عَلَيْكُم من ربكُم رِجْس وَغَضب﴾ الرجس وَالرجز: هُوَ الْعَذَاب، وَالْغَضَب: السخط ﴿آأتجادلونني فِي أَسمَاء﴾ أَي: لأجل أَسمَاء ﴿سميتموها أَنْتُم وآباؤكم﴾ أَي الْأَصْنَام نحتموها وسميتموها أَنْتُم وآباؤكم ﴿مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان﴾ أَي: برهَان ( ﴿فانتظروا إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين﴾ فأنجيناه وَالَّذين مَعَه) هودا وَقَومه ﴿برحمة منا وقطعنا دابر الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤمنين﴾ أَي: قَطعنَا أصلهم، واستأصلناهم بِالْعَذَابِ.
قَوْله - تَعَالَى - ﴿وَإِلَى ثَمُود أَخَاهُم﴾ أَي: وَأَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُود أَخَاهُم ﴿صَالحا قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مَا لكم من إِلَه غَيره قد جاءتكم بَيِّنَة من ربكُم هَذِه نَاقَة الله لكم آيَة﴾ سَأَلُوهُ أَن يخرج من الصَّخْرَة نَاقَة، وأشاروا إِلَى صَخْرَة صماء ملساء؛ فَدَعَا صَالح - عَلَيْهِ السَّلَام - فتمخضت الصَّخْرَة كَمَا تتمخض الحبلى، وأخرجت النَّاقة؛ فَخرجت ألفت " سقبا " من ساعتها ﴿فذروها تَأْكُل فِي أَرض الله﴾ قيل: كَانَ لَهُم وَاد يشربون مِنْهُ فَجعلُوا يَوْمًا للناقة، وَيَوْما لَهُم؛ فَتَشرب النَّاقة يَوْمهَا جَمِيع مَاء الْوَادي، وتبدلهم بذلك لَبَنًا ﴿وَلَا تمسوها بِسوء فيأخذكم عَذَاب أَلِيم﴾ .
(من بعد عَاد وبوأكم فِي الأَرْض تَتَّخِذُونَ من سهولها قصورا وتنحتون الْجبَال بُيُوتًا فاذكروا آلَاء الله وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين (74) قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه للَّذين استضعفوا لمن آمن مِنْهُم أتعلمون أَن صَالحا مُرْسل من ربه قَالُوا إِنَّا بِمَا أرسل بِهِ مُؤمنُونَ (75) قَالَ الَّذين استكبروا إِنَّا بِالَّذِي آمنتم بِهِ كافرون (76) فعقروا النَّاقة وعتوا عَن أَمر رَبهم وَقَالُوا يَا صَالح ائتنا بِمَا تعدنا إِن كنت من الْمُرْسلين (77))