السجدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- السمعاني، أبو المظفر
- الكتاب
- تفسير القرآن
- المؤلف
- أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
- المحقق
- ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
- الناشر
- دار الوطن، الرياض - السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1418هـ- 1997م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد﴾ قد بَينا أَن الله تَعَالَى لما أَمر رَسُوله أَن يُخَيّر أَزوَاجه فاخترن الله وَرَسُوله وَالدَّار الْآخِرَة؛ شكر لَهُنَّ اختيارهن وَحرم عَلَيْهِ مَا سواهن من النِّسَاء، وَنَهَاهُ عَن الِاسْتِبْدَال بِهن، ثمَّ اخْتلف القَوْل أَنه هَل أحل لَهُ النِّسَاء من بعد أَولا؟ فَعَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت: " مَا توفّي رَسُول الله حَتَّى أحل لَهُ النِّسَاء ".
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْحُرْمَة بقيت إِلَى أَن توفّي النَّبِي.
وَقَوله: ﴿وَلَو أعْجبك حسنهنَّ﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَفِي الْآيَة قَول آخر.
وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء من بعد وَلَا أَن تبدل بِهن من أَزوَاج﴾ أَي: لَيْسَ لَك أَن تخْتَار غير المسلمات على المسلمات، وَمَعْنَاهُ: أَنه لَا يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج يَهُودِيَّة وَلَا نَصْرَانِيَّة.
وَفِي بعض التفاسير: أَن الَّتِي أَعْجَبته هِيَ أَسمَاء بنت عُمَيْس الخثعمية، وَكَانَت عِنْد جَعْفَر بن أبي طَالب، فَلَمَّا اسْتشْهد عَنْهَا أَرَادَ النَّبِي أَن يخطبها، فَنهى عَن ذَلِك.
وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا ملكت يَمِينك﴾ يَعْنِي: سوى مَا ملكت يَمِينك، وَقَوله ﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء وقيبا﴾ أَي: حفيظا.
﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء رقيبا (52) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إِلَّا أَن يُؤذن لكم إِلَى طَعَام غير ناظرين إناه وَلَكِن إِذا دعيتم فادخلوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشرُوا وَلَا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: مَا روى أَن الصَّحَابَة كَانُوا يدْخلُونَ بيُوت النَّبِي بِغَيْر إِذن، وينتظرون إِدْرَاك الطَّعَام، فَإِذا فرغوا من الطَّعَام جَلَسُوا يتحدثون وأطالوا الْجُلُوس، وَكَانَ النَّبِي يتَأَذَّى بهم ويستحي مِنْهُم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، وعلمهم هَذَا الْأَدَب بَينهم وَبَين النَّبِي.
وَقد ثَبت بِرِوَايَة أنس " أَن النَّبِي أَو لم على زَيْنَب بنت جحش ودعا أَصْحَابه، فَلَمَّا فرغوا وَخَرجُوا، جلس رجلَانِ يتحدثان، وَأحب النَّبِي أَن يخرجَا فيخلوا بأَهْله فَلم يخرجَا ". وَفِي رِوَايَة: أَنه خرج مَرَّات ليتبعاه فَلم يخرجَا أَيْضا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَمن الْمَعْرُوف أَيْضا أَن نسَاء النَّبِي لم يكن يحتجبن عَن الرِّجَال على عَادَة الْعَرَب، وَكَانَ عمر يَقُول: يَا رَسُول الله، احجب نِسَاءَك؛ فَإِنَّهُ يدْخل عَلَيْك الْبر والفاجر؛ وَكَانَ النِّسَاء يتزرن بِاللَّيْلِ، ويخرجن إِلَى المناصع لحاجتهن، فَخرجت سَوْدَة لَيْلَة وَكَانَت امْرَأَة طَوِيلَة، فَقَالَ عمر: قد عرفناك يَا سَوْدَة، وَرفع صَوته حرصا على أَن ينزل الْحجاب، فَأنْزل الله تَعَالَى آيَة الْحجاب ". وَمن الْمَعْرُوف أَيْضا " أَن النَّبِي كَانَ يَأْكُل مَعَ عَائِشَة حَيْسًا، فَمر عمر فَدَعَاهُ فَجعل يَأْكُل مَعَهُمَا، فَوَقع أُصْبُعه على أصْبع عَائِشَة، فَقَالَ عمر: حس لَو أطَاع فيكُن [مَا رَأَتْكُنَّ] عين، فأنزلت آيَة الْحجاب ".
﴿مستئنسين لحَدِيث إِن ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِي فيستحي مِنْكُم وَالله لَا يستحي من الْحق وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب ذَلِكُم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وَمَا كَانَ﴾
وَقَوله: ﴿غير ناظرين إناه﴾ أَي: إِدْرَاكه ونضجه، قَالَ الشَّاعِر:
(تمخضت الْمنون لَهُ بِيَوْم ... أَنى وَلكُل حاملة تَمام)
وَقَوله: ﴿وَلَكِن إِذا دعيتم فادخلوا﴾
وَقَوله: ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشرُوا﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره: نزلت الْآيَة فِي الثُّقَلَاء.
وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: من عرف أَنه ثقيل فَلَيْسَ بثقيل.
وَقَوله: ﴿وَلَا مستأنسين لحَدِيث﴾ أَي: لَا يقعدوا فِي بَيت النَّبِي بعد الْفَرَاغ من الطَّعَام يتحدثون مستأنسين بِالْحَدِيثِ.
وَقَوله: ﴿إِن ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِي فيستحي مِنْكُم﴾ أَي: يستحي من إخراجكم.
وَقَوله: ﴿وَالله لَا يستحي من الْحق﴾ أَي: لَا يتْرك بَيَان الْحق [وَذكره] حَيَاء.
وَقَوله: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا﴾ أَي: حَاجَة.
وَقَوله: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ من وَرَاء حجاب﴾ أَي: من وَرَاء ستر.
وَفِي التَّفْسِير: أَنه لم يكن يحل بعد آيَة الْحجاب لأحد أَن ينظر إِلَى امْرَأَة من نسَاء النَّبِي، منتقبة كَانَت أَو غير منتقبة؛ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿من وَرَاء حجاب﴾ وروى أَن عَائِشَة كَانَت إِذا طافت ستروا وَرَاءَهَا.
وَقَوله: ﴿ذَلِكُم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ أَي: أطهر من الريب.
وَقَوله: ﴿وَمَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لما نزلت آيَة الْحجاب وَمنع الرِّجَال من الدُّخُول فِي بيُوت النَّبِي، قَالَ رجل من الصَّحَابَة: مَا بالنا نمْنَع من الدُّخُول على بَنَات أعمامنا، وَالله لَئِن حدث أَمر لأَتَزَوَّجَن عَائِشَة، وَالْأَكْثَرُونَ على أَن الْقَائِل لهَذَا طَلْحَة بن عبيد الله، وَكَانَ من رَهْط أبي بكر الصّديق.
﴿لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا أَن ذَلِكُم كَانَ عِنْد الله عَظِيما (53) إِن تبدوا شَيْئا أَو تُخْفُوهُ فَإِن الله كَانَ بِكُل شَيْء عليما (54) لَا جنَاح﴾ وَكَانَ ذَلِك القَوْل زلَّة مِنْهُ؛ فَأنْزل الله تَعَالَى [قَوْله هَذَا] : ﴿وَمَا كَانَ لكم أَن تُؤْذُوا رَسُول الله﴾ . وَقَوله: ﴿وَلَا أَن تنْكِحُوا أَزوَاجه من بعده أبدا إِن ذَلِكُم كَانَ عِنْد الله عَظِيما﴾ أَي: ذَنبا عَظِيما.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تبدوا شَيْئا أَو تُخْفُوهُ﴾ وَالَّذِي أبدى وأظهرهو قَول ذَلِك الْقَائِل: مَا بالنا نمْنَع من الدُّخُول على بَنَات أعمامنا.
وَقَوله: ﴿أَو تُخْفُوهُ﴾ وَالَّذِي أُخْفِي هُوَ إضماره نِكَاح عَائِشَة بعد النَّبِي، وروى أَنه لم يقل هَذَا، وَلكنه أضمر.
وَقَوله: ﴿فَإِن الله كَانَ بِكُل شَيْء عليما﴾ أَي: عَالما.
فِي تَفْسِير النقاش: أَن النَّبِي خطب بعد نزُول هَذِه الْآيَة، وَقَالَ: " أَيهَا النَّاس، إِن الله فضلني على سَائِر الرِّجَال، وَفضل نسَائِي على سَائِر النِّسَاء، وَإِن الله حرمهن عَلَيْكُم وجعلهن كأمهاتكم، فَلَا تَعْتَدوا حُدُوده فسيحتكم بِعَذَاب أَلِيم، أَلا وَإِن صفوتي من نسَائِي عَائِشَة بنت أبي بكر إِلَّا مَا كَانَ من خَدِيجَة بنت خويلد، وَإِن فَاطِمَة سيدة نسَاء الْعَالمين إِلَّا مَا كَانَ من مَرْيَم بنت عمرَان، وَالْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله عَنْهُمَا سيدا شباب أهل الْجنَّة، وَإِن أَبَا بكر وَعمر سيدا كهول أهل الْجنَّة مَا خلا النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جنَاح عَلَيْهِنَّ فِي آبائهن﴾ الْآيَة.
روى أَن الْآيَة الأولى لما نزلت قَامَ الْآبَاء وَالْأَبْنَاء، فَقَالُوا: مَا حَالنَا يَا رَسُول الله أندخل عَلَيْهِنَّ أم لَا؟ فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿لَا جنَاح عَلَيْهِنَّ﴾ أَي: لَا إِثْم عَلَيْهِنَّ ﴿فِي آبائهن وَلَا أبنائهن، وَلَا إخوانهن وَلَا أَبنَاء إخوانهن وَلَا أَبنَاء أخواتهن﴾ فَإِن قيل: لم يذكر الْأَعْمَام، وبالإجماع يجوز للأعمام أَن يدخلُوا عَلَيْهِنَّ، إِنَّه قد قَالَ: ﴿فِي آبائهن﴾ وَقد دخل الْأَعْمَام فِي جملَة
﴿عَلَيْهِنَّ فِي آبائهن وَلَا أبنائهن وَلَا إخوانهن وَلَا أَبنَاء إخوانهن وَلَا أَبنَاء أخواتهن وَلَا نسائهن وَلَا مَا ملكت أيمانهن واتقين الله إِن الله كَانَ على كل شَيْء شَهِيدا (55) إِن﴾ الْآبَاء وَقد سمى الله تَعَالَى الْعم أَبَا فِي الْقُرْآن، قَالَ الله تَعَالَى حاكيا عَن الأسباط أَنهم قَالُوا ليعقوب: ﴿نعْبد إلهك وإله آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق﴾ وَقد كَانَ إِسْمَاعِيل عَم يَعْقُوب.
وَقَوله: ﴿وَلَا نسائهن﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد من نسائهن المسلمات، فعلى هَذَا القَوْل لم يكن يجوز لليهوديات والنصرانيات الدُّخُول عَلَيْهِنَّ.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن قَوْله: ﴿وَلَا نسائهن﴾ عَام فِي المسلمات وَغير المسلمات، فعلى هَذَا القَوْل إِنَّمَا قَالَ: ﴿وَلَا نسائهن﴾ لِأَنَّهُنَّ من أجناسهن، وعَلى القَوْل الأول قَالَ: ﴿وَلَا نساءهن﴾ لِأَن نسائهن المسلمات دون غير المسلمات.
وَقَوله: ﴿وَلَا مَا ملكت أيمانهن﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَا ملكت أيمانهن هن الْإِمَاء، قَالَ سعيد بن الْمسيب: لَا يَغُرنكُمْ قَوْله: ﴿وَلَا مَا ملكت أيمانهن﴾ فَإِنَّمَا المُرَاد مِنْهُ الْإِمَاء دون العبيد.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد مِنْهُ العبيد وَالْإِمَاء.
وَاخْتلف القَوْل أَن العبيد إِلَى مَاذَا يحل لَهُم النّظر على هَذَا القَوْل؟ فأحد الْقَوْلَيْنِ: أَنه يحل لَهُم النّظر إِلَى مَا يحل للمحارم.
وَالْقَوْل الآخر: أَنه يحل [النّظر] إِلَى مَا يَبْدُو فِي الْعَادة من الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ والقدمين، وَلَا يحل النّظر إِلَى مَا سوى ذَلِك، هَذَا هُوَ الْأَحْوَط.
وَقَوله: ﴿واتقين الله﴾ هَذَا خطاب لِأَزْوَاج النَّبِي حَتَّى لَا يبرزن وَلَا يكشفن السّتْر عَن أَنْفسهنَّ.
وَقَوله: ﴿إِن الله كَانَ على كل شَيْء شَهِيدا﴾ أَي: شَاهدا.
﴿الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا (56) إِن﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾ الصَّلَاة من الله بِمَعْنى الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة، وَالْمَلَائِكَة وَالْمُؤمنِينَ بِمَعْنى الدُّعَاء.
قَالَ ثَعْلَب: قَول الْقَائِل: اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد أى: زده بركَة وَرَحْمَة، وأصل الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء، وَقد بَينا من قبل.
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: ((صلى على مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا)) .
وَفِي بعض الْأَخْبَار: ((أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لما نزل بِهَذَا سجد الرَّسُول الله شكرا)) .
وَقد ثَبت بِرِوَايَة كَعْب بن عجْرَة أَنه قَالَ: يارسول الله، قد عرفنَا السَّلَام عَلَيْك، فَكيف نصلي عَلَيْك؟ فَقَالَ: ((قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على إِبْرَاهِيم وعَلى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد)) .
وَعَن عبد الله بن مَسْعُود - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: إِذا صليتم على رَسُول الله فَأحْسنُوا الصَّلَاة عَلَيْهِ؛ فلعلها تعرض عَلَيْهِ؛ قَالُوا لَهُ: فَعلمنَا.
قَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك وَنَبِيك، سيد الْمُرْسلين، وَإِمَام الْمُتَّقِينَ، وَخَاتم النَّبِيين، إِمَام الْخَيْر، وقائد الْخَيْر، وَرَسُول الرَّحْمَة، اللَّهُمَّ ابعثه الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي يغبطه بِهِ الْأَولونَ
﴿الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ وَالْآخرُونَ.
وروى الْأَصْمَعِي قَالَ: سَمِعت الْمهْدي وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر المنصوري على مِنْبَر الْبَصْرَة يَقُول: إِن الله تَعَالَى أَمركُم بِأَمْر بَدَأَ فِيهِ بِنَفسِهِ، وثنى بملائكته، فَقَالَ: ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ .
وَأما السَّلَام على الرَّسُول فَهُوَ أَن تَقول: السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، هَذَا فِي حق أَصْحَاب رَسُول الله، وَكَانَت السّنة لَهُم أَن يواجهوا الرَّسُول على هَذَا الْوَجْه، فَأَما فِي حق سَائِر الْمُؤمنِينَ فَفِي التَّشَهُّد يَقُول على مَا هُوَ الْمَعْرُوف.
وَقد ذكر بعض الْعلمَاء أَنه يَقُول فِي التَّشَهُّد: السَّلَام على النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَلَا يَقُول: عَلَيْك.
وَالصَّحِيح مَا بَينا، وَإِنَّمَا خَارج الْمصلى، فَإِنَّهُ يَقُول: السَّلَام على النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
ويستدل بِهَذِهِ الْآيَة فِي وجوب الصَّلَاة على النَّبِي إِذا صلى، على مَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله وَوجه الِاسْتِدْلَال: أَن الله تَعَالَى أمرنَا بِالصَّلَاةِ على النَّبِي، وَأولى مَوضِع بِوُجُوب الصَّلَاة فِيهِ هُوَ الصَّلَاة.
فَوَجَبَ فِي الصَّلَاة، أَن يُصَلِّي على رَسُول الله.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾ قد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: يَشْتمنِي عَبدِي، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يَشْتمنِي، ويكذبني عَبدِي، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يكذبنِي.
أما شَتمه إيَّايَ هُوَ أَن يزْعم أَنِّي اتَّخذت ولدا.
وَأما تَكْذِيبه إيَّايَ هُوَ أَنه يزْعم أَنِّي لن أُعِيد خلقي، وَأَنا المبدئ المعيد ".
﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مُبينًا (58) يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾
وَقَالَ بَعضهم: ﴿إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله﴾ أَي: أَوْلِيَاء الله.
وَأَصَح الْقَوْلَيْنِ أَن قَوْله: ﴿يُؤْذونَ الله﴾ على طَرِيق الْمجَاز، وَأما على الْحَقِيقَة فَلَا يلْحقهُ أَذَى من قبل أحد.
وَقَوله: ﴿لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ أَي: طردهم وأبعدهم من رَحمته.
وَقَوله: ﴿وَأعد لَهُم عذَابا مهينا﴾ أَي: يهينهم ويخزيهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْر مَا اكتسبوا﴾ أَي: يقعون فيهم، ويعيبونهم بِغَيْر جرم وجد من قبلهم.
وَذكر [هُنَا] مقَاتل أَن الْآيَة نزلت فِي قوم كَانُوا يُؤْذونَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ وَذكر الْكَلْبِيّ أَن الْآيَة نزلت فِي قوم من الْمُنَافِقين كَانُوا يَمْشُونَ فِي الطَّرِيق ويغمزون النِّسَاء.
وَقَوله: ﴿فقد احتملوا بهتانا وإثما مُبينًا﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك وبناتك وَنسَاء الْمُؤمنِينَ يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ ذكر الْمُفَسِّرُونَ أَن الْمَدِينَة كَانَت ضيقَة الْمنَازل، وَكَانَ النِّسَاء يخْرجن إِلَى الْبَوَار بالليالي لقَضَاء الْحَاجَات، وَكَانَ قوم من الْمُنَافِقين والفاسقين يرصدونهن ويتعرضون لَهُنَّ، فَمن كَانَت عفيفة مِنْهُنَّ صاحت وتركوها، وَمن كَانَت غير عفيفة أعطوها شَيْئا وواقعوها.
وَفِي رِوَايَة: أَنهم كَانُوا يتعرضون للإماء، وَلَا يتعرضون للحرائر، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿يدنين عَلَيْهِنَّ من جلابيبهن﴾ أَي: يشتملن بالجلابيب، والجلباب
﴿ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (59) لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض والمرجفون فِي الْمَدِينَة لنغرينك بهم ثمَّ لَا يجاورونك فِيهَا إِلَّا﴾ هُوَ الرِّدَاء، وَهُوَ الملاءة الَّتِي تشْتَمل بهَا الْمَرْأَة فَوق الدرْع والخمار.
قَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي: تتغطى الْمَرْأَة بجلبابها فتستر رَأسهَا ووجهها وَجَمِيع بدنهَا إِلَّا إِحْدَى عينيها.
وروى أَن الله تَعَالَى لما أنزل هَذِه الْآيَة اتخذ نسَاء الْأَنْصَار أكيسة سَوْدَاء واشتملن بهَا فخرجن كَأَن رءوسهن الْغرْبَان.
وَقَوله: ﴿ذَلِك أدنى أَن يعرفن فَلَا يؤذين﴾ أَي: يعرفن أَنَّهُنَّ حرائر ﴿فَلَا يؤذين﴾ أَي: لَا يتَعَرَّض لَهُنَّ.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ قد بَينا من قبل.
وَكَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ إِذا رأى أمة قد تقنعت وتجلببت علاها بِالدرةِ، وَيَقُول: أتتشبهين بالحرائر.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ أَي: شَهْوَة الزِّنَا.
وَقَوله: ﴿والمرجفون فِي الْمَدِينَة﴾ قد كَانَ قوم من الْمُنَافِقين يكثرون الأراجيف، وَكَانَ إِذا خرجت سَرِيَّة أَو غَازِيَة، قَالُوا: قد هزموا وَقتلُوا، ويوقعون بَين الْمُسلمين أَمْثَال هَذِه الْأَشْيَاء؛ لتضعف قُلُوبهم ويحزنوا.
وَقَوله: ﴿لنغرينك بهم﴾ أَي: نسلطنك عَلَيْهِم، ونحملنك على قَتلهمْ.
وَفِي بعض التفاسير: أَن قوما منن الْمُنَافِقين هموا بِإِظْهَار الْكفْر، فَأمر الله تَعَالَى رَسُوله أَن يقتلهُمْ إِذا أظهرُوا.
وَقَالَ السّديّ: من تتبع امْرَأَة فِي طَرِيق وكابرها قتل مُحصنا كَانَ أَو غير مُحصن لهَذِهِ الْآيَة.
(قَلِيلا (60) ملعونين أَيْنَمَا ثقفوا أخذُوا وَقتلُوا تقتيلا (61) سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا (62) يَسْأَلك النَّاس عَن السَّاعَة قل إِنَّمَا علمهَا عِنْد الله وَمَا يدْريك لَعَلَّ السَّاعَة تكون قَرِيبا (63) إِن الله لعن الْكَافرين وَأعد لَهُم سعيرا)
وَقَوله: ﴿ثمَّ لَا يجاورونك فِيهَا﴾ أَي: فِي الْمَدِينَة.
وَقَوله: ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ أَي: إِلَّا وقتا قَلِيلا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ملعونين﴾ وَهُوَ نصب على الْحَال.
وَقَوله: ﴿أَيْنَمَا ثقففوا﴾ مَعْنَاهُ: أَيْنَمَا صدفوا ووجدوا.
وَقَوله: ﴿أخذُوا وَقتلُوا تقتيلا﴾ فَقَوله: قتلوا تقتيلا، قَالَ السّديّ: (مَا قَالَ)
قَوْله تَعَالَى: ﴿سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل﴾ وفعلوا مثل هَذَا الْفِعْل.
وَقَوله: ﴿وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ أَي: تغييرا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلك النَّاس عَن السَّاعَة﴾ أَي: مَتى قِيَامهَا.
وَقَوله: ﴿قل إِنَّمَا علمهَا عِنْد الله﴾ أَي: علم قِيَامهَا عِنْد الله.
وَقَوله: ﴿وَمَا يدْريك﴾ أَي: وَمَا يعلمك؟ أَي: لَا تعلم وَقت قِيَامهَا.
وَقَوله: ﴿لَعَلَّ السَّاعَة تكون قَرِيبا﴾ أَي: قريبَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لعن الْكَافرين﴾ أَي: أبعدهم عَن الرَّحْمَة، وطردهم من الْخيرَات.
وَقَوله: ﴿وَأعد لَهُم سعيرا﴾ أَي: نَارا مسعرة.
وَقَوله: ﴿خَالِدين فِيهَا أبدا﴾ قد بَينا.
قَوْله تَعَالَى: { [لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا]
يَوْم تقلب وُجُوههم فِي النَّار) أَي:
( ﴿64) خَالِدين فِيهَا أبدا لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْم تقلب وُجُوههم فِي النَّار يَقُولُونَ يَا ليتنا أَطعْنَا الله وأطعنا الرسولا (66) وَقَالُوا رَبنَا إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا فأضلوا السبيلا (67) رَبنَا آتهم ضعفين من الْعَذَاب والعنهم لعنا كَبِيرا (68) يَا أَيهَا﴾ يسْحَبُونَ على وُجُوههم فِي النَّار.
وَقَوله: ﴿يَقُولُونَ يَا ليتنا أَطعْنَا الله وأطعنا الرسولا﴾ أَي: الرَّسُول، وَذكر الرسولا على مُوَافقَة رُءُوس الْآي على مَا بَينا من قبل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا رَبنَا إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا﴾ وَقُرِئَ: " سَادَاتنَا "، وَقَوله: ﴿وكبراءنا﴾ هم الْأَشْرَاف ورءوس النَّاس.
قَوْله: ﴿فأضلونا السبيلا﴾ أَي: السَّبِيل، وَمَعْنَاهُ: صدونا عَن طَرِيق الْحق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا آتهم ضعفين من الْعَذَاب﴾ أَي: عذبهم ضعْفي عَذَاب غَيرهم.
وَقيل: عذبهم عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَالْأول أولى.
وَقَوله: ﴿والعنهم لعنا كَبِيرا﴾ أَي: مرّة بعد مرّة، وَقُرِئَ: " كثيرا " بالثاء، وَالْمعْنَى وَاحِد.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى﴾ مَعْنَاهُ: لَا تُؤْذُوا مُحَمَّدًا فتكونوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى، وَفِيمَا أوذي بِهِ الرَّسُول قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم آذوه فِي أَمر زيد بن حَارِثَة ونكاحه زَيْنَب.
وَالثَّانِي: مَا روى أَنه قسم غنيمَة فَقَامَ رجل وَقَالَ: اعْدِلْ، فَإنَّك لم تعدل، فَقَالَ النَّبِي: " رحم الله مُوسَى؛ لقد أوذي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر ".
وَأما الَّذِي أوذي بِهِ مُوسَى فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا وَعَلِيهِ أَكثر أهل التَّفْسِير مَا روى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي قَالَ: " كَانَ مُوسَى رجلا حييا، وَكَانَ لَا يغْتَسل إِلَّا وَحده، وَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل يغتسلون عُرَاة ينظر بَعضهم إِلَى (عَورَة ﴿الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى فبرأه الله مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْد الله وجيها (69) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أَعمالكُم﴾ الْبَعْض) ، فَقَالُوا: إِن مُوسَى لَا يغْتَسل إِلَّا وَحده؛ لِأَن بِهِ آفَة، وَقَالُوا: إِنَّه آدر، فاغتسل مُوسَى مرّة وَوضع ثَوْبه على حجر، فَعدا الْحجر بِثَوْبِهِ، فَأخذ مُوسَى الْعَصَا وَجعل يَقُول: ثوبي يَا حجر، ثوبي يَا حجر، حَتَّى مر على مَلأ من بني إِسْرَائِيل فنظروا إِلَيْهِ وَلم يرَوا بِهِ بَأْسا، وَقَامَ الْحجر فَطَفِقَ يضْربهُ بالعصا ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: قَالَ رَسُول الله: " وَكَأَنِّي بِالْحجرِ ندبا من أثر ضربه أَرْبعا أَو خمْسا ". وَالْخَبَر فِي الصَّحِيحَيْنِ ".
وَفِي الْخَبَر: " أَن الله تَعَالَى أنزل فِي هَذَا قَوْله [تَعَالَى] : ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين آذوا مُوسَى﴾ الْآيَة.
وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَن الْحجر قَالَ لَهُ: يَا مُوسَى، لم تضربني، إِنَّمَا أَنا عبد مَأْمُور.
وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: مَا روى عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: صعد هَارُون ومُوسَى الْجَبَل، فَمَاتَ هَارُون وَنزل مُوسَى وَحده، فَقَالَت لَهُ بَنو إِسْرَائِيل: أَنْت قتلت هَارُون، وَقد كَانَ أَلين جانبا مِنْك وَأحب إِلَيْنَا، فَبعث الله الْمَلَائِكَة حَتَّى حملُوا هَارُون مَيتا إِلَيْهِم، وَتَكَلَّمُوا بِمَوْتِهِ حَتَّى سمعُوا بني إِسْرَائِيل ذَلِك، ثمَّ إِن الْمَلَائِكَة حملُوا هَارُون ودفنوه فَلم يعرف أحد مَوضِع قَبره إِلَّا الرخم، فَجعله الله تَعَالَى أَصمّ أبكم.
وَقَوله: ﴿فبرأه الله مِمَّا قَالُوا﴾ أَي: طهره الله مِمَّا قَالُوا.
وَقَوله: ﴿وَكَانَ عِنْد الله وجيها﴾ أَي: بتكليمه إِيَّاه، والوجيه فِي اللُّغَة هُوَ ذُو الجاه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا﴾ أَي: صَوَابا،
﴿وَيغْفر لكم ذنوبكم وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما (71) إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة﴾ وَيُقَال: صدقا.
وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله.
وَقَالَ بَعضهم: سديدا، أَي: مُسْتَقِيمًا، يُقَال: سدد أَي: اسْتَقِم، قَالَ زُهَيْر:
(فَقلت لَهُ سدد وَأبْصر طَرِيقه ... وَمَا هُوَ فِيهِ عَن وصاتي شاغله)
أَي: عَن وصيتي، وَقَالَ بَعضهم: قولا سديدا أَي: قولا يُوَافق بَاطِنه ظَاهره.