تفسير السمعانيصفحات 247-256
أهل الأثرالأرشيف العلمي

العنكبوت

صفحات 247-256
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نسيتم لِقَاء يومكم هَذَا﴾ أَي: بِمَا تركْتُم من التَّصْدِيق بلقاء يومكم هَذَا.
وَقَوله: ﴿إِنَّا نسيناكم﴾ أَي تركناكم من الْخَيْر وَالرَّحْمَة، وَقيل: تركناكم فِي الْعَذَاب.
وَقَوله: ﴿وذوقوا عَذَاب الْخلد بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ أَي: الْعَذَاب الدَّائِم جَزَاء على

﴿بِآيَاتِنَا الَّذين إِذا ذكرُوا بهَا خروا سجدا وسبحوا بِحَمْد رَبهم وهم لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع يدعونَ رَبهم خوفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ (16) ﴾ عَمَلكُمْ.
وَحكى عَن قَتَادَة أَنه قَالَ فِي قَوْله: ﴿وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ أَي: بِذُنُوبِهِمْ.
قَالَ الْأَزْهَرِي: وَهُوَ كَمَا قَالَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤمن بِآيَاتِنَا الَّذين إِذا ذكرُوا بهَا﴾ أَي: إِذا دعوا إِلَى الصَّلَوَات الْخمس أجابوا إِلَيْهَا، حَكَاهُ أَبُو معَاذ النَّحْوِيّ، وَيُقَال: إِذا وعظوا بآيَات الله اتعظوا.
وَقَوله: ﴿خروا سجدا﴾ أَي: وَقَعُوا سجدا، والخرور فِي اللُّغَة: هُوَ السُّقُوط، وَعَن حَكِيم بن حزَام قَالَ: " بَايَعت رَسُول الله أَن لَا أخر إِلَّا قَائِما " أَي: لَا أَمُوت إِلَّا وَأَنا ثَابت على الْإِسْلَام، وَقَوله: ﴿وسبحوا بِحَمْد رَبهم﴾ أَي: وصلوا بِأَمْر رَبهم.
وَيُقَال: سبحوا [الله] وحمدوه.
وَقَوله: ﴿وهم لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَي: لَا يتكبرون، وَيُقَال: من سجد لله فقد طرح التكبر عَن رَأسه، وَفِي بعض الْأَخْبَار: من سجد لله سَجْدَة رَفعه الله بهَا دَرَجَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جنُوبهم﴾ أَي: تنبوا وترتفعوا، وَمَعْنَاهُ: أَنهم يتركون الْمضَاجِع ويقومون إِلَى الصَّلَاة، قَالَ حسان بن ثَابت: (يبيت يُجَافِي جنبه عَن فرَاشه ... إِذا استثقلت بالمشركين الْمضَاجِع) وَاخْتلف القَوْل فِي هَذِه الْآيَة، فروى عَن عَطاء أَنه قَالَ: كَانُوا لَا ينامون حَتَّى يصلوا الْعَتَمَة، فَانْزِل الله هَذِه الْآيَة.
وَعَن الْحسن وَقَتَادَة قَالَا: هُوَ الصَّلَاة بَين الْمغرب وَالْعشَاء.
وَقَالَ الضَّحَّاك: إِذا استيقظوا ذكرُوا الله وسبحوه.
وَعَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي ذَر وَعبادَة بن الصَّامِت رَضِي الله عَنْهُم أَنهم قَالُوا: هُوَ

﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ (17) أَفَمَن كَانَ﴾ صَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة وَالْفَجْر فِي جمَاعَة.
وَأشهر الْأَقَاوِيل: أَن المُرَاد مِنْهُ صَلَاة اللَّيْل، قَالَه مُجَاهِد وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَجَمَاعَة.
وَعَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عَلَيْكُم بِصَلَاة اللَّيْل، فَإِنَّهَا دأب الصَّالِحين قبلكُمْ ". وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِي عبد الله بن عمر: نعم الرجل عبد الله لَو كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَلم يتْرك بعد ذَلِك صَلَاة اللَّيْل حَتَّى توفاه الله تَعَالَى ". وَفِي حَدِيث معَاذ بن جبل أَن النَّبِي قَالَ: " الصَّوْم جنَّة، وَالصَّدَََقَة تكفر الْخَطِيئَة، وَالصَّلَاة جَوف اللَّيْل، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: (تَتَجَافَى جنُوبهم عَن الْمضَاجِع) ". وَقَوله: ﴿يدعونَ رَبهم خوفًا وَطَمَعًا﴾ أَي: خوفًا من النَّار، وَطَمَعًا فِي الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ يُقَال: إِن المُرَاد مِنْهَا الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة، وَيُقَال: الصَّدَقَة والتطوع.

