الْفَاتِحَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله - تَعَالَى -: (وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا) أما حشر الْجِنّ وَالْإِنْس: حق يجب الْإِيمَان بِهِ ﴿يَا معشر الْجِنّ قد استكثرتم من الْإِنْس﴾ يَعْنِي: استكثرتم من الْإِنْس بالإغواء والإضلال ﴿وَقَالَ أولياؤهم من الْإِنْس﴾ يَعْنِي: الْكفَّار وأولياء الشَّيَاطِين يَقُولُونَ يَوْم الْقِيَامَة: ﴿رَبنَا استمتع بَعْضنَا بِبَعْض﴾ يَعْنِي: استمتع الْجِنّ بالإنس، وَالْإِنْس بالجن، قيل: استمتاع الْجِنّ بالإنس: تزيينهم لَهُم، وتسهيلهم طَرِيق الغواية عَلَيْهِم.
وَأما [استمتاع] الْإِنْس بالجن: طاعتهم، وَالْجُمْلَة أَن استمتاع الْجِنّ: بِالْأَمر واستمتاع الْإِنْس: بِالْقبُولِ، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن الرجل من الْعَرَب كَانَ إِذا نزل بواد يَقُول: أعوذ بِسَيِّد هَذَا الْوَادي من سُفَهَاء قومه، ثمَّ يبيت آمنا من تخبيل الْجِنّ، وَهَذَا استمتاع الْإِنْس بالجن، وَأما استمتاع الْجِنّ بالإنس: أَن ذَلِك الجني الَّذِي تعوذ بِهِ الْإِنْسِي يَقُول لِقَوْمِهِ: إِن الْإِنْس يتعوذون بِنَا؛ (فَنحْن سَادَات الْجِنّ وَالْإِنْس) ، وَهَذَا مُبين فِي قَوْله - تَعَالَى - فِي سُورَة الْجِنّ ﴿وَأَنه كَانَ رجال من الْإِنْس يعوذون بِرِجَال من الْجِنّ فزادوهم رهقا﴾ أَي: نخوة وتكبرا.
﴿وبلغنا أجلنا الَّذِي أجلت لنا﴾ يَعْنِي: أجل الْقِيَامَة.
﴿قَالَ النَّار مثواكم﴾ يَعْنِي: يَقُول الله: النَّار مثواكم {خَالِدين فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ
﴿فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ الله إِن رَبك حَكِيم عليم (128) وَكَذَلِكَ نولي بعض الظَّالِمين بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم﴾ الله) فَإِن قَالَ قَائِل: أَلَيْسَ أَن الْكَافرين خَالدُونَ فِي النَّار بأجمعهم، فَمَا هَذَا الِاسْتِثْنَاء؟
الْجَواب: قَالَ الْفراء: هُوَ مثل قَوْله: ﴿خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك﴾ يَعْنِي: من الزِّيَادَة على مُدَّة دوَام السَّمَوَات وَالْأَرْض؛ فَهَذَا هُوَ المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة أَيْضا، وَقيل: الِاسْتِثْنَاء فِي الْعَذَاب يَعْنِي: خَالِدين فِي نوع من الْعَذَاب إِلَّا مَا شَاءَ الله من سَائِر الْعَذَاب.
وَقيل: هُوَ اسْتثِْنَاء مُدَّة الْبَعْث والحساب، لَا يُعَذبُونَ فِي وَقت الْبَعْث والحساب ﴿إِن رَبك حَكِيم عليم﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ نولي بعض الظَّالِمين بَعْضًا﴾ يَعْنِي: يَجْعَل بَعضهم على إِثْر بعض فِي الْقِيَامَة إِلَى النَّار.
وَقيل: هَذَا فِي الدُّنْيَا، وَمَعْنَاهُ: نَأْخُذ من الظَّالِم بالظالم، وَذَلِكَ بتسليط بَعضهم على الْبَعْض ﴿بِمَا كَانُوا [يَكْسِبُونَ] ﴾ أَي: جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: وَمن الْجِنّ رسل، كَمَا يكون من الْإِنْس؟
الْجَواب: قَالَ الضَّحَّاك: بلَى من الثقلَيْن رسل، كَمَا نطق بِهِ الْكتاب.
وَقَالَ مُجَاهِد: الرُّسُل من الْإِنْس، وَأما الْجِنّ فَمنهمْ النّذر، كَمَا قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين﴾ فعلى هَذَا لِلْآيَةِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا أَن قَوْله: ﴿رسل مِنْكُم﴾ ينْصَرف إِلَى أحد الصِّنْفَيْنِ، وَهُوَ الْإِنْس، وَمثله قَوْله - تَعَالَى -: ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ وَالْمرَاد: أحد الْبَحْرين، المالح دون العذب.
