الصافات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿فمالئون مِنْهَا الْبُطُون (66) ثمَّ إِن لَهُم عَلَيْهَا لشوبا من حميم (67) ثمَّ إِن مرجعهم لإلى الْجَحِيم (68) إِنَّهُم ألفوا آبَاءَهُم ضَالِّينَ (69) فهم على آثَارهم يهرعون (70) وَلَقَد ضل قبلهم أَكثر الْأَوَّلين (71) وَلَقَد أرسلنَا فيهم منذرين (72) فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُنْذرين (73) إِلَّا عباد الله المخلصين (74) وَلَقَد نادانا نوح فلنعم المجيبون﴾
فَشبه بأنياب الأغوال، وَلم ير الأغوال، وَلَكِن صَحَّ التَّشْبِيه لما تقرر فِي النُّفُوس قبحها، وَقَالَ بَعضهم: الشَّيْطَان هَا هُنَا حَيَّة قبيحة المنظر، فَمَعْنَاه: كَأَنَّهَا رُءُوس الْحَيَّات، وَالْعرب تسمي كل قَبِيح مَكْرُوه شَيْطَانا، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ اسْم لنبت من الثَّمر خشن اللَّمْس منتن الرّيح.
وَقَوله: ﴿إِنَّا جعلناهم فتْنَة للظالمين﴾ فتنتهم بهَا هُوَ مَا قَالَ أَبُو جهل، وَزعم أَنه الزّبد وَالتَّمْر، وَمن فتنتهم أَيْضا بهَا أَنهم قَالُوا كَيفَ تنْبت شَجَرَة فِي النَّار، وَالنَّار تحرق الشّجر؟
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُم لآكلون مِنْهَا فمالئون مِنْهَا الْبُطُون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِن لَهُم عَلَيْهَا لشوبا من حميم﴾ أَي: لخلطا من حميم.
وَقَوله: ﴿ثمَّ إِن مرجعهم لإلى الْجَحِيم﴾ أَي: منقلبهم، وَيُقَال: إِن شَجَرَة الزقوم فِي الْبَاب السَّادِس من أَبْوَاب النَّار؛ فَيخْرجُونَ من الْجَحِيم إِلَيْهِ حَتَّى يَأْكُلُون الزقوم ثمَّ يردون إِلَى الْجَحِيم؛ فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿قُم ثمَّ إِن مرجعكم لإلى الْجَحِيم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم ألفوا آبَاءَهُم ضَالِّينَ﴾ أَي: وجدوا آبَاءَهُم على الضَّلَالَة،
وَقَوله: ﴿فهم على آثَارهم يهرعون﴾ أَي: يسرعون، والإهراع هُوَ الْإِسْرَاع،
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد ضل قبلهم أَكثر الْأَوَّلين وَلَقَد أرسلنَا فيهم منذرين فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُنْذرين﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا عباد الله المخلصين﴾ وَقُرِئَ: " مُخلصين " بِكَسْر اللَّام، فَقَوله: ﴿مُخلصين﴾ أَي: الَّذين أخلصهم الله واختارهم، وَأما بِالْكَسْرِ أَي: الَّذين أَخْلصُوا الْعَمَل لله تَعَالَى.
( ﴿75) ونجيناه وَأَهله من الكرب الْعَظِيم (76) وجعنا ذُريَّته هم البَاقِينَ (77) وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين (78) سَلام على نوح فِي الْعَالمين (79) إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّه من عبادنَا الْمُؤمنِينَ (81) ثمَّ أغرقنا الآخرين (82) وَإِن من شيعته لإِبْرَاهِيم (83) إِذْ جَاءَ ربه بقلب سليم (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَومه مَاذَا تَعْبدُونَ (85) أئفكا آلِهَة﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد نادانا نوح فلنعم المجيبون﴾ أَي: نعم الْمُجيب نَحن لَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿المجيبون﴾ على مَا يَقُول الْمُلُوك والعظماء، ويخبرون عَن أنفسهم بِلَفْظ الْجَمَاعَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ونجيناه وَأَهله من الكرب الْعَظِيم﴾ أَي: الْغم الْعَظِيم،
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا ذُريَّته هم البَاقِينَ﴾ قد بَينا أَن النَّاس من نسل نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَلم يبْق أحد من نسل غَيره.
وَقَوله: ﴿وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين﴾ أَي: وَتَركنَا عَلَيْهِ الذّكر الْجَمِيل وَالثنَاء الْحسن فِي الآخرين،
قَوْله تَعَالَى: ﴿سَلام على نوح فِي الْعَالمين﴾ أَي: السَّلامَة لَهُ منا فِي الْعَالمين، وَيُقَال: السَّلَام منا عَلَيْهِ فِي الْعَالمين،
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ إِنَّه من عبادنَا الْمُؤمنِينَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿ثمَّ أغرقنا الآخرين﴾ هم الْكفَّار، وَقد سبق ذكر نوح من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن من شيعته لإِبْرَاهِيم﴾ يُقَال: أَن الْهَاء هَا هُنَا رَاجع إِلَى مُحَمَّد وَالأَصَح انه رَاجع إِلَى نوح، والشيعة هم الأتباع، وَإِنَّمَا قَالَ من شيعته؛ لِأَنَّهُ كَانَ على مسلكه، ومنهاجه.
وَقَوله: ﴿إِذْ جَاءَ ربه بقلب سليم﴾ أَي: سليم من الشّرك، قَالَ عُرْوَة بن الزبير: لم يلعن شَيْئا قطّ، فهم معنى قَوْله: ﴿سليم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَومه مَاذَا تَعْبدُونَ﴾ مَعْنَاهُ: أَي شَيْء تَعْبدُونَ؟ وَهُوَ اسْتِفْهَام بطرِيق الْإِنْكَار والتوبيخ.
﴿دون الله تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظنكم بِرَبّ الْعَالمين (87) فَنظر نظرة إِلَى النُّجُوم (88) فَقَالَ إِنِّي سقيم (89) فتولوا عَنهُ مُدبرين (90) فرَاغ إِلَى آلِهَتهم فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿أئفكا آلِهَة﴾ أَي: تطلبون آلِهَة مؤتفكة، وَمعنى تطلبون أَي: تطلبون مِنْهَا مَا يطْلب من الله تَعَالَى، والإفك: الْكَذِب، وَمعنى المؤتفكة: أَي كَذبْتُمْ لأَجلهَا على الله، واخترعتموها من قبل أَنفسكُم.
قَوْله تَعَالَى: { [أئفكا آلِهَة دون الله تُرِيدُونَ]
فَمَا ظنكم بِرَبّ الْعَالمين) مَعْنَاهُ: فَمَا ظنكم بِرَبّ الْعَالمين إِذا لقيتموه، وَأي شَيْء تتوقعون مِنْهُ، وَقد فَعلْتُمْ مَا فَعلْتُمْ!
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنظر نظرة فِي النُّجُوم فَقَالَ إِنِّي سقيم﴾
قَالَ الْخَلِيل والمبرد: تَقول الْعَرَب لكل من نظر فِي أمره وتدبر مَاذَا يفعل قد نظر فِي النُّجُوم، هَذَا قَول، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه كَانَ نجم يطلع فِي ذَلِك الزَّمَان، وَكَانَ كل من نظر إِلَيْهِ يَزْعمُونَ أَنه يُصِيبهُ الطَّاعُون، وَيُقَال: إِنَّه كَانَ زحل؛ فَقَوله: ﴿فَنظر نظرة فِي النُّجُوم﴾ أَي: نظر إِلَى النَّجْم: ﴿فَقَالَ إِنِّي سقيم﴾ أَي: أصابني الطَّاعُون على مَا تَزْعُمُونَ، وَكَانُوا يفرون من المطعون فِرَارًا عَظِيما، ويزعمون أَنه يعدي، ذكره السّديّ.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن معنى قَوْله: ﴿فَنظر نظرة فِي النُّجُوم﴾ أَي: فِيمَا نجم لَهُ من الْأَمر أَي: ظهر.
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن قَوْله: ﴿فَنظر نظرة فِي النُّجُوم﴾ أَي: ينظر فِي النُّجُوم على مَا ينظر فِيهِ أهل النُّجُوم، وكايدهم بذلك عَن دينه، وَكَانُوا أهل نُجُوم، ويزعمون أَن الْأَحْكَام تصدر مِنْهَا، والحوادث تكون عَنْهَا؛ فَنظر فِي النُّجُوم، وَقَالَ هَذِه الْمقَالة ليتركوه، ويتوصل بذلك إِلَى كيد أصنامهم.
وَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن علم النُّجُوم كَانَ حَقًا إِلَى أَن حبست الشَّمْس ليوشع بن نون فتشوش الْأَمر عَلَيْهِم، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿إِنِّي سقيم﴾ قد بَينا، سقيم أَي: سأسقم، وَلَا بُد لكل صَحِيح أَن يسقم، وَقيل: يسقم الْقلب لقبح أفعالكم، وَهَذَا هُوَ إِحْدَى الكذبات الثَّلَاث الَّتِي كذبهَا
( ﴿91) مَا لكم لَا تنطقون (92) فرَاغ عَلَيْهِم ضربا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يزفون (94) قَالَ أتعبدون مَا تنحتون (95) وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ﴾ إِبْرَاهِيم فِي الله، وَالْخَبَر فِي ذَلِك مَعْرُوف صَحِيح، وَقد روينَا.
وَقَالَ بَعضهم: كَانَ ذَلِك من معاريض الْكَلَام، وَلم يكن كذبا صَرِيحًا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتولوا عَنهُ مُدبرين﴾ أَي: توَلّوا عَنهُ وتركوه.
وَقد ذكرنَا أَنهم خَرجُوا إِلَى عيد لَهُم، فَلَمَّا خَرجُوا وَبَقِي إِبْرَاهِيم وَحده عمد إِلَى بَيت أصنافهم ودخله، وَكَانَ الطَّعَام مَوْضُوعا بَين أَيْديهم؛ فَقَالَ: أَلا تَأْكُلُونَ؟ فَهُوَ معنى
قَوْله: ﴿فرَاغ إِلَى آلِهَتهم﴾ وَقَوله: " راغ " أَي: مَال.
وَقَوله: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ هَذَا على طَرِيق الْإِنْكَار على الْمُشْركين؛ لأَنهم كَانُوا قدمُوا الطَّعَام إِلَيْهِم ليأكلوا.
قَوْله: ﴿مَا لكم لَا تنطقون﴾ أَي: لَا تتكلمون، وَهُوَ أَيْضا مَذْكُور على طَرِيق الْإِنْكَار،
قَوْله تَعَالَى: ﴿فرَاغ عَلَيْهِم﴾ أَي: فَمَال عَلَيْهِم يضْرب ضربا بِالْيَمِينِ.
وَقَوله: ﴿بِالْيَمِينِ﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا أَن مَعْنَاهُ: يَضْرِبهُمْ بِيَمِينِهِ، وَمعنى يَضْرِبهُمْ أَي: يكسرهم، وَيُقَال بِالْيَمِينِ أَي: بِالْقُوَّةِ.
وَالْقَوْل الثَّالِث: بِالْيَمِينِ أَي: بِالْيَمِينِ الَّتِي سبقت مِنْهُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يزفون﴾ أَي: يسرعون،
وَقَوله: ﴿قَالَ أتعبدون مَا تنحتون﴾ أَي: تنحتون بِأَيْدِيكُمْ،
وَقَوله: ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ من هَذِه الْأَصْنَام، فَإِذا كَانَ الله خلقهَا فَلَا يصلح أَن تتخذوها آلِهَة، وَفِي الْآيَة دَلِيل على أهل الاعتزال فِي أَن أَعمال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى وَالدَّلِيل فِي ذَلِك وَاضح، وَهُوَ مَعْلُوم فِي (الْكتب) .
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بنيانا﴾ أَي: حَظِيرَة، وَقيل: إيوانا.
﴿بنيانا فألقوه فِي الْجَحِيم (97) فأرادوا بِهِ كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سيهدين (99) رب هَب لي من الصَّالِحين (100) فبشرناه بِغُلَام حَلِيم﴾
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: بنوا موضعا وَجعلُوا حوائطه من حَدِيد، طوله فِي السَّمَاء ثَلَاثُونَ ذِرَاعا، وَعرضه عشرُون ذِرَاعا.
وَقَوله: ﴿فألقوه فِي الْجَحِيم﴾ الْجَحِيم كل مَوضِع عظمت فِيهِ النَّار وَكَثُرت، وَيُقَال: الْجَحِيم نَار على نَار، وجمر على جمر.
وَقَوله: ﴿فأرادوا بِهِ كيدا﴾ كيدهم: هُوَ قصدهم إحراقه بالنَّار، وَقَوله: ﴿فجعلناهم الأسفلين﴾ أَي: المهلكين، وَقيل: الأسفلين فِي الْحجَّة، كَانَ حجَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم، وَظَهَرت عَلَيْهِم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سيهدين﴾ .
فِي الْقِصَّة: أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لما ألقِي فِي النَّار؛ قَالَ حِين ألقِي: حسبي الله وَنعم الْوَكِيل؛ فَجعل الله النَّار عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا، قَالَ كَعْب: لم تحرق شَيْئا مِنْهُ إِلَّا وثَاقه، وَفِي الْقِصَّة: أَن نمروذ اطلع عَلَيْهِ فَرَآهُ فِي رَوْضَة خضراء عَن يَمِينه شخص، وَكَانَ هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَعَن يسَاره فرَاش من حَرِير أنزلهُ الله عَلَيْهِ من الْجنَّة.
وَقَوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي﴾ فِيهِ قَولَانِ: أحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه قَالَ بعد أَن خرج من النَّار، وَأمره الله بِالْهِجْرَةِ إِلَى الشَّام.
وَالْقَوْل الآخر: أَنه قَالَ هَذَا قبل أَن [يلقى] فِي النَّار، وَكَانَ عِنْده أَنه إِذا ألقِي فِي النَّار هلك، وَلم يتَخَلَّص مِنْهَا؛ فَقَالَ هَذَا القَوْل إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي.
وَقَوله: ﴿سيهدين﴾ على هَذَا القَوْل مَعْنَاهُ: إِلَى طَرِيق الْجنَّة، وعَلى القَوْل الأول سيهدين أَي: سيرشدني إِلَى الْموضع الَّذِي أمرت بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿رب هَب لي من الصَّالِحين﴾ أَي: هَب لي ولدا صَالحا من الصَّالِحين،
قَوْله تَعَالَى ﴿فبشرناه بِغُلَام حَلِيم﴾ أَي: غُلَام حَلِيم فِي صغره، عليم فِي
( ﴿101) فَلَمَّا بلغ مَعَه السَّعْي قَالَ يَا بني إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك فَانْظُر مَاذَا ترى قَالَ يَا أَبَت افْعَل مَا تُؤمر ستجدني إِن شَاءَ الله من الصابرين (102) فَلَمَّا أسلما وتله﴾ كبره، وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَنه بشره بِأَنَّهُ يكبر، ويعمر حَتَّى يُوصف (بالحلم) وَالْوَقار.
وَاخْتلفُوا أَن هَذَا الْغُلَام كَانَ إِسْمَاعِيل أَو إِسْحَاق.
فَذهب قوم إِلَى أَنه إِسْحَاق عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَكَعب وَقَتَادَة وَجَمَاعَة، وَذهب جمَاعَة إِلَى أَنه إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَغَيرهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا بلغ مَعَه السَّعْي﴾ قَالَ ثَعْلَب: السَّعْي مشي بِسُرْعَة، وَاخْتلفُوا فِي السَّعْي هَاهُنَا، قَالَ بَعضهم: هُوَ الْعَمَل مَعَه، كَأَنَّهُ صَار يُعينهُ فِي عمله، وَقيل: السعى إِلَى الْجَبَل، وَيُقَال: بلغ مَعَه السَّعْي أَي: الْعِبَادَة لله تَعَالَى.
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا بني إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك﴾ أَي: أمرت بذبحك، قَالَ ابْن عَبَّاس: رُؤْيا الْأَنْبِيَاء وَحي، وَيُقَال: رَأَيْت فِي الْمَنَام مَا يدل على أَنِّي أمرت بذبحك.
وَقَوله: ﴿فَانْظُر مَاذَا ترى﴾ وَقَرَأَ حَمْزَة: " مَاذَا ترى " أما قَوْله: ﴿مَاذَا ترى﴾ أَي: مَاذَا ترى فِيمَا أَمر الله بِهِ، فَإِن قيل: كَيفَ يشاوره فِيمَا أمره الله بِهِ، وَهُوَ أَمر حتم لَا يجوز تَركه؟
وَالْجَوَاب عَنهُ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن المُرَاد مِنْهُ إخْبَاره.
وَالْآخر: أَنه أَرَادَ امتحانه فِي التَّسْلِيم بِحكم الله.
وَأما الْقِرَاءَة الْأُخْرَى، وَهِي قَوْله: ﴿مَاذَا ترى﴾ فِيهِ مَعْنيانِ أَحدهمَا: مَاذَا تُشِير؟ وَالْآخر: مَاذَا ترى من صبرك؟ ذكره الْفراء.
وَقَوله: ﴿قَالَ يَا أَبَت افْعَل مَا تُؤمر﴾ قَالَ ذَلِك انقيادا لأمر ربه وطواعية، وَقَوله:
﴿للجبين (103) وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم (104) قد صدقت الرءيا إِنَّا كَذَلِك نجزي﴾ ﴿ستجدني إِن شَاءَ الله من الصابرين﴾ أَي: الصابرين على حكم الله.