﴿مُؤمنا كمن كَانَ فَاسِقًا لَا يستوون (18) أما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فَلهم جنَّات﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ وَقُرِئَ: " قرات أعين ". وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن ابي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ، وَلَا أذن سَمِعت، وَلَا خطر على قلب بشر، فاقرءوا إِن شِئْتُم قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام: أخبرنَا بِهَذَا بِالْحَدِيثِ أَبُو عَليّ الشَّافِعِي، أخبرنَا أَبُو الْحسن بن [فراس] أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن الْمُقْرِئ، أخبرنَا جدي مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد الْمُقْرِئ، أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن أبي الزِّنَاد.
. الْخَبَر.
وَقَوله: ﴿من قُرَّة أعين﴾ أَي: مَا تقر بِهِ أَعينهم، وَحكى النقاش فِي تَفْسِيره عَن مُوسَى بن يسَار قَالَ: يمْكث الْمُؤمن فِي الْجنَّة مَعَ زَوجته حينا، فَتَطلع عَلَيْهِ أُخْرَى، فَتَقول لَهُ: أما آن يكون لنا مِنْك دولة؟ فَيَقُول لَهَا: من أَنْت؟ فَتَقول: أَنا من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعلم نفس مَا اخفي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ فَينْتَقل إِلَيْهَا وَيمْكث مَعهَا حينا، فتشرف عَلَيْهِ أُخْرَى، وَتقول مثل مَا قَالَت الأولى، فَيَقُول لَهَا: من أَنْت؟ فَتَقول: أَنا من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ولدينا مزِيد﴾ . وَعَن ابْن سِيرِين قَالَ: مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين: هُوَ النّظر إِلَى الله تَعَالَى.
(وَعَن بَعضهم) قَالَ: أخفوا أَعْمَالهم فأخفى الله ثوابهم.
قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: الْخفية بالخفية، وَالْعَلَانِيَة بالعلانية.
وَقَوله: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

﴿المأوى نزلا بِمَا كَانُوا يعْملُونَ (19) وَأما الَّذين فسقوا فمأواهم النَّار كلما أَرَادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا أعيدوا فِيهَا وَقيل لَهُم ذوقوا عَذَاب النَّار الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون (20) ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر لَعَلَّهُم يرجعُونَ (21) وَمن أظلم﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤمنا كمن كَانَ فَاسِقًا﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن الْآيَة نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب والوليد بن عقبَة بن أبي معيط، وَذكر بَعضهم: عقبَة، وَالأَصَح هُوَ الأول.
قَالَ الْوَلِيد: أَنا أحد مِنْك سِنَانًا، وأبسط مِنْك لِسَانا، وَأَمْلَأُ مِنْك للكتيبة.
فَقَالَ لَهُ عَليّ: اسْكُتْ، إِنَّمَا انت فَاسق، فَانْزِل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقد بَينا أَن ثَلَاث آيَات من هَذِه السُّورَة نزلت بِالْمَدِينَةِ، وَهِي من هَذِه الْآيَة إِلَى آخر الثَّلَاث، وَاسْتدلَّ أهل الاعتزال بِهَذِهِ الاية فِي القَوْل بالمنزلة بَين المنزلتين، وَأَن الْفَاسِق لَا يكون مُؤمنا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِم ظَاهر.
وَأما الْفَاسِق هَا هُنَا بِمَعْنى الْكَافِر.
وَقَالَ بَعضهم: سَمَّاهُ فَاسِقًا على مُوَافقَة قَول عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَقيل: إِن الْآيَة على الْعُمُوم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يستوون﴾ أَي: لَا يستوون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فَلهم جنَّات المأوى نزلا بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَي: عَطاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ، وجنات المأوى هِيَ الجنات الَّتِي يأوي الْمُؤْمِنُونَ إِلَيْهَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما الَّذين فسقوا فمأواهم النَّار﴾ أَي: [يأوون] إِلَى النَّار، ويأوون: يَنْقَلِبُون.
وَقَوله: ﴿كلما أَرَادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا أعيدوا فِيهَا﴾ فِي بعض التفاسير: أَن لِجَهَنَّم ساحلا كساحل الْبَحْر، فَيخرج الْكفَّار إِلَيْهِ فَتحمل عَلَيْهِم حيات لَهَا أَنْيَاب كالنخيل، فيرجعون إِلَى النَّار ويستغيثون بهَا.
وَقَوله: ﴿وَقيل لَهُم ذوقوا عَذَاب النَّار الَّذِي كُنْتُم بِهِ تكذبون﴾ والأثر الَّذِي ذَكرْنَاهُ أوردهُ أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس فِي تَفْسِيره.