﴿آياتي وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا شَهِدنَا على أَنْفُسنَا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين (130) ذَلِك أَن لم يكن رَبك مهلك الْقرى بظُلْم وَأَهْلهَا غافلون (131) وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا وَمَا رَبك بغافل عَمَّا يعْملُونَ (132) وَرَبك الْغَنِيّ ذُو الرَّحْمَة إِن يَشَأْ يذهبكم ويستخلف من بعدكم مَا يَشَاء كَمَا أنشأكم من ذُرِّيَّة قوم آخَرين (133) إِن مَا توعدون لآت وَمَا أَنْتُم بمعجزين (134) قل يَا﴾
وَالثَّانِي: أَن الرُّسُل من الصِّنْفَيْنِ، إِلَّا أَنه عبر بالرسل عَن النّذر من الْجِنّ بطرِيق الْمَعْنى؛ لِأَن النذير فِي معنى الرَّسُول.
﴿يقصون عَلَيْكُم آياتي وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا شَهِدنَا على أَنْفُسنَا﴾ وَذَلِكَ حِين تنطق جوارحهم ﴿وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ هَذَا من قَول الله - تَعَالَى - اعْترض فِي - الْبَين - ﴿وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك أَن لم يكن رَبك مهلك الْقرى بظُلْم وَأَهْلهَا غافلون﴾ يَعْنِي: ذَلِك من إرْسَال الرُّسُل وإنزال الْكتب؛ إِنَّمَا كَانَ لِأَن الله - تَعَالَى - لَا يهْلك قَرْيَة قبل بعث الرَّسُول إِلَيْهَا، وإنذارها بِالْوَحْي؛ وَذَلِكَ لِأَن الله - تَعَالَى - أجْرى سنته: أَن لَا يَأْخُذ أحدا الذَّنب إِلَّا بعد وجود الذَّنب، وَإِنَّمَا يكون مذنبا إِذا أَمر فَلم يأتمر، وَنهى فَلم ينْتَه، ودعي فَلم يجب.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ أَي: دَرَجَات فِي الْجَزَاء مِمَّا عمِلُوا ﴿وَمَا رَبك بغافل﴾ - أَي: بساه - ﴿عَمَّا يعْملُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَرَبك الْغَنِيّ ذُو الرَّحْمَة إِن يَشَأْ يذهبكم ويستخلف من بعدكم مَا يَشَاء﴾ يَعْنِي: إِن يَشَأْ يهلككم، ويستخلف [من] بعدكم من يَشَاء ﴿كَمَا أنشأكم من ذُرِّيَّة قوم آخَرين﴾ بِأَن (أهلكهم) وأنشأكم من بعدهمْ
﴿إِن مَا توعدون لآت﴾ أَي: كل مَوْعُود كَائِن ﴿وَمَا أَنْتُم بمعجزين﴾ أَي: فائتين عَنهُ.
(قَوْله تَعَالَى) : ﴿قل يَا قوم اعْمَلُوا على مكانتكم﴾ يَعْنِي: على تمكنكم،
﴿قوم اعْمَلُوا على مكانتكم إِنِّي عَامل فَسَوف تعلمُونَ من تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ (135) وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ من الْحَرْث والأنعام نَصِيبا فَقَالُوا هَذَا لله بزعمهم وَهَذَا لشركائنا فَمَا كَانَ لشركائهم فَلَا يصل إِلَى الله وَمَا كَانَ لله فَهُوَ يصل إِلَى شركائهم سَاءَ مَا يحكمون (136) وَكَذَلِكَ زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم﴾ وَقيل: على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمر تهديد، كَقَوْلِه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ فَكَذَلِك قَوْله ( ﴿اعْمَلُوا على مكانتكم إِنِّي عَامل﴾ فَسَوف تعلمُونَ من تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار) أَي: من يكون لَهُ الْأَمر فِي الْعَاقِبَة ﴿إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ من الْحَرْث والأنعام نَصِيبا﴾ وَكَانُوا يقسمون الْحَرْث، فيجعلون لله نَصِيبا، وللأصنام نَصِيبا، ويقسمون الْأَنْعَام، فيجعلون لله نَصِيبا، وللأصنام نَصِيبا، ثمَّ مَا جعلُوا لله، صرفوه للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، وَمَا جعلُوا للأصنام أنفقوه على الْأَصْنَام، وعَلى خدم الْأَصْنَام؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لله بزعمهم وَهَذَا لشركائنا﴾ فَأَما قَوْله: ﴿فَمَا كَانَ لشركائهم فَلَا يصل إِلَى الله وَمَا كَانَ لله فَهُوَ يصل إِلَى شركائهم﴾ معنى هَذَا: أَنهم كَانُوا إِذا قسموا الْحَرْث والأنعام كَمَا وَصفنَا، فَإِذا سقط مِمَّا جعلُوا لله من الْحَرْث شَيْء فِيمَا جَعَلُوهُ للأصنام تَرَكُوهُ، وَإِذا سقط شَيْء من نصيب الْأَصْنَام، فِيمَا جَعَلُوهُ لله ردُّوهُ إِلَى نصيب الْأَصْنَام، وَكَانَ إِذا هلك أَو انْتقصَ مِمَّا جعلُوا لله من الْأَنْعَام شَيْء؛ لم يبالوا بِهِ، وَكَانَ إِذا هلك أَو انْتقصَ من نصيب الْأَصْنَام، جبروه مِمَّا جَعَلُوهُ لله، وَقَالُوا: الله غَنِي، والصنم مُحْتَاج، وَكَانُوا إِذا أجدبوا وقحطوا؛ أكلُوا مِمَّا جَعَلُوهُ لله، وَلم يَأْكُلُوا من نصيب الْأَصْنَام.
