تفسير السمعانيصفحات 152-167
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الشعراء

صفحات 152-167
عن هذه الطبعة
عَلَم
السمعاني، أبو المظفر
الكتاب
تفسير القرآن
المؤلف
أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وَقَوله: ﴿فَأَما من تَابَ وآمن وَعمل صَالحا فَعَسَى أَن يكون من المفلحين﴾ أَي: من السُّعَدَاء الناجحين، وَفِي بعض التفاسير: أَن عَسى وَاجِب فِي جَمِيع الْقُرْآن، إِلَّا فِي قَوْله: ﴿عَسى ربه إِن طَلَّقَكُن﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار﴾ أَي: يخلق مَا يَشَاء من الْخلق، ويختار من يَشَاء للنبوة.
وَيُقَال: إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْوَلِيد بن الْمُغيرَة حَيْثُ قَالَ لَوْلَا أنزل الْقُرْآن على رجل من القريتين عَظِيم، فَأَرَادَ بِهِ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة نَفسه وَعُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، والقريتين: مَكَّة والطائف، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.

﴿الْخيرَة سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ (68) وَرَبك يعلم مَا تكن صُدُورهمْ وَمَا يعلنون (69) وَهُوَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة وَله الحكم وَإِلَيْهِ ترجعون (70) قل أَرَأَيْتُم إِن جعل الله عَلَيْكُم اللَّيْل سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من إِلَه غير﴾ قَوْله: ﴿مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة﴾ يَعْنِي: أَن الِاخْتِيَار إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُم اخْتِيَار على الله، وَقيل: إِن الْآيَة نزلت فِي ذَبَائِحهم للأصنام، وَكَانُوا يجْعَلُونَ الأسمن للأصنام، ويجعلون مَا هُوَ شَرّ لله.
وَقَوله: ﴿سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾ نزه نَفسه عَمَّا ينْسبهُ إِلَيْهِ الْمُشْركُونَ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبك يعلم مَا تكن صُدُورهمْ﴾ أَي: مَا تخفى صُدُورهمْ ﴿وَمَا يعلنون﴾ أَي: يظهرون.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة﴾ أَي: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
وَيُقَال: فِي الأولى وَالْآخِرَة أَي: فِي الأَرْض وَالسَّمَاء.
وَقَوله: ﴿وَله الحكم﴾ أَي: فصل الْقَضَاء بَين العبيد.
وَقَوله: ﴿وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ قد بَينا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن جعل الله عَلَيْكُم اللَّيْل سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَي: دَائِما.
وَقَوله: ﴿من إِلَه غير الله يأتيكم بضياء﴾ أَي: بنهار.
وَقَوله: ﴿أَفلا تَسْمَعُونَ﴾ أَي: أَفلا تعقلون، وَيُقَال: أَفلا تَسْمَعُونَ سمع تفهم.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَرَأَيْتُم إِن جعل الله عَلَيْكُم النَّهَار سرمدا﴾ أَي: دَائِما، وَقَوله: ﴿من إِلَه غير الله يأتيكم بلَيْل تسكنون فِيهِ أَفلا تبصرون﴾ مَعْنَاهُ: أَفلا تعلمُونَ، فَإِن قَالَ قَائِل: مَا وَجه مصلحَة اللَّيْل فِي الدُّنْيَا، وَلَيْسَ فِي الْجنَّة ليل؟ وَالْجَوَاب عَنهُ أَن الدُّنْيَا لَا تَخْلُو عَن تَعب التكاليف والتكليفات، فَلَا بُد لَهُ من وَقت يفضى فِيهِ إِلَى الرَّاحَة (من التَّعَب وَأما الْجنَّة فَهُوَ مَوضِع التَّصَرُّف فِي الملاذ، وَلَيْسَ فِيهَا تَعب أصلا، ﴿الله يأتيكم بضياء أَفلا تَسْمَعُونَ (71) قل أَرَأَيْتُم إِن جعل الله عَلَيْكُم النَّهَار سرمدا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من إِلَه غير الله يأتيكم بلَيْل تسكنون فِيهِ أَفلا تبصرون (72) وَمن رَحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ ولتبتغوا من فَضله ولعلكم تشكرون (73) وَيَوْم يناديهم فَيَقُول أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا من كل أمة شَهِيدا فَقُلْنَا هاتوا برهانكم فَعَلمُوا أَن الْحق لله وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون (75) إِن قَارون كَانَ﴾ فَلَا يحْتَاج إِلَى وَقت يفضى فِيهِ إِلَى الرَّاحَة) أصلا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن رَحمته جعل لكم اللَّيْل وَالنَّهَار لتسكنوا فِيهِ﴾ أَي: لتسكنوا فِي اللَّيْل، وَقَوله: ﴿ولتبتغوا من فَضله﴾ أَي: بِالنَّهَارِ.
وَقَوله: ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أَي: تشكرون نعم الله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ قد بَينا الْمَعْنى، وَيجوز أَن يُوجد نِدَاء بعد نِدَاء لزِيَادَة التقريع والتوبيخ.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا من كل أمة شَهِيدا﴾ أَي: استخرجنا من كل أمة شَاهدا يشْهد عَلَيْهِم، وَالْأَظْهَر أَن الشَّهِيد على كل أمة نَبِيّهم.
وَقَوله: ﴿فَقُلْنَا هاتوا برهانكم﴾ أَي: حجتكم وبينتكم.
وَقَوله: ﴿فَعَلمُوا أَن الْحق لله﴾ أَي: عجزوا عَن إِظْهَار الْحجَّة، وَعَلمُوا أَن الْحق لله.
وَقَوله: ﴿وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: ضل عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة مَا كَانُوا يفترون فِي الدُّنْيَا، وَمعنى ضل: فَاتَ وَذهب.

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن قَارون﴾ قَالَ قَتَادَة وَابْن جريح: كَانَ ابْن عَم مُوسَى لحا.
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: كَانَ ابْن أخي مُوسَى غير هَارُون.
وَقَوله: ﴿فبغى عَلَيْهِم﴾ قَالَ الضَّحَّاك: أَي: بالشرك.
وَقَالَ شهر بن حَوْشَب: بغى عَلَيْهِم: زَاد فِي ثِيَابه شبْرًا على ثِيَاب النَّاس.
وَقَالَ بَعضهم: بغى عَلَيْهِم بالتكبر

﴿من قوم مُوسَى فبغى عَلَيْهِم وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا إِن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي الْقُوَّة إِذْ﴾ والعلو.
وَمن الْمَعْرُوف فِي التفاسير: أَن قَارون كَانَ أَقرَأ رجل من بني إِسْرَائِيل للتوراة، وَكَانَ حسن الصَّوْت، ثمَّ إِنَّه نَافق؛ فروى أَنه قَالَ لمُوسَى: أَنْت أخذت النُّبُوَّة، وَهَارُون أَخذ المذبح والحبورة، فأيش لي؟ وَفِي الْقِصَّة: أَنه أعْطى امْرَأَة بغيا من بني إِسْرَائِيل ألفي دِرْهَم، وَطلب مِنْهَا أَن تَأتي نَادِي بني إِسْرَائِيل، ومُوسَى فيهم، فتدعي عَلَيْهِ أَنه زنا بهَا، وَمِنْهُم من قَالَ: تَدعِي عَلَيْهِ أَنه دَعَاهَا إِلَى نَفسه، فَجَاءَت وَادعت عَلَيْهِ ذَلِك.
وروى أَنَّهَا خَافت، وأخبرت أَن قَارون أَعْطَاهَا مَالا لتدعي ذَلِك.
وَفِي الرِّوَايَة الأولى: أَنَّهَا لما ادَّعَت على مُوسَى ذَلِك تغير مُوسَى تغيرا شَدِيدا، وَقَالَ لَهَا: بِالَّذِي أنزل التَّوْرَاة وفلق الْبَحْر اصدقي، فَحِينَئِذٍ خَافت، وَذكرت الْأَمر على وَجهه، فَدَعَا الله تَعَالَى مُوسَى على قَارون، فَسَلَّطَهُ الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَجعل الأَرْض طَوْعًا لَهُ على مَا سَنذكرُهُ.
وَقَوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ من الْكُنُوز مَا إِن مفاتحه﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: خزائنه، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعِنْده مفاتح الْغَيْب﴾ أَي: خَزَائِن الْغَيْب، وَالثَّانِي: أَن المفاتح هُوَ مقاليد الخزائن.
وَعَن بَعضهم: أَن كل مِفْتَاح كَانَ على قدر أصْبع، وَكَانَ يحملهَا سِتُّونَ بغلة، وَقيل: أَرْبَعُونَ بغلة، وَيُقَال: أَرْبَعُونَ رجلا، وَقَوله ﴿لتنوء﴾ أَي: تثقل الْعصبَة.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هَذَا من المقلوب، وَتَقْدِيره: مَا إِن الْعصبَة لتنوء بهَا.
يُقَال: ناء فلَان بِكَذَا أَي: نَهَضَ بِهِ مُثقلًا، وَيُقَال مَعْنَاهُ: لتنوء بالعصبة.
وَأما الْعصبَة فَفِيهَا أقاويل: أَحدهَا: أَنهم سَبْعُونَ رجلا، وَالْآخر: أَرْبَعُونَ رجلا، وَقَالَ بَعضهم: من الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين، وَقَالَ بَعضهم: سِتَّة أَو سَبْعَة، وَقَالَ بَعضهم: عشرَة؛ لِأَن إخْوَة يُوسُف قَالُوا: وَنحن عصبَة، وَقد كَانُوا عشرَة.
والعصبة فِي اللُّغَة هم الْقَوْم الَّذين يتعصب بَعضهم بِبَعْض.
وَقَوله: ﴿بالعصبة أولى الْقُوَّة﴾ أَي: أولى الشدَّة.

﴿قَالَ لَهُ قومه لَا تفرح إِن الله لَا يحب الفرحين (76) وابتغ فِيمَا آتاك الله الدَّار الْآخِرَة وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك وَلَا تَبْغِ الْفساد فِي الأَرْض إِن الله لَا يحب المفسدين (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتهُ على علم عِنْدِي أَو لم يعلم أَن الله قد﴾ وَقَوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قومه لَا تفرح﴾ أَي: لَا تبطر وَلَا تأشر، والفرح هَاهُنَا هُوَ السرُور بِغَيْر حق.
وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يحب الفرحين﴾ ظَاهر.

قَوْله: ﴿وابتغ فِيمَا آتاك الله الدَّار الْآخِرَة﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: بِطَلَب الْحَلَال.
وَقَالَ السّديّ: بِالصَّدَقَةِ وصلَة الرَّحِم.
وَعَن بَعضهم قَالَ: بالتقرب إِلَى الله بِكُل وُجُوه التَّقَرُّب.
وَقَوله: ﴿وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا﴾ أَي: طلب الْآخِرَة بِالَّذِي تعْمل فِي الدُّنْيَا، وَمَعْنَاهُ: اعْمَلْ فِي الدُّنْيَا لآخرتك، وَقَالَ بَعضهم: وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا أَي: بالاستغناء بِمَا أحل الله عَمَّا حرم الله.
وَفِي بعض أدعية الصَّالِحين: اللَّهُمَّ أغنني بحلالك عَن حرامك، وبفضلك عَمَّن سواك.
وَقَوله: ﴿وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾ أَي: وَأحسن بِطَاعَة الله كَمَا أحسن الله إِلَيْك بنعمه، وَيُقَال: وَأحسن بِطَلَب الْحَلَال كَمَا أحسن الله إِلَيْك بالحلال.
وَقَوله: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفساد فِي الأَرْض﴾ أَي: بالمعصية، وكل من عصى الله فقد طلب الْفساد فِي الأَرْض.
وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يحب المفسدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتهُ على علم عِنْدِي﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: إِن الله تَعَالَى أَعْطَانِي هَذَا المَال لفضل علمه عِنْدِي، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه علم الكيمياء.

﴿أهلك من قبله من الْقُرُون من هُوَ أَشد مِنْهُ قُوَّة وَأكْثر جمعا وَلَا يسْأَل عَن ذنوبهم المجرمون (78) فَخرج على قومه فِي زينته قَالَ الَّذين يُرِيدُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا يَا لَيْت لنا﴾ وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - علم يُوشَع بن نون ثلث الكيمياء، وَعلم قَارون ثلث الكيمياء؛ وَعلم هَارُون ثلث الكيمياء؛ فَكثر بذلك مَاله.
وَالْقَوْل الثَّالِث: على علم عِنْدِي بِوُجُوه المكاسب والتصرفات.
وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَن قَارون وجد كنزا ليوسف، فَكَانَ مَاله من هَذَا الْوَجْه.
وَقَوله: ﴿أَو لم يعلم أَن الله قد أهلك من قبله من الْقُرُون من هُوَ أَشد مِنْهُ قُوَّة وَأكْثر جمعا﴾ أَي: لِلْمَالِ.
وَقَوله: ﴿وَلَا يسْأَل عَن ذنوبهم المجرمون﴾ أَي: يَوْم الْقِيَامَة، فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ تَعَالَى: ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ﴾ وأمثال هَذَا من الْآيَات، وَهَاهُنَا قَالَ: (وَلَا يسْأَل عَن ذنوبهم المجرمون) فَكيف وَجه التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ؟ وَالْجَوَاب إِنَّا بَينا أَن فِي الْقِيَامَة مَوَاقِف؛ فَفِي موقف يسْأَلُون، وَفِي موقف لَا يسْأَلُون، وَيُقَال: لَا يسْأَلُون سُؤال استعلام، وَإِنَّمَا يسْأَلُون سُؤال تقريع وتوبيخ، وَيُقَال: لَا يسْأَلُون سُؤال من لَهُ عذر فِي الْجَواب، وَإِنَّمَا يسْأَلُون على معنى إِظْهَار قبائحهم ليفتضحوا على رُءُوس الْجمع.
وَعَن قَتَادَة قَالَ: الْكَافِر لَا يُحَاسب، بل يُؤمر بِهِ إِلَى النَّار من غير حِسَاب وَلَا سُؤال.
وَقَالَ بَعضهم: وَلَا يسْأَل عَن ذنوبهم المجرمون؛ لأَنهم يعْرفُونَ بِسِيمَاهُمْ، قَالَ الله تَعَالَى، ﴿يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخرج على قومه فِي زينته﴾ الزِّينَة بهجة الدُّنْيَا ونضارتها، وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: خرج قَارون وَقَومه فِي ثِيَاب حمر وصفر.
وَعَن مقَاتل قَالَ: خرج على بغلة شهباء، عَلَيْهَا سرج من ذهب، وللسرج مثبرة من أَرْجُو، وَمَعَهُ أَرْبَعَة آلَاف من الْخَيل عَلَيْهَا الفرسان، قد تزينوا بالأرجوانات، وَمَعَهُ ثلثمِائة جَارِيَة بيض على

﴿مثل مَا أُوتِيَ قَارون إِنَّه لذُو حَظّ عَظِيم (79) وَقَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم وَيْلكُمْ ثَوَاب الله خير لمن آمن وَعمل صَالحا وَلَا يلقاها إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ البغال الشهب، عَلَيْهِنَّ من الحلى.
وَعَن بَعضهم قَالَ: خرج مَعَ سبعين ألفا، عَلَيْهِم المعصفرات.
وَفِي بعض المسانيد عَن النَّبِي قَالَ: " أَرْبَعَة أَشْيَاء من خِصَال قوم قَارون: جو نعال السيوف، وَلبس الْخفاف المتلونة، وَالثيَاب الأرجوان، وَكَانَ أحدهم لَا ينظر إِلَى وَجه خادمه تكبرا " وَعَن عَطاء قَالَ: كَانَ مُوسَى يقص لبني إِسْرَائِيل ويعظهم، فَخرج قَارون وَمَعَهُ أَرْبَعَة آلَاف على البغال فِي الأرجوانات، وَمر على مُوسَى، فَالْتَفت بَنو إِسْرَائِيل إِلَيْهِ، وشغلوا عَن مُوسَى، فشق ذَلِك على مُوسَى، فَأرْسل إِلَيْهِ: لم فعلت ذَلِك؟ فَقَالَ: فضلت بِالنُّبُوَّةِ، وفضلت بِالْمَالِ، وَإِن شِئْت دَعَوْت ودعوت.
ثمَّ إِن مُوسَى دَعَا الله تَعَالَى على قَارون، فَجعل الأَرْض فِي طَاعَته.
وَقَوله: ﴿قَالَ الَّذين يُرِيدُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا يَا لَيْت لنا مثل مَا أُوتِيَ قَارون إِنَّه لذُو حَظّ عَظِيم﴾ أَي: نصيب عَظِيم من الدُّنْيَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين أُوتُوا الْعلم وَيْلكُمْ ثَوَاب الله خير﴾ أَي: ثَوَاب الله فِي الْآخِرَة ﴿خير لمن آمن وَعمل صَالحا وَلَا يلقاها﴾ أَي: وَلَا يُؤْتى الْعَمَل الصَّالح إِلَّا الصَّابِرُونَ، وَقيل: لَا يُؤْتى هَذِه الْكَلِمَة، والكلمة قَوْله: ﴿وَيْلكُمْ ثَوَاب الله خير لمن أَمن وَعمل صَالحا وَلَا يلقاها إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ . وَيُقَال: الصَّابِرُونَ هم الَّذين صَبَرُوا عَمَّا أُوتِيَ أَعدَاء الله من زِينَة، وَلم يتأسفوا عَلَيْهَا، وَلَا تمنوها.

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ وَفِي بعض التفاسير: أَن قَارون قَالَ لمُوسَى: سلمنَا لَك النُّبُوَّة، فَمَا بَال الحبورة ولهارون؟ وَإِذا كَانَ لَك النُّبُوَّة، ولهارون الحبورة فَمَالِي؟ فَقَالَ مُوسَى: إِنِّي لم أعْطه الحبورة، وَلَكِن الله تَعَالَى أعطَاهُ الحبورة، فَقَالَ: لَا أصدقك على ذَلِك حَتَّى تريني آيَة، فَأمر مُوسَى حَتَّى جمعُوا عصيهم، وَقَالَ: من اخضرت عَصَاهُ فالحبورة لَهُ، فاخضرت عَصا هَارُون، وَجعلت تهتز من بَين العصى، فَقَالَ قَارون: هَذَا من سحرك، وَلَيْسَ هَذَا بِأول سحر أتيت بِهِ، فَحِينَئِذٍ دَعَا الله مُوسَى على قَارون.
وروى أَنه لما وَاضع الْمَرْأَة الْبَغي حَتَّى ادَّعَت على مُوسَى أَنه زنا بهَا، أَو دَعَاهَا إِلَى الْفَاحِشَة، غضب مُوسَى ودعا الله تَعَالَى.
وَفِي بعض الْقَصَص: أَنه كَانَ مَعَ قَارون قوم كثير من بني لاوى، فجَاء مُوسَى إِلَيْهِم، وَقَالَ: إِن الله بَعَثَنِي إِلَى قَارون كَمَا بَعَثَنِي إِلَى فِرْعَوْن، فَمن أرادني فليعتزله، فاعتزل مِنْهُ جَمِيع قومه إِلَّا [رجلَيْنِ] بقيا مَعَه من بني أَعْمَامه، ثمَّ إِن مُوسَى خَاطب الأَرْض، وَقَالَ: خُذِيهِمْ، فَأخذت الأَرْض بأقدامهم، ثمَّ قَالَ: خُذِيهِمْ، فَأخذت إِلَى ركبهمْ، ثمَّ قَالَ: خُذِيهِمْ: فَأخذت إِلَى حقوهم، ثمَّ قَالَ: خُذِيهِمْ، فَأخذت إِلَى أَعْنَاقهم.
وَفِي التَّفْسِير: أَن قَارون فِي كل ذَلِك يستغيث بمُوسَى وينشده وَالرحم، وَيَقُول: ارْحَمْنِي، ثمَّ قَالَ: خُذِيهِمْ، فأطبقت الأَرْض عَلَيْهِم.
قَالَ قَتَادَة: فهم يذهبون فِي الأَرْض كل يَوْم قامة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وَعَن ابْن عَبَّاس أَن الله تَعَالَى قَالَ لمُوسَى: مَا أقسى قَلْبك؛ اسْتَغَاثَ بك عَبدِي، فَلم تغثه، وَلَو اسْتَغَاثَ بِي مرّة لأغثته.
وَفِي بعض الْآثَار: لَا أجعَل الأَرْض بعْدك طَوْعًا لأحد.
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس فِي تَفْسِيره: أَن الأَرْض لما أخذت قَارون إِلَى عُنُقه نزع مُوسَى نَعْلَيْه، وَضرب بهما وَجهه، وَقَالَ: اذْهَبُوا بني لاوى، وأطبقت بهم الأَرْض.

﴿فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَة ينصرونه من دون الله وَمَا كَانَ من المنتصرين (81) وَأصْبح الَّذين تمنوا مَكَانَهُ بالْأَمْس يَقُولُونَ ويكأن الله يبسط الرزق لمن يَشَاء من عباده وَيقدر لَوْلَا أَن﴾ وَذكر أَيْضا أَن يُونُس بن مَتى لقِيه فِي ظلمات الأَرْض حِين يطوف بِهِ الْحُوت، فَقَالَ لَهُ قَارون: يَا يُونُس، تب إِلَى الله تَجِد الله تَعَالَى فِي أول قدم ترجع إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ يُونُس: فَأَنت لم لَا تتوب؟ فَقَالَ: جعلت تَوْبَتِي إِلَى ابْن عمي.
وَقَوله: ﴿وَبِدَارِهِ الأَرْض﴾ روى أَن بني إِسْرَائِيل قَالُوا: إِنَّمَا أهلك مُوسَى قَارون ليَأْخُذ أَمْوَاله، وَكَانَت أَرَاضِي دوره من فضَّة، وأثاث الْحِيطَان من ذهب، فَأمر مُوسَى الأَرْض حَتَّى أحضرت دوره، ثمَّ أمرهَا حَتَّى خسفت بهَا، فَانْقَطع الْكَلَام.
وَقَوله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ من فِئَة﴾ أَي: من جمَاعَة ﴿ينصرونه﴾ أَي: يمنعونه ﴿من دون الله﴾ . وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ من المنتصرين﴾ أَي: من الممتنعين، وَمَعْنَاهُ: لم يكن يمْنَع نَفسه، وَلَا يمنعهُ أحد من عَذَاب الله.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأصْبح الَّذين تمنوا مَكَانَهُ بالْأَمْس﴾ يَعْنِي: أَن يَكُونُوا مَكَانَهُ، وَفِي مَنْزِلَته.
وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ ويكأن الله﴾ وَقَوله: ﴿ويكأن﴾ فِيهِ أَقْوَال: قَالَ الْفراء: ويكأن عِنْد الْعَرَب تَقْرِير، وَمَعْنَاهُ: ألم تَرَ أَنه؛ وَحكى الْفراء أَن أعرابية قَالَت لزَوجهَا: أَيْن ابْنك؟ فَقَالَ لَهَا: ويكأنه وَرَاء الْبَيْت، وَمَعْنَاهُ: أما ترينه وَرَاء الْبَيْت.
وَقَالَ بَعضهم ويكأنه: معنى " ويك " أَي: وَيلك، وحذفت اللَّام، وَقَوله: ﴿أَنه﴾ كلمة تندم، كَأَن الْقَوْم لما رَأَوْا تِلْكَ الْحَالة تندموا على مَا تمنوا، ثمَّ قَالُوا: كَانَ الله يبسط الرزق لمن يَشَاء أَي: أَن الله يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر أَي: يُوسع ويضيق.
وأنشدوا فِيمَا قُلْنَا من الْمعَانِي: (سالتان الطَّلَاق أَن رأتاني ... قل مَالِي قد جئتماني بنكر)

﴿من الله علينا لخسف بِنَا ويكأنه لَا يفلح الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين (83) من جَاءَ بِالْحَسَنَة﴾ (وى كَأَن من يكن لَهُ نشب يحبب ... وَمن يفْتَقر يعِيش عَيْش ضرّ) وأنشدوا أَيْضا قَول عنترة فِي أَن ويك بِمَعْنى وَيلك: (وَلَقَد شفى نَفسِي وَأَبْرَأ سقمها ... قَول الفوارس ويك عنتر أقدم) وَمن الْمَعْرُوف فِي التفاسير عَن الْعلمَاء الْمُتَقَدِّمين: ويكأن الله: ألم تَرَ أَن الله، وَحكى مثل هَذَا عَن أبي عُبَيْدَة.
وَقَوله: ﴿لَوْلَا أَن من الله علينا لخسف بِنَا﴾ أَي: لَوْلَا أَن أنعم الله علينا لخسف بِنَا مثل مَا خسف بقارون.
وَقَوله: ﴿ويكأنه لَا يفلح الْكَافِرُونَ﴾ قد بَينا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض﴾ أَي: استكبارا، وأصل التكبر هُوَ الشّرك بِاللَّه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم كَانُوا إِذا قيل لَهُم لَا إِلَه إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وَمن التكبر الاستطالة على النَّاس واستحقارهم، والتهاون بهم، وَيُقَال إِرَادَة الْعُلُوّ هُوَ ترك التَّوَاضُع.
وَقيل: ﴿لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: لَا يجزعون من ذلها، وَلَا ينافسون فِي عزها.
وَقَوله: ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ أَي: الْعَمَل بِالْمَعَاصِي، وَقَالَ عِكْرِمَة: هُوَ أَخذ مَال النَّاس بِغَيْر حق.
وَقَوله: ﴿وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ أَي: الْجنَّة لِلْمُتقين، وَقيل: الْعَاقِبَة الْحَسَنَة لِلْمُتقين، وروى زَاذَان عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه كَانَ يمشي ويدور فِي الْأَسْوَاق، يعين الضَّعِيف، وينصر الْمَظْلُوم، ويمر بالبقال والبياع فَيفتح عَلَيْهِ الْقُرْآن، وَيقْرَأ: ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض.
.﴾ الْآيَة.
وَعنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: من أعجبه شسع نَعله على شسع أَخِيه، فَهُوَ مِمَّن يُرِيد الْعُلُوّ فِي

﴿فَلهُ خير مِنْهَا وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى الَّذين عمِلُوا السَّيِّئَات إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ (84) إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد قل رَبِّي أعلم من جَاءَ بِالْهدى وَمن﴾ الأَرْض.

قَوْله تَعَالَى: ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يجزى الَّذين عمِلُوا السَّيِّئَات﴾ أَي: الْمعاصِي ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَعَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَالَ: مَا أحسن الْحَسَنَات عقيب السَّيِّئَات، وَمَا أقبح السَّيِّئَات عقيب الْحَسَنَات، وَأحسن الْحَسَنَات الْحَسَنَات عقيب الْحَسَنَات، وأقبح السَّيِّئَات السَّيِّئَات عقيب السَّيِّئَات) . وَمن الْمَعْرُوف عَن النَّبِي أَنه أوصى معَاذًا - رَضِي الله عَنهُ - فَقَالَ: " اتَّقِ الله حَيْثُمَا كنت، وأتبع السَّيئَة الْحَسَنَة تمحها، وخالق النَّاس بِخلق حسن ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن﴾ وَيُقَال: فرض عَلَيْك أَي: أوجب عَلَيْك الْعَمَل بِهِ.
وَقَوله: ﴿لرادك إِلَى معاد﴾ الْأَكْثَرُونَ على أَن المُرَاد مِنْهُ: إِلَى مَكَّة، وَقَالُوا: هَذِه الْآيَة نزلت على رَسُول الله وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ، والجحفة منزل من الْمنَازل بَين مَكَّة وَالْمَدينَة.
فالآية لَيست بمكية وَلَا مَدَنِيَّة، وَفِي بعض التفاسير: " أَن النَّبِي لما هَاجر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة سَار فِي غير الطَّرِيق خوفًا من الطّلب، ثمَّ إِنَّه لما أَمن عَاد إِلَى الطَّرِيق، فوصل إِلَى الْجحْفَة، وَرَأى الطَّرِيق الشَّارِع إِلَى مَكَّة فاشتاق إِلَيْهَا، فجَاء جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ: إِن رَبك يَقُول: وتشتاق إِلَى مَكَّة وتحن إِلَيْهَا؟ فال: نعم، إِنَّهَا أرضي ومولدي، فَقَالَ: إِن رَبك يَقُول: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْكُم الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد﴾ يَعْنِي: رادك إِلَى مَكَّة ظَاهرا على أَهلهَا ".

﴿هُوَ فِي ضلال مُبين (85) وَمَا كنت ترجو أَن يلقى إِلَيْك الْكتاب إِلَّا رَحْمَة من رَبك فَلَا تكونن ظهيرا للْكَافِرِينَ (86) وَلَا يصدنك عَن آيَات الله بعد إِذْ أنزلت إِلَيْك وادع إِلَى رَبك وَلَا تكونن من الْمُشْركين (87) وَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا إِلَه إِلَّا هُوَ كل شئ﴾ وَفِي الْآيَة قَول آخر، وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿لرادك إِلَى معاد﴾ أَي: إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَيُقَال: إِلَى الْجنَّة.
وروى عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - كَانَ يمدح جَابر بن عبد الله ويذكره بِالْخَيرِ، فَسئلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّه يحْشر معي.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذِي فرض عَلَيْك الْقُرْآن لرادك إِلَى معاد﴾ وَقَوله: ﴿قل رَبِّي أعلم من جَاءَ بِالْهدى﴾ يَعْنِي: يعلم من جَاءَ بِالْهدى، وَأَنا الَّذِي جِئْت بِالْهدى.
وَقَوله: ﴿وَمن هُوَ فِي ضلال مُبين﴾ أَي: وَيعلم من هُوَ فِي ضلال مُبين أَي: الْكفَّار.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كنت ترجو﴾ أَي: تَأمل ﴿أَن يلقى إِلَيْك الْكتاب﴾ أَي: يوحي إِلَيْك الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿إِلَّا رَحْمَة من رَبك﴾ هَذَا اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن رَبك رَحِمك فأعطاك الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿فَلَا تكونن ظهيرا﴾ أَي: معينا ﴿للْكَافِرِينَ﴾ .

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يصدنك عَن آيَات الله﴾ يَعْنِي: لَا يمنعك الْكفَّار عَن اتِّبَاع سَبِيل الله، وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: اشْدُد على الْكفَّار، وَاغْلُظْ عَلَيْهِم، وَلَا تتساهل حَتَّى يطمعوا فِي صدك عَن سَبِيل الله.
وَقَوله: ﴿بعد إِذْ أنزلت إِلَيْك﴾ أَي: بعد إِذْ أنزلت إِلَيْك الْآيَات المبينة للسبيل.
وَقَوله: ﴿وادع إِلَى رَبك﴾ أَي: إِلَى دين رَبك.
وَقَوله: ﴿وَلَا تكونن من الْمُشْركين﴾ أَي: اثْبتْ على التَّوْحِيد.

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ أَي: لَا إِلَه غَيره.

﴿هَالك إِلَّا وَجهه لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ ترجعون (88) ﴾ وَقَوله: ﴿كل شئ هَالك إِلَّا وَجهه﴾ قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: إِلَّا مَا أُرِيد بِهِ وَجهه وَرضَاهُ من الْعَمَل.
وَيُقَال: ﴿إِلَّا وَجهه﴾ أَي: إِلَّا هُوَ.
وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: كل مَا وصف الله بِهِ نَفسه فِي الْكتاب فتفسيره قِرَاءَته، لَا تَفْسِير لَهُ غَيره.
وَقد ذكر الله تَعَالَى (الْوَجْه فِي أحد عشر موضعا من الْقُرْآن، قد بَينا أَنه صفة من صِفَات الله، يُؤمن بِهِ على مَا ذكره الله تَعَالَى) . وأنشدوا فِي الْوَجْه بِمَعْنى التَّوَجُّه وَطلب رِضَاهُ قَول الشَّاعِر: (اسْتغْفر الله ذَنبا لست محصيه ... رب الْعباد إِلَيْهِ الْوَجْه وَالْعَمَل) أَي: التَّوَجُّه.
وَقَوله: ﴿وَله الحكم﴾ أَي: فصل الْقَضَاء.
وَحكمه أَن يبْعَث قوما إِلَى الْجنَّة، وقوما إِلَى النَّار، وَمن حكمه أَيْضا أَن يبيض وُجُوه قوم، ويسود وُجُوه قوم، ويثقل مَوَازِين قوم، ويخفف مَوَازِين قوم، وأمثال هَذَا، وَهَذَا فِي الْآخِرَة، وَأما فِي الدُّنْيَا فتنفيذ القضايا وَالْأَحْكَام على مَا علم وَأَرَادَ.
وَقَوله: ﴿وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ يَعْنِي: فِي الْآخِرَة.

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿الم (1) أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا وهم لَا يفتنون (2) وَلَقَد فتنا﴾ تَفْسِير سُورَة العنكبوت

وَهِي مَكِّيَّة فِي قَول عَطاء وَالْحسن، ومدنية فِي أحد قولى ابْن عَبَّاس، وَعنهُ فِي رِوَايَة أُخْرَى أَنَّهَا مَكِّيَّة، فبعضها نزل بِالْمَدِينَةِ وَبَعضهَا نزل بِمَكَّة، وَعَن الشّعبِيّ أَنَّهَا مَكِّيَّة إِلَّا عشر آيَات من أَولهَا مَدَنِيَّة.
وَعَن عَليّ أَنه قَالَ: نزلت بَين مَكَّة وَالْمَدينَة.
وَهَذِه رِوَايَة غَرِيبَة.

قَوْله تَعَالَى: ﴿الم﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ.

وَقَوله: ﴿أَحسب النَّاس﴾ الحسبان وَالظَّن قريبان، وَهُوَ تَغْلِيب أحد النقيضين على الآخر، وَالشَّكّ وقف بَين نقيضين، وَالْعلم قطع بِوُجُود أَحدهمَا.
وَقَوله: ﴿أَن يتْركُوا أَن يَقُولُوا آمنا﴾ مَعْنَاهُ: أظنوا أَن يقنع مِنْهُم بِأَن يَقُولُوا آمنا، وَقَوله: ﴿وهم لَا يفتنون﴾ أَي: لَا يبتلون.
قَالَ مُجَاهِد: لَا يبتلون فِي أَمْوَالهم وأنفسهم.
وَيُقَال مَعْنَاهُ: لَا يؤمرون وَلَا ينهون، وابتلاء الله عباده بِالْأَمر وَالنَّهْي.
وَقَالَ بَعضهم: إِن الله تَعَالَى أَمر النَّاس أَولا بِمُجَرَّد الْإِيمَان، ثمَّ إِنَّه فرض عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَسَائِر الشَّرَائِع فشق عَلَيْهِم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَعَن الشّعبِيّ وَغَيره أَنه قَالَ: لما هَاجر أَصْحَاب رَسُول الله بَقِي قوم بِمَكَّة مِمَّن آمنُوا وَلم يهاجروا؛ فَكتب (إِلَيْهِم) من هَاجر أَن الله الله تَعَالَى لَا يقبل أَيْمَانكُم حَتَّى تهاجروا، فَهَاجرُوا، فَتَبِعهُمْ قوم من الْمُشْركين وآذوهم، (فَقتل من) قتل، وتخلص، من تخلص فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَعَن بَعضهم: أَن الْآيَة نزلت فِي عَيَّاش بن أبي ربيعَة، وَكَانَ قد هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، فجَاء أَخَوَاهُ لأمه أَبُو جهل والْحَارث ابْنا هِشَام، وَقَالا لَهُ: إِن أمنا قد عَاهَدت إِن لم ترجع لَا تَأْكُل وَلَا تشرب، وَلَا يَأْوِيهَا سقف بَيت؛ وَإِن مُحَمَّدًا يَأْمر بِالْبرِّ، فَارْجِع مَعنا فَرجع مَعَهُمَا، فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق غدراه وأوثقاه وحملاه إِلَى

﴿الَّذين من قبلهم فليعلمن الله الَّذين صدقُوا وليعلمن الْكَاذِبين (3) أم حسب الَّذين﴾ مَكَّة، وَجلده كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة سَوط، ثمَّ لما وصل إِلَى أمه جعلت تضربه بالسياط حَتَّى رَجَعَ عَن دينه، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وَقد حسن إِسْلَامه بعد ذَلِك.
وَمن الْمَشْهُور الثَّابِت: " أَن النَّبِي كَانَ يَدْعُو فِي الْقُنُوت فَيَقُول: " اللَّهُمَّ، انج سَلمَة بن هِشَام وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة والوليد بن الْوَلِيد وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة، وَاشْدُدْ وطأتك على مُضر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِين كسنين يُوسُف.
فَدَعَا (هَكَذَا) شهرا ثمَّ ترك، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: أَلا تراهم قد قدمُوا ".

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد فتنا الَّذين من قبلهم﴾ أَي: ابتلينا الَّذين من قبلهم، يَعْنِي الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ، وَيُقَال: ابتلينا بني إِسْرَائِيل بفرعون، وَكَذَلِكَ ابتلينا كل نَبِي بعدو لَهُ.
وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ: حِين شكا إِلَيْهِ أَصْحَابه مَا يلقون من الْكفَّار: " إِنَّكُم تعجلون، وَقد كَانَ فِيمَن قبلكُمْ ينشر بالمناشير فَمَا يصرفهُ ذَلِك عَن دينه، وليتمن الله أمره ". وَقَوله: ﴿ [فليعلمن] الله الَّذين صدقُوا﴾ يَعْنِي: نبتليهم ابتلاء من يستعلم حَالهم، وَيُقَال: وليعلمن الله الَّذين صدقُوا أَي: علم الشَّيْء وَاقعا، وَهُوَ الَّذِي يجازي عَلَيْهِ، وَقيل: فليعلمن الله الَّذين صدقُوا أَي: فليظهرن الله الصَّادِقين من الْكَاذِبين.
وَقَوله: ﴿ [وليعلمن] الْكَاذِبين﴾ قد ذكرنَا.

قَوْله تَعَالَى: ﴿أم حسب الَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات﴾ والسيئة: كل خصْلَة تسوء عَاقبَتهَا، والحسنة: كل خصْلَة تسر عَاقبَتهَا.

﴿يعْملُونَ السَّيِّئَات أَن يسبقونا سَاءَ مَا يحكمون (4) من كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِن أجل الله لآت وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (5) وَمن جَاهد فَإِنَّمَا يُجَاهد لنَفسِهِ إِن الله لَغَنِيّ عَن الْعَالمين (6) وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنكفرن عَنْهُم سيئاتهم ولنجزينهم﴾ وَقَوله: ﴿أَن يسبقونا﴾ أَن يفوتونا، وَمن سبق شَيْئا فقد فَاتَهُ، وَقَوله: ﴿سَاءَ مَا يحكمون﴾ أَي: بئس الحكم حكمهم) .

فصول الكتاب · 114 فصل · 555 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير السمعاني · 555 صفحة
الْفَاتِحَة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمانالسجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملك
القلم
الحاقة
المعارجنوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلاتالنبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلق
الناس
جارٍ التحميل