العنكبوت
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿عزم الْأُمُور (17) وَلَا تصعر خدك للنَّاس وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا إِن الله لَا يحب﴾ نَفسه؟ قَالَ: يتَحَمَّل من الْبلَاء مَا لَا يُطيق ". وَفِي هَذَا الْخَبَر رخصَة فِي ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ على السلاطين والظلمة إِذا خشِي الْهَلَاك، وَإِن أَمر بِالْمَعْرُوفِ فَقتل فَهُوَ شَهِيد.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أفضل الْجِهَاد كلمة حق عِنْد سُلْطَان جَائِر ".
وَرُوِيَ عَن الني أَنه قَالَ: " سيد الشُّهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة حَمْزَة بن عبد الْمطلب، ثمَّ رجل قَامَ إِلَى سُلْطَان يخَاف مِنْهُ ويرجو، فَأمره بِمَعْرُوف أَو نَهَاهُ عَن مُنكر، فَقتله على ذَلِك ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصعر خدك للنَّاس﴾ أيك لَا تعرض عَنْهُم تكبرا.
والصعر هُوَ الْميل.
وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " يَأْتِي عل النَّاس زمَان لَا يبْقى إِلَّا من هُوَ أصعر ". يَعْنِي: مَا يَدعِي الدّين ". وَيُقَال: إِن قَوْله: ﴿وَلَا تصعر خدك للنَّاس﴾ نهى عَن التشدق فِي الْكَلَام، وَعَن الرّبيع بن أنس قَالَ: ليكن الْغَنِيّ وَالْفَقِير عنْدك سَوَاء.
وَقَوله: ﴿وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا﴾ أَي: لَا تمشي فِي الأَرْض مختالا.
وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يحب كل مختال فخور﴾ أَي: مختال على الأَرْض، فخور
﴿كل مختال فخور (18) واقصد فِي مشيك واغضض من صَوْتك إِن أنكر الْأَصْوَات﴾ بالدنيا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿واقصد فِي مشيك﴾ يَعْنِي: أسْرع فِي مشيك، وَيُقَال مَعْنَاهُ: واقصد فِي مشيك أَي: لَا تسرع فِي مشيتك، وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي قَالَ: " سرعَة الْمَشْي تذْهب بهَا الْوَجْه ".
وَقَوله: ﴿واغضض من صَوْتك﴾ أَي: لَا تجْهر، وَمعنى اغضض أَي: انقص.
يُقَال: غض فلَان من فلَان أَي: نقص من حَقه.
وَقَوله: ﴿إِن أنكر الْأَصْوَات لصوت الْحمير﴾ أَي: أقبح الْأَصْوَات لصوت الْحمير.
يُقَال: جَاءَنِي فلَان بِوَجْه مُنكر أَي: قَبِيح، فَإِن قَالَ قَائِل: لم جعل صَوت الْحمار أقبح الْأَصْوَات؟ وَالْجَوَاب عَنهُ إِنَّمَا جعله أقبح الْأَصْوَات، لِأَن أَوله زفير، وَآخره شهيق، والزفير والشهيق: صَوت أهل النَّار.
وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ: كل شَيْء يسبح إِلَّا الْحمار؛ فَلهَذَا جعل صَوته أقبح الْأَصْوَات.
وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يتنافسون فِي شدَّة الصَّوْت، وَكَانُوا يَقُولُونَ: من كَانَ أَجْهَر صَوتا فَهُوَ أعز عِنْد الله.
وَكَانُوا يجهرون بأصواتهم ويرفعونها بغاية الْإِمْكَان، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَيست الْعِزَّة فِي شدَّة الصَّوْت، وَلَو كَانَ من هُوَ أَشد أعز، لَكَانَ الْحمار أعز من الْكل.
وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الصَّادِق أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أنكر الْأَصْوَات لصوت الْحمير﴾ : هِيَ العطسة القبيحة الْمُنكرَة.
﴿لصوت الْحمير (19) ألم تروا أَن الله سخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾
وَمن حكم لُقْمَان سوى مَا ذكرنَا مَا رُوِيَ أَنه قَالَ: لَا مَال كصحة الْبدن، وَلَا نعيم كطيب النَّفس.
وَمن حكمه أَيْضا أَنه قَالَ: أدب الْوَالِد لوَلَده كالسماد للزَّرْع.
وَحكى عِكْرِمَة أَن لُقْمَان دخل على دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ يصنع درعا، فَلم يدر مَا يصنع؛ فَأَرَادَ أَن يسْأَله، وَكَانَ (حكمه) تَمنعهُ مِنْهُ، فَلَمَّا أتم دَاوُد الدرْع لبسهَا، وَقَالَ: نعم جُبَّة الْحَرْب هِيَ.
فَقَالَ لُقْمَان: الصمت حكم وَقَلِيل فَاعله.
وَحكى أَيْضا عِكْرِمَة أَن مَوْلَاهُ خاطر قوما على شرب مَاء الْبَحْر فِي حَال سكره، فَدَعَا لُقْمَان وَقَالَ: لمثل هَذَا الْيَوْم كنت أعدك، وَذكر لَهُ الْقِصَّة.
فَقَالَ: اجْمَعْ الْقَوْم الَّذين خاطرتهم؛ فَجَمعهُمْ، فَقَالَ لَهُم: احْبِسُوا مواد الْبَحْر حَتَّى يشرب مَاء الْبَحْر.
فَقَالُوا: كَيفَ نحبس مواد الْبَحْر؟ فَقَالَ: كَيفَ يشرب مَاء الْبَحْر ومواده غير مُنْقَطِعَة؟ فخلص مَوْلَاهُ.
وَحكى أَيْضا عِكْرِمَة أَنه كَانَ لمولى لُقْمَان عبيد سواهُ، وَلم يكن فيهم أخس مِنْهُ عِنْده، فبعثهم إِلَى بُسْتَان لَهُ ليحملوا لَهُ فَاكِهَة، فَذَهَبُوا وأكلوا الْفَاكِهَة؛ فَلَمَّا رجعُوا أحالوا على لُقْمَان أَنه هُوَ الَّذِي أكل، وَصدقهمْ مَوْلَاهُ لخسة لُقْمَان عِنْده، وَأَرَادَ أَن يُؤْذِيه، فَقَالَ لُقْمَان لمَوْلَاهُ: إِن ذَا اللسانين وَذَا الْوَجْهَيْنِ لَا يكون وجيها عِنْد الله، فاسقني مَاء حميما، واسق هَؤُلَاءِ العبيد مَاء حميما؛ فسقاهم، فقاء سَائِر العبيد مَا أكلُوا من الْفَاكِهَة، وقاء هُوَ مَاء بحتا، فَعرف صدقه وكذبهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تروا أَن الله سخر لكم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ أَي: ذلل.
وَقَوله: ﴿وأسبغ عَلَيْهِم نعْمَة﴾ أَي: أتم عَلَيْكُم وأكمل نعمه ظَاهِرَة وباطنة، قَالَ ابْن عَبَّاس: النِّعْمَة الظَّاهِرَة هِيَ الْإِسْلَام وَحسن الْخلق، وَالنعْمَة الْبَاطِنَة هِيَ مَا يستر من الْعُيُوب.
وَقَالَ بَعضهم: النِّعْمَة الظَّاهِرَة هِيَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، والباطنة هِيَ الِاعْتِقَاد
﴿وأسبع عَلَيْكُم نعمه ظَاهِرَة وباطنة وَمن النَّاس من يُجَادِل فِي الله بِغَيْر علم وَلَا هدى وَلَا كتاب منيروإذا قيل لَهُم إتبعوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَو لَو كَانَ الشَّيْطَان يَدعُوهُم إِلَى عَذَاب السعير وَمن يسلم وَجهه إِلَى اللهوهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور وَمن كفر فَلَا﴾ بِالْقَلْبِ.
وَيُقَال النِّعْمَة الظَّاهِرَة: نعْمَة الدُّنْيَا، والباطنة: نعْمَة العقبى.
وَقيل النِّعْمَة الظَّاهِرَة: نعْمَة الْأَبدَان، والباطنة: نعْمَة الْأَدْيَان.
وَيُقَال: النِّعْمَة الظَّاهِرَة: تَمام الرزق، وَالنعْمَة الْبَاطِنَة: حسن الْخلق، وَيُقَال النِّعْمَة الظَّاهِرَة: الزى والرياش الْحسن.
وَالنعْمَة الْبَاطِنَة: مَا أخْفى من الْمعْصِيَة وسترها.
وَقَالَ بَعضهم: النِّعْمَة الظَّاهِرَة: الْوَلَد، والباطنة: الْوَطْء.
وَقَوله: ﴿وَمن النَّاس من يُجَادِل فِي الله بِغَيْر علم وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير﴾ نزلت هَذِه الْآيَة فِي أُميَّة بن خلف وَأبي بن خلف وَأبي جهل بن هِشَام وَالنضْر بن الْحَارِث وأشباههم؛ كَانُوا يجادلون النَّبِي بِالْبَاطِلِ فِي الله وَفِي صِفَاته.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿أَو لَو كَانَ الشَّيْطَان يَدعُوهُم﴾ هَذَا جَوَاب عَن مَحْذُوف , والمحذوف: أيتبعون الشَّيْطَان، وَإِن كَانَ الشَّيْطَان يَدعُوهُم إِلَى عَذَاب السعير.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن يسلم وَجهه إِلَى الله﴾ أى: وَمن يخلص دينه لله، وَقيل: يسلم نَفسه وَعَمله إِلَى الله.
وَقَرَأَ أَبُو عبد الحمن السلمى: ((يسلم)) بِالتَّشْدِيدِ، وَقَوله: ﴿يسلم﴾ من التَّسْلِيم , وَقَوله: ((يسلم)) من الإنقياد.
وَقَوله: ﴿ [وَهُوَ محسن] فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ : قَول لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَقيل العروة الوثقى: السَّبَب الَّذِي يُوصل إِلَى رضَا الله تَعَالَى.
والوثقى تَأْنِيث الأوثق.
والعهد الوثيق، هوالعهد الْمُحكم الشَّديد، والأوثق الأشد.
وَقَوله: ﴿وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور﴾ أى: خَاتِمَة الْأُمُور.
﴿يحزنك كفره إِلَيْنَا مرجعهم فننبئهم بِمَا عمِلُوا إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور نمتعهم قَلِيلا ثمَّ نطرهم إِلَى عَذَاب غليظ وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله قل الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِن الله هُوَ الْغَنِيّ الحميد وَلَو أَنما فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعد سَبْعَة أبحر مَا نفدت كلما ت الله إِن الله عَزِيز حَكِيم مَا خَلقكُم﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كفر فَلَا يحزنك كفره﴾ أى: لَا تحزن بِكُفْرِهِ.
وَقَوله: ﴿إِلَيْنَا مرجعهم﴾ أى: مصيرهم.
وَقَوله: ﴿فننبئهم بِمَا عمِلُوا﴾ أى: نخبرهم بِمَا عمِلُوا.
وَقَوله: ﴿إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور﴾ أى: عَالم بِمَا فِي الصُّدُور.
قَوْله تَعَالَى: ﴿نمتعهم قَلِيلا﴾ الإمتاع هُوَ التَّمَتُّع بِمَا فِي الدُّنْيَا من نعيمها.
وَقَوله: ﴿ثمَّ نضطرهم إِلَى عَذَاب غليظ﴾ أى: نلجئهم إِلَى عَذَاب غليظ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله قل الْحَمد لله بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لله مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِن الله هُوَ الْغنى الحميد﴾ أى: الْغنى عَن خلقه، الْمَحْمُود فِي فعله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام﴾ روى أَن الْمُشْركين قَالُوا: إِن مَا أَتَى بِهِ مُحَمَّد من الْكَلَام يَنْقَطِع ويفنى، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، بِمَعْنى: أَن جَمِيع أَشجَار الْعَالم ونباتها لَو بريت أقلاما، وَصَارَت البحور مدادا مَا نفدت كَلِمَات الله أى: كَلَام الله وَعلمه.
وَقَوله: ﴿إِن الله عَزِيز حَكِيم﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا خَلقكُم وَلَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَة﴾ مَعْنَاهُ: مَا خَلقكُم إِلَّا
﴿وَلَا بعثكم إِلَّا كَنَفس وَاحِدَة إِن الله سميع بَصِير (28) ألم تَرَ أَن الله يولج اللَّيْل فِي النَّهَار ويولج النَّهَار فِي اللَّيْل وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي إِلَى أجل مُسَمّى وَأَن الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير (29) ذَلِك بِأَن الله هُوَ الْحق وَأَن مَا يدعونَ من دونه الْبَاطِل وَأَن الله هُوَ الْعلي الْكَبِير (30) ألم تَرَ أَن الْفلك تجْرِي فِي الْبَحْر بنعمت الله ليريكم من آيَاته إِن﴾ كخلق نفس وَاحِدَة، وَلَا بعثكم إِلَّا كبعث نفس وَاحِدَة، يَعْنِي: فِي قدرته.
وَقَوله: ﴿إِن الله سميع بَصِير﴾ سميع لأقوال الْعباد، بَصِير بأفعالهم.
وَالْآيَة الَّتِي تلِي هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا قد بَينا مَعْنَاهَا، وَأما الْآيَات الثَّلَاث الَّتِي نزلت بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام﴾ إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَن الْفلك تجْرِي فِي الْبَحْر بِنِعْمَة الله﴾ أَي: بإنعام الله.
وَقَوله: ﴿ليريكم من آيَاته﴾ أَي: من عجائب صنعه وَقدرته.
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور﴾ رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الصَّبْر نصف الْإِيمَان، وَالشُّكْر نصف الْإِيمَان، وَالْيَقِين هُوَ الْإِيمَان كُله ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن أحب الْعباد إِلَى الله من يصبر عِنْد الْبلَاء، ويشكر عِنْد النعماء، ويرضى بِالْقضَاءِ.
﴿فِي ذَلِك لآيَات لكل صبار شكور (31) وَإِذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر فَمنهمْ مقتصد وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا كل ختار كفور (32) يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم واخشوا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِد عَن وَلَده وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازَ عَن﴾
قَوْله: ﴿وَإِذا غشيهم موج كالظلل﴾ الظلل: جمع الظلة، والظلة: هِيَ الْجَبَل.
وَقَوله: ﴿دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ أَي: أَخْلصُوا فِي الدُّعَاء، وَفِي التَّفْسِير: أَن الْآيَة نزلت فِي عِكْرِمَة بن أبي جهل حِين هرب من مَكَّة يَوْم فتحهَا رَسُول الله، وَكَانَ رَسُول الله أَمن جَمِيع النَّاس إِلَّا نَفرا مِنْهُم عِكْرِمَة بن أبي جهل، فهرب عِكْرِمَة إِلَى الْبَحْر، فَجَاءَهُمْ ريح عاصف، فَقَالَ صَاحب السَّفِينَة: أَخْلصُوا، فَإِنَّهُ لَا ينجيكم إِلَّا الْإِخْلَاص.
وَرُوِيَ أَنه قَالَ لَهُم: لَا تدعوا آلِهَتكُم؛ فَإِن آلِهَتكُم لَا تغني عَنْكُم شَيْئا، وَادعوا الله وَحده.
فَقَالَ عِكْرِمَة: إِنَّمَا هربت من هَذَا، وَلَئِن نجاني الله من هَذَا لأرجعن إِلَى مُحَمَّد، ولأضعن يَدي فِي يَده.
ثمَّ سكن الرّيح، وَخرج عِكْرِمَة وَرجع إِلَى مَكَّة، وَأسلم وَحسن إِسْلَامه، وَاسْتشْهدَ يَوْم اليرموك بِالشَّام.
وَقَوله: ﴿فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر فَمنهمْ مقتصد﴾ أَي: عدل فِي فعله على معنى الْوَفَاء بِمَا وعده، وَمِنْهُم من قَالَ: مقتصد أَي: مقتصد فِي القَوْل لَا يسرف، وَمِنْهُم من يسرف.
وَقَوله: ﴿وَمَا يجْحَد بِآيَاتِنَا إِلَّا كل ختار كفور﴾ الختر: هُوَ أَشد الْغدر.
قَالَ الشَّاعِر:
(فَإنَّك لَو رَأَيْت أَبَا عُمَيْر ... مَلَأت يَديك من ختر وغد)
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم واخشوا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِد عَن وَلَده﴾ أَي:
﴿وَالِده شَيْئا إِن وعد الله حق فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور (33) إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث وَيعلم مَا فِي لأرحام وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت إِن الله عليم خَبِير (34) ﴾ لَا يُغني وَالِد عَن وَلَده، قَالَ ابْن عَبَّاس: كل امرء تهمه نَفسه.
وَقَوله: ﴿وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازَ عَن وَالِده شَيْئا﴾ أَي: مُغنِي عَن وَالِده شَيْئا.
وَقَوله: ﴿إِن وعد الله حق فَلَا تغرنكم الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَا يَغُرنكُمْ بِاللَّه الْغرُور﴾ يَعْنِي: الشَّيْطَان، وتغريره للْإنْسَان هُوَ تزيينه للمعاصي وتمنيه الْمَغْفِرَة من الله، وَعبر عَنهُ بتزيينه لَهُ الْمعاصِي وتمنيه الْمَغْفِرَة.
وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " الْكيس من دَان نَفسه، وَعمل لما بعد الْمَوْت (أَي حاسب نَفسه) والفاجر من أتبع نَفسه هَواهَا، وَتمنى على الله (الْمَغْفِرَة) ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث﴾ الْآيَة.
فِي التَّفْسِير: أَن رجلا من بني محَارب بن خصفة أَتَى النَّبِي وَقَالَ: يَا مُحَمَّد، إِن أَرْضنَا أجدبت، فَمَتَى ينزل الْغَيْث؟ وَإِنِّي تركت امْرَأَتي حُبْلَى، فَمَاذَا تَلد؟ وَقد علمت مَا أعمل الْيَوْم، فَمَاذَا أعمل غَدا؟ وَأَخْبرنِي أَنى بِأَيّ أَرض أَمُوت؟ وَأَخْبرنِي مَتى السَّاعَة؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا.
وَقد روينَا بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " مَفَاتِيح الْغَيْب خَمْسَة، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا ". وَهُوَ خبر مَشْهُور.
وَقَوله: ﴿ [وَيعلم مَا فِي الْأَرْحَام وَمَا تَدْرِي نفس مَاذَا تكسب غَدا] وَمَا تَدْرِي نفس بِأَيّ أَرض تَمُوت﴾ يُقَال مَعْنَاهُ: على أَي قدم تَمُوت.
فَإِنَّهُ مَا من قدم يرفعها ويضعها إِلَّا وَيجوز أَن تَمُوت قبل ذَلِك ﴿بِأَيّ أَرض تَمُوت﴾ أَي: على أَي صفة تَمُوت من الشقاوة والسعادة.
وَقَوله: ﴿إِن الله عليم خَبِير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿الم (1) تَنْزِيل الْكتاب لَا ريب فِيهِ من رب الْعَالمين (2) أم يَقُولُونَ افتراه بل هُوَ﴾ تَفْسِير سُورَة السَّجْدَة
وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا ثَلَاث آيَات نزلت فِي عَليّ رَضِي الله عَنهُ سنذكرها.
وَقد روى جَابر أَن النَّبِي كَانَ لَا ينَام كل لَيْلَة حَتَّى يقْرَأ.
" الم تَنْزِيل " السَّجْدَة، و " تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك ".
وَقد ثَبت أَن النَّبِي كَانَ يقْرَأ فِي صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الْجُمُعَة سُورَة السَّجْدَة، وَسورَة " هَل أَتَى ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿الم تَنْزِيل الْكتاب لَا ريب فِيهِ من رب الْعَالمين﴾ أَي: لَا شكّ فِيهِ، والريب: هُوَ الشَّك، وَقد بَينا من قبل
قَوْله: ﴿أم يَقُولُونَ افتراه﴾ مَعْنَاهُ: بل يَقُولُونَ افتراه، قَالَ الشَّاعِر فِي أم بِمَعْنى: بل: (كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسط ... غلس الظلام على الربَاب جبالا)
﴿الْحق من رَبك لتنذر قوما مَا أَتَاهُم من نَذِير من قبلك لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ (3) الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش مَا لكم من دونه من ولي وَلَا شَفِيع أَفلا تتذكرون (4) يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ﴾ مَعْنَاهُ: بل رَأَيْت.
وَقَوله: ﴿بل هُوَ الْحق من رَبك لتنذر قوما مَا أَتَاهُم [من نَذِير من قبلك] ﴾
مَا هَا هُنَا بِمَعْنى النَّفْي، وَمَعْنَاهُ: لتنذر قوما لم [يشاهدوا] وآباؤهم قبلك نَبيا، فَإِن قيل: إِذا لم يشاهدوا نَبيا وَلم ينذروا، كَيفَ يستجوبوا النَّار بترك الْإِيمَان؟ وَالْجَوَاب: أَنه لَزِمَهُم الْإِيمَان بِاللَّه بإرسال الرُّسُل الَّذين كَانُوا من قبل، وَقد سمعُوا ذَلِك.
وَقَالَ بَعضهم: إِن إِسْمَاعِيل كَانَ نَبيا إِلَى الْعَرَب، وَقد تركُوا دينه، وَيُقَال: إِنَّهُم تركُوا دين إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّهُم يَهْتَدُونَ﴾ أَي: يرشدون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام﴾ قد بَينا، وَعَن الْحسن أَنه قَالَ: هُوَ يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا.
فَإِن قَالَ قَائِل: حِين خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض لم يكن نَهَارا وَلَا لَيْلًا، فَكيف يَسْتَقِيم هَذَا الْكَلَام؟ وَالْجَوَاب: أَن مَعْنَاهُ: بِقدر سِتَّة أَيَّام من أَيَّام الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ قد بَينا.
وَقَوله: ﴿مَا لكم من دونه ولي وَلَا شَفِيع أَفلا تتذكرون﴾ مَعْنَاهُ: أَفلا تتعظون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض﴾ أَي: يحكم وَيَقْضِي الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض.
﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ (5) ذَلِك عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْعَزِيز﴾
وَقَوله: ﴿ثمَّ يعرج إِلَيْهِ﴾ ثمَّ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: ثمَّ يعرج الْملك إِلَيْهِ بعد نُزُوله بِالْأَمر.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ثمَّ يعرج إِلَيْهِ أَي: يعرج الْأَمر إِلَيْهِ، وَمعنى عروج الْأَمر إِلَيْهِ: صيرورة الْأَمر كُله إِلَيْهِ، وَسُقُوط أَمر الْخلق كلهم.
وَقَوله: ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾ هَذِه الْآيَة تعد مشكلة، وَوجه الْإِشْكَال: أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة﴾ قَالَ مُجَاهِد: ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة﴾ مَعْنَاهُ: أَن من السَّمَاء إِلَى الأَرْض إِذا نزل الْملك خَمْسمِائَة سنة، وَإِذا صعد خَمْسمِائَة سنة فَيكون ألف سنة.
وَأما قَوْله: ﴿خمسين ألف سنة﴾ هُوَ من قَرَار الأَرْض إِلَى الْعَرْش.
وَقَالَ بَعضهم: خمسين ألف سنة، وَألف سنة كلهَا فِي الْقِيَامَة، فَيكون يَوْم الْقِيَامَة على بَعضهم ألف سنة، وعَلى بَعضهم خمسين ألف سنة، وَالْيَوْم وَاحِد.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن الله تَعَالَى يقصره على الْمُؤمن حَتَّى يكون كَمَا بَين صَلَاتَيْنِ ".
وَقَالَ بَعضهم: يعرج بعض الْأَمْلَاك فِي مِقْدَار ألف سنة، ويعرج بعض الْأَمْلَاك فِي مِقْدَار خمسين ألف سنة، وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة﴾ أَي: مَا غَابَ عَن الْعباد، وَمَا لم يغب
﴿الرَّحِيم (6) الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه وَبَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين (7) ثمَّ جعل نَسْله من سلاسة من مَاء مهين (8) ثمَّ سواهُ وَنفخ فِيهِ من روحه وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة قَلِيلا مَا تشكرون (9) وَقَالُوا أئذا ضللنا فِي الأَرْض أئنا لفي خلق﴾ عَنْهُم، وَيُقَال: الْغَيْب مَا فِي الْآخِرَة، وَالشَّهَادَة مَا فِي الدُّنْيَا.
وَقَوله: ﴿الْعَزِيز الرَّحِيم﴾ أَي: المنيع فِي ملكه، الرَّحِيم بخلقه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه﴾ وَقُرِئَ: " خلقه " بِفَتْح اللَّام، فَمن قَرَأَ: " خلقه " أَي: أحسن خلق كل شَيْء، وَمن قَرَأَ: " خلقه " مَعْنَاهُ: حسن كل شَيْء خلقه.
قَالَ ابْن عَبَّاس: ﴿أحسن كل شَيْء خلقه﴾ أَي: أتقن وَأحكم.
وَقيل: أما إِن است القرد لَيْسَ بِحسن، وَلكنه مُحكم، وَقيل: خلق الْبَهَائِم على صُورَة الْبَهَائِم، والآدميين على صُورَة الْآدَمِيّين، وَلم يخلق الْآدَمِيّين على صُورَة الْبَهَائِم، وَلَا الْبَهَائِم على صُورَة الْآدَمِيّين، فَكل حَيَوَان كَامِل حسن فِي خلقته، وَهَذَا معنى قَول الْحُكَمَاء الَّذين مضوا: كل حَيَوَان كَامِل فِي نقصانه؛ يَعْنِي: أَنه لَو قوبل بِغَيْرِهِ كَانَ نَاقِصا، وَهُوَ فِي نَفسه وأداته كَامِل.
وَذكر بَعضهم فِي معنى الْآيَة: طول رجل الْبَهِيمَة، وَطول عنق الطَّائِر؛ ليصل كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى معاشه.
وَقَوله: ﴿وبدا خلق الْإِنْسَان من طين﴾ أَي: آدم وَذريته.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ جعل نَسْله من سلالة من مَاء مهين﴾ قد بَينا معنى السلالة.
وَقَوله: ﴿من مَاء مهين﴾ أَي: ضَعِيف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ سواهُ وَنفخ فِيهِ من روحه﴾ قد ذكرنَا.
وَقَوله: ﴿وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة﴾ أَي: الأسماع والأبصار والأفئدة.
وَقَوله: ﴿قَلِيلا مَا تشكرون﴾ أَي: قَلِيلا تشكرون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أئذا ضللنا فِي الأَرْض﴾ أَي: هلكنا فِي الأَرْض، يُقَال: ضل
﴿جَدِيد بل هم بلقاء رَبهم كافرون (10) قل يتوفاكم ملك الْمَوْت الَّذِي وكل بكم ثمَّ﴾ اللَّبن فِي المَاء أَي: هلك، وَيُقَال: بلينا وصرنا تُرَابا، وَقُرِئَ فِي الشاذ: " صللنا " بالصَّاد غير مُعْجمَة.
أَي: تغيرنا، يُقَال: صل اللَّحْم إِذا أنتن.
وَقَوله: ﴿أئنا لفي خلق جَدِيد﴾ أَي: نرْجِع أَحيَاء بعد مَا متْنا، وَقَالُوا هَذَا على طَرِيق الْجحْد وَالْإِنْكَار.
وَقَوله: ﴿بل هم بلقاء رَبهم كافرون﴾ أَي: بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت جاحدون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل يتوفاكم ملك الْمَوْت الَّذِي وكل بكم﴾ ملك الْمَوْت هُوَ عزرائيل، وَقيل: يتوفاكم بِنَفسِهِ، وَيُقَال: بأعوانه.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن ملك الْمَوْت على مِعْرَاج بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، فينزع أعوانه روح الْإِنْسَان فَإِذا بلغ ثغرة نَحره قَبضه ملك الْمَوْت.
وروى أَن الدُّنْيَا عِنْد ملك الْمَوْت كطست بَين رجْلي إِنْسَان.
وَعَن أنس رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: لَقِي جِبْرِيل ملك الْمَوْت ببحر فَارس، فَقَالَ: يَا ملك الْمَوْت، كَيفَ تقبض أَرْوَاح النَّاس إِذا وَقع الوباء، فَيَمُوت من هَذَا الْجَانِب عشرَة آلَاف، وَمن هَذَا الْجَانِب عشرَة آلَاف؟ فَقَالَ: تزوي الأَرْض بَين عَيْني فألتقطهم التقاطا.
وروى جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه: " أَن النَّبِي دخل على رجل من الْأَنْصَار يعودهُ، فَرَأى ملك الْمَوْت عِنْد رَأسه، فقتال لَهُ: ارْفُقْ بِهَذَا الرجل من أَصْحَابِي، فَقَالَ: طب نفسا وقر عينا، فَإِنِّي بِكُل مُؤمن رَفِيق، ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أردْت قبض روح بعوضة مَا قدرت عَلَيْهِ حَتَّى يَأْمر الله بِقَبْضِهِ، وَإِنِّي أتصفح وُجُوه النَّاس كل يَوْم خمس مَرَّات " وَالْخَبَر غَرِيب.
﴿إِلَى ربكُم ترجعون (11) وَلَو ترى إِذْ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عِنْد رَبهم رَبنَا أبصرنا وَسَمعنَا فارجعنا نعمل صَالحا إِنَّا موقنون (12) وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نسيتم﴾
وَفِي بعض المسانيد بِرِوَايَة أنس أَن النَّبِي قَالَ: " الْأَمْرَاض والأوجاع رسل الْمَوْت، فَإِذا قبض ملك الْمَوْت روح عبد، فتصارخوا عَلَيْهِ قَالَ: مَاذَا تصرخون؟ وَالله مَا نقصت لَهُ رزقا، وَلَا قدمت لَهُ أَََجَلًا، وَلَا ظلمت مِنْكُم أحدا، وَإِنَّمَا دَعَاهُ الله فَأَجَابَهُ، فليبك كل امْرِئ على نَفسه، وَإِن لي إِلَيْكُم عودات ثمَّ عودات حَتَّى لَا أبقى مِنْكُم أحدا " وَالْخَبَر من الغرائب أَيْضا.
وَأما التوفي فَهُوَ اسْتِيفَاء الْعدَد، وَمَعْنَاهُ: أَنه يقبض أَرْوَاحهم حَتَّى لَا يبْقى أحد من الْعدَد الَّذِي كتب مَوْتهمْ، قَالَ الشَّاعِر:
(إِن بنى الأدرم لَيْسُوا من أحد ... وَلَا توفيهم قُرَيْش من عدد)
يَعْنِي: مَا استوفاهم قُرَيْش من عَددهمْ.
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِلَى ربكُم ترجعون﴾ أَي: تصيرون.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ المجرمون ناكسوا رُءُوسهم﴾ مَعْنَاهُ: وَلَو ترى الْمُجْرمين ناكسين رُءُوسهم من فرط النَّدَم وَشدَّة الوجل، وَفِي الْآيَة حذف، والمحذوف هُوَ: أَنَّك لَو ترى الْمُجْرمين ناكسين رُءُوسهم عِنْد رَبهم لرأيت مَا يعْتَبر بِهِ.
وَقَوله: ﴿رَبنَا أبصرنا وَسَمعنَا﴾ أَي: قائلين رَبنَا أبصرنا وَسَمعنَا أَي: أبصرنا صدق وعيدك، وَسَمعنَا مِنْك تَصْدِيق رسلك.
قَالَ قَتَادَة: أبصروا حِين لم يَنْفَعهُمْ الْبَصَر.
وسمعوا حِين لم يَنْفَعهُمْ السّمع.
وَيُقَال: أبصرنا معاصينا، وَسَمعنَا مَا قيل فِينَا.
وَقَوله: ﴿فارجعنا نعمل صَالحا﴾ أَي: ردنا نعمل صَالحا.
وَقَوله: ﴿إِنَّا موقنون﴾ أَي: مصدقون بِالْبَعْثِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ أَي: هدايتها، وَمَعْنَاهُ: لَو شِئْنَا
﴿لِقَاء يومكم هَذَا إِنَّا نسيناكم وذوقوا عَذَاب الْخلد بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤمن﴾ لأدخلناهم فِي الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن حق القَوْل مني﴾ أَي: وَجب القَوْل مني، وَيُقَال: سبق القَوْل مني.
قَالَ الشَّاعِر:
(فَإِن تكن العتبى فأهلا ومرحبا ... وحقت لَك العتبى لدينا وَقلت)
وَقَوله: ﴿لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ ،
وَقَوله: ﴿الْجنَّة﴾ هم الْجِنّ، والجآن: أَب الْجِنّ، كآدم أَب (الْإِنْس) .
وَرفع خَارِجَة خَبرا إِلَى النَّبِي " أَنه سُئِلَ هَل يدْخل مؤمنو الْجِنّ الْجنَّة؟ فَقَالَ: نعم.
قيل: هَل يصيبون من نعيمها؟ قَالَ: يلهمهم الله تَسْبِيحَة وَذكره، فيصيبون من لَدنه مَا يُصِيبهُ بَنو آدم من نعيم الْجنَّة " حَكَاهُ النقاش فِي تَفْسِيره.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " تَحَاجَّتْ الْجنَّة وَالنَّار؛ فَقَالَت النَّار: أُوثِرت بالجبابرة والمتكبرين، وَقَالَت الْجنَّة: مَا بالي يدخلني سفلَة النَّاس وَسَقَطهمْ وَفِي رِوَايَة: ضعفاء النَّاس ومساكينهم، وَهُوَ الْأَشْهر فَقَالَ الله تَعَالَى للجنة: أَنْت رَحْمَتي، أرْحم بك من شِئْت، وَقَالَ للنار: أَنْت عَذَابي، أعذب بك من شِئْت، وَلكُل وَاحِدَة مِنْكُمَا ملؤُهَا ".