وَقَوله: ﴿سَاءَ مَا يحكمون﴾ أَي: لم يَأْتهمْ فِيهِ وَحي، وَلَا يَقْتَضِيهِ عقل؛ فَإِن الْقيَاس يَقْتَضِي التَّسْوِيَة - على زعمهم - بَين الشَّرِيكَيْنِ، لَا مَا حكمُوا بِهِ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَكَذَلِكَ زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم شركاؤهم﴾ يَعْنِي: كَمَا زين هَذَا لأولئك الْقَوْم، فقد زين لكثير من الْمُشْركين قتل أَوْلَادهم
﴿شركاؤكم ليردوهم وليلبسوا عَلَيْهِم دينهم وَلَو شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ فذرهم وَمَا يفترون (137) وَقَالُوا هَذِه أنعام وحرث حجر لَا يطْعمهَا إِلَّا من نشَاء بزعمهم وأنعام حرمت ظُهُورهَا وأنعام لَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا افتراء عَلَيْهِ سيجزيهم بِمَا كَانُوا يفترون (138) وَقَالُوا مَا فِي بطُون هَذِه الْأَنْعَام خَالِصَة لذكورنا ومحرم على أَزوَاجنَا وَإِن يكن﴾ شركاؤهم من وأد الْبَنَات على مَا سنبين ﴿ليردوهم﴾ ليهلكوهم.
﴿وليلبسوا عَلَيْهِم دينهم﴾ أَي: ليخلطوا عَلَيْهِم دينهم؛ إِذْ كَانُوا على بَقِيَّة من مِلَّة إِبْرَاهِيم فلبسوا عَلَيْهِم دينهم بِمَا لَيْسَ مِنْهُ ﴿وَلَو شَاءَ (الله﴾ مَا فَعَلُوهُ فذرهم وَمَا يفترون) .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا هَذِه أنعام وحرث حجر﴾ أَي: حرَام ﴿لَا (يطْعمهَا﴾ إِلَّا من نشَاء بزعمهم) ثمَّ بَين (تحريمهم) ؛ فَقَالَ ﴿لَا يطْعمهَا إِلَّا من نشَاء﴾ يَعْنِي: من خدم الْأَصْنَام، وَقيل: هُوَ تَحْرِيم الْبحيرَة والسائبة على الْإِنَاث، وَلَا يطْعمهَا إِلَّا الذُّكُور.
﴿وأنعام حرمت ظُهُورهَا﴾ هِيَ الحوامي الَّتِي ذكرنَا فِي الْمَائِدَة، كَانُوا يَقُولُونَ: حمت ظُهُورهَا ﴿وأنعام لَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا﴾ قيل: ذَبَائِح كَانُوا يذبحونها باسم الْأَصْنَام لَا باسم الله - تَعَالَى - وَقيل مَعْنَاهُ: أَنهم لَا يركبون عَلَيْهَا لفعل الْخَيْر.
قَالَ أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة: مَعْنَاهُ: أَنهم لَا يحجون عَلَيْهَا وَلَا يركبونها لفعل الْحَج، إِلَّا أَنه جرت الْعَادة بِذكر اسْم الله على فعل الْخَيْر، فَعبر بِذكر اسْم الله عَن فعل الْخَيْر؛ فَقَالَ: ﴿وأنعام لَا يذكرُونَ اسْم الله عَلَيْهَا افتراء عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: افتراء على الله ﴿سيجزيهم بِمَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: جَزَاء مَا كَانُوا (يكذبُون) .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بطُون هَذِه الْأَنْعَام خَالِصَة لذكورنا﴾ يَعْنِي: الأجنة حَلَال لذكورنا، وَقَرَأَ الْأَعْمَش: " خَالص لذكورنا " قَالَ الْكسَائي: خَالص وخالصة وَاحِد، كَمَا يُقَال: وعظ موعظة، وَله نَظَائِر ﴿ومحرم على أَزوَاجنَا﴾ أَي: على نسائنا أَرَادوا بِهِ مَا سبق ذكره من أَوْلَاد الْبحيرَة والوصيلة.
﴿وَإِن يكن ميتَة﴾ يَعْنِي: وَإِن يكن مَا فِي الْبَطن ميتَة ﴿فهم فِيهِ شُرَكَاء﴾ يَعْنِي:
﴿ميتَة فهم فِيهِ شُرَكَاء سيجزيهم وَصفهم إِنَّه حَكِيم عليم (139) قد خسر الَّذين قتلوا أَوْلَادهم سفها بِغَيْر علم وحرموا مَا رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وَمَا كَانُوا مهتدين (140) وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات وَغير معروشات وَالنَّخْل وَالزَّرْع مُخْتَلفا أكله وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان متشابها وَغير متشابه كلوا من ثمره إِذا أثمر وَآتوا حَقه﴾ الذُّكُور وَالْإِنَاث، وَيقْرَأ " وَإِن تكن ميتَة " ﴿فهم فِيهِ شُرَكَاء﴾ ﴿سيجزيهم وَصفهم﴾ . أَي: جَزَاء كذبهمْ ﴿إِنَّه حَكِيم عليم﴾ .
﴿قد خسر الَّذين قتلوا أَولا دهم﴾ أَي: هلك وغبن الَّذين قتلوا أَوْلَادهم وَذَلِكَ من وأد الْبَنَات، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يدفنون الْبَنَات حَيَّة، حَتَّى كَانَ الرجل مِنْهُم يقتل وَلَده، ويربي كَلْبه.
وَكَانَ الْبَعْض يفعل ذَلِك دون الْبَعْض، وَقيل: كَانَ ذَلِك فِي قبيلتين: ربيعَة، وَمُضر، كَانَا يدفنان الْبَنَات وَهن حيات، فَأَما بَنو كنَانَة وسائرهم مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك.
﴿سفها بِغَيْر علم﴾ أَي: جهلا لَا عَن بَصِيرَة ﴿وحرموا مَا رزقهم الله﴾ (وَهُوَ) مَا ذكرنَا من تَحْرِيم أَوْلَاد الْبحيرَة، والوصيلة وَنَحْو ذَلِك (من) الحوامى، حرموها تدينا ﴿افتراء على الله﴾ لأَنهم كَانُوا يَدعُونَهُ دينا من الله - تَعَالَى - وَقد كذبُوا فِي ذَلِك عَلَيْهِ ﴿قد ضلوا وَمَا كَانُوا مهتدين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات﴾ الجنات: الْبَسَاتِين ﴿معروشات﴾ أَي: ذَات عروش، وَالْعرش: السّقف، والكروم ذَات سقوف ﴿وَغير معروشات﴾ وَمِنْهَا مَا لَا سقف لَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَشْجَار ﴿وَالنَّخْل وَالزَّرْع مُخْتَلفا أكله﴾ أَي: ثمره.
﴿وَالزَّيْتُون وَالرُّمَّان متشابها وَغير متشابه﴾ أَي: متشابها فِي [المنظر] ، يشبه أَحدهمَا الآخر فِي الْوَرق، وَغير متشابه فِي الثَّمر والطعم، وَقد بَينا هَذَا، وَقيل: هُوَ
﴿يَوْم حَصَاده وَلَا تسرفوا إِنَّه لَا يحب المسرفين (141) وَمن الْأَنْعَام حمولة وفرشا كلوا﴾ رَاجع إِلَى مَا سبق ذكره من الْكَرم، وَالنَّخْل، وَالْأَشْجَار، فَإِن بَعْضهَا يشبه بَعْضًا فِي الْوَرق وَالثَّمَر والطعم، وَمِنْهَا مَا يُخَالف بعضه بَعْضًا.
﴿كلوا من ثمره إِذا أثمر﴾ هَذَا أَمر إِبَاحَة ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ والقطاف، وَيقْرَأ: " حَصَاده " بِكَسْر الْحَاء، قيل: الْحَصاد والحصاد وَاحِد، كالجزاء وَالْجَزَاء، والقطاف والقطاف، ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا الْحق مَا هُوَ؟ قَالَ ابْن عمر، وَأَبُو الدَّرْدَاء - وَهُوَ قَول عَطاء وَمُجاهد -: إِن هَذَا الْحق كَانَ حَقًا فِي المَال سوى الْعشْر الْمَفْرُوض، وَأمر بإتيانه.
قَالَ ابْن عَبَّاس، وَأنس - وَهُوَ قَول الْحسن فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ -: إِنَّه أَرَادَ بِهِ إيتَاء الْعشْر الْمَفْرُوض، وَعَن الْحسن - فِي رِوَايَة أُخْرَى وَهُوَ قَول النَّخعِيّ، وَسَعِيد بن جُبَير -: أَن هَذَا حق كَانَ يُؤمر بإتيانه فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، ثمَّ صَار مَنْسُوخا بِإِيجَاب الْعشْر، وَالْقَوْل الأول أولى؛ لِأَن الْآيَة مَكِّيَّة، وَالزَّكَاة فرضت من بعد بِالْمَدِينَةِ، فَحَمله على حق سوى الزَّكَاة أولى.
﴿وَلَا تسرفوا﴾ أَي: لَا تنفقوا الْأَمْوَال فِي مَعْصِيّة الله، وكل من أنْفق فِي مَعْصِيّة فَهُوَ مُسْرِف، وَقيل: هُوَ إِعْطَاء الْكل، وَذَلِكَ أَن يعمد الرجل إِلَى جَمِيع زرعه ونخله فيعطي الْكل، وَيتْرك عِيَاله عَالَة.
وروى: " أَن ثَابت بن قيس بن شماس صرم خَمْسمِائَة نَخْلَة كَانَت لَهُ، فَأعْطى الْكل؛ فَنزلت الْآيَة ﴿وَلَا تسرفوا إِنَّه لَا يحب المسرفين﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن الْأَنْعَام حمولة وفرشا﴾ أَي: وَأَنْشَأَ من الْأَنْعَام حمولة وفرشا، قَالَ مُجَاهِد: الحمولة: الْإِبِل الْكِبَار الَّتِي يحمل عَلَيْهَا، والفرش: الصغار، وَقَالَ الضَّحَّاك: الحمولة: الْإِبِل وَالْبَقر، والفرش: [الْغنم] ، قَالَ الشَّاعِر:
﴿مِمَّا رزقكم الله وَلَا تبعوا خطوَات الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين (142) ثَمَانِيَة أَزوَاج من الضَّأْن اثْنَيْنِ وَمن الْمعز اثْنَيْنِ قل آلذكرين حرم أم الْأُنْثَيَيْنِ أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ نبئوني بِعلم إِن كُنْتُم صَادِقين (143) وَمن الْإِبِل اثْنَيْنِ وَمن الْبَقر اثْنَيْنِ قل آلذكرين حرم أم الْأُنْثَيَيْنِ أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُم الله﴾ (أورثني حمولة وفرشا ... أَمسهَا فِي كل يَوْم مسا) أَي: أمسحها فِي كل يَوْم ﴿كلوا مِمَّا رزقكم الله وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان﴾ أَي: آثَار الشَّيْطَان، وخطاياه، وَهُوَ تخطية من الْحَلَال إِلَى الْحَرَام ( ﴿إِنَّه لكم عَدو مُبين﴾ ثَمَانِيَة أَزوَاج) إِنَّمَا نصب ثَمَانِيَة؛ لِأَن قَوْله ﴿ثَمَانِيَة﴾ بدل عَن قَوْله: ﴿حمولة وفرشا﴾ ، وَقَوله: ( ﴿ثَمَانِيَة أَزوَاج من الضَّأْن اثْنَيْنِ وَمن الْمعز اثْنَيْنِ﴾ وَمن الْإِبِل اثْنَيْنِ وَمن الْبَقر اثْنَيْنِ) . هَذَا فِي الْحَقِيقَة أَرْبَعَة أَزوَاج، كل زوج اثْنَان، لِأَن الْعَرَب تسمي الْوَاحِد زوجا إِذا كَانَ لَا يَنْفَكّ عَن غَيره، قَالَ الله - تَعَالَى -: ﴿وَمن كل شَيْء خلقنَا زَوْجَيْنِ﴾ . ﴿قل آلذكرين حرم أم الْأُنْثَيَيْنِ أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هَذَا فِي تحريمهم الوصيلة والبحيرة وَنَحْوهَا، وَالْآيَة فِي الِاحْتِجَاج عَلَيْهِم، وَمعنى هَذَا: أَن الَّذِي تدعون على الله من تَحْرِيمهَا إِن كَانَ بِسَبَب الذُّكُورَة، فَيَنْبَغِي أَن تحرم كل الذُّكُور، وَإِن كَانَ التَّحْرِيم بِسَبَب الْأُنُوثَة؛ فَيَنْبَغِي أَن تحرم كل الْإِنَاث، وَإِن كَانَ باشتمال الرَّحِم عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَن يحرم كل مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ الرَّحِم، فَأَما تَخْصِيص التَّحْرِيم بِالْوَلَدِ السَّابِع وَالْخَامِس فَمن أَيْن؟ ! ﴿نبؤني بِعلم﴾ أخبروني بِعلم (إِن كَانَ لكم بِهِ علم) ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ .
﴿وَمن الْإِبِل اثْنَيْنِ وَمن الْبَقر اثْنَيْنِ قل آلذكرين حرم أم الْأُنْثَيَيْنِ أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هَذَا فِي تحريمهم أَوْلَاد الْبحيرَة من الْبَطن الْخَامِس، كَمَا سبق، وَوجه الِاحْتِجَاج عَلَيْهِم مَا بَينا.
﴿بِهَذَا فَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا ليضل النَّاس بِغَيْر علم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (144) قل لَا أجد فِي مَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْس أَو فسقا أهل لغير الله بِهِ فَمن اضْطر غير بَاغ﴾ ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُم الله بِهَذَا﴾ فَمَعْنَاه: أَنكُمْ قُلْتُمْ ذَلِك عَن علم لكم؟ فَأَخْبرُونِي بِهِ ﴿أم نزل [عَلَيْكُم] بِهِ وَحي؟ أم أَمركُم الله بِهِ عيَانًا؟ {فَمن اظلم مِمَّن افترى على الله كذبا ليضل النَّاس بِغَيْر علم﴾ فَبين الله يَعْنِي: أَنهم كاذبون بِهِ ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ . وَفِي الْخَبَر: " أَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ جَاءَ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أبحت مَا حرمنا} وَحرمت مَا أبحنا - يَعْنِي: الْميتَة - فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِه الْآيَات؛ فَعرف الْحجَّة، وَسكت عَنهُ ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا أجد فِي مَا أُوحِي إِلَيّ محرما﴾ سَبَب هَذَا أَنهم قَالُوا: فَمَا الْمحرم إِذا؟ فَنزل قَوْله: قل يَا مُحَمَّد: لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما ﴿على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحا أَو لحم خِنْزِير﴾ .
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي هَذَا؛ فَذَهَبت عَائِشَة، وَابْن عَبَّاس إِلَى أَن التَّحْرِيم مَقْصُور على هَذِه الْأَشْيَاء، وَبِه قَالَ مَالك، وَقَالُوا: قَوْله: ﴿إِلَّا ان يكون ميتَة﴾ دخل فِيهِ المنخنقة والموقوذة، وَمَا عد فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَمَالك يعد مَا سواهَا مَكْرُوها وَلَا يعده حَرَامًا، وَجُمْهُور الْعلمَاء على أَن التَّحْرِيم [يعدو] هَذِه الْأَشْيَاء؛ إِلَّا أَن الْبَعْض ثَبت بِالْكتاب، وَالْبَعْض بِالسنةِ، وَالْكل حرَام.
وَقد ثَبت: " أَنه نهى عَن كل ذِي نَاب من السبَاع و [عَن] كل ذِي مخلب من الطير " ﴿فَإِنَّهُ رِجْس﴾ أَي: نَتن ﴿أَو فسقا أهل لغير الله بِهِ﴾ وَهُوَ الْمَذْبُوح على اسْم الصَّنَم، سمى ذَلِك فسقا؛
﴿وَلَا عَاد فَإِن رَبك غَفُور رَحِيم (145) وعَلى الَّذين هادوا حرمنا كل ذِي ظفر وَمن الْبَقر وَالْغنم حرمنا عَلَيْهِم شحومهما إِلَّا مَا حملت ظهورهما أَو الحوايا أَو مَا اخْتَلَط بِعظم ذَلِك جزيناهم ببغيهم وَإِنَّا لصادقون (146) فَإِن كَذبُوك فَقل ربكُم ذُو رَحْمَة وَاسِعَة وَلَا﴾ لِلْخُرُوجِ عَن أَمر الله - تَعَالَى -. ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَإِن رَبك غَفُور رَحِيم﴾ وَقد ذكرنَا هَذَا.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وعَلى الَّذين هادوا حرمنا كل ذِي ظفر﴾ يَعْنِي: حرمنا على الْيَهُود كل ذِي ظفر، قيل: هُوَ الْبَعِير والنعامة، وَيدخل فِيهِ الأوز والبط.
﴿وَمن الْبَقر وَالْغنم حرمنا عَلَيْهِم شحومهما إِلَّا مَا حملت ظهورهما﴾ أما تَحْرِيم الشحوم عَلَيْهِم: كَانَ ذَلِك عَن الثروب وشحم الكليتين، وَقد قَالَ " لعن الله الْيَهُود حرم عَلَيْهِم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنهَا ".
وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا حملت ظهورهما﴾ أَي: شَحم مَا حملت ظهورهما لم يحرم عَلَيْهِم ﴿أَو الحوايا﴾ تَقْدِيره: والحوايا، أَي: شَحم المباعر ﴿أَو مَا اخْتَلَط بِعظم﴾ أَي: وشحم مَا اخْتَلَط بِعظم، قيل: هُوَ الإلية، وَقيل: هُوَ شَحم الْجنب، ثمَّ اخْتلفُوا، أَن الْكل هَل يدْخل فِي الِاسْتِثْنَاء؟ قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا يدْخل فِي الِاسْتِثْنَاء شَحم الظُّهُور فَحسب، فَأَما قَوْله: ﴿أَو الحوايا أَو مَا اخْتَلَط بِعظم﴾ رَاجع إِلَى التَّحْرِيم، وَالصَّحِيح: أَن الْكل يدْخل فِي الِاسْتِثْنَاء، وَهُوَ ظَاهر الْآيَة.
﴿ذَلِك جزيناهم ببغيهم﴾ أَي: [بظلمهم] ﴿وَإِنَّا لصادقون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَإِن كَذبُوك فَقل ربكُم ذُو رَحْمَة وَاسِعَة﴾ فَإِن قيل: مَا معنى هَذَا، وَإِنَّمَا يَلِيق بتكذيبهم وَعِيد الْعَذَاب لَا وعد الرَّحْمَة؟ قَالَ ثَعْلَب: هُوَ الرَّحْمَة
﴿يرد بأسه عَن الْقَوْم الْمُجْرمين (147) سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون (148) قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ (149) قل هَلُمَّ شهداءكم الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا فَإِن شهدُوا فَلَا تشهد مَعَهم وَلَا تتبع أهواء الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ﴾ بِتَأْخِير الْعَذَاب عَنْهُم، لَا بترك أصل الْعَذَاب، وَهَذَا حسن، بِدَلِيل قَوْله: ﴿وَلَا يرد بأسه عَن الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ يَعْنِي: فِي الْقِيَامَة، إِذا [جَاءَ] وقته؛ فَسئلَ ثَعْلَب: أَلَيْسَ أَن الله - تَعَالَى - قد عذب الْكفَّار فِي الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: هَذَا فِي الْكفَّار من قوم نَبينَا مُحَمَّد لم يعذبهم الله؛ ببركته فيهم، كَمَا قَالَ: ( ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للعاملين) .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم حَتَّى ذاقوا بأسنا﴾ اسْتدلَّ أهل الْقدر بِهَذِهِ الْآيَة؛ فَإِنَّهُم لما قَالُوا: لَو شَاءَ الله مَا أشركنا؛ كذبهمْ الله - تَعَالَى - ورد قَوْلهم فَقَالَ: ﴿كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم﴾ قيل: معنى الْآيَة: أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ الْحق إِلَّا أَنهم كَانُوا (يعدون) ذَلِك عذر لَهُم، ويجعلونه حجَّة لأَنْفُسِهِمْ فِي ترك الْإِيمَان، فالرد عَلَيْهِم كَانَ فِي هَذَا بِدَلِيل
قَوْله - تَعَالَى - بعده: ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة﴾ أَي: الْحجَّة بِالْأَمر وَالنَّهْي بَاقِيَة لَهُ عَلَيْهِم، وَإِن شَاءَ أَن يشركوا.
﴿فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ وَلَو لم يحمل على هَذَا؛ لَكَانَ هَذَا مناقضة للْأولِ، وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: إِن الله أمرنَا بالشرك، كَمَا قَالَ فِي الْأَعْرَاف: {وَإِذا فعلوا
﴿بِالآخِرَة وهم برَبهمْ يعدلُونَ (150) قل تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم أَلا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ فَاحِشَة قَالُوا وجدنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أمرنَا بهَا) وَكَأن قَوْله: ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا﴾ أَي: هُوَ الَّذِي أمرنَا بالشرك؛ فالرد فِي هَذَا لَا فِي حُصُول الشّرك بمشيئته، فَإِنَّهُ حق وَصدق، وَبِه يَقُول أهل السّنة.
﴿قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا﴾ أَي: من كتاب، فتخرجوه لنا حَتَّى يظْهر مَا تدعون على الله (من أمره بالشرك) ﴿إِن تتبعون إِلَّا الظَّن﴾ يَعْنِي: أَنكُمْ تَقولُونَ مَا تَقولُونَ ظنا لَا عَن بَصِيرَة ﴿وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون﴾ أَي: تكذبون ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل هَلُمَّ شهداءكم﴾ أَي: ائْتُوا بشهدائكم ﴿الَّذين يشْهدُونَ أَن الله حرم هَذَا﴾ هَذَا رَاجع إِلَى مَا تقدم من تحريمهم الْأَشْيَاء على أنفسهم بِغَيْر أَمر الله، وَادعوا أَنه من أَمر الله.
﴿فَإِن شهدُوا فَلَا تشهد مَعَهم﴾ يَعْنِي: فَإِن شهدُوا كاذبين، فَلَا تشهد مَعَهم ﴿وَلَا تتبع أهواء الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة وهم برَبهمْ يعدلُونَ﴾ أَي: يشركُونَ.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ لأَنهم سَأَلُوهُ أيش الَّذِي حرم الله - تَعَالَى -؟ فَنزل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل تَعَالَوْا أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الله - تَعَالَى - مَا حرم ترك الشّرك بل أَمر ربه، فَمَا معنى قَوْله: ﴿أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ ؟ .
فِيهِ جوابان: أَحدهمَا: أَن قَوْله " لَا " صلَة، وَتَقْدِيره ": أَن تُشْرِكُوا؛ فعلى هَذَا استقام الْكَلَام.
وَالثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿ [تَعَالَوْا] أتل مَا حرم ربكُم﴾ كَلَام تَامّ.
(ثمَّ) قَوْله:
﴿شَيْئا وبالوالدين إحسانا وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم من إملاق نَحن نرزقكم وإياهم وَلَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تعقلون (151) وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن حَتَّى يبلغ أشده﴾ ﴿عَلَيْكُم أَلا تُشْرِكُوا﴾ ابْتِدَاء كَلَام.
وَإِذا قدر هَكَذَا استقام الْكَلَام أَيْضا، ثمَّ قَوْله ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أَي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا.
﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم من إملاق﴾ قَالَ المؤرج: الإملاق: الْجُوع بلغَة حمير، وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَن الإملاق: الْفقر ﴿نَحن نرزقكم وإياهم﴾ أَي: رزق الْكل علينا؛ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ خوف الْجُوع والفقر.
﴿وَلَا تقربُوا الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن﴾ هَذَا نهي عَن أَنْوَاع الزِّنَا سرا وعلنا، وَكَانَت الزواني فِي الْجَاهِلِيَّة على نحوين: كَانَت لبَعْضهِم رايات على الْأَبْوَاب، علما لمن أَرَادَ الزِّنَا؛ كن يَزْنِين علنا، وأخريات كن يَزْنِين سرا.
فَهَذَا المُرَاد بالفواحش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن.
﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ نهى عَن الْقَتْل بالظلم، وأباح الْقَتْل بِالْحَقِّ، وَهُوَ مُفَسّر فِي قَول النَّبِي: " لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث: كفر بعد إِيمَان، أَو زنا بعد إِحْصَان، أَو قتل نفس بِغَيْر نفس " ﴿ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ قد سبق الْكَلَام على قرْبَان مَال الْيَتِيم فِي سُورَة النِّسَاء.
﴿حَتَّى يبلغ أشده﴾ قَالَ السّديّ: أشده ثَلَاثُونَ سنة.
وَقَالَ غَيره: أَوَان الْحلم.
وَقيل: هُوَ استكمال الْقُوَّة، وَسَيَأْتِي شَرحه فِي مَوضِع بعده.
﴿وأوفوا الْكَيْل وَالْمِيزَان بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ ﴿لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ أَي:
﴿وأوفوا الْكَيْل وَالْمِيزَان بِالْقِسْطِ لَا نكلف نفسا إِلَّا وسعهَا وَإِذا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَو كَانَ ذَا قربى وبعهد الله أَوْفوا ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ (152) وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (153) ثمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب تَمامًا على الَّذِي أحسن وتفصيلا لكل شَيْء وَهدى﴾ طاقتها ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَو كَانَ ذَا قربى﴾ أَي: فاصدقوا، وَلَو كَانَ على الْقَرِيب ﴿وبعهد الله أَوْفوا ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ .
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ﴾ يقْرَأ: وَأَن - بِالتَّشْدِيدِ - فَيكون رَاجعا إِلَى قَوْله: ﴿أتل مَا حرم ربكُم عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي: وأتل عَلَيْكُم: أَن هَذَا صِرَاطِي، وَيقْرَأ: وَأَن - بالتخفبف - فَيكون صلَة، وَتَقْدِيره هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا.
﴿فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل﴾ بِمَعْنى: سَائِر الْملَل سوى مِلَّة الْإِسْلَام وَقيل: هُوَ الْأَهْوَاء والبدع ﴿فَتفرق بكم عَن سَبيله﴾ أَي: فَتفرق بكم عَن سَبيله.
﴿ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَقد صَحَّ بِرِوَايَة ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي: " انه خطّ خطا، وَخط حواليه خُطُوطًا، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْخط الْأَوْسَط؛ فَقَالَ: وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ، ثمَّ أَشَارَ إِلَى الخطوط حوله؛ فَقَالَ: لَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ".
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ثمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿ثمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ بعد ذكر مُحَمَّد، ومُوسَى أُوتِيَ الْكتاب قبله، وَكَلمه " ثمَّ "