الطارق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَقَوله: ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ أَي: على الْخلق الَّذِي أدبك الله بِهِ مِمَّا نزل بِهِ الْقُرْآن من الْإِحْسَان إِلَى النَّاس، وَالْعَفو، والتجاوز، وصلَة الْأَرْحَام، وَإِعْطَاء النصفة، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَمَا أشبه ذَلِك.
وَفِي حَدِيث سعد بن هِشَام أَنه سَأَلَ عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا - عَن خلق النَّبِي فَقَالَت: " كَانَ خلقه الْقُرْآن ".
أَي: كَانَ مُوَافقا لما نزل بِهِ الْقُرْآن.
وَفِي رِوَايَة أَنَّهَا قَالَت: " لم يكن رَسُول الله فحاشا وَلَا متفحشا، وَلَا يُجزئ السَّيئَة بِمِثْلِهَا، وَلَكِن يعْفُو ويصفح ".
وَقَالَ السّديّ: وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم أَي: على الْإِسْلَام.
وَقَالَ زيد بن أسلم: على دين عَظِيم، وَهُوَ الدّين الَّذِي رضيه الله تَعَالَى لهَذِهِ الْأمة، وَهُوَ أحب الْأَدْيَان إِلَى الله تَعَالَى.
وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " إِن الله تَعَالَى خلق مائَة وَسَبْعَة عشر خلقا، فَمن جَاءَ بِوَاحِدَة مِنْهَا دخل الْجنَّة ".
وَعنهُ أَنه قَالَ: " بعثت لأتمم مصَالح
﴿فستبصر ويبصرون (5) بأيكم الْمفْتُون (6) ﴾ . الْأَخْلَاق ". وَقيل: على خلق عَظِيم أَي: طبع كريم.
قَوْله: ﴿فستبصر ويبصرون بأيكم الْمفْتُون﴾ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة الْبَاء صلَة.
وَمَعْنَاهُ: أَيّكُم الْمفْتُون، وَأنْشد شعرًا:
(نضرب بِالسَّيْفِ ونرجوا بالفرج ... )
أَي: الْفرج.
وَأما الْفراء والزجاج وَسَائِر النَّحْوِيين لم يرْضوا هَذَا القَوْل، وَذكروا قَوْلَيْنِ آخَرين: أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: ﴿بأيكم الْمفْتُون﴾ أَي: بأيكم الْفِتْنَة يُقَال: مَا لفُلَان مَعْقُول وَلَا مجلود أَي: عقل وَلَا جلد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: بأيكم الْمفْتُون أَي: فِي أَيّكُم الْمفْتُون (يَعْنِي) : فِي الْفرْقَة الَّتِي فِيهَا رَسُول الله وَأَصْحَابه، أَو فِي الْفرْقَة الَّتِي فِيهَا أَبُو جهل وذووه.
وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنكُمْ تبصرون يَوْم الْقِيَامَة، وتعلمون أَن الْمَجْنُون كَانَ فِيكُم، لَا فِي رَسُول الله وَأَصْحَابه أَي: فِي الْفرْقَة الَّتِي فِيهَا رَسُول الله وَأَصْحَابه.
وَذكر النّحاس قَوْلَيْنِ أَيْضا قَالَ: معنى قَوْله ﴿بأيكم الْمفْتُون﴾ أَي: بأيكم فتْنَة الْمفْتُون مثل قَوْله
﴿إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين (7) فَلَا تُطِع المكذبين (8) ودوا لَو تدهن فيدهنون (9) وَلَا تُطِع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء﴾ . تَعَالَى: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي: أهل الْقرْيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تُطِع المكذبين﴾ يَعْنِي: المكذبين بآيَات الله.
وَقَوله: ﴿ودوا لَو تدهن فيدهنون﴾ أَي: تضعف فِي أَمرك فيضعفون، أَو تلين لَهُم فيلينون.
والمداهنة معاشرة فِي الظَّاهِر، ومحالمة من غير مُوَافقَة الْبَاطِن.
وَقَالَ القتيبي فِي معنى الْآيَة: إِن الْكفَّار قَالُوا للنَّبِي نعْبد مَعَك إلهك مُدَّة، وَتعبد مَعنا إلهنا مُدَّة، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿ودوا لَو تدهن فيدهنون﴾ أَي: تميل إِلَى مُرَادهم فيميلون إِلَى مرادك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِع كل حلاف مهين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة.
وَعَن مُجَاهِد: هُوَ الْأسود بن عبد يَغُوث.
وَعَن بَعضهم: هُوَ الْأَخْنَس بن شريق.
وَقيل: هُوَ على الْعُمُوم.
وَقَوله: ﴿كل حلاف﴾ أَي: كثير الْحلف.
وَقَوله: ﴿مهين﴾ أَي: حقير، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا: قلَّة الرَّأْي والتمييز.
وَقَوله: ﴿هماز﴾ أَي: (عتاب) مغتاب طعان فِي النَّاس.
وَقَوله: ﴿مشاء بنميم﴾ أَي: بالنميمة، وَهُوَ نقل الحَدِيث من قوم إِلَى قوم.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة حُذَيْفَة أَنه قَالَ: " لَا يدْخل الْجنَّة قَتَّات) أَي: نمام.
وَعنهُ
﴿بنميم (11) مناع للخير مُعْتَد أثيم (12) عتل﴾ . عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه قَالَ: " شرار النَّاس المشاءون بالنميمة الباغون للبراء الْعَنَت ". وَعَن يحيى بن أبي كثير قَالَ: يفْسد النمام فِي يَوْم مَا لَا يُفْسِدهُ السَّاحر فِي شهر.
وَقَوله: ﴿مناع للخير﴾ أَي: بخيل: وَيُقَال: مناع من الْإِسْلَام.
وَكَانَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة قَالَ لِبَنِيهِ وَأَهله: من أسلم مِنْكُم قطعت مِنْهُ رفدي ورفقي.
وَقَوله: ﴿مُعْتَد﴾ أَي: متجاوز فِي الظُّلم.
وَقَوله: ﴿أثيم﴾ أَي: كثير الْإِثْم.
قَوْله: ﴿عتل﴾ أَي: الْفَاحِش الْخلق.
وَقيل: الجافي الغليظ.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: من يعْمل السوء وَيعرف بِهِ.
أوردهُ النقاش.
وَقد روى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَلا أنبئكم بِأَهْل النَّار؟ كل جعظري جواظ صخاب بالأسواق، جيفة بِاللَّيْلِ حمَار بِالنَّهَارِ، وعالم بالدنيا جَاهِل بِالآخِرَة ".
فَمَعْنَى الجعظري: هُوَ الأكول الشروب الظلوم، وَهُوَ كالعتل.
والجواظ: هُوَ الْجِمَاع المناع، ذكره شَدَّاد بن أَوْس، وَقَالَ ثَعْلَب: الجواظ: هُوَ الْكثير اللَّحْم المختال فِي مشيته.
وَيُقَال: فلَان جظ، أَي: ضخم.
﴿بعد ذَلِك زنيم (13) أَن كَانَ ذَا مَال وبنين (14) إِذا تتلى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أساطير الْأَوَّلين (15) سنسمه على الخرطوم (16) إِنَّا بلوناهم﴾
وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار أَن النَّبِي - عَلَيْهِ السَّلَام - قَالَ: " تبْكي السَّمَاء من عبد أصح الله جِسْمه، وأرحب جَوْفه، وَأَعْطَاهُ مقضما ثمَّ يكون ظلوما، وتبكي السَّمَاء من شيخ زَان، وتكاد الأَرْض لَا تقله ".
وَقَوله: ﴿بعد ذَلِك زنيم﴾ أَي: دعِي.
وَقيل: ملصق بالقوم وَلَيْسَ مِنْهُم.
وَيُقَال: الَّذِي لَهُ زنمة فِي الشَّرّ يعرف بهَا مثل زنمة الشَّاة.
قَالَ حسان فِي الزنيم:
(زنيم تداعاه الرِّجَال زِيَادَة ... كَمَا زيد فِي عرض الْأَدِيم الأكاريع)
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَال وبنين﴾ وَقُرِئَ: " أأن كَانَ ".
فَقَوله: ﴿أَن﴾ أَي: لِأَن كَانَ ذَا مَال وبنين يفعل كَذَا وَيَقُول كَذَا أَي: لأجل أَنه.
وَقَوله: " أأن كَانَ " أَي: وَلَا تطعه، وَإِن كَانَ ذَا مَال وبنين.
وَقَوله: ﴿إِذا تتلى عَلَيْهِ آيَاتنَا قَالَ أساطير الْأَوَّلين﴾ قد بَينا.
والأساطير وَاحِدهَا أسطورة.
وَقَالَ الْكسَائي: ترهات من الْكَلَام لَا نظام لَهَا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة والمبرد وَغَيرهمَا: الخرطوم: الْأنف.
وَمَعْنَاهُ: يَجْعَل على أَنفه سمة يعرف بهَا أَنه من أهل النَّار.
قَالَ جرير:
(لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعَلى البعيث جدعت أنف الأخطل)
وَيُقَال: معنى قَوْله: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ أَي: سنسود وَجهه، (وَوصف) الْأنف مَوضِع الْوَجْه لِأَنَّهُ مِنْهُ.
وَقيل: يلصق بِهِ عارا ومسبة وشيئا لَا يُفَارِقهُ أبدا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا بلوناهم﴾ أَي: أهل مَكَّة، وَذَلِكَ حِين دَعَا رَسُول الله