الصف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونعيم﴾ أَي: بساتين ونعمة.
﴿مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (16) إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونعيم (17) فاكهين بِمَا آتَاهُم رَبهم ووقاهم رَبهم عَذَاب الْجَحِيم (18) كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (19) ﴾
وَقَوله: ﴿فاكهين﴾ قَالَ ابْن عَرَفَة وَهُوَ نفطويه النَّحْوِيّ فاكهين: ناعمين.
وَيُقَال: فاكهين ذَوي فَاكِهَة.
يُقَال: فلَان لِابْنِ أَي: ذُو لبن: وتامر أَي: ذُو تمر.
وَقُرِئَ: ﴿فكهين﴾ أَي: معجبين مسرورين بحالهم.
وَقَوله: ﴿بِمَا آتَاهُم رَبهم﴾ أَي: أَعْطَاهُم رَبهم.
وَقَوله: ﴿ووقاهم رَبهم عَذَاب الْجَحِيم﴾ أَي: عَذَاب النَّار، والجحيم: مُعظم النَّار.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ أَي: تهنئون هَنِيئًا.
وَقَوله: ﴿بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ أَي: تَعْمَلُونَ من الطَّاعَات.
قَوْله تَعَالَى: ﴿متكئين على سرر﴾ هُوَ جمع سَرِير.
وَقَوله: ﴿مصفوفة﴾ أَي مضموم بَعْضهَا إِلَى بعض.
وَيُقَال: مصطفة.
وَفِي التَّفْسِير: أَن ارْتِفَاع السرير يكون كَذَا كَذَا ميلًا، فَإِذا أَرَادَ الْمُؤمن أَن يَصْعَدهُ تطامن حَتَّى يرْتَفع عَلَيْهِ الْمُؤمن، ثمَّ يعود إِلَى مَا كَانَ.
وَقَوله: ﴿وزوجناهم﴾ أَي: قرناهم، قَالَه الْفراء والزجاج وَغَيرهمَا من أهل الْمعَانِي.
قَالُوا: وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ التَّزْوِيج الْمَعْرُوف الَّذِي يكون فِي الدُّنْيَا، فَإِن عقد التَّزْوِيج من عُقُود الدُّنْيَا لَيْسَ من عُقُود الْآخِرَة.
وَقَوله: ﴿بحور عين﴾ الْحور: الْبيض، وَمِنْه الْحوَاري، وَمِنْه الحواريون، لأَصْحَاب عِيسَى، وهم القصارون الَّذين يبيضون الثِّيَاب.
وَالْعرب تسمى نسَاء الْأَمْصَار حواريات لبياضهن.
وَقَالَ بَعضهم:
(فَقَالَ للحواريات يبْكين غَيرنَا ... وَلَا تبكنا إِلَّا الْكلاب النوابح)
وَقَوله: ﴿عين﴾ أَي: حسان الْعين.
وَيُقَال: سميت الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ حوراء؛ لشدَّة
﴿متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ بياضها، وَسَوَاد (حدقتيها) .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وأتبعناهم ذرياتهم﴾ وَقُرِئَ: " وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ " وَفِي الْخَبَر مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس وَمَرْفُوعًا إِلَى رَسُول الله: " أَن الله تَعَالَى يرفع ذُرِّيَّة الْمُؤمن إِلَى دَرَجَته، وَإِن لم يبلغهَا عَمَلهم؛ لتقر عينهم بهم " وَعَن بَعضهم أَن هَذَا فِي الْآبَاء مَعَ الْأَوْلَاد، وَالْأَوْلَاد مَعَ الْآبَاء جَمِيعًا، كَأَن الله تَعَالَى يبلغ الْوَالِد دَرَجَة الْوَلَد إِذا كَانَ أرفع مِنْهُ فِي الدرجَة، ويبلغ الْوَلَد دَرَجَة الْوَالِد إِذا كَانَ أرفع مِنْهُ فِي الدرجَة.
وَقد ورد فِي بعض الْكتب: أَن هَذَا يكون أَيْضا للْأَخ مَعَ أَخِيه فِي الْإِيمَان يَقُول الْأَخ: يَا رب، ارفعه إِلَى درجتي، فَيَقُول: إِنَّه لم يعْمل مثل عَمَلك، فَيَقُول: إِنِّي عملت لنَفْسي وَله.
وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي " أَن أَوْلَاد الْمُؤمنِينَ يكونُونَ مَعَ آبَائِهِم فِي الْجنَّة وَأَوْلَاد الْكفَّار مَعَ آبَائِهِم فِي النَّار.
"
( ﴿بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أَن أَوْلَاد الْمُشْركين يكونُونَ خدم أهل الْجنَّة ". وَقد ثَبت بِرِوَايَة عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا: أَنه مَاتَ صبي من الْأَنْصَار، فَقَالَت عَائِشَة: طُوبَى لَهُ عُصْفُور من عصافير الْجنَّة، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " يَا عَائِشَة أَو غير ذَلِك؟ إِن الله تَعَالَى خلق النَّار وَخلق لَهَا أَهلا، وخلقهم لَهَا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم، وَخلق الْجنَّة وَخلق لَهَا أَهلا، خلقهمْ لَهَا وهم فِي أصلاب آبَائِهِم ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بذلك أَبُو عَليّ الشَّافِعِي رَحمَه الله بِمَكَّة، أخبرنَا أَبُو الْحسن بن فراس أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد المقرىء أخبرنَا جدي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن عَائِشَة بنت طَلْحَة، عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، عَن النَّبِي ... وَالْخَبَر فِي صَحِيح مُسلم.
وَقد قَالَ أهل الْعلم: إِن الْأَصَح فِي ذرارى الْمُؤمنِينَ أَنهم فِي الْجنَّة، وَيحْتَمل أَن النَّبِي إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على مَا كَانَ عرفه فِي الأَصْل، ثمَّ إِن الله تَعَالَى أخبرهُ أَن ذرارى الْمُسلمين فِي الْجنَّة بِهَذِهِ الْآيَة وَغَيرهَا، وأنما ذرارى الْكفَّار: فَالْأَصَحّ أَن الْأَمر فيهم على التَّوَقُّف على مَا روى عَن النَّبِي " أَنه سُئِلَ عَن أَطْفَال الْمُشْركين فَقَالَ: الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين ".
وَقَوله: ﴿بِإِيمَان﴾ أَي: بإيمَانهمْ، إِمَّا بإيمَانهمْ بِأَنْفسِهِم، أَو بِثُبُوت الْإِيمَان لَهُم
﴿وَمَا ألتناهم من عَمَلهم من شَيْء كل امْرِئ بِمَا كسب رهين (21) وأمددناهم بفاكهة وَلحم مِمَّا يشتهون (22) يتنازعون فِيهَا كأسا﴾ بِإِيمَان الْآبَاء.
﴿ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ أَي: فِي الدرجَة على مَا قُلْنَا.
وَقَوله: ﴿وَمَا ألتناهم من عَمَلهم من شَيْء﴾ أَي: مَا نقصناهم من عَمَلهم من شَيْء.
وَقَرَأَ ابْن كثير: " وَمَا ألتناهم " بِكَسْر اللَّام، وَالْأول هُوَ الأولى.
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " وَمَا لتناهم " وَالْكل بِمَعْنى وَاحِد.
قَالَ الشَّاعِر:
(أبلغ بنى ثقل عني مغلغلة ... جهد الرسَالَة لَا ألتا وَلَا كذبا)
قَوْله تَعَالَى: ﴿كل امْرِئ بِمَا كسب رهين﴾ هَذَا فِي الْمُشْركين، وَمَعْنَاهُ: أَن الْكفَّار محبوسون فِي النَّار بعملهم، وَأما الْمُؤمن فَهُوَ غير مَحْبُوس وَلَا مُرْتَهن، فَإِن ارْتهن بِعَمَلِهِ فَلَا بُد أَن يدْخل النَّار.
وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ: " لن يُنجي أحدا مِنْكُم عمله، قيل: وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله برحمة مِنْهُ وَفضل لَهُ ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأمددناهم بفاكهة﴾ هَذَا رُجُوع إِلَى صفة أهل الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وَلحم طير مِمَّا يشتهون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يتنازعون فِيهَا كأسا﴾ أَي: يتعاطون، وَالْمعْنَى: بَعضهم يُعْطي بَعْضًا على مَا يفعل الشَّرَاب فِي الدُّنْيَا.
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(فَلَمَّا تنازعنا الحَدِيث وأسمحت ... هصرت بِغُصْن ذِي شماريخ ميال)
﴿لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تأثيم﴾ وَيَطوف عَلَيْهِم غلْمَان لَهُم كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ منكون وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون قَالُوا إِنَّا كُنَّا قبل فِي أهلنا فِي أهلنا مشفقين
وَقَوله ﴿لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تأثيم﴾ أَي: لَا يجْرِي بَينهم كَلَام بَاطِل، وَلَا كَلَام يَأْثَم بِهِ قَائِله، على مَا يكون بَين الشَّرَاب فِي الدُّنْيَا.
قَالَ القتيبي: مَعْنَاهُ: لَا يسكرون فَيكون مِنْهُم كَلَام لَغْو أَو كَلَام يأثمون بِهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَطوف عَلَيْهِم غلْمَان لَهُم كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ مَكْنُون﴾ أَي: مصون مَسْتُور من الشَّمْس وَالرِّيح، وَمن كل مَا يذهب صفاءه وبهاءه ويغيره.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون﴾ فِي الْآيَة دَلِيل على أَن أهل الْجنَّة يَجْتَمعُونَ، ويذكرون أَحْوَال الدُّنْيَا، وَيسْأل بَعضهم بَعْضًا عَن ذَلِك.