العلق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله: ﴿عَن الْيَمين وَعَن الشمَال عزين﴾ أَي: مُتَفَرّقين حلقا حلقا.
وروى أَن
﴿أيطمع كل امْرِئ مِنْهُم أَن يدْخل جنَّة النَّعيم (38) كلا إِنَّا خلقناهم مِمَّا يعلمُونَ (39) فَلَا أقسم بِرَبّ الْمَشَارِق والمغارب إِنَّا لقادرون (40) على أَن نبدل خيرا مِنْهُم﴾ النَّبِي خرج إِلَى الْمَسْجِد وَأَصْحَابه متفرقون كل جمَاعَة فِي مَوضِع، فَقَالَ: " مَالِي أَرَاكُم عزين ". وَالسّنة أَن يجلسوا حَلقَة وَاحِدَة، أَو بَعضهم خلف بعض، وَلَا يتفرقون فِي الْجُلُوس.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أيطمع كل امْرِئ مِنْهُم أَن يدْخل جنَّة نعيم﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما ذكر الله تَعَالَى الْجنَّة للْمُؤْمِنين قَالَ الْكفَّار: وَنحن أَيْضا ندخل مَعكُمْ؛
فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿كلا﴾ أَي: لَا يكون الْأَمر كَمَا يطْمع ويظن.
وَقَوله: ﴿إِنَّا خلقناهم مِمَّا يعلمُونَ﴾ أَي: من الأقذار والنجاسات.
وَالْمعْنَى: أَنه لَيْسَ إِدْخَال من يدْخل الْجنَّة بِكَوْنِهِ مخلوقا؛ لِأَنَّهُ خلق من شَيْء نجس قذر، فَلَا يسْتَحق دُخُول الْجنَّة، وَإِنَّمَا يسْتَحق دُخُول الْجنَّة بالتقوى وَالدّين.
وَيُقَال: إِنَّا خلقناهم من أجل مَا [يعلمُونَ] ، وَهُوَ عبَادَة الله وَالْإِيمَان بِهِ.
قَالَ الشَّاعِر:
(أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذِي هوى أَن تزارا)
أَي: من أجل آل ليلى.
وَقيل: ﴿إِنَّا خلقناهم مِمَّا يعلمُونَ﴾ أَي: مِمَّن يعلمُونَ.
وَالْقَوْل الْأَصَح هُوَ الأول.
﴿وَمَا نَحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حَتَّى يلاقوا يومهم الَّذِي يوعدون (42) يَوْم يخرجُون من الأجداث سرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نصب يوفضون (43) خاشعة أَبْصَارهم ترهقهم ذلة ذَلِك الْيَوْم الَّذِي كَانُوا يوعدون (44) ﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا أقسم بِرَبّ الْمَشَارِق والمغارب﴾ مَعْنَاهُ: أقسم، وَهُوَ على مَذْهَب الْعَرَب، وَكَانُوا يَقُولُونَ هَكَذَا.
وَذكر هَاهُنَا الْمَشَارِق والمغارب؛ لِأَن الشَّمْس فِي كل يَوْم تشرق من مَكَان آخر غير مَا كَانَ فِي الْيَوْم الأول، وَكَذَلِكَ فِي الْمغرب.
وَفِي التَّفْسِير: أَنَّهَا تطلع كل يَوْم من كوَّة أُخْرَى، وتغرب من كوَّة أُخْرَى.
وَقَوله: ﴿إِنَّا لقادرون على أَن نبدل خيرا مِنْهُم﴾ أَي: أطوع لله مِنْهُم، وأمثل مِنْهُم.
وَقَوله: ﴿وَمَا نَحن بمسبوقين﴾ أَي: معاجزين، وَقد بَينا من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حَتَّى يلاقوا يومهم الَّذِي يوعدون﴾ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة.
وَهُوَ مَذْكُور على طَرِيق التهديد لَا على طَرِيق الْإِطْلَاق وَالْإِذْن.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَوْم يخرجُون من الأجداث سرَاعًا﴾ أَي: من الْقُبُور.
والجدث: الْقَبْر، والأجداث الْجمع.
وَقَوله: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نصب يوفضون﴾ أَي: يخرجُون سرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى علم نصب لَهُم يسرعون، وَقُرِئَ: " نصب يوفضون " بِضَم النُّون، والنُصُب والنَصَب بِمَعْنى الْأَصْنَام، وَقد كَانُوا يسرعون إِلَى أصنامهم إِذا ذَهَبُوا إِلَيْهَا، فيعظموها ويستلموها.
وَقَوله: ﴿خاشعة أَبْصَارهم﴾ أَي: ذليلة أَبْصَارهم ﴿ترهقهم ذلة﴾ أَي: مذلة.
وَقَوله: ﴿ذَلِك الْيَوْم الَّذِي كَانُوا يوعدون﴾ أَي: يُقَال لَهُم: هَذَا الْيَوْم هُوَ الْيَوْم الَّذِي وعدتم فِي الدُّنْيَا.
وَالله أعلم.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه أَن أنذر قَوْمك من قبل أَن يَأْتِيهم عَذَاب أَلِيم (1) قَالَ يَا قوم إِنِّي لكم نَذِير مُبين (2) أَن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغْفر لكم﴾ تَفْسِير سُورَة نوح عَلَيْهِ السَّلَام
وَهِي مَكِّيَّة
وَهُوَ نوح بن لمك بن متوشلخ بن أَخْنُوخ.
وَعَن ابْن عَبَّاس: أَنه بعث وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة.
وَعَن عَوْف بن أبي شَدَّاد: أَنه بعث وَهُوَ ابْن ثلثمِائة وَخمسين سنة.
وَيُقَال: سمي نوحًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ ينوح على نَفسه.
وَالله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أرسلنَا
ًا إِلَى قومه أَن أنذر قَوْمك﴾ مَعْنَاهُ: بِأَن أنذر قَوْمك إِلَّا أَنه حذف الْبَاء.
وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود ﴿أنذر قَوْمك﴾ من غير " أَن " وَمَعْنَاهُ: وَقُلْنَا لَهُ أنذر قَوْمك.
وَقَوله ﴿من قبل أَن يَأْتِيهم عَذَاب أَلِيم﴾ قيل: هُوَ الْغَرق فِي الدُّنْيَا.
وَقيل هُوَ النَّار فِي الْآخِرَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا قوم إِنِّي لكم نَذِير مُبين﴾ أَي: بَين النذارة.
وَقَوله ﴿أَن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ وَهَذَا هُوَ الَّذِي بعث الله لأَجله الرُّسُل، فَإِن الله تَعَالَى مَا بعث رَسُولا إِلَّا ليعبدوه ويتقوه ويطيعوا رَسُوله.
وَقَوله: ﴿يغْفر لكم من ذنوبكم﴾ أَي: من ذنوبكم الَّتِي أوعدكم عَلَيْهَا الْعقُوبَة.
وَقد كَانَت لَهُم ذنُوب أخر عَفا الله عَنْهَا.
وَقَالَ الْفراء: " من " لَيست هَاهُنَا للتَّبْعِيض،
﴿من ذنوبكم ويؤخركم إِلَى آجل مُسَمّى إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر لَو كُنْتُم تعلمُونَ (4) قَالَ رب إِنِّي دَعَوْت قومِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلم يزدهم دعائي إِلَّا فِرَارًا (6) ﴾ . وَلكنهَا للتخصيص على معنى تَخْصِيص الذُّنُوب بالغفران.
وَقَوله: ﴿ويؤخركم إِلَى آجل مُسَمّى﴾ أَي: إِلَى الْمَوْت.
فَإِن قيل: هَذِه الْآيَة تدل على أَنه يجوز أَن يكون للْإنْسَان أجلان، وَأَن الْعقُوبَة تقع قبل الْأَجَل الْمَضْرُوب للْمَوْت.
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه يجوز أَن يُقَال: إِن الْأَجَل أجلان: أَحدهمَا: إِلَى سنة أَو سنتَيْن إِن عصوا الله، وَالْآخر: إِلَى عشر سِنِين أَو عشْرين سنة إِن أطاعوا الله، فعلى هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر﴾ أَي: فِي حالتي الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن الْأَجَل وَاحِد بِكُل حَال.
وَقَوله ﴿ويؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى﴾ أَي: يميتكم غير ميتَة الاستئصال والعقوبة، وَهُوَ الْمَوْت الَّذِي يكون بِلَا غرق وَلَا قتل وَلَا حرق.
وَقيل: يؤخركم إِلَى أجل مُسَمّى، أَي: عنْدكُمْ، وَهُوَ الْأَجَل الَّذِي تعرفونه، وَذَلِكَ موت من غير هَذِه الْوُجُوه.
وَهَذَا القَوْل أقرب إِلَى مَذْهَب أهل السّنة، فعلى هَذَا قَوْله: إِن أجل الله إِذا جَاءَ لَا يُؤَخر) هُوَ الْأَجَل الْمُسَمّى الْمَضْرُوب لكل إِنْسَان) .
وَقَوله ﴿لَو كُنْتُم تعلمُونَ﴾ [أَي] : إِن كُنْتُم تعلمُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي دَعَوْت قومِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ قَالَ الْفراء: أَي: من كل وَجه وَفِي كل زمَان أمكنت فِيهِ الدعْوَة من ليل أَو نَهَار.