﴿مِمَّن ذكر بآيَات ربه ثمَّ أعرض عَنْهَا إِنَّا من الْمُجْرمين منتقمون (22) وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب فَلَا تكن فِي مرية من لِقَائِه وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل (23) وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّة﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: هُوَ الْجُوع الَّذِي أصَاب الْكفَّار حَتَّى أكلُوا الميتات والجيف، وَذَلِكَ بِمَا دَعَا عَلَيْهِم رَسُول الله من السنين، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: هُوَ الْقَتْل ببدر، وَعَن جمَاعَة من التَّابِعين أَنهم قَالُوا: هُوَ المصائب.
وَعَن بَعضهم: هُوَ الْحُدُود، وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد: الْعَذَاب الْأَدْنَى هُوَ غلاء السّعر، وَالْعَذَاب الْأَكْبَر هُوَ خُرُوج الْمهْدي بِالسَّيْفِ.
وعَلى أَقْوَال من ذكرنَا من قبل الْعَذَاب الْأَكْبَر: يَوْم الْقِيَامَة، ونعوذ بِاللَّه مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿دون الْعَذَاب الْكبر﴾ أَي: سوى الْعَذَاب الْأَكْبَر.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يرجعُونَ﴾ أَي: يرجعُونَ عَن الْكفْر.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أظلم مِمَّن ذكر بآيَات ربه﴾ أَي: وعظ بآيَات ربه، وآيات ربه هُوَ الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿ثمَّ أعرض عَنْهَا إِنَّا من لمجرمين منتقمون﴾ روى معَاذ أَن النَّبِي قَالَ: " ثَلَاث من فعلهن فَهُوَ مجرم، من عقد لِوَاء بِغَيْر حق فَهُوَ مجرم وَمن مَشى مَعَ ظَالِم لِيَنْصُرهُ فَهُوَ مجرم، وَمن عق وَالِديهِ فَهُوَ مجرم، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا من الْمُجْرمين منتقمون﴾ ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ أَي: التَّوْرَاة.
وَقَوله: ﴿فَلَا تكن فِي مرية من لِقَائِه﴾ أَي: فِي شكّ فِي لِقَائِه، وَفِي مَعْنَاهُ أقاويل:

﴿يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يوقنون (24) إِن رَبك هُوَ يفصل بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَو لم يهد لَهُم كم أهلكنا من قبلهم من الْقُرُون﴾ أَحدهَا: مَا روى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَن مَعْنَاهُ: فَلَا تكن فِي شكّ من لقائك مُوسَى، وَقد كَانَ لقِيه لَيْلَة الْإِسْرَاء.
وَفِي الْخَبَر ان النَّبِي قَالَ: " رَأَيْت مُوسَى آدم طوَالًا جعد الشّعْر كَأَنَّهُ من رجال شنُوءَة، وَرَأَيْت عِيسَى رجلا ربعَة إِلَى الْحمرَة سبط الشّعْر ... " وَالْخَبَر طَوِيل.
وَالْقَوْل الثَّانِي: فَلَا تكن فِي مرية من لِقَائِه أَي: من لِقَاء مُوسَى الْكتاب، ولقاء مُوسَى الْكتاب: تلقيه بِالْقبُولِ، ذكره الزّجاج وَغَيره، وَالْقَوْل الثَّالِث: فَلَا تكن فِي مرية من لِقَاء مُوسَى ربه، حَكَاهُ النقاش، وَفِي الْآيَة قَول رَابِع: وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل.
وَقَوله: ﴿فَلَا تكن فِي مرية من لِقَائِه﴾ رَاجع إِلَى مَا سبق من قَوْله تَعَالَى: ﴿ولنذيقنهم من الْعَذَاب الْأَدْنَى دون الْعَذَاب الْأَكْبَر﴾ وَمَعْنَاهُ: فَلَا تكن فِي مرية من لِقَاء يَوْم الْعَذَاب، وَالله أعلم.
﴿وجعلناه هدى لبني إِسْرَائِيل﴾ يُقَال: إِنَّه رَاجع إِلَى مُوسَى، وَيُقَال: رَاجع إِلَى الْكتاب.

وَقَوله: ﴿وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّة﴾ أَي: قادة إِلَى الْخَيْر، وَقَالَ بَعضهم: هم الْأَنْبِيَاء، وَقَالَ بَعضهم: أَتبَاع الْأَنْبِيَاء.
وَقَوله: ﴿يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا﴾ أَي: يرشدون بوحينا لما صَبَرُوا، وَقُرِئَ " لما صَبَرُوا " أَي: عَن الْمعاصِي، وَقيل: عَن شهوات الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يوقنون﴾ أَي: يصدقون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَبك هُوَ يفصل بَينهم يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَي: يحكم بَينهم حكم الْفَصْل.
وَقَوله: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

﴿يَمْشُونَ فِي مساكنهم إِن فِي ذَلِك لآيَات أَفلا يسمعُونَ (26) أَو لم يرَوا أَنا نسوق المَاء إِلَى الأَرْض الجرز فنخرج بِهِ زرعا تَأْكُل مِنْهُ أنعامهم وأنفسهم أَفلا يبصرون (27) وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْفَتْح إِن كُنْتُم صَادِقين (28) قل يَوْم الْفَتْح لَا ينفع الَّذين كفرُوا﴾

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يهد لَهُم﴾ مَعْنَاهُ: أَو لم يبين لَهُم مُحَمَّد؟ وَقيل: الْكتاب، وَقُرِئَ: " أَو لم نهد لَهُم " أَي: نبين لَهُم.
وَقَوله: ﴿كَمَا أهلكنا من قبلهم من الْقُرُون يَمْشُونَ فِي مساكنهم﴾ أَي: يمشي أهل مَكَّة فِي مساكنهم.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات أَفلا يسمعُونَ﴾ أَي: سَماع قبُول.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرَوا أَنا نسوق المَاء إِلَى الأَرْض الجرز﴾ أَي: الْيَابِس الَّذِي لَا ينْبت شَيْئا، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ ارْض بِالْيمن، وَقَالَ مُجَاهِد: بأندلس، وَيُقَال: الأَرْض الجرز هُوَ الَّذِي أكل زَرعهَا وَلم يبْق فِيهَا شَيْء.
وَقَوله: ﴿فنخرج بِهِ زرعا تَأْكُل مِنْهُ أنعامهم﴾ يَعْنِي: من العشب والتبن.
وَقَوله: ﴿وأنفسهم﴾ من الْحِنْطَة وَالشعِير وَسَائِر الأقوات.
وَقَوله: ﴿أَفلا يبصرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْفَتْح عَن كُنْتُم صَادِقين﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهمَا: أَن الْفَتْح هُوَ فتح مَكَّة.
وَالْآخر: أَنه الْقَتْل بِالسَّيْفِ.
وَالثَّالِث: هُوَ يَوْم الْقِيَامَة.
وَالرَّابِع: هُوَ قَضَاء الله بَين الْعباد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يَوْم الْفَتْح لَا ينفع الَّذين كفرُوا إِيمَانهم﴾ يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة.
وَمن حمل الْفَتْح على فتح مَكَّة أَو الْقَتْل بِالسَّيْفِ يَوْم بدر، فَقَالَ: معنى قَوْله: ﴿لَا ينفع الَّذين كفرُوا إِيمَانهم﴾ ، أَي: بعد الْمَوْت.
وَقَوله: ﴿وَلَا هم ينظرُونَ﴾ أَي: يمهلون ليتوبوا أَو يعتذروا، وَقد كَانُوا يمهلون فِي

{إِيمَانهم وَلَا هم ينظرُونَ (29) فاعرض عَنْهُم وانتظر إِنَّهُم منتظرون (30) . الدُّنْيَا ليتوبوا أَو يعتذروا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَعْرض عَنْهُم﴾ هَذِه الْآيَة قبل آيَة السَّيْف، وَقد نسختها آيَة السَّيْف، وَيُقَال: فَأَعْرض عَن أذاهم وَإِن أذوك.
وَقَوله: ﴿وانتظر إِنَّهُم منتظرون﴾ أَي: وانتظر عَذَابهمْ ووعيدنا فيهم فَإِنَّهُم منتظرون.
كَذَلِك فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿إِنَّهُم منتظرون﴾ الْعَذَاب، وَمَا كَانُوا آمنُوا بِالْعَذَابِ؟ وَالْجَوَاب: لما كَانَ الله تَعَالَى وعدهم بِالْعَذَابِ، وَكَانَ ذَلِك واصلا إِلَيْهِم لَا محَالة؛ سماهم: منتظرين على مجَاز الْكَلَام، وَيُقَال: فَإِنَّهُم منتظرون: أَي موتك وحوادث الدَّهْر لَك؛ ليستريحوا مِنْك.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿يَا أَيهَا النَّبِي اتَّقِ الله وَلَا تُطِع الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ إِن الله كَانَ عليما حكيما (1) وَاتبع مَا يُوحى إِلَيْك من رَبك إِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا (2) وتوكل على الله﴾ تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب

وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَول الْجَمِيع

﴿يَا أَيهَا النَّبِي اتَّقِ الله﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: (أَي) دم على التَّقْوَى، كَالرّجلِ يَقُول لغيره وَهُوَ قَائِم قُم هَا هُنَا أَي: اثْبتْ قَائِما، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْخطاب مَعَ الرَّسُول، وَالْمرَاد أمته.
وَقيل أَيْضا فِي الْآيَة: ﴿اتَّقِ الله﴾ أَي: استكثر من أَسبَاب التَّقْوَى، وَالتَّقوى: هِيَ الْعَمَل بِطَاعَة الله رَجَاء رَحْمَة الله على نور من الله، وَترك مَعْصِيّة الله خوف عَذَاب الله على نور من الله، وَفِي الْآيَة قَول رَابِع: وَهُوَ مَا رُوِيَ أَن أَبَا سُفْيَان وَعِكْرِمَة بن أبي جهل وَأَبا الْأَعْوَر السّلمِيّ قدمُوا الْمَدِينَة فِي مُدَّة الْهُدْنَة، وطلبوا من رَسُول الله أَشْيَاء كريهة؛ فهم رَسُول الله والمسلمون أَن يقتلوهم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي اتَّقِ الله﴾ يَعْنِي: لَا تنقض الْعَهْد الَّذِي بَيْنك وَبينهمْ، ذكره الضَّحَّاك.
وَقَوله: ﴿وَلَا تُطِع الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أى: الْكَافرين من أهل مَكَّة، وَالْمُنَافِقِينَ من أهل الْمَدِينَة.
وَقَوله: ﴿إِن الله كَانَ عليما حكيما﴾ أَي: عليما بخلقه قبل أَن يخلقهم، حكيما فِيمَا دبره لَهُم.

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَاتبع مَا يُوحى إِلَيْك من رَبك﴾ أَي: من الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿إِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ أَي: خَبِيرا بأعمالكم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وتوكل على الله﴾ أَي: ثق بِاللَّه.